Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:253–254, continued
فَإنْ قِيلَ: المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟ وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ كَلامٌ كُلِّيٌّ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ تِلْكَ الجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ إعادَةٌ لِذَلِكَ الكُلِّيِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ إعادَةَ الكَلامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ في تَفْصِيلِ جُزْئِيّاتِهِ يَكُونُ مُسْتَدْرَكًا.
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ تَفْضِيلِ البَعْضِ عَلى البَعْضِ، فَأمّا أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ حَصَلَ بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ أوْ بِدَرَجاتٍ قَلِيلَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ فَلَمْ يَكُنْ تَكْرِيرًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ هَذا النَّوْعِ مِنَ الكَلامِ إلى المُغايَبَةِ فَقالَ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ ثُمَّ عَدَلَ مِنَ المُغايَبَةِ إلى النَّوْعِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنِ المُخاطَبَةِ إلى المُغايَبَةِ ثُمَّ عَنْها إلى المُخاطَبَةِ مَرَّةً أُخْرى ؟ .
صفحة ١٧٢
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أهْيَبُ وأكْثَرُ وقْعًا مِن أنْ يُقالَ: مِنهم مَن كَلَّمْنا، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَلِهَذا المَقْصُودِ اخْتارَ لَفْظَةَ الغَيْبَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ فَإنَّما اخْتارَ لَفْظَ المُخاطَبَةِ، لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (وآتَيْنا) ضَمِيرُ التَّعْظِيمِ، وتَعْظِيمُ المُؤْتى يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ الإيتاءِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ مُوسى وعِيسى مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ بِالذِّكْرِ ؟ وهَلْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما أفْضَلُ مِن غَيْرِهِما ؟
والجَوابُ: سَبَبُ التَّخْصِيصِ أنَّ مُعْجِزاتِهِما أبَرُّ وأقْوى مِن مُعْجِزاتِ غَيْرِهِما وأيْضًا فَأُمَّتُهُما مَوْجُودُونَ حاضِرُونَ في هَذا الزَّمانِ وأُمَمُ سائِرِ الأنْبِياءِ لَيْسُوا مَوْجُودِينَ، فَتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ تَنْبِيهٌ عَلى الطَّعْنِ في أُمَّتِهِما، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذانِ الرَّسُولانِ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِما وكَثْرَةِ مُعْجِزاتِهِما لَمْ يَحْصُلِ الِانْقِيادُ مِن أُمَّتِهِما، بَلْ نازَعُوا وخالَفُوا، وعَنِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ في طاعَتِهِما أعْرَضُوا.
السُّؤالُ الثّالِثُ: تَخْصِيصُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِإيتاءِ البَيِّناتِ، يَدُلُّ أوْ يُوهِمُ أنَّ إيتاءَ البَيِّناتِ ما حَصَلَ في غَيْرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنْ قُلْتَ: إنَّما خَصَّهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّ تِلْكَ البَيِّناتِ أقْوى ؟ فَنَقُولُ: إنَّ بَيِّناتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ أقْوى مِن بَيِّناتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ أقْوى فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ.
الجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى قُبْحِ أفْعالِ اليَهُودِ، حَيْثُ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ البَيِّناتِ اللّائِحَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: البَيِّناتُ جَمْعُ قِلَّةٍ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِهَذا المَقامِ.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: القُدُسُ تُثَقِّلُهُ أهْلُ الحِجازِ وتَخَفِّفُهُ تَمِيمٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: القُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى، ورُوحُهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، والمَعْنى أعَنّاهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ وفي وسَطِهِ وفي آخِرِهِ، أمّا في أوَّلِ الأمْرِ فَلِقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ وأمّا في وسَطِهِ فَلِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ العُلُومَ، وحَفِظَهُ مِنَ الأعْداءِ، وأمّا في آخِرِ الأمْرِ فَحِينَ أرادَتِ اليَهُودُ قَتْلَهُ أعانَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَفَعَهُ إلى السَّماءِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ رُوحَ القُدُسِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] .
والقَوْلُ الثّانِي: وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رُوحَ القُدُسِ هو الِاسْمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَوْتى.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ رُوحَ القُدُسِ الَّذِي أُيِّدَ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرُّوحَ الطّاهِرَةَ الَّتِي نَفَخَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وأبانَهُ بِها عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ خُلِقَ مِنِ اجْتِماعِ نُطْفَتَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٧٣
المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذِهِ بِما قَبْلَها، هو أنَّ الرُّسُلَ بَعْدَما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ، ووَضَحَتْ لَهُمُ الدَّلائِلُ والبَراهِينُ، اخْتَلَفَتْ أقْوامُهم، فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ تَقاتَلُوا وتَحارَبُوا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ كُلَّ الحَوادِثِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَقْتَتِلُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، والمَعْنى أنَّ عَدَمَ الِاقْتِتالِ لازِمٌ لِمَشِيئَةِ عَدَمِ الِاقْتِتالِ، وعَدَمُ اللّازِمِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَلْزُومِ، فَحَيْثُ وُجِدَ الِاقْتِتالُ عَلِمْنا أنَّ مَشِيئَةَ عَدَمِ الِاقْتِتالِ مَفْقُودَةٌ، بَلْ كانَ الحاصِلُ هو مَشِيئَةَ الِاقْتِتالِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الِاقْتِتالَ مَعْصِيَةٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ والطّاعَةَ والعِصْيانَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ، وعَلى أنَّ قَتْلَ الكُفّارِ وقِتالَهم لِلْمُؤْمِنِينَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى.
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أجابُوا عَنِ الِاسْتِدْلالِ، وقالُوا: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الكُفّارَ إذا قَتَلُوا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِغَلَبَةٍ مِنهم لِلَّهِ تَعالى، وهَذا المَقْصُودُ يَحْصُلُ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لَأهْلَكَهم وأبادَهم أوْ يُقالُ: لَوْ شاءَ لَسَلَبَ القُوى والقُدَرَ مِنهم أوْ يُقالُ: لَوْ شاءَ لَمَنَعَهم مِنَ القِتالِ جَبْرًا وقَسْرًا وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ المُرادُ مِنهُ هَذِهِ الأنْواعُ مِنَ المَشِيئَةِ، وهَذا كَما يُقالُ: لَوْ شاءَ الإمامُ لَمْ يَعْبُدِ المَجُوسُ النّارَ في مَمْلَكَتِهِ، ولَمْ تَشْرَبِ النَّصارى الخَمْرَ، والمُرادُ مِنهُ المَشِيئَةُ الَّتِي ذَكَرْناها، وكَذا هَهُنا، ثُمَّ أكَّدَ القاضِي هَذِهِ الأجْوِبَةَ وقالَ: إذا كانَتِ المَشِيئَةُ تَقَعُ عَلى وُجُوهٍ، وتَنْتَفِي عَلى وُجُوهٍ؛ لَمْ يَكُنْ في الظّاهِرِ دَلالَةٌ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ، لا سِيَّما وهَذِهِ الأنْواعُ مِنَ المَشِيئَةِ مُتَبايِنَةٌ مُتَنافِيَةٌ.
والجَوابُ: أنَّ أنْواعَ المَشِيئَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ وتَبايَنَتْ إلّا أنَّها مُشْتَرِكَةٌ في عُمُومِ كَوْنِها مَشِيئَةً، والمَذْكُورُ في الآيَةِ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ هو المَشِيئَةُ مِن حَيْثُ إنَّها مَشِيئَةٌ، لا مِن حَيْثُ إنَّها مَشِيئَةٌ خاصَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا المُسَمّى حاصِلًا، وتَخْصِيصُ المَشِيئَةِ بِمَشِيئَةٍ خاصَّةٍ، وهي إمّا مَشِيئَةُ الهَلاكِ، أوْ مَشِيئَةُ سَلْبِ القُوى والقُدَرِ، أوْ مَشِيئَةُ القَهْرِ والإجْبارِ، تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، وكَما أنَّ هَذا التَّخْصِيصَ عَلى خِلافِ ظاهِرِ اللَّفْظِ فَهو عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ القاطِعِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا كانَ عالِمًا بِوُقُوعِ الِاقْتِتالِ، والعِلْمُ بِوُقُوعِ الِاقْتِتالِ حالَ عَدَمِ وُقُوعِ الِاقْتِتالِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، وبَيْنَ السَّلْبِ والإيجابِ، فَحالُ حُصُولِ العِلْمِ بِوُجُودِ الِاقْتِتالِ لَوْ أرادَ عَدَمَ الِاقْتِتالِ لَكانَ قَدْ أرادَ الجَمْعَ بَيْنَ النَّفْيِ والإثْباتِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ عَلى ضِدِّ قَوْلِهِمْ، والبُرْهانُ القاطِعُ عَلى ضِدِّ قَوْلِهِمْ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى: ولَوْ شاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا، وإذا لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ يَقْتَتِلُوا، وإذا اخْتَلَفُوا فَلا جَرَمَ اقْتَتَلُوا، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الفِعْلَ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الدّاعِي، لِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ الِاخْتِلافَ يَسْتَلْزِمُ التَّقاتُلَ، والمَعْنى أنَّ اخْتِلافَهم في الدِّينِ يَدْعُوهم إلى المُقاتَلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقاتَلَةَ لا تَقَعُ إلّا لِهَذا الدّاعِي، وعَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ هَذا الدّاعِي وقَعَتِ المُقاتَلَةُ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ عِنْدَ عَدَمِ الدّاعِي، وواجِبٌ عِنْدَ حُصُولِ الدّاعِي، ومَتى ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، لِأنَّ الدَّواعِيَ تَسْتَنِدُ لا مَحالَةَ إلى داعِيَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً أيْضًا مِن هَذا الوَجْهِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا﴾ فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّما كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ وتَكْذِيبًا لِمَن زَعَمَ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن
صفحة ١٧٤
عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَجْرِ بِهِ قَضاءٌ ولا قَدَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فَيُوَفِّقُ مَن يَشاءُ ويَخْذُلُ مَن يَشاءُ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، وقالُوا: لِأنَّ الخَصْمَ يُساعِدُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ المُؤْمِنِ، ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ لِإيمانِ المُؤْمِنِ هو اللَّهَ تَعالى، وأيْضًا لِما دَلَّ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ، فَلَوْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُفّارِ لَفَعَلَ فِيهِمُ الإيمانَ، ولَكانُوا مُؤْمِنِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الإيمانَ مِنهم، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ، وعَلى مَسْألَةِ إرادَةِ الكائِناتِ، والمُعْتَزِلَةُ يُقَيِّدُونَ المُطْلَقَ ويَقُولُونَ: المُرادُ: يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ مِن أفْعالِ نَفْسِهِ، وهَذا ضَعِيفٌ: لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى هَذا التَّقْيِيدِ تَصِيرُ الآيَةُ بَيانًا لِلْواضِحاتِ فَإنَّهُ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ.
الثّالِثُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ كَذَلِكَ، فَلا يَكُونُ في وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
2:254Page 42
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤
O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أصْعَبَ الأشْياءِ عَلى الإنْسانِ بَذْلُ النَّفْسِ في القِتالِ، وبَذْلُ المالِ في الإنْفاقِ، فَلَمّا قَدَّمَ الأمْرَ بِالقِتالِ أعْقَبَهُ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ، وأيْضًا فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالقِتالِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ثُمَّ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] والمَقْصُودُ مِنهُ إنْفاقُ المالِ في الجِهادِ، ثُمَّ إنَّهُ مَرَّةً ثانِيَةً أكَّدَ الأمْرَ بِالقِتالِ وذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَطالُوتَ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ في الجِهادِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾ .
إذا عَرَفْتَ وجْهَ النَّظْمِ فَنَقُولُ: في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا عَلى أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا بِقَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعالى أمَرَ بِالإنْفاقِ مِن كُلِّ ما كانَ رِزْقًا بِالإجْماعِ أمّا ما كانَ حَرامًا فَإنَّهُ لا يَجُوزُ إنْفاقُهُ، وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ حَرامًا، والأصْحابُ قالُوا: ظاهِرُ الآيَةِ وإنْ كانَ يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِإنْفاقِ كُلِّ ما كانَ رِزْقًا إلّا أنّا نُخَصِّصُ هَذا الأمْرَ بِإنْفاقِ كُلِّ ما كانَ رِزْقًا حَلالًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهُ: (أنْفِقُوا) مُخْتَصٌّ بِالإنْفاقِ الواجِبِ كالزَّكاةِ، أمْ هو عامٌّ في كُلِّ الإنْفاقاتِ؛ سَواءٌ كانَتْ واجِبَةً أوْ مَندُوبَةً، فَقالَ الحَسَنُ: هَذا الأمْرُ مُخْتَصٌّ بِالزَّكاةِ، قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ كالوَعْدِ والوَعِيدِ لا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى الواجِبِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هَذا الأمْرُ يَتَناوَلُ الواجِبَ والمَندُوبَ، ولَيْسَ في الآيَةِ وعِيدٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَصِّلُوا مَنافِعَ الآخِرَةِ حِينَ تَكُونُونَ في الدُّنْيا، فَإنَّكم
صفحة ١٧٥
إذا خَرَجْتُمْ مِنَ الدُّنْيا لا يُمْكِنُكم تَحْصِيلُها واكْتِسابُها في الآخِرَةِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الإنْفاقُ في الجِهادِ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ الإنْفاقَ في الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (لا بَيْعَ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ) بِالنَّصْبِ، وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١] وفي الطُّورِ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣] والباقُونَ جَمِيعًا بِالرَّفْعِ، والفَرْقُ بَيْنَ النَّصْبِ والرَّفْعِ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ يَجِيءُ وحْدَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهُ شَيْءٌ مِمّا حَصَّلَهُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وقالَ: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ البَيْعَ هَهُنا بِمَعْنى الفِدْيَةِ، كَما قالَ: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: ١٥]، وقالَ: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] وقالَ: ﴿وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠] فَكَأنَّهُ قالَ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تِجارَةَ فِيهِ فَتَكْتَسِبَ ما تَفْتَدِي بِهِ مِنَ العَذابِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِنَ المالِ الَّذِي هو في مِلْكِكم قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ اليَوْمُ الَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ تِجارَةٌ ولا مُبايَعَةٌ حَتّى يُكْتَسَبَ شَيْءٌ مِنَ المالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ فالمُرادُ المَوَدَّةُ، ونَظِيرُهُ مِنَ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وقالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقالَ حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، وقالَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ الشَّفاعاتِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ عامٌّ في الكُلِّ، إلّا أنَّ سائِرَ الدَّلائِلِ دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ المَوَدَّةِ والمَحَبَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وعَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] .
واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ الخُلَّةِ والشَّفاعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكُونُ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] .
والثّانِي: أنَّ الخَوْفَ الشَّدِيدَ غالِبٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، عَلى ما قالَ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى﴾ [الحج: ٢] .
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا نَزَلَ العَذابُ بِسَبَبِ الكُفْرِ والفِسْقِ صارَ مُبَغِّضًا لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وإذا صارَ مُبَغِّضًا لَهُما صارَ مُبَغِّضًا لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِهِما.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَنُقِلَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ولَمْ يُقِلِ: الظّالِمُونَ هُمُ الكافِرُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ أوْهَمَ ذَلِكَ نَفْيَ الخُلَّةِ والشَّفاعَةِ مُطْلَقًا، فَذَكَرَ تَعالى عَقِيبَهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِينَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَصِيرُ الآيَةُ دالَّةً
صفحة ١٧٦
عَلى إثْباتِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ الفُسّاقِ، قالَ القاضِي: هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ فَلَمْ يَجِبْ تَعْلِيقُهُ بِما تَقَدَّمَ.
والجَوابُ: أنّا لَوْ جَعَلْنا هَذا الكَلامَ مُبْتَدَأً تَطَرَّقَ الخُلْفُ إلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى، لَأنَّ غَيْرَ الكافِرِينَ قَدْ يَكُونُ ظالِمًا، أمّا إذا عَلَّقْناهُ بِما تَقَدَّمَ زالَ الإشْكالُ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى تَعْلِيقِهِ بِما قَبْلَهُ.
التَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ الكافِرِينَ إذا دَخَلُوا النّارَ عَجَزُوا عَنِ التَّخَلُّصِ عَنْ ذَلِكَ العَذابِ، فاللَّهُ تَعالى لَمْ يَظْلِمْهم بِذَلِكَ العَذابِ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ اخْتارُوا الكُفْرَ والفِسْقَ حَتّى صارُوا مُسْتَحِقِّينَ لِهَذا العَذابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] .
والتَّأْوِيلُ الثّالِثُ: أنَّ الكافِرِينَ هُمُ الظّالِمُونَ حَيْثُ تَرَكُوا تَقْدِيمَ الخَيْراتِ لِيَوْمِ فاقَتِهِمْ وحاجَتِهِمْ، وأنْتُمْ أيُّها الحاضِرُونَ لا تَقْتَدُوا بِهِمْ في هَذا الِاخْتِيارِ الرَّدِيءِ، ولَكِنْ قَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ما تَجْعَلُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فِدْيَةً لِأنْفُسِكم مِن عَذابِ اللَّهِ.
والتَّأْوِيلُ الرّابِعُ: الكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِوَضْعِ الأُمُورِ في غَيْرِ مَواضِعِها، لِتَوَقُّعِهِمُ الشَّفاعَةَ مِمَّنْ لا يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في الأوْثانِ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وقالُوا أيْضًا: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى فَمَن عَبَدَ جَمادًا وتَوَقَّعَ أنْ يَكُونَ شَفِيعًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ حَيْثُ تَوَقَّعَ الخَيْرَ مِمَّنْ لا يَجُوزُ التَّوَقُّعُ مِنهُ.
والتَّأْوِيلُ الخامِسُ: المُرادُ مِنَ الظُّلْمِ تَرْكُ الإنْفاقِ، قالَ تَعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أيْ: أعْطَتْ ولَمْ تَمْنَعْ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: والكافِرُونَ التّارِكُونَ لِلْإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا المُسْلِمُ فَلا بُدَّ وأنْ يُنْفِقَ مِنهُ شَيْئًا قَلَّ أوْ كَثُرَ.
والتَّأْوِيلُ السّادِسُ: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ البالِغُونَ المَبْلَغَ العَظِيمَ فِيهِ كَما يُقالُ: العُلَماءُ هُمُ المُتَكَلِّمُونَ أيْ هُمُ الكامِلُونَ في العِلْمِ، فَكَذا هَهُنا، وأكْثَرُ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ ذَكَرَها القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences