Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:255–256, continued
مَذْهَبِ الكَعْبِيِّ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ هَذا الِاسْتِدْلالُ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ يَرُدُّ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، ولِلْمُسْتَحِقِّ أنْ يُسْقِطَ حَقَّ نَفْسِهِ، بِخِلافِ الثَّوابِ فَإنَّهُ حَقُّ العَبْدِ فَلا يَكُونُ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُسْقِطَهُ، وهَذا الفَرْقُ ذَكَرَهُ البَصْرِيُّونَ في الجَوابِ عَنْ شُبْهَةِ الكَعْبِيِّ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: لا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ المُطِيعِ والعاصِي إنْ أرادَ بِهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَهو جَهْلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ سَوّى بَيْنَهُما في الخَلْقِ والحَياةِ والرِّزْقِ وإطْعامِ الطَّيِّباتِ والتَّمْكِينِ مِنَ المُراداتِ، وإنْ كانَ المُرادُ أنَّهُ لا يَجُوزُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في كُلِّ الأُمُورِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَكَيْفَ لا يَقُولُ ذَلِكَ والمُطِيعُ لا يَكُونُ لَهُ جَزَعٌ، ولا يَكُونُ خائِفًا مِنَ العِقابِ، والمُذْنِبُ يَكُونُ في غايَةِ الخَوْفِ، ورُبَّما يَدْخُلُ النّارَ ويَتَألَّمُ مُدَّةً، ثُمَّ يُخَلِّصُهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ العَذابِ بِشَفاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
واعْلَمْ أنَّ القَفّالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كانَ حَسَنَ الكَلامِ في التَّفْسِيرِ دَقِيقَ النَّظَرِ في تَأْوِيلاتِ الألْفاظِ إلّا أنَّهُ كانَ عَظِيمَ المُبالَغَةِ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الحَظِّ مِن عِلْمِ الكَلامِ قَلِيلَ النَّصِيبِ مِن مَعْرِفَةِ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الضَّمِيرُ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ فِيهِمُ العُقَلاءَ، أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ”مَن ذا“ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ ما كانَ قَبْلَهم مِن أُمُورِ الدُّنْيا ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ ما يَكُونُ بَعْدَهم مَن أمْرِ الآخِرَةِ.
والثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي الآخِرَةَ لِأنَّهم يُقْدِمُونَ عَلَيْها ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ الدُّنْيا لِأنَّهم يَخْلُفُونَها وراءَ ظُهُورِهِمْ.
والثّالِثُ: قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ يُرِيدُ ما في السَّماواتِ.
والرّابِعُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ بَعْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ: ما كانَ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَهم.
والخامِسُ: ما فَعَلُوا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وما يَفْعَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِأحْوالِ الشّافِعِ والمَشْفُوعِ لَهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِاسْتِحْقاقِ العِقابِ والثَّوابِ، لِأنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، والشُّفَعاءُ لا يَعْلَمُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّ لَهم مِنَ الطّاعَةِ ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ هَذِهِ المَنزِلَةَ العَظِيمَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ أذِنَ لَهم في تِلْكَ الشَّفاعَةِ، وأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ المَقْتَ والزَّجْرَ عَلى ذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلائِقِ أنْ يُقْدِمَ عَلى الشَّفاعَةِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُمُ المَلائِكَةَ، وسائِرَ مَن يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالعِلْمِ هَهُنا المَعْلُومُ كَما يُقالُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا عِلْمَكَ فِينا، أيْ: مَعْلُومَكَ؛ وإذا ظَهَرَتْ آيَةٌ عَظِيمَةٌ قِيلَ: هَذِهِ قُدْرَةُ اللَّهِ، أيْ: مَقْدُورُهُ، والمَعْنى: أنَّ أحَدًا لا يُحِيطُ بِمَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ١١
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ الأصْحابِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وهو ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، وهي داخِلَةٌ هَهُنا عَلى العِلْمِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ العِلْمِ نَفْسَ الصِّفَةِ لَزِمَ دُخُولُ التَّبْعِيضِ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى وهو مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ﴿بِما شاءَ﴾ لا يَأْتِي في العِلْمِ إنَّما يَأْتِي في المَعْلُومِ.
والثّالِثُ: أنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ هَهُنا في المَعْلُوماتِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، والخَلْقُ لا يَعْلَمُونَ كُلَّ المَعْلُوماتِ، بَلْ لا يَعْلَمُونَ مِنها إلّا القَلِيلَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ لِكُلِّ مَن أحْرَزَ شَيْئًا أوْ بَلَغَ عِلْمُهُ أقْصاهُ: قَدْ أحاطَ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا عَلِمَ بِأوَّلِ الشَّيْءِ وآخِرِهِ بِتَمامِهِ صارَ العِلْمُ كالمُحِيطِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا بِما شاءَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن مَعْلُوماتِهِ إلّا ما شاءَ هو أنْ يُعَلِّمَهم كَما حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] .
والثّانِي: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلّا عِنْدَ إطْلاعِ اللَّهِ بَعْضَ أنْبِيائِهِ عَلى بَعْضِ الغَيْبِ، كَما قالَ: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجِنِّ: ٢٧] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: وسِعَ فَلانًا الشَّيْءُ يَسَعُهُ سَعَةً إذا احْتَمَلَهُ وأطاقَهُ وأمْكَنَهُ القِيامُ بِهِ، ولا يَسَعُكَ هَذا، أيْ لا تُطِيقُهُ ولا تَحْتَمِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» “ أيْ: لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا الكُرْسِيُّ فَأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن تَرَكُّبِ الشَّيْءِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ، والكِرْسُ أبْوالُ الدَّوابِّ وأبْعارُها يَتَلَبَّدُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وأكْرَسَتِ الدّارُ إذا كَثُرَتْ فِيها الأبْعارُ والأبْوالُ وتَلَبَّدَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وتَكارَسَ الشَّيْءُ إذا تَرَكَّبَ، ومِنهُ الكُرّاسَةُ لِتَرَكُّبِ بَعْضِ أوْراقِها عَلى بَعْضٍ ”والكُرْسِيُّ“ هو هَذا الشَّيْءُ المَعْرُوفُ لِتَرَكُّبِ خَشَباتِهِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ جِسْمٌ عَظِيمٌ يَسَعُ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ الحَسَنُ: ”الكُرْسِيُّ“ هو نَفْسُ العَرْشِ، لِأنَّ السَّرِيرَ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ عَرْشٌ، وبِأنَّهُ كُرْسِيٌّ، لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَيْثُ يَصِحُّ التَّمَكُّنُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلِ الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ دُونَ العَرْشِ وفَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَحْتَ الأرْضِ وهو مَنقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ.
واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الكُرْسِيِّ ورَدَ في الآيَةِ وجاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ أنَّهُ جِسْمٌ عَظِيمٌ تَحْتَ العَرْشِ وفَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، ولا امْتِناعَ في القَوْلِ بِهِ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِاتِّباعِهِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، ومِنَ البَعِيدِ أنْ يَقُولَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو مَوْضِعُ قَدَمَيِ اللَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ عَنِ الجَوارِحِ والأعْضاءِ، وقَدْ ذَكَرْنا الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ عَلى نَفْيِ الجِسْمِيَّةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ، فَوَجَبَ رَدُّ هَذِهِ الرِّوايَةِ أوْ حَمْلُها عَلى أنَّ المُرادَ أنَّ الكُرْسِيَّ مَوْضِعُ قَدَمَيِ الرُّوحِ الأعْظَمِ أوْ مَلَكٍ آخَرَ عَظِيمِ القَدْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ ”الكُرْسِيِّ“ السُّلْطانُ والقُدْرَةُ والمُلْكُ، ثُمَّ تارَةً يُقالُ: الإلَهِيَّةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِالقُدْرَةِ والخَلْقِ والإيجادِ، والعَرَبُ يُسَمُّونَ أصْلَ كُلِّ شَيْءٍ ”الكُرْسِيَّ“ وتارَةً يُسَمّى المُلْكُ بِالكُرْسِيِّ، لِأنَّ المَلِكَ يَجْلِسُ عَلى الكُرْسِيِّ، فَيُسَمّى المَلِكُ باسِمِ مَكانِ المُلْكِ.
صفحة ١٢
القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ ”الكُرْسِيَّ“ هو العِلْمُ، لِأنَّ العِلْمَ مَوْضِعُ العالِمِ وهو الكُرْسِيُّ، فَسَمِّيَتْ صِفَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَكانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّ العِلْمَ هو الأمْرُ المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، والكُرْسِيُّ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعُلَماءِ: كَراسِي، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ لَهم: أوْتادُ الأرْضِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: ما اخْتارَهُ القَفّالُ، وهو أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى خاطَبَ الخَلْقَ في تَعْرِيفِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ بِما اعْتادُوهُ في مُلُوكِهِمْ وعُظَمائِهِمْ، مِن ذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ بَيْتًا لَهُ يَطُوفُ النّاسُ بِهِ كَما يَطُوفُونَ بِبِيُوتِ مُلُوكِهِمْ، وأمَرَ النّاسَ بِزِيارَتِهِ كَما يَزُورُ النّاسُ بُيُوتَ مُلُوكِهِمْ، وذَكَرَ في الحَجَرِ الأسْوَدِ أنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ في أرْضِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ مَوْضِعًا لِلتَّقْبِيلِ كَما يُقَبِّلُ النّاسُ أيْدِي مُلُوكِهِمْ، وكَذَلِكَ ما ذَكَرَ في مُحاسَبَةِ العِبادِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حُضُورِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ ووَضْعِ المَوازِينِ، فَعَلى هَذا القِياسِ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ عَرْشًا، فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ثُمَّ وصَفَ عَرْشَهُ فَقالَ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هُودٍ: ٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] وقالَ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٧] وقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ [غافِرٍ: ٧] ثُمَّ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ كُرْسِيًّا فَقالَ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: كُلُّ ما جاءَ مِنَ الألْفاظِ المُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ في العَرْشِ والكُرْسِيِّ، فَقَدْ ورَدَ مِثْلُها بَلْ أقْوى مِنها في الكَعْبَةِ والطَّوافِ وتَقْبِيلِ الحَجَرِ، ولَمّا تَوافَقْنا هَهُنا عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَعْرِيفُ عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الكَعْبَةِ، فَكَذا الكَلامُ في العَرْشِ والكُرْسِيِّ، وهَذا جَوابٌ مُبِينٌ إلّا أنَّ المُعْتَمَدَ هو الأوَّلُ، لِأنَّ تَرْكَ الظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لا يَجُوزُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: آدَهُ يَؤُودُهُ: إذا أثْقَلَهُ وأجْهَدَهُ، وأُدْتُ العُودَ أوْدًا، وذَلِكَ إذا اعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ بِالثِّقْلِ حَتّى أمَلْتَهُ، والمَعْنى: لا يَثْقُلُهُ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ حِفْظُهُما أيْ: حِفْظُ السَّماواتِ والأرْضِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ العُلُوَّ بِالجِهَةِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ونَزِيدُ هَهُنا وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ عُلُوُّهُ بِسَبَبِ المَكانِ، لَكانَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا في جِهَةِ فَوْقٍ، أوْ غَيْرَ مُتَناهٍ في تِلْكَ الجِهَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ إذا كانَ مُتَناهِيًا في جِهَةِ فَوْقٍ، كانَ الجُزْءُ المَفْرُوضُ فَوْقَهُ أعْلى مِنهُ، فَلا يَكُونُ هو أعْلى مِن كُلِّ ما عَداهُ، بَلْ يَكُونُ غَيْرُهُ أعْلى مِنهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فَهَذا مُحالٌ، لِأنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ بُعْدٍ لا نِهايَةَ لَهُ باطِلٌ بِالبَراهِينِ اليَقِينِيَّةِ، وأيْضًا فَإنّا إذا قَدَّرْنا بُعْدًا لا نِهايَةَ لَهُ، لافْتُرِضَ في ذَلِكَ البُعْدِ نُقَطٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَحْصُلَ في تِلْكَ النُّقَطِ نُقْطَةٌ واحِدَةٌ لا يُفْتَرَضُ فَوْقَها نُقْطَةٌ أُخْرى، وإمّا أنْ لا يَحْصُلَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَتِ النُّقْطَةُ طَرَفًا لِذَلِكَ البُعْدِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ البُعْدُ مُتَناهِيًا، وقَدْ فَرَضْناهُ غَيْرَ مُتَناهٍ، هَذا خُلْفٌ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ فِيها نُقْطَةٌ إلّا وفَوْقَها نُقْطَةٌ أُخْرى كانَ كُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النُّقَطِ المُفْتَرَضَةِ في ذَلِكَ البُعْدِ سُفْلًا، ولا يَكُونُ فِيها ما يَكُونُ فَوْقًا عَلى الإطْلاقِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنَ النُّقَطاتِ المُفْتَرَضَةِ في ذَلِكَ البُعْدِ عُلُوٌّ مُطْلَقٌ البَتَّةَ، وذَلِكَ يَنْفِي صِفَةَ العُلْوِيَّةِ.
صفحة ١٣
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ العالَمَ كُرَةٌ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكُلُّ جانِبٍ يَفْرِضُ عُلُوًّا بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِ وجْهَيِ الأرْضِ يَكُونُ سُفْلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الوَجْهِ الثّانِي، فَيَنْقَلِبُ غايَةُ العُلُوِّ غايَةَ السُّفْلِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ كُلَّ وصْفٍ يَكُونُ ثُبُوتُهُ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ بِذاتِهِ، ولِلْآخَرِ بِتَبَعِيَّةِ الأوَّلِ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ في الذّاتِيِّ أتَمَّ وأكْمَلَ، وفي العَرَضِيِّ أقَلَّ وأضْعَفَ، فَلَوْ كانَ عُلُوُّ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ المَكانِ لَكانَ عُلُوُّ المَكانِ الَّذِي بِسَبَبِهِ حَصَلَ هَذا العُلُوُّ لِلَّهِ تَعالى صِفَةً ذاتِيَّةً، ولَكانَ حُصُولُ هَذا العُلُوِّ لِلَّهِ تَعالى حُصُولًا بِتَبَعِيَّةِ حُصُولِهِ في المَكانِ، فَكانَ عُلُوُّ المَكانِ أتَمَّ وأكْمَلَ مِن عُلُوِّ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ عُلُوُّ اللَّهِ ناقِصًا وعُلُوُّ غَيْرِهِ كامِلًا، وذَلِكَ مُحالٌ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ قاطِعَةٌ في أنَّ عُلُوَّ اللَّهِ تَعالى يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بِالجِهَةِ، وما أحْسَنَ ما قالَ أبُو مُسْلِمِ بْنُ بَحْرٍ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ١٢] قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَكانَ والمَكانِيّاتِ بِأسْرِها مِلْكُ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنْعامِ: ١٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّمانَ والزَّمانِيّاتِ بِأسْرِها مِلْكُ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتُهُ، فَتَعالى وتَقَدَّسَ عَنْ أنْ يَكُونَ عُلُوُّهُ بِسَبَبِ المَكانِ، وأمّا عَظَمَتُهُ فَهي أيْضًا بِالمَهابَةِ والقَهْرِ والكِبْرِياءِ، ويَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ بِسَبَبِ المِقْدارِ والحَجْمِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ في كُلِّ الجِهاتِ أوْ في بَعْضِ الجِهاتِ فَهو مُحالٌ لِما ثَبَتَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ عَدَمُ إثْباتِ أبْعادٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وإنْ كانَ مُتَناهِيًا مِن كُلِّ الجِهاتِ كانَتِ الأحْيازُ المُحِيطَةُ بِذَلِكَ المُتَناهِي أعْظَمَ مِنهُ، فَلا يَكُونُ مِثْلُ هَذا الشَّيْءِ عَظِيمًا عَلى الإطْلاقِ، فالحَقُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلى وأعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الجَواهِرِ والأجْسامِ تَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في ”الدِّينِ“ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لامُ العَهْدِ، والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الإضافَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النّازِعاتِ: ٤١] أيْ: مَأْواهُ، والمُرادُ في دِينِ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
أحَدُها، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ والقَفّالِ وهو الألْيَقُ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى ما بَنى أمْرَ الإيمانِ عَلى الإجْبارِ والقَسْرِ، وإنَّما بَناهُ عَلى التَّمَكُّنِ والِاخْتِيارِ، ثُمَّ احْتَجَّ القَفّالُ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بَيانًا شافِيًا قاطِعًا لِلْعُذْرِ، قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ إيضاحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ لِلْكافِرِ عُذْرٌ في الإقامَةِ عَلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَقْسِرَ عَلى الإيمانِ ويُجْبِرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في دارِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الِابْتِلاءِ، إذْ في القَهْرِ والإكْراهِ عَلى الدِّينِ بُطْلانُ مَعْنى الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكَهْفِ: ٢٩] وقالَ في سُورَةٍ أُخْرى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٩] وقالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ﴾
صفحة ١٤
﴿لَها خاضِعِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٣] ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ يَعْنِي ظَهَرَتِ الدَّلائِلُ، ووَضَحَتِ البَيِّناتُ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَها إلّا طَرِيقُ القَسْرِ والإلْجاءِ والإكْراهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يُنافِي التَّكْلِيفَ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا التَّأْوِيلِ.
القَوْلُ الثّانِي في التَّأْوِيلِ: هو أنَّ الإكْراهَ أنْ يَقُولَ المُسْلِمُ لِلْكافِرِ: إنْ آمَنَتْ وإلّا قَتَلْتُكَ فَقالَ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ أمّا في حَقِّ أهْلِ الكِتابِ وفي حَقِّ المَجُوسِ، فَلِأنَّهم إذا قَبِلُوا الجِزْيَةَ سَقَطَ القَتْلُ عَنْهم، وأمّا سائِرُ الكُفّارِ فَإذا تَهَوَّدُوا أوْ تَنَصَّرُوا فَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ عَنْهُ القَتْلُ إذا قَبِلَ الجِزْيَةَ، وعَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ عامًّا في كُلِّ الكُفّارِ، أمّا مَن يَقُولُ مِنَ الفُقَهاءِ بِأنَّ سائِرَ الكُفّارِ إذا تَهَوَّدُوا أوْ تَنَصَّرُوا فَإنَّهم لا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ، فَعَلى قَوْلِهِ يَصِحُّ الإكْراهُ في حَقِّهِمْ، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿لا إكْراهَ﴾ مَخْصُوصًا بِأهْلِ الكِتابِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: لا تَقُولُوا لِمَن دَخَلَ في الدِّينِ بَعْدَ الحَرْبِ إنَّهُ دَخَلَ مُكْرَهًا، لِأنَّهُ إذا رَضِيَ بَعْدَ الحَرْبِ وصَحَّ إسْلامُهُ فَلَيْسَ بِمُكْرَهٍ، ومَعْناهُ لا تَنْسِبُوهم إلى الإكْراهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النِّساءِ: ٩٤] .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: بانَ الشَّيْءُ واسْتَبانَ وتَبَيَّنَ إذا ظَهَرَ ووَضَحَ، ومِنهُ المَثَلُ: قَدْ تَبَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وعِنْدِي أنَّ الإيضاحَ والتَّعْرِيفَ إنَّما سُمِّيَ بَيانًا لِأنَّهُ يُوقِعُ الفَصْلَ والبَيْنُونَةَ بَيْنَ المَقْصُودِ وغَيْرِهِ، والرُّشْدُ في اللُّغَةِ مَعْناهُ إصابَةُ الخَيْرِ، وفِيهِ لُغَتانِ: رُشْدٌ ورَشَدٌ، والرَّشادُ مَصْدَرٌ أيْضًا كالرُّشْدِ، والغَيُّ نَقِيضُ الرُّشْدِ، يُقالُ: غَوى يَغْوِي غَيًّا وغَوايَةً، إذا سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ الرُّشْدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ أيْ: تَمَيَّزَ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ والإيمانُ مِنَ الكُفْرِ والهُدى مِنَ الضَّلالَةِ بِكَثْرَةِ الحُجَجِ والآياتِ الدّالَّةِ، قالَ القاضِي: ومَعْنى ”قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ“ أيْ: أنَّهُ قَدِ اتَّضَحَ وانْجَلى بِالأدِلَّةِ، لا أنَّ كَلَّ مُكَلَّفٍ تَنَبَّهَ؛ لِأنَّ المَعْلُومَ ذَلِكَ. وأقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى ”تَبَيَّنَ“ انْفَصَلَ وامْتازَ، فَكانَ المُرادُ أنَّهُ حَصَلَتِ البَيْنُونَةُ بَيْنَ الرُّشْدِ والغَيِّ بِسَبَبِ قُوَّةِ الدَّلائِلِ وتَأْكِيدِ البَراهِينِ، وعَلى هَذا كانَ اللَّفْظُ مُجْرى عَلى ظاهِرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ فَقَدْ قالَ النَّحْوِيُّونَ: الطّاغُوتُ وزْنُهُ فَعَلُوتُ، نَحْوُ جَبَرُوتٍ، والتّاءُ زائِدَةٌ وهي مُشْتَقَّةٌ مِن طَغا، وتَقْدِيرُهُ طَغَوُوتُ، إلّا أنَّ لامَ الفِعْلِ قُلِبَتْ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ كَعادَتِهِمْ في القَلْبِ، نَحْوَ: الصّاقِعَةُ والصّاعِقَةُ، ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِوُقُوعِها في مَوْضِعِ حَرَكَةِ وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، قالَ المُبَرِّدُ في الطّاغُوتِ: الأصْوَبُ عِنْدِي أنَّهُ جَمْعٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدَنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاغُوتَ مَصْدَرٌ كالرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ والمَلَكُوتِ، فَكَما أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ آحادٌ، كَذَلِكَ هَذا الِاسْمُ مُفْرَدٌ ولَيْسَ بِجَمْعٍ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُفْرَدٌ قَوْلُهُ: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] فَأُفْرِدَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، كَما يُقالُ: هم رِضًا، هم عَدْلٌ، قالُوا: وهَذا اللَّفْظُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ، أمّا في الواحِدِ فَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النِّساءِ: ٦٠] وأمّا في الجَمْعِ فَكَما في
صفحة ١٥
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧] وقالُوا: الأصْلُ فِيهِ التَّذْكِيرُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزُّمَرِ: ١٧] فَإنَّما أُنِّثَتْ إرادَةُ الآلِهَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ خَمْسَةَ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: قالَ عُمَرُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هو الشَّيْطانُ.
الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الكاهِنُ.
الثّالِثُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: هو السّاحِرُ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: الأصْنامُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَرَدَةُ الجِنِّ والإنْسِ وكُلُّ ما يَطْغى.
والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لَمّا حَصَلَ الطُّغْيانُ عِنْدَ الِاتِّصالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ جُعِلَتْ هَذِهِ الأشْياءُ أسْبابًا لِلطُّغْيانِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبْراهِيمَ: ٣٦] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ لِلْكافِرِ مِن أنْ يَتُوبَ أوَّلًا عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يُؤْمِنَ بَعْدَ ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: اسْتَمْسَكَ بِالشَّيْءِ إذا تَمَسَّكَ بِهِ، والعُرْوَةُ جَمْعُها عُرًا نَحْوَ عُرْوَةِ الدَّلْوِ والكُوزِ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ العُرْوَةَ عِبارَةٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَعَلَّقُ بِهِ، والوُثْقى تَأْنِيثُ الأوْثَقِ، وهَذا مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ؛ لِأنَّ مَن أرادَ إمْساكَ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِعُرْوَتِهِ، فَكَذا هَهُنا مَن أرادَ إمْساكَ هَذا الدِّينِ تَعَلَّقَ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَتْ دَلائِلُ الإسْلامِ أقْوى الدَّلائِلِ وأوْضَحَها، لا جَرَمَ وصَفَها بِأنَّها العُرْوَةُ الوُثْقى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفَصْمُ كَسْرُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ إبانَةٍ، والِانْفِصامُ مُطاوِعُ الفَصْمِ، فَصَمْتُهُ فانْفَصَمَ، والمَقْصُودُ مِن هَذا اللَّفْظِ المُبالَغَةُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَها انْفِصامٌ، فَأنْ لا يَكُونَ لَها انْقِطاعٌ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: نَظْمُ الآيَةِ: بِالعُرْوَةِ الوُثْقى الَّتِي لا انْفِصامَ لَها، والعَرَبُ تُضْمِرُ ”الَّتِي“ و”الَّذِي“ و”مَن“ وتَكْتَفِي بِصَلاتِها مِنها، قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:
والعادِياتُ أسامِي لِلدِّماءِ بِها كَأنَّ أعْناقَها أنْصابُ تَرْحِيبِ
يُرِيدُ: العادِياتُ الَّتِي، قالَ اللَّهُ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٤] أيْ: مَن لَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ قَوْلَ مَن يَتَكَلَّمُ بِالشَّهادَتَيْنِ، وقَوْلَ مَن يَتَكَلَّمُ بِالكُفْرِ، ويَعْلَمُ ما في قَلْبِ المُؤْمِنِ مِنَ الِاعْتِقادِ الطّاهِرِ، وما في قَلْبِ الكافِرِ مِنَ الِاعْتِقادِ الخَبِيثِ.
والقَوْلُ الثّانِي: رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ إسْلامَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ، وكانَ يَسْألُ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ سِرًّا وعَلانِيَةً، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يُرِيدُ لِدُعائِكَ يا مُحَمَّدُ بِحِرْصِكَ عَلَيْهِ واجْتِهادِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences