Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:258–259, continued
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العِلْمَ إنَّما حَصَلَ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأنَّهُ كانَ خالِيًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ العِلْمِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ المُشاهَدَةَ لا شَكَّ أنَّها أفادَتْ نَوْعَ تَوْكِيدٍ وطُمَأْنِينَةٍ ووُثُوقٍ، وذَلِكَ القَدْرُ مِنَ التَّأْكِيدِ إنَّما حَصَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ العِلْمِ ما كانَ حاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ لَهم: أنَّ هَذا المارَّ كانَ كافِرًا لِانْتِظامِهِ مَعَ نَمْرُوذَ في سِلْكٍ واحِدٍ. وهو ضَعِيفٌ أيْضًا، لِأنَّ قَبْلَهُ وإنْ كانَ قِصَّةَ نَمْرُوذَ، ولَكِنَّ بَعْدَهُ قِصَّةَ سُؤالِ إبْراهِيمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا مِن جِنْسِ إبْراهِيمَ.
وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا وكانَ نَبِيًّا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللَّهِ، وعَلى أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ تَعالى يَصِحُّ مِنهُ الإحْياءُ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ هَذا الشَّيْءِ بِاسْتِبْعادِ الإحْياءِ إنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ حَصَلَ الِاعْتِرافُ بِالقُدْرَةِ عَلى الإحْياءِ في الجُمْلَةِ، فَأمّا مَن يَعْتَقِدُ أنَّ القُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ مُمْتَنِعَةٌ لَمْ يُبْقِ لِهَذا التَّخْصِيصِ فائِدَةً.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ لا بُدَّ لَهُ مِن قائِلٍ، والمَذْكُورُ السّابِقُ هو اللَّهُ تَعالى فَصارَ التَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ فَقالَ ذَلِكَ الإنْسانُ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ ومِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ القادِرَ عَلى جَعْلِهِ آيَةً لِلنّاسِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قالَ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ ولا شَكَّ أنَّ قائِلَ هَذا
صفحة ٢٧
القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ عَلى أنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِحالِ هَذا الكافِرِ.
فَإنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ تَعالى بَعْثَ إلَيْهِ رَسُولًا أوْ مَلَكًا حَتّى قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
قُلْنا: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَ هَذِهِ الأقْوالِ مَعَهُ هو اللَّهُ تَعالى، فَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ غَيْرُ جائِزٍ.
والحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إعادَتَهُ حَيًّا وإبْقاءَ الطَّعامِ والشَّرابِ عَلى حالِهِما، وإعادَةَ الحِمارِ حَيًّا بَعْدَما صارَ رَمِيمًا مَعَ كَوْنِهِ مُشاهِدًا لِإعادَةِ أجْزاءِ الحِمارِ إلى التَّرْكِيبِ وإلى الحَياةِ إكْرامٌ عَظِيمٌ وتَشْرِيفٌ كَرِيمٌ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ الكافِرِ لَهُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما أدْخَلَها اللَّهُ تَعالى في الوُجُودِ إكْرامًا لِإنْسانٍ آخَرَ كانَ نَبِيًّا في ذَلِكَ الزَّمانِ ؟ .
قُلْنا: لَمْ يَجْرِ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ هَذا النَّبِيِّ، ولَيْسَ في هَذِهِ القِصَّةِ حالَةٌ مُشْعِرَةٌ بِوُجُودِ النَّبِيِّ أصْلًا، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن إظْهارِ هَذِهِ الأشْياءِ إكْرامَ ذَلِكَ النَّبِيِّ وتَأْيِيدَ رِسالَتِهِ بِالمُعْجِزَةِ لَكانَ تَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ الرَّسُولِ إهْمالًا لِما هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ مِنَ الكَلامِ وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَكانَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ مِن قَبْلِ الإماتَةِ والإحْياءِ أوْ بَعْدَهُما، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ إرْسالَ النَّبِيِّ مِن قِبَلِ اللَّهِ يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلى الأُمَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ بَعْدَ الإماتَةِ، وإنِ ادَّعى النُّبُوَّةَ بَعْدَ الإحْياءِ فالمُعْجِزُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى الدَّعْوى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٌ.
قُلْنا: إظْهارُ خَوارِقِ العاداتِ عَلى يَدِ مَن يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهُ سَيَصِيرُ رَسُولًا جائِزٌ عِنْدَنا، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ زالَ السُّؤالُ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في حَقِّ هَذا الشَّخْصِ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في حَقِّ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٩١] فَكانَ هَذا وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ يَجْعَلُهُ نَبِيًّا، وأيْضًا فَهَذا الكَلامُ [ إنْ ] لَمْ يَدُلَّ عَلى النُّبُوَّةِ بِصَرِيحِهِ فَلا شَكَّ أنَّهُ يُفِيدُ التَّشْرِيفَ العَظِيمَ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ وعَلى الشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن جَعْلِهِ آيَةً أنَّ مَن عَرَفَهُ مِنَ النّاسِ شابًّا كامِلًا إذا شاهَدُوهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ عَلى شَبابِهِ وقَدْ شاخُوا أوْ هَرِمُوا، أوْ سَمِعُوا بِالخَبَرِ أنَّهُ كانَ ماتَ مُنْذُ زَمانٍ وقَدْ عادَ شابًّا، صَحَّ أنْ يُقالَ لِأجْلِ ذَلِكَ: إنَّهُ آيَةٌ لِلنّاسِ لِأنَّهم يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ ويَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى، ونُبُوَّةَ نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ إخْبارٌ عَنْ أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهُ آيَةً، وهَذا الإخْبارُ إنَّما وقَعَ بَعْدَ أنْ أحْياهُ اللَّهُ، وتَكَلَّمَ مَعَهُ، والمَجْعُولُ لا يُجْعَلُ ثانِيًا، فَوَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ عَلى أمْرٍ زائِدٍ عَنْ هَذا الإحْياءِ، وأنْتُمْ تَحْمِلُونَهُ عَلى نَفْسِ هَذا الإحْياءِ فَكانَ باطِلًا.
والثّانِي: أنَّ وجْهَ التَّمَسُّكِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّشْرِيفِ العَظِيمِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ مَن ماتَ عَلى الكُفْرِ والشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ٢٨
الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ قالَ: إنَّ بُخْتَنَصَّرَ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ فَسَبى مِنهُمُ الكَثِيرِينَ، ومِنهم عُزَيْرٌ وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ، فَجاءَ بِهِمْ إلى بابِلَ، فَدَخَلَ عُزَيْرٌ يَوْمًا تِلْكَ القَرْيَةَ ونَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وهو عَلى حِمارٍ، فَرَبَطَ حِمارَهُ وطافَ في القَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ فِيها أحَدًا فَعَجِبَ مِن ذَلِكَ وقالَ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ لا عَلى سَبِيلِ الشَّكِّ في القُدْرَةِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ بِحَسَبِ العادَةِ، وكانَتِ الأشْجارُ مُثْمِرَةً، فَتَناوَلَ مِنَ الفاكِهَةِ التِّينَ والعِنَبَ، وشَرِبَ مِن عَصِيرِ العِنَبِ ونامَ، فَأماتَهُ اللَّهُ تَعالى في مَنامِهِ مِائَةَ عامٍ وهو شابٌّ، ثُمَّ أعْمى عَنْ مَوْتِهِ أيْضًا الإنْسَ والسِّباعَ والطَّيْرَ، ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ المِائَةِ ونُودِيَ مِنَ السَّماءِ: يا عُزَيْرُ ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ ؟ فَقالَ: (يَوْمًا) فَأبْصَرَ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةً فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ مِنَ التِّينِ والعِنَبِ ﴿وشَرابِكَ﴾ مِنَ العَصِيرِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُما، فَنَظَرَ فَإذا التِّينُ والعِنَبُ كَما شاهَدَهُما ثُمَّ قالَ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فَنَظَرَ فَإذا هو عِظامٌ بِيضٌ تَلُوحُ وقَدْ تَفَرَّقَتْ أوْصالُهُ وسَمِعَ صَوْتًا: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ إنِّي جاعِلٌ فِيكِ رُوحًا، فانْضَمَّ أجْزاءُ العِظامِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثُمَّ التَصَقَ كُلُّ عُضْوٍ بِما يَلِيقُ بِهِ الضِّلْعُ إلى الضِّلْعِ والذِّراعُ إلى مَكانِهِ، ثُمَّ جاءَ الرَّأْسُ إلى مَكانِهِ ثُمَّ العَصَبُ والعُرُوقُ ثُمَّ أنْبَتَ طَراءُ اللَّحْمِ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْبَسَطَ الجِلْدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الشُّعُورُ عَنِ الجِلْدِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإذا هو قائِمٌ يَنْهَقُ فَخَرَّ عُزَيْرٌ ساجِدًا، وقالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثُمَّ إنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَقالَ القَوْمُ: حَدَّثَنا آباؤُنا أنَّ عُزَيْرَ بْنَ شَرْخَياءَ ماتَ بِبابِلَ، وقَدْ كانَ بُخْتَنَصَّرُ قَتَلَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ قَرَأ التَّوْراةَ وكانَ فِيهِمْ عُزَيْرٌ، والقَوْمُ ما عَرَفُوا أنَّهُ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، فَلَمّا أتاهم بَعْدَ مِائَةِ عامٍ جَدَّدَ لَهُمُ التَّوْراةَ وأمْلاها عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لَمْ يَخْرِمْ مِنها حَرْفًا، وكانَتِ التَّوْراةُ قَدْ دُفِنَتْ في مَوْضِعٍ فَأُخْرِجَتْ، وعُورِضَ بِما أمْلاهُ فَما اخْتَلَفا في حَرْفٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وهَذِهِ الرِّوايَةُ مَشْهُورَةٌ فِيما بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ المارَّ كانَ نَبِيًّا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ القَرْيَةِ فَقالَ وهْبٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والرَّبِيعُ: إيلِياءُ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ حَذَرَ المَوْتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: خَوى البَيْتُ فَهو يَخْوِي خَواءً مَمْدُودًا إذا ما خَلا مِن أهْلِهِ، والخَوا: خُلُوُّ البَطْنِ مِنَ الطَّعامِ، وفي الحَدِيثِ: ”«كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سَجَدَ خَوّى» “ أيْ: خَلّى ما بَيْنَ عَضُدَيْهِ وجَنْبَيْهِ، وبَطْنِهِ وفَخْذَيْهِ. وخَوّى الفَرَسُ ما بَيْنَ قَوائِمِهِ. ثُمَّ يُقالُ لِلْبَيْتِ إذا انْهَدَمَ: خَوى لِأنَّهُ بِتَهَدُّمِهِ يَخْلُو مِن أهْلِهِ، وكَذَلِكَ: خَوَتِ النُّجُومُ وأخْوَتْ إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ لِأنَّها خَلَتْ عَنِ المَطَرِ. والعَرْشُ سَقْفُ البَيْتِ، والعُرُوشُ الأبْنِيَةُ، والسُّقُوفُ مِنَ الخَشَبِ يُقالُ: عَرَشَ الرَّجُلُ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ إذا بَنى وسَقَّفَ بِخَشَبٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: مُنْهَدِمَةٌ ساقِطَةٌ خَرابٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ حِيطانَها كانَتْ قائِمَةً وقَدْ تَهَدَّمَتْ سُقُوفُها، ثُمَّ انْقَعَرَتِ الحِيطانُ مِن قَواعِدِها فَتَساقَطَتْ عَلى السُّقُوفِ المُنْهَدِمَةِ، ومَعْنى الخاوِيَةِ المُنْقَلِعَةِ وهي المُنْقَلِعَةُ مِن أُصُولِها، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقَّةِ: ٧] ومَوْضِعٌ آخَرُ ﴿أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٢٠] وهَذِهِ الصِّفَةُ في خَرابِ المَنازِلِ مِن أحْسَنِ ما يُوصَفُ بِهِ.
والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ: خاوِيَةٌ عَنْ عُرُوشِها، جَعَلَ ”عَلى“ بِمَعْنى ”عَنْ“ كَقَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ٢] أيْ: عَنْهم.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ أنَّ القَرْيَةَ خاوِيَةٌ
صفحة ٢٩
مَعَ كَوْنِ أشْجارِها مَعْرُوشَةً، فَكانَ التَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ أكْثَرَ؛ لِأنَّ الغالِبَ مِنَ القَرْيَةِ الخالِيَةِ الخاوِيَةِ أنْ يَبْطُلَ ما فِيها مِن عُرُوشِ الفاكِهَةِ، فَلَمّا خَرِبَتِ القَرْيَةُ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها كانَ التَّعَجُّبُ أكْثَرَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَن قالَ: المارُّ كانَ كافِرًا حَمَلَهُ عَلى الشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَن قالَ: كانَ نَبِيًّا حَمَلَهُ عَلى الِاسْتِبْعادِ بِحَسَبِ مَجارِي العُرْفِ والعادَةِ أوْ كانَ المَقْصُودُ مِنهُ طَلَبَ زِيادَةِ الدَّلائِلِ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ، كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] وقَوْلُهُ (أنّى) أيْ: مِن أيْنَ كَقَوْلِهِ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٧]، والمُرادُ بِإحْياءِ هَذِهِ القَرْيَةِ عِمارَتُها، أيْ: مَتى يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ؟ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَفْعَلُهُ، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ في نَفْسِهِ، وفي إحْياءِ القَرْيَةِ آيَةً ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إماتَةِ اللَّهِ لَهُ مِائَةَ عامٍ، مَعَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالإحْياءِ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ بَعْدَ بَعْضِ يَوْمٍ حاصِلٌ ؟ .
قُلْنا: لِأنَّ الإحْياءَ بَعْدَ تَراخِي المُدَّةِ أبْعَدُ في العُقُولِ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ قُرْبِ المُدَّةِ، وأيْضًا فَلِأنَّ بَعْدَ تَراخِي المُدَّةِ ما يُشاهَدُ مِنهُ، ويُشاهِدُ هو مِن غَيْرِهِ أعْجَبَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ فالمَعْنى: ثُمَّ أحْياهُ، ويَوْمُ القِيامَةِ يُسَمّى يَوْمَ البَعْثِ؛ لِأنَّهم يُبْعَثُونَ مِن قُبُورِهِمْ، وأصْلُهُ مِن بَعَثْتُ النّاقَةَ إذا أقَمْتُها مِن مَكانِها، وإنَّما قالَ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ثُمَّ أحْياهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عادَ كَما كانَ أوَّلًا حَيًّا عاقِلًا فَهِمًا مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، ولَوْ قالَ: ثُمَّ أحْياهُ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الفَوائِدُ.
2:259Page 43
أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩
Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ وجْهانِ مِنَ القِراءَةِ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالإدْغامِ والباقُونَ بِالإظْهارِ، فَمَن أدْغَمَ فَلِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ ومَن أظْهَرَ فَلِتَبايُنِ المَخْرَجَيْنِ وإنْ كانا قَرِيبَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّ قائِلَ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى وإنَّما عُرِفَ أنَّ هَذا الخِطابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ الخِطابَ كانَ مَقْرُونًا بِالمُعْجِزِ، ولِأنَّهُ بَعْدَ الإحْياءِ شاهَدَ مِن أحْوالِ حِمارِهِ وظُهُورِ البِلى في عِظامِهِ ما عَرَفَ بِهِ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ لَمْ تَصْدُرْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ عالِمًا بِأنَّهُ كانَ مَيِّتًا، وكانَ عالِمًا بِأنَّ المَيِّتَ لا يُمْكِنُهُ بَعْدَ أنْ صارَ حَيًّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِ كانَتْ طَوِيلَةً أمْ قَصِيرَةً، فَمَعَ ذَلِكَ لِأيِّ حِكْمَةٍ سَألَهُ عَنْ مِقْدارِ تِلْكَ المُدَّةِ ؟ .
والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا السُّؤالِ التَّنْبِيهُ عَلى حُدُوثِ ما حَدَثَ مِنَ الخَوارِقِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ هَذا التَّرْدِيدَ ؟ .
الجَوابُ: أنَّ المَيِّتَ طالَتْ مُدَّةُ مَوْتِهِ أوْ قَصُرَتْ فالحالُ واحِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَأجابَ بِأقَلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَيِّتًا لِأنَّهُ اليَقِينُ، وفي التَّفْسِيرِ أنَّ إماتَتَهُ كانَتْ في أوَّلِ النَّهارِ، فَقالَ: (يَوْمًا) ثُمَّ لَمّا نَظَرَ إلى ضَوْءِ
صفحة ٣٠
الشَّمْسِ باقِيًا عَلى رُءُوسِ الجُدْرانِ فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ اللُّبْثُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ألَيْسَ هَذا يَكُونُ كَذِبًا ؟ .
والجَوابُ: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الظَّنِّ، ولا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِهَذا الكَذِبِ، ونَظِيرُهُ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكَهْفِ: ١٩] عَلى ما تَوَهَّمُوهُ ووَقَعَ عِنْدَهم، وأيْضًا قالَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ [يُوسُفَ: ٨١] وإنَّما قالُوا ذَلِكَ بِناءً عَلى الأمارَةِ مِن إخْراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ، أوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ بِسَبَبِ المَوْتِ ؟ .
الجَوابُ: الأظْهَرُ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ، وذَلِكَ لِأنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ في إماتَتِهِ ثُمَّ إحْيائِهِ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ أنْ يُشاهِدَ الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا عَرَفَ أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ، وهو أيْضًا قَدْ شاهَدَ إمّا في نَفْسِهِ أوْ في حِمارِهِ أحْوالًا دالَّةً عَلى أنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كانَ بِسَبَبِ المَوْتِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ، وقِيلَ: العامُ أصْلُهُ مِنَ العَوْمِ الَّذِي هو السِّباحَةُ، لِأنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا لا يُمْكِّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في إثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ و(اقْتَدِهْ) [ الأنْعامِ: ٩٠] و(مالِيَهْ) [الحاقة: ٢٨] و(سُلْطانِيَهْ) [الحاقة: ٢٩] و(ما هِيَهْ) [القارِعَةِ: ١٠] بَعْدَ أنِ اتَّفَقُوا عَلى إثْباتِها في الوَقْفِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ، وكانَ حَمْزَةُ يَحْذِفُهُنَّ في الوَصْلِ وكانَ الكِسائِيُّ يَحْذِفُ الهاءَ في الوَصْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ و(اقْتَدِهْ) [الأنْعامِ: ٩٠] ويُثْبِتُها في الوَصْلِ في الباقِي، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقَّةِ: ٢٥، ٢٦] أنَّها بِالهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أمّا الحَذْفُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اشْتِقاقَ قَوْلِهِ (يَتَسَنَّهْ) مِنَ السَّنَةِ، زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ أصْلَ السَّنَةِ سَنَوَةٌ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم يَقُولُونَ في الِاشْتِقاقِ مِنها أسَنَّتِ القَوْمَ إذا أصابَتْهُمِ السَّنَةُ، وقالَ الشّاعِرُ:
ورِجالُ مَكَّةَ مِسْنِتُونَ عِجافُ
ويَقُولُونَ في جَمْعِها: سَنَواتٌ، وفي الفِعْلِ مِنها: سانَيْتُ الرَّجُلَ مُساناةً إذا عامَلَهُ سَنَةً سَنَةً، وفي التَّصْغِيرِ: سُنَيَّةٌ. إذا ثَبَتَ هَذا كانَ الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لِلسَّكْتِ لا لِلْأصْلِ.
وثانِيها: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ أصْلُ سَنَةٍ سَنَنَةً، لِأنَّهم قالُوا في تَصْغِيرِها: سُنَيْنَةٌ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ، ثُمَّ أُسْقِطَتِ النُّونُ الأخِيرَةُ ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْها هاءُ السَّكْتِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، كَما أنَّ أصْلَ لَمْ يَتَقَضَّ البازِيُّ لَمْ يَتَقَضَّضِ البازِيُّ ثُمَّ أُسْقِطَتِ الضّادُ الأخِيرَةُ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ هاءُ
صفحة ٣١
السَّكْتِ عِنْدَ الوَقْفِ، فَيُقالُ: لَمْ يَتَقَضَّهْ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ مَأْخُوذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحِجْرِ: ٢٦] والسِّنُّ في اللُّغَةِ هو الصَّبُّ، هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، فَقَوْلُهُ: لَمْ يَتَسَنَّنْ، أيِ: الشَّرابُ بَقِيَ بِحالِهِ لَمْ يَنْضُبْ، وقَدْ أتى عَلَيْهِ مِائَةُ عامٍ، ثُمَّ إنَّهُ حُذِفَتِ النُّونُ الأخِيرَةُ وأُبْدِلَتْ بِهاءِ السَّكْتِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في الوَجْهِ الثّانِي، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ لِبَيانِ الحَذْفِ، وأمّا بَيانُ الإثْباتِ فَهو أنَّ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنَةِ، والسَّنَةُ أصْلُها سَنْهَةٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ في تَصْغِيرِها: سُنَيْهَةٌ، ويُقالُ: سانَهَتِ النَّخْلَةُ بِمَعْنى عاوَمَتْ، وآجَرْتُ الدّارَ مُسانَهَةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالهاءُ في ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لامُ الفِعْلِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يُحْذَفِ البَتَّةَ لا عِنْدَ الوَصْلِ ولا عِنْدَ الوَقْفِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ وأصْلُ مَعْنى ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ: لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ لِأنَّ مَرَّ السِّنِينَ إذا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَكَأنَّها لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ، ونَقَلْنا عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: لَمْ يَتَسَنَّنْ أيْ: لَمْ يَنْضُبِ الشَّرابُ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَبِثَ مِائَةَ عامٍ، بَلْ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى ما قالَهُ مِن أنَّهُ لَبِثَ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ.
والجَوابُ: أنَّهُ كُلَّما كانَتِ الشُّبْهَةُ أقْوى مَعَ عِلْمِ الإنْسانِ في الجُمْلَةِ أنَّها شُبْهَةٌ كانَ سَماعُ الدَّلِيلِ المُزِيلِ لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ آكَدَ ووُقُوعُهُ في العَمَلِ أكْمَلَ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ قالَ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فَإنَّ هَذا مِمّا يُؤَكِّدُ قَوْلَكَ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ اشْتِياقُكَ إلى الدَّلِيلِ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فَرَأى الحِمارَ صارَ رَمِيمًا وعِظامًا نَخِرَةً فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ يُسْرِعُ التَّغَيُّرُ فِيهِما، والحِمارُ رُبَّما بَقِيَ دَهْرًا طَوِيلًا وزَمانًا عَظِيمًا، فَرَأى ما لا يَبْقى باقِيًا، وهو الطَّعامُ والشَّرابُ، وما يَبْقى غَيْرَ باقٍ وهو العِظامُ، فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَمَكُّنُ وُقُوعِ هَذِهِ الحُجَّةِ في عَقْلِهِ وفي قَلْبِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ راجِعٌ إلى الشَّرابِ لا إلى الطَّعامِ.
والجَوابُ: كَما يُوصَفُ الشَّرابُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَذَلِكَ يُوصَفُ الطَّعامُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، لا سِيَّما إذا كانَ الطَّعامُ لَطِيفًا يَتَسارَعُ الفَسادُ إلَيْهِ، والمَرْوِيُّ أنَّ طَعامَهُ كانَ التِّينَ والعِنَبَ، وشَرابُهُ كانَ عَصِيرَ العِنَبِ واللَّبَنَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”وانْظُرْ إلى طَعامِكَ وهَذا شَرابُكَ لَمْ يَتَسَنَّنْ“ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ عَرَفَهُ طُولَ مُدَّةَ مَوْتِهِ بِأنْ شاهَدَ عِظامَ حِمارِهِ نَخِرَةً رَمِيمَةً، وهَذا في الحَقِيقَةِ لا يَدُلُّ بِذاتِهِ، لِأنَّهُ لَمّا شاهَدَ انْقِلابَ العِظامِ النَّخِرَةِ حَيًّا في الحالِ عَلِمَ أنَّ القادِرَ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يُمِيتَ الحِمارَ في الحالِ ويَجْعَلَ عِظامَهُ رَمِيمَةً نَخِرَةً في الحالِ، وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ بِعِظامِ الحِمارِ عَلى طُولِ مُدَّةِ المَوْتِ، بَلِ انْقِلابُ عِظامِ الحِمارِ إلى الحَياةِ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما سُمِعَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: مَعْنى قَوْلِهِ أنَّهُ لَمّا أُحْيِيَ بَعْدَ المَوْتِ كانَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ آيَةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ شابًّا أسْوَدَ الرَّأْسِ، وبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ بِيضُ اللِّحى والرُّءُوسِ.
صفحة ٣٢
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّشْرِيفُ والتَّعْظِيمُ والوَعْدُ بِالدَّرَجَةِ العالِيَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ والشَّكِّ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: (ولِنَجْعَلَكَ) ؟ قُلْنا: قالَ الفَرّاءُ: دَخَلَتِ الواوُ لِأنَّهُ فَعَلَ بَعْدَها مُضْمَرٌ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: وانْظُرْ إلى حِمارِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً، كانَ النَّظَرُ إلى الحِمارِ شَرْطًا، وجَعْلُهُ آيَةً جَزاءً، وهَذا المَعْنى غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِن هَذا الكَلامِ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ كانَ المَعْنى: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الإماتَةِ والإحْياءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنْعامِ: ١٥] والمَعْنى: ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَّفْنا الآياتِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٥] أيْ: ونُرِيَهُ المَلَكُوتَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ فَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعِظامِ عِظامُ حِمارِهِ، فَإنَّ اللّامَ فِيهِ بَدَلُ الكِنايَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادُوا بِهِ عِظامَ هَذا الرَّجُلِ نَفْسِهِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أحْيا رَأْسَهُ وعَيْنَيْهِ، وكانَتْ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ عِظامًا نَخِرَةً، فَكانَ يَنْظُرُ إلى أجْزاءِ عِظامِ نَفْسِهِ فَرَآها تَجْتَمِعُ ويَنْضَمُّ البَعْضُ إلى البَعْضِ، وكانَ يَرى حِمارَهُ واقِفًا كَما رَبَطَهُ حِينَ كانَ حَيًّا لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عامٍ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ: وانْظُرْ إلى عِظامِكَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ، وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ إنَّما يَلِيقُ بِمَن لا يَرى أثَرَ التَّغَيُّرِ في نَفْسِهِ فَيَظُنُّ أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَعْضِ يَوْمٍ، أمّا مَن شاهَدَ أجْزاءَ بَدَنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وعِظامَ بَدَنَةٍ رَمِيمَةٍ نَخِرَةٍ، فَلا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ القَوْلُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ خاطَبَهُ وأجابَ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُجِيبُ هو الَّذِي أماتَهُ اللَّهُ، فَإذا كانَتِ الإماتَةُ راجِعَةً إلى كُلِّهِ، فالمُجِيبُ أيْضًا الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةَ الشَّخْصِ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ أحْياها وبَعَثَها.
أمّا قَوْلُهُ: (كَيْفَ نُنْشِرُها) فالمُرادُ يُحْيِيها، يُقالُ: أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ ونَشَرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عَبَسَ: ٢٢ ] وقَدْ وصَفَ اللَّهُ العِظامَ بِالإحْياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] وقُرِئَ ”نَنْشُرُها“ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ، قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى النَّشْرِ بَعْدَ الطَّيِّ، وذَلِكَ أنَّ بِالحَياةِ يَكُونُ الِانْبِساطُ في التَّصَرُّفِ، فَهو كَأنَّهُ مَطْوِيٌّ ما دامَ مَيِّتًا، فَإذا عادَ صارَ كَأنَّهُ نُشِرَ بَعْدَ الطَّيِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”نُنْشِزُها“ بِالزّايِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقُ، والمَعْنى نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، وإنْشازُ الشَّيْءِ رَفْعُهُ، يُقالُ أنَشَزْتُهُ فَنَشَزَ، أيْ: رَفَعْتُهُ فارْتَفَعَ، ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ نَشَزَ، ومِنهُ نُشُوزُ المَرْأةِ، وهو أنْ تَرْتَفِعَ عَنْ حَدِّ رِضا الزَّوْجِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: كَيْفَ نَرْفَعُها مِنَ الأرْضِ فَنَرُدَّها إلى أماكِنِها مِنَ الجَسَدِ ونُرَكِّبَ بَعْضَها عَلى البَعْضِ، ورُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ”نَنْشُزُها“ بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ والزّايِ، ووَجْهُهُ ما قالَ الأخْفَشُ أنَّهُ يُقالُ: نَشَزْتُهُ وأنْشَزْتُهُ أيْ: رَفَعْتُهُ. والمَعْنى مِن جَمِيعِ القِراءاتِ أنَّهُ تَعالى رَكَّبَ العِظامَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ حَتّى اتَّصَلَتْ عَلى نِظامٍ، ثُمَّ بَسَطَ اللَّحْمَ عَلَيْها، ونَشَرَ العُرُوقَ والأعْصابَ واللُّحُومَ والجُلُودَ عَلَيْها، ورَفَعَ بَعْضَهُ إلى جَنْبِ البَعْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ القِراءاتِ داخِلًا في ذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ وهَذا راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾
صفحة ٣٣
والمَعْنى: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ وُقُوعُ ما كانَ يَسْتَبْعِدُ وُقُوعَهُ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فاعِلُ ”تَبَيَّنَ لَهُ“ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، وهَذا عِنْدِي فِيهِ تَعَسُّفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أمْرُ الإماتَةِ والإحْياءِ عَلى سَبِيلِ المُشاهَدَةِ قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وتَأْوِيلُهُ: أنِّي قَدْ عَلِمْتُ مُشاهَدَةَ ما كُنْتُ أعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”قالَ اعْلَمْ“ عَلى لَفْظِ الأمْرِ، وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ التَّبَيُّنِ أمَرَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، قالَ الأعْشى:
ودِّعْ أُمامَةَ إنَّ الرَّكْبَ قَدْ رَحَلُوا
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ والأعْمَشِ: (قِيلَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِها: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قالَ القاضِي: والقِراءَةُ الأُولى أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ عَدَمِ المَأْمُورِ بِهِ، وهَهُنا العِلْمُ حاصِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ فَكانَ الأمْرُ بِتَحْصِيلِ العِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ جائِزٍ، أمّا الإخْبارُ عَنْ أنَّهُ حَصَلَ كانَ جائِزًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences