Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:26
2:26Page 5
۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا أوْرَدَ هَهُنا شُبْهَةً أوْرَدَها الكُفّارُ قَدْحًا في ذَلِكَ وأجابَ عَنْها، وتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ: أنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِكَلامِ الفُصَحاءِ فاشْتِمالُ القُرْآنِ عَلَيْها يَقْدَحُ في فَصاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِأنَّ
صفحة ١٢٢
صِغَرَ هَذِهِ الأشْياءِ لا يَقْدَحُ في الفَصاحَةِ إذا كانَ ذِكْرُها مُشْتَمِلًا عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلْ: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]، فَطَعَنَ في أصْنامِهِمْ ثُمَّ شَبَّهَ عِبادَتَها بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ قالَتِ اليَهُودُ: أيُّ قَدْرٍ لِلذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ حَتّى يَضْرِبَ اللَّهُ المَثَلَ بِهِما ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ طَعَنُوا في ضَرْبِ الأمْثالِ بِالنّارِ والظُّلُماتِ والرَّعْدِ والبَرْقِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا الطَّعْنَ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَ القَفّالُ: الكُلُّ مُحْتَمَلٌ هَهُنا، أمّا اليَهُودُ فَلِأنَّهُ قِيلَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وهَذا صِفَةُ اليَهُودِ؛ لِأنَّ الخِطابَ بِالوَفاءِ وبِالعَهْدِ فِيما بَعْدُ إنَّما هو لِبَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الكُفّارُ والمُنافِقُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا في سُورَةِ المُدَّثِّرِ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١] الآيَةَ، فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ كَفَرُوا يَحْتَمِلُ المُشْرِكِينَ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، فَقَدْ جُمِعَ الفَرِيقانِ هَهُنا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: احْتِمالُ الكُلِّ هَهُنا قائِمٌ لِأنَّ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ واليَهُودَ كانُوا مُتَوافِقِينَ في إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ مَضى مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ ذِكْرُ اليَهُودِ وذِكْرُ المُنافِقِينَ وذِكْرُ المُشْرِكِينَ. وكُلُّهم مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثُمَّ قالَ القَفّالُ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ سَبَبٍ لِأنَّ مَعْناهُ في نَفْسِهِ مُفِيدٌ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَياءَ تَغَيُّرٌ وانْكِسارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن خَوْفِ ما يُعابُ بِهِ ويُذَمُّ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ، يُقالُ: حَيِيَ الرَّجُلُ، كَما يُقالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشَظِيَ الفَرَسُ: إذا اعْتَلَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ. جَعَلَ الحَيِيَّ لِما يَعْتَرِيهِ الِانْكِسارُ والتَّغَيُّرُ مُنْكَسِرَ القُوَّةِ مُنَغَّصَ الحَياةِ، كَما قالُوا: فُلانٌ هَلَكَ حَياءً مِن كَذا، وماتَ حَياءً، ورَأيْتُ الهَلاكَ في وجْهِهِ مِن شِدَّةِ الحَياءِ، وذابَ حَياءً، وإذا ثَبَتَ هَذا اسْتَحالَ الحَياءُ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ البَدَنَ، وذَلِكَ لا يُعْقَلُ إلّا في حَقِّ الجِسْمِ، ولَكِنَّهُ وارِدٌ في الأحادِيثِ. رَوى سَلْمانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ العَبْدُ إلَيْهِ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيهِما خَيْرًا» “، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُهُ، وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو القانُونُ في أمْثالِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ أنَّ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ لِلْعَبْدِ مِمّا يَخْتَصُّ بِالأجْسامِ فَإذا وُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى نِهاياتِ الأعْراضِ لا عَلى بِداياتِ الأعْراضِ، مِثالُهُ أنَّ الحَياءَ حالَةٌ تَحْصُلُ لِلْإنْسانِ لَكِنَّ لَها مَبْدَأً ومُنْتَهًى، أمّا المَبْدَأُ فَهو التَّغَيُّرُ الجُسْمانِيُّ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن خَوْفِ أنْ يُنْسَبَ إلى القَبِيحِ، وأمّا النِّهايَةُ فَهو أنْ يَتْرُكَ الإنْسانُ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَإذا ورَدَ الحَياءُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ ذَلِكَ الخَوْفُ الَّذِي هو مَبْدَأُ الحَياءِ ومُقَدَّمَتُهُ، بَلْ تَرْكُ الفِعْلِ الَّذِي هو مُنْتَهاهُ وغايَتُهُ، وكَذَلِكَ الغَضَبُ لَهُ عَلامَةٌ ومُقَدَّمَةٌ وهي غَلَيانُ دَمِ القَلْبِ وشَهْوَةُ الِانْتِقامِ، ولَهُ غايَةٌ وهو إنْزالُ العِقابِ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإذا وصَفْنا اللَّهَ تَعالى بِالغَضَبِ فَلَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ المَبْدَأ - أعْنِي شَهْوَةَ الِانْتِقامِ وغَلَيانَ دَمِ القَلْبِ - بَلِ المُرادُ تِلْكَ النِّهايَةُ وهو إنْزالُ العِقابِ، فَهَذا هو القانُونُ الكُلِّيُّ في هَذا البابِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تَقَعَ هَذِهِ العِبارَةُ في كَلامِ الكَفَرَةِ فَقالُوا: أمّا يَسْتَحِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ، فَجاءَ هَذا الكَلامُ عَلى سَبِيلِ إطْباقِ الجَوابِ عَلى السُّؤالِ، وهَذا فَنٌّ بَدِيعٌ مِنَ الكَلامِ، ثُمَّ
صفحة ١٢٣
قالَ القاضِي: ما لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ مِن هَذا الجِنْسِ إثْباتًا فَيَجِبُ أنْ لا يُطْلَقَ عَلى طَرِيقِ النَّفْيِ أيْضًا عَلَيْهِ، وإنَّما يُقالُ: إنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: لا يَسْتَحِي، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَمُحالٌ؛ لِأنَّهُ يُوهِمُ نَفْيَ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ، وما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] فَهو بِصُورَةِ النَّفْيِ ولَيْسَ بِنَفْيٍ عَلى الحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، ولَيْسَ كُلُّ ما ورَدَ في القُرْآنِ إطْلاقُهُ جائِزًا أنْ يُطْلَقَ في المُخاطَبَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ إلّا مَعَ بَيانِ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا شَكَّ في أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ مَنفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَكانَ الإخْبارُ عَنِ انْتِفائِها صِدْقًا فَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ. بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ الإخْبارَ عَنِ انْتِفائِها يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: هَذِهِ الدَّلالَةُ مَمْنُوعَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَ هَذا النَّفْيِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ غَيْرِهِ، بَلْ لَوْ قُرِنَ بِاللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ الصِّحَّةِ أيْضًا كانَ ذَلِكَ أحْسَنَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ مُبالَغَةً في البَيانِ، ولَيْسَ إذا كانَ غَيْرُهُ أحْسَنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبِيحًا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ضَرْبَ الأمْثالِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ في العُقُولِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إطْباقُ العَرَبِ والعَجَمِ عَلى ذَلِكَ، أمّا العَرَبُ فَذَلِكَ مَشْهُورٌ عِنْدَهم وقَدْ تَمَثَّلُوا بِأحْقَرِ الأشْياءِ، فَقالُوا في التَّمْثِيلِ بِالذَّرَّةِ: أجْمَعُ مِن ذَرَّةٍ، وأضْبَطُ مِن ذَرَّةٍ، وأخْفى مِنَ الذَّرَّةِ، وفي التَّمْثِيلِ بِالذُّبابِ: أجْرَأُ مِنَ الذُّبابِ، وأخْطَأُ مِنَ الذُّبابِ، وأطْيَشُ مِنَ الذُّبابِ، وأشْبَهُ مِنَ الذُّبابِ بِالذُّبابِ، وألَحُّ مِنَ الذُّبابِ. وفي التَّمْثِيلِ بِالقُرادِ: أسْمَعُ مِن قُرادٍ، وأصْغَرُ مِن قُرادٍ. وأعْلَقُ مِن قُرادٍ. وأغَمُّ مِن قُرادٍ، وأدَبُّ مِن قُرادٍ، وقالُوا في الجَرادِ: أطْيَرُ مِن جَرادَةٍ، وأحْطَمُ مِن جَرادَةٍ، وأفْسَدُ مِن جَرادَةٍ. وأصْفى مِن لُعابِ الجَرادِ. وفي الفَراشَةِ: أضْعَفُ مِن فَراشَةٍ، وأطْيَشَ مِن فَراشَةٍ، وأجْهَلُ مِن فَراشَةٍ، وفي البَعُوضَةِ: أضْعَفُ مِن بَعُوضَةٍ، وأعَزُّ مِن مُخِّ البَعُوضَةِ، وكَلَّفَنِي مُخَّ البَعُوضَةِ، في مِثْلِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ. وأمّا العَجَمُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ ”كِتابُ كَلِيلَةَ ودِمْنَةَ“ وأمْثالُهُ، وفي بَعْضِها: قالَتِ البَعُوضَةُ، وقَدْ وقَعَتْ عَلى نَخْلَةٍ عالِيَةٍ وأرادَتْ أنْ تَطِيرَ عَنْها: يا هَذِهِ اسْتَمْسِكِي فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أطِيرَ، فَقالَتِ النَّخْلَةُ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِوُقُوعِكِ فَكَيْفَ أشْعُرُ بِطَيَرانِكِ.
وثانِيها: أنَّهُ ضَرَبَ الأمْثالَ في إنْجِيلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأشْياءِ المُسْتَحْقَرَةِ، قالَ: مَثَلُ مَلَكُوتِ السَّماءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ زَرَعَ في قَرْيَتِهِ حِنْطَةً جَيِّدَةً نَقِيَّةً، فَلَمّا نامَ النّاسُ جاءَ عَدُوُّهُ فَزَرَعَ الزُّوانَ بَيْنَ الحِنْطَةِ، فَلَمّا نَبَتَ الزَّرْعُ وأثْمَرَ العُشْبُ غَلَبَ عَلَيْهِ الزُّوانُ، فَقالَ عَبِيدُ الزّارِعِ: يا سَيِّدَنا ألَيْسَ حِنْطَةً جَيِّدَةً نَقِيَّةً زَرَعْتَ في قَرْيَتِكَ ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَمِن أيْنَ هَذا الزُّوانُ ؟ قالَ: لَعَلَّكم إنْ ذَهَبْتُمْ أنْ تَقْلَعُوا الزُّوانَ فَتَقْلَعُوا مَعَهُ الحِنْطَةَ، فَدَعُوهُما يَتَرَبَّيانِ جَمِيعًا حَتّى الحَصادِ. فَأمَرَ الحَصّادِينَ أنْ يَلْتَقِطُوا الزُّوانَ مِنَ الحِنْطَةِ وأنْ يَرْبُطُوهُ حُزَمًا ثُمَّ يَحْرِقُوهُ بِالنّارِ ويَجْمَعُوا الحِنْطَةَ إلى الخَزائِنِ.
وأُفَسِّرُ لَكم: ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي زَرَعَ الحِنْطَةَ الجَيِّدَةَ هو أبُو البَشَرِ، والقَرْيَةُ هي العالَمُ، والحِنْطَةُ الجَيِّدَةُ النَّقِيَّةُ هو نَحْنُ أبْناءُ المَلَكُوتِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَ الزُّوانَ هو إبْلِيسُ، والزُّوانُ هو المَعاصِي الَّتِي يَزْرَعُها إبْلِيسُ وأصْحابُهُ، والحَصّادُونَ هُمُ المَلائِكَةُ يَتْرُكُونَ النّاسَ حَتّى تَدْنُوَ آجالُهم فَيَحْصُدُونَ أهْلَ الخَيْرِ إلى مَلَكُوتِ اللَّهِ، وأهْلَ الشَّرِّ إلى الهاوِيَةِ وكَما أنَّ الزُّوانَ يُلْتَقَطُ ويُحْرَقُ بِالنّارِ كَذَلِكَ رُسُلُ اللَّهِ ومَلائِكَتُهُ يَلْتَقِطُونَ مِن مَلَكُوتِهِ المُتَكاسِلِينَ وجَمِيعَ عُمّالِ الإثْمِ فَيُلْقُونَهم في أتُونِ الهاوِيَةِ فَيَكُونُ هُنالِكَ البُكاءُ وصَرِيفُ الأسْنانِ، ويَكُونُ الأبْرارُ هُنالِكَ في مَلَكُوتِ
صفحة ١٢٤
رَبِّهِمْ، مَن كانَتْ لَهُ أُذُنٌ تَسْمَعُ فَلْيَسْمَعْ.
وأضْرِبُ لَكم مَثَلًا آخَرَ يُشْبِهُ مَلَكُوتَ السَّماءِ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أخَذَ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ وهي أصْغَرُ الحُبُوبِ وزَرَعَها في قَرْيَتِهِ، فَلَمّا نَبَتَتْ عَظُمَتْ حَتّى صارَتْ كَأعْظَمِ شَجَرَةٍ مِنَ البُقُولِ، وجاءَ طَيْرٌ مِنَ السَّماءِ فَعَشَّشَ في فُرُوعِها، فَكَذَلِكَ الهُدى؛ مَن دَعا إلَيْهِ ضاعَفَ اللَّهُ أجْرَهُ وعَظَّمَهُ ورَفَعَ ذِكْرَهُ، ونَجّى مَنِ اقْتَدى بِهِ.
وقالَ: لا تَكُونُوا كَمُنْخُلٍ يَخْرُجُ مِنهُ الدَّقِيقُ الطَّيِّبُ ويُمْسِكُ النُّخالَةَ، وكَذَلِكَ أنْتُمْ تَخْرُجُ الحِكْمَةُ مِن أفْواهِكم وتُبْقُونَ الغِلَّ في صُدُورِكم. وقالَ: قُلُوبُكم كالحَصاةِ الَّتِي لا تُنْضِجُها النّارُ ولا يُلَيِّنُها الماءُ ولا تَنْسِفُها الرِّياحُ، وقالَ لا تَدَّخِرُوا ذَخائِرَكم حَيْثُ السُّوسُ والأرَضَةُ فَتُفْسِدَها، ولا في البَرِّيَّةِ حَيْثُ السُّمُومُ واللُّصُوصُ فَتَحْرِقَها السُّمُومُ وتَسْرِقَها اللُّصُوصُ، ولَكِنِ ادَّخِرُوا ذَخائِرَكم عِنْدَ اللَّهِ.
وقالَ: نَحْفِرُ فَنَجِدُ دَوابَّ عَلَيْها لِباسُها وهُناكَ رِزْقُها وهُنَّ لا يَزْرَعْنَ ولا يَحْصُدْنَ، ومِنهُنَّ مَن هو في جَوْفِ الحَجَرِ الأصَمِّ أوْ في جَوْفِ العُودِ، مَن يَأْتِيهِنَّ بِلِباسِهِنَّ وأرْزاقِهِنَّ إلّا اللَّهُ ؟ أفَلا تَعْقِلُونَ ؟ وقالَ: لا تُثِيرُوا الزَّنابِيرَ فَتَلْدَغَكم ولا تُخاطِبُوا السُّفَهاءَ فَيَشْتُمُوكم.
فَظَهَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَ الأمْثالَ بِهَذِهِ الأشْياءِ الحَقِيرَةِ، وأمّا العَقْلُ فَلِأنَّ مِن طَبْعِ الخَيالِ المُحاكاةُ والتَّشَبُّهُ، فَإذا ذُكِرَ المَعْنى وحْدَهُ أدْرَكَهُ العَقْلُ ولَكِنْ مَعَ مُنازَعَةِ الخَيالِ، وإذا ذُكِرَ مَعَهُ الشَّبَهُ أدْرَكَهُ العَقْلُ مَعَ مُعاوَنَةِ الخَيالِ، ولا شَكَّ أنَّ الثّانِيَ يَكُونُ أكْمَلَ، وأيْضًا فَنَحْنُ نَرى أنَّ الإنْسانَ يَذْكُرُ مَعْنًى ولا يَلُوحُ لَهُ كَما يَنْبَغِي، فَإذا ذَكَرَ المِثالَ اتَّضَحَ وصارَ مُبَيَّنًا مَكْشُوفًا، وإنْ كانَ التَّمْثِيلُ يُفِيدُ زِيادَةَ البَيانِ والوُضُوحِ وجَبَ ذِكْرُهُ في الكِتابِ الَّذِي لا يُرادُ مِنهُ إلّا الإيضاحُ والبَيانُ.
أمّا قَوْلُهم: ضَرْبُ الأمْثالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ الحَقِيرَةِ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، قُلْنا: هَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الصَّغِيرَ والكَبِيرَ وحُكْمُهُ في كُلِّ ما خَلَقَ وبَرَأ عامٌّ؛ لِأنَّهُ قَدْ أحْكَمَ جَمِيعَهُ، ولَيْسَ الصَّغِيرُ أخَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الكَبِيرِ والعَظِيمُ أصْعَبَ مِنَ الصَّغِيرِ، وإذا كانَ الكُلُّ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ لَمْ يَكُنِ الكَبِيرُ أوْلى أنْ يَضْرِبَهُ مَثَلًا لِعِبادِهِ مِنَ الصَّغِيرِ، بَلِ المُعْتَبَرُ فِيهِ ما يَلِيقُ بِالقِصَّةِ، فَإذا كانَ الألْيَقُ بِها الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ يَضْرِبُ المَثَلَ بِهِما لا بِالفِيلِ والجَمَلِ، فَإذا أرادَ تَعالى أنْ يُقَبِّحَ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ وعُدُولَهم عَنْ عِبادَةِ الرَّحْمَنِ صَلُحَ أنْ يَضْرِبَ المَثَلَ بِالذُّبابِ لِيُبَيِّنَ أنَّ قَدَرَ مَصَرَّتِها لا يَنْدَفِعُ بِهَذِهِ الأصْنامِ، ويَضْرِبُ المَثَلَ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ لِيُبَيِّنَ أنَّ عِبادَتَها أوْهَنُ وأضْعَفُ مِن ذَلِكَ، وفي مِثْلِ ذَلِكَ كُلَّما كانَ المَضْرُوبُ بِهِ المَثَلُ أضْعَفَ كانَ المَثَلُ أقْوى وأوْضَحَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الأصَمُّ: ”ما“ في قَوْلِهِ: (مَثَلًا ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ زِيادَةٌ ولَغْوٌ، والأصَحُّ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ هُدًى وبَيانًا، وكَوْنُهُ لَغْوًا يُنافِي ذَلِكَ. وفي (بَعُوضَةً) قِراءَتانِ، إحْداهُما: النَّصْبُ، وفي لَفْظَةِ (ما) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنَّها مَبْنِيَّةٌ وهي الَّتِي إذا قُرِنَتْ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ أبْهَمَتْهُ إبْهامًا وزادَتْهُ شُيُوعًا وبُعْدًا عَنِ الخُصُوصِيَّةِ.
بَيانُهُ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِصاحِبِهِ: أعْطِنِي كِتابًا أنْظُرْ فِيهِ، فَأعْطاهُ بَعْضَ الكُتُبِ، صَحَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: أرَدْتُ كِتابًا آخَرَ ولَمْ أُرِدْ هَذا، ولَوْ قالَهُ مَعَ (ما) لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: أعْطِنِي كِتابًا، أيَّ كِتابٍ كانَ.
الثّانِي: أنَّها نَكِرَةٌ قامَ تَفْسِيرُها بِاسْمِ الجِنْسِ مَقامَ الصِّفَةِ، أمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَفِيها وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّها مَوْصُولَةٌ صِلَتُها الجُمْلَةُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ هو بَعُوضَةٌ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ كَما حُذِفَ في ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . الثّانِي: أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ كَأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ما بَعُوضَةٌ فَما فَوْقَها، حَتّى يَضْرِبَ المَثَلَ بِهِ، بَلْ لَهُ أنْ يُمَثِّلَ بِما هو أقَلُّ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا، كَما يُقالُ: فُلانٌ لا يُبالِي بِما وهَبَ، ما دِينارٌ ودِينارانِ، أيْ يَهَبُ ما هو أكْثَرُ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
* * *
صفحة ١٢٥
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ضَرْبُ المَثَلِ: اعْتِمادُهُ وتَكْوِينُهُ، مِن ضَرْبِ اللَّبِنِ وضَرْبِ الخاتَمِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: انْتَصَبَ (بَعُوضَةً) بِأنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِـ (مَثَلًا) أوْ مَفْعُولٌ لِـ (يَضْرِبَ) و(مَثَلًا) حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، أوْ ثانِي مَفْعُولَيْنِ لِـ (يَضْرِبَ) مُضَمَّنًا مَعْنى يَجْعَلُ، وهَذا إذا كانَتْ (ما) صِلَةً أوْ إبْهامِيَّةً، فَإنْ كانَتْ مُفَسَّرَةً بِبَعُوضَةٍ فَهي تابِعَةٌ لِما هي تَفْسِيرٌ لَهُ، والمُفَسِّرُ والمُفَسَّرُ مَعًا لِمَجْمُوعِهِما عَطْفُ بَيانٍ أوْ مَفْعُولٌ، و(مَثَلًا) حالٌ مُقَدَّمَةٌ.
وأمّا رَفْعُها فَبِكَوْنِها خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أمّا إذا كانَتْ (ما) مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً أوِ اسْتِفْهامِيَّةً فَأمْرُها ظاهِرٌ، فَإذا كانَتْ إبْهامِيَّةً فَهي عَلى الجَوابِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما هو ؟ فَقِيلَ: بَعُوضَةٌ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اشْتِقاقُ البَعُوضِ مِنَ البَعْضِ وهو القَطْعُ كالبَضْعِ والعَضْبِ، يُقالُ: بَعَضَهُ البَعُوضُ، ومِنهُ: بَعْضُ الشَّيْءِ؛ لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنهُ، والبَعُوضُ في أصْلِهِ صِفَةٌ عَلى فَعُولٍ كالقَطُوعِ، فَغَلَبَتِ اسْمِيَّتُهُ، وعَنْ بَعْضِهِمِ: اشْتِقاقُهُ مِن بَعْضِ الشَّيْءِ، سُمِّيَ بِهِ لِقِلَّةِ جُرْمِهِ وصِغَرِهِ ولِأنَّ بَعْضَ الشَّيْءِ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى كُلِّهِ، والوَجْهُ القَوِيُّ هو الأوَّلُ، قالَ: وهو مِن عَجائِبِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى؛ فَإنَّهُ صَغِيرٌ جِدًّا وخُرْطُومُهُ في غايَةِ الصِّغَرِ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُجَوَّفٌ ثُمَّ ذَلِكَ الخُرْطُومُ مَعَ فَرْطِ صِغَرِهِ وكَوْنِهِ جَوْفًا يَغُوصُ في جِلْدِ الفِيلِ والجامُوسِ عَلى ثَخانَتِهِ، كَما يَضْرِبُ الرَّجُلُ إصْبَعَهُ في الخَبِيصِ، وذَلِكَ لِما رَكَّبَ اللَّهُ في رَأْسِ خُرْطُومِهِ مِنَ السُّمِّ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَما فَوْقَها﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ فَما هو أعْظَمُ مِنها في الجُثَّةِ كالذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ والحِمارِ والكَلْبِ، فَإنَّ القَوْمَ أنْكَرُوا تَمْثِيلَ اللَّهِ تَعالى بِكُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ. والثّانِي: أرادَ بِما فَوْقَها في الصِّغَرِ أيْ بِما هو أصْغَرُ مِنها، والمُحَقِّقُونَ مالُوا إلى هَذا القَوْلِ لِوُجُوهٍ
: أحَدُها: أنَّ المَقْصِدَ مِن هَذا التَّمْثِيلِ تَحْقِيرُ الأوْثانِ، وكُلَّما كانَ المُشَبَّهُ بِهِ أشَدَّ حَقارَةً كانَ المَقْصُودُ في هَذا البابِ أكْمَلَ حُصُولًا.
وثانِيها: أنَّ الغَرَضَ هَهُنا بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَمْتَنِعُ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالشَّيْءِ الحَقِيرِ، وفي مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ ثانِيًا أشَدَّ حَقارَةً مِنَ الأوَّلِ، يُقالُ: إنَّ فُلانًا يَتَحَمَّلُ الذُّلَّ في اكْتِسابِ الدِّينارِ، وفي اكْتِسابِ ما فَوْقَهُ، يَعْنِي في القِلَّةِ؛ لِأنَّ تَحَمُّلَ الذُّلِّ في اكْتِسابِ أقَلَّ مِنَ الدِّينارِ أشَدُّ مِن تَحَمُّلِهِ في اكْتِسابِ الدِّينارِ.
وثالِثُها: أنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ أصْغَرَ كانَ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِهِ أصْعَبَ، فَإذا كانَ في نِهايَةِ الصِّغَرِ لَمْ يُحِطْ بِهِ إلّا عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ التَّمْثِيلُ بِهِ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالشَّيْءِ الكَبِيرِ، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: بِأنَّ لَفْظَ ”فَوْقَ“ يَدُلُّ عَلى العُلُوِّ، فَإذا قِيلَ هَذا فَوْقَ ذاكَ، فَإنَّما مَعْناهُ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا مَدَحَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والرَّجُلُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، فَقالَ عَلِيٌّ: أنا دُونَ ما تَقُولُ وفَوْقَ ما في نَفْسِكَ، أرادَ بِهَذا أعْلى مِمّا في نَفْسِكَ.
الثّانِي: كَيْفَ يُضْرَبُ المَثَلُ بِما دُونَ البَعُوضَةِ وهي النِّهايَةُ في الصِّغَرِ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ كانَ ثُبُوتُ صِفَةٍ فِيهِ أقْوى مِن ثُبُوتِها في شَيْءٍ آخَرَ كانَ ذَلِكَ الأقْوى فَوْقَ الأضْعَفِ في تِلْكَ الصِّفَةِ، يُقالُ: إنَّ فُلانًا فَوْقَ فُلانٍ في اللُّؤْمِ والدَّناءَةِ. أيْ هو أكْثَرُ لُؤْمًا ودَناءَةً مِنهُ، وكَذا إذا قِيلَ: هَذا فَوْقَ ذَلِكَ في الصِّغَرِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ صِغَرًا مِنهُ، والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ جَناحَ البَعُوضَةِ أقَلُّ مِنها وقَدْ ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلًا لِلدُّنْيا.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: ”أمّا“ حَرْفٌ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ يُجابُ بِالفاءِ وهَذا يُفِيدُ التَّأْكِيدُ، تَقُولُ: زَيْدٌ ذاهِبٌ، فَإذا قَصَدْتَ تَوْكِيدَ ذَلِكَ وأنَّهُ لا مَحالَةَ ذاهِبٌ قُلْتَ: أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيرادُ
صفحة ١٢٦
الجُمْلَتَيْنِ مُصَدَّرَتَيْنِ بِهِ إحْمادٌ عَظِيمٌ لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ واعْتِدادٌ بِعِلْمِهِمْ أنَّهُ الحَقُّ وذَمٌّ عَظِيمٌ لِلْكافِرِينَ عَلى ما قالُوهُ وذَكَرُوهُ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: ”الحَقُّ“ الثّابِتُ الَّذِي لا يَسُوغُ إنْكارُهُ، يُقالُ: حَقَّ الأمْرُ: إذا ثَبَتَ ووَجَبَ، وحَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، وثَوْبٌ مُحَقَّقٌ: مُحْكَمُ النَّسْجِ.
المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: ”ماذا“ فِيهِ وجْهانِ أنْ يَكُونَ (ذا) اسْمًا مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، فَيَكُونُ كَلِمَتَيْنِ، وأنْ يَكُونَ (ذا) مُرَكَّبَةً مَعَ (ما) مَجْعُولَيْنِ اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ كَلِمَةً واحِدَةً، فَهو عَلى الوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ (ذا) مَعَ صِلَتِهِ، وعَلى الثّانِي: مَنصُوبُ المَحَلِّ في حُكْمِ (ما) وحْدَهُ كَما لَوْ قُلْتَ: ما أرادَ اللَّهُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: الإرادَةُ ماهِيَّةٌ يَجِدُها العاقِلُ مِن نَفْسِهِ ويُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ البَدِيهِيَّةَ بَيْنَها وبَيْنَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وألَمِهِ ولَذَّتِهِ. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَصَوُّرُ ماهِيَّتِها مُحْتاجًا إلى التَّعْرِيفِ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: إنَّها صِفَةٌ تَقْتَضِي رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ الجائِزِ عَلى الآخَرِ لا في الوُقُوعِ بَلْ في الإيقاعِ، واحْتَرَزْنا بِهَذا القَيْدِ الأخِيرِ عَنِ القُدْرَةِ، واخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ تَعالى مُرِيدًا مَعَ اتِّفاقِ المُسْلِمِينَ عَلى إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ النَّجّارِيَّةُ: إنَّهُ مَعْنًى سَلْبِيٌّ ومَعْناهُ أنَّهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ ولا مُسْتَكْرَهٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ أمْرٌ ثُبُوتِيٌّ، وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الجاحِظُ والكَعْبِيُّ وأبُو الحَسَنِ البَصْرِيُّ: مَعْناهُ عِلْمُهُ تَعالى بِاشْتِمالِ الفِعْلِ عَلى المَصْلَحَةِ أوِ المَفْسَدَةِ، ويُسَمُّونَ هَذا العِلْمَ بِالدّاعِي أوِ الصّارِفِ، وقالَ أصْحابُنا وأبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ وأتْباعُهُما: إنَّهُ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، ثُمَّ القِسْمَةُ في تِلْكَ الصِّفَةِ، إمّا أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً وهو القَوْلُ الثّانِي لِلنَّجّارِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مَعْنَوِيَّةً، وذَلِكَ المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا وهو قَوْلُ الأشْعَرِيَّةِ، أوْ مُحْدَثًا وذَلِكَ المُحْدَثُ إمّا أنْ يَكُونَ قائِمًا بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ، أوْ قائِمًا بِجِسْمٍ آخَرَ، وهَذا القَوْلَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، أوْ يَكُونَ مَوْجُودًا لا في مَحَلٍّ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ وأبِي هاشِمٍ وأتْباعِهِما.
المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: الضَّمِيرُ في ”﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾“ لِلْمَثَلِ أوْ لِـ (أنْ يَضْرِبَ) وفي قَوْلِهِمْ: ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا، اسْتِحْقارٌ، كَما قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: يا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذا.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: ”﴿مَثَلًا﴾“ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، كَقَوْلِكَ لِمَن أجابَ بِجَوابٍ غَثٍّ: ماذا أرَدْتَ بِهَذا جَوابًا ؟ ولِمَن حَمَلَ سِلاحًا رَدِيئًا: كَيْفَ تَنْتَفِعُ بِهَذا سِلاحًا ؟ أوْ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] .
المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكى عَنْهم كُفْرَهم واسْتِحْقارَهم كَلامَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ أجابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ ونُرِيدُ أنَّ نَتَكَلَّمَ هَهُنا في الهِدايَةِ والإضْلالِ لِيَكُونَ هَذا المَوْضِعُ كالأصْلِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في كُلِّ ما يَجِيءُ في هَذا المَعْنى مِنَ الآياتِ، فَنَتَكَلَّمُ أوَّلًا في الإضْلالِ فَنَقُولُ: إنَّ الهَمْزَةَ تارَةً تَجِيءُ لِنَقْلِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ المُتَعَدِّي إلى المُتَعَدِّي كَقَوْلِكَ: خَرَجَ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَإذا قُلْتَ: أخْرَجَ، فَقَدْ جَعَلْتَهُ مُتَعَدِّيًا، وقَدْ تَجِيءُ لِنَقْلِ الفِعْلِ مِنَ المُتَعَدِّي إلى غَيْرِ المُتَعَدِّي كَقَوْلِكَ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، وقَدْ تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ الوُجْدانِ. حُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي سُلَيْمٍ: قاتَلْناكم فَما أجَبْناكم، وهاجَيْناكم فَما أفْحَمْناكم، وسَألْناكم فَما أبْخَلْناكم. أيْ فَما وجَدْناكم جُبَناءَ
صفحة ١٢٧
ولا مُفْحَمِينَ ولا بُخَلاءَ. ويُقالُ: أتَيْتُ أرْضَ فُلانٍ فَأعْمَرْتُها؛ أيْ وجَدْتُها عامِرَةً، قالَ المُخَبَّلُ:
تَمَنّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ خُزاعَةَ فَأمْسى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا
أيْ وُجِدَ ذَلِيلًا مَقْهُورًا، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الهَمْزَةُ لا تُفِيدُ إلّا نَقْلَ الفِعْلِ مِن غَيْرِ المُتَعَدِّي إلى المُتَعَدِّي ؟ فَأمّا قَوْلُهُ: كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ، فَلَعَلَّ المُرادَ كَبَبْتُهُ فَأكَبَّ نَفْسَهُ عَلى وجْهِهِ، فَيَكُونُ قَدْ ذُكِرَ الفِعْلُ مَعَ حَذْفِ المَفْعُولَيْنِ، وهَذا لَيْسَ بِعَزِيزٍ. وأمّا قَوْلُهُ، قاتَلْناكم فَما أجَبْناكم، فالمُرادُ ما أثَّرَ قِتالُنا في صَيْرُورَتِكم جُبَناءَ. وما أثَّرَ هِجاؤُنا لَكم في صَيْرُورَتِكم مُفْحَمِينَ، وكَذا القَوْلُ في البَواقِي، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قُلْناهُ أوْلى؛ دَفْعًا لِلِاشْتِراكِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُنا: أضَلَّهُ اللَّهُ، لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إلّا عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا، والثّانِي: أنَّهُ وجَدَهُ ضالًّا، أمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا فَلَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى صَيَّرَهُ ضالًّا عَنْ ماذا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا عَنِ الدِّينِ. والثّانِي: أنَّهُ صَيَّرَهُ ضالًّا عَنِ الجَنَّةِ، أمّا الأوَّلُ وهو أنَّهُ تَعالى صَيَّرَهُ ضالًّا عَنِ الدِّينِ، فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى الإضْلالِ عَنِ الدِّينِ في اللُّغَةِ هو الدُّعاءُ إلى تَرْكِ الدِّينِ وتَقْبِيحِهِ في عَيْنِهِ، وهَذا هو الإضْلالُ الَّذِي أضافَهُ اللَّهُ تَعالى إلى إبْلِيسَ فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]، وقالَ: ﴿ولَأُضِلَّنَّهم ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ [فصلت: ٢٩]، وقالَ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، ﴿وقالَ الشَّيْطانُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وأيْضًا أضافَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإضْلالَ إلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .
واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ بِهَذا المَعْنى لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى ما دَعا إلى الكُفْرِ وما رَغَّبَ فِيهِ بَلْ نَهى عَنْهُ وزَجَرَ وتَوَعَّدَ بِالعِقابِ عَلَيْهِ، وإذا كانَ المَعْنى الأصْلِيُّ لِلْإضْلالِ في اللُّغَةِ لَيْسَ إلّا هَذا، وهَذا المَعْنى مَنفِيٌّ بِالإجْماعِ ثَبَتَ انْعِقادُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ.
وعِنْدَ هَذا افْتَقَرَ أهْلُ الجَبْرِ والقَدَرِ إلى التَّأْوِيلِ، أمّا أهْلُ الجَبْرِ فَقَدْ حَمَلُوهُ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الضَّلالَ والكُفْرَ فِيهِمْ وصَدَّهم عَنِ الإيمانِ وحالَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ورُبَّما قالُوا: هَذا هو حَقِيقَةُ اللَّفْظِ في أصْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ الإضْلالَ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ ضالًّا كَما أنَّ الإخْراجَ والإدْخالَ عِبارَةٌ عَنْ جَعْلِ الشَّيْءِ خارِجًا وداخِلًا، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ لا بِحَسَبِ الأوْضاعِ اللُّغَوِيَّةِ ولا بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.
* * *
أمّا الأوْضاعُ اللُّغَوِيَّةُ فَبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لا يَصِحُّ مِن طَرِيقِ اللُّغَةِ أنْ يُقالَ لِمَن مَنَعَ غَيْرَهُ مِن سُلُوكِ الطَّرِيقِ كَرْهًا وجَبْرًا أنَّهُ أضَلَّهُ، بَلْ يُقالُ: مَنَعَهُ مِنهُ وصَرَفَهُ عَنْهُ، وإنَّما يَقُولُونَ: إنَّهُ أضَلَّهُ عَنِ الطَّرِيقِ، إذا لَبَّسَ عَلَيْهِ وأوْرَدَ مِنَ الشُّبْهَةِ ما يُلَبِّسُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فَلا يَهْتَدِي لَهُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْلِيسَ وفِرْعَوْنَ بِكَوْنِهِما مُضَلِّلَيْنِ، مَعَ أنَّ فِرْعَوْنَ وإبْلِيسَ ما كانا خالِقَيْنِ لِلضَّلالِ في قُلُوبِ المُسْتَجِيبِينَ لَهُما بِالِاتِّفاقِ، وأمّا عِنْدُ الجَبْرِيَّةِ فَلِأنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى الإيجادِ، وأمّا عِنْدَ القَدَرِيَّةِ فَلِأنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الإيجادِ، فَلَمّا حَصَلَ اسْمُ المُضِلِّ حَقِيقَةً مَعَ نَفْيِ الخالِقِيَّةِ بِالِاتِّفاقِ، عَلِمْنا أنَّ اسْمَ المُضِلِّ غَيْرُ مَوْضُوعٍ في اللُّغَةِ لِخالِقِ الضَّلالِ.
صفحة ١٢٨
وثالِثُها: أنَّ الإضْلالَ في مُقابَلَةِ الهِدايَةِ فَكَما صَحَّ أنْ يُقالَ: هَدَيْتُهُ فَما اهْتَدى، وجَبَ صِحَّةُ أنْ يُقالَ: أضْلَلْتُهُ فَما ضَلَّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ حَمْلُ الإضْلالِ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ، وأمّا بِحَسَبِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَمِن وُجُوهٍ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences