Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:26–27

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:26–27, continued

وثالِثُها: التَّوْفِيقُ مِنَ اللَّهِ بِالألْطافِ المَشْرُوطَةِ بِالإيمانِ، يُؤْتِيها المُؤْمِنِينَ جَزاءً عَلى إيمانِهِمْ ومَعُونَةً عَلَيْهِ وعَلى الِازْدِيادِ مِن طاعَتِهِ، فَهَذا ثَوابٌ لَهم، وبِإزائِهِ ضِدُّهُ لِلْكافِرِينَ وهو أنْ يَسْلُبَهم ذَلِكَ فَيَكُونُ مَعَ أنَّهُ تَعالى ما هَداهم يَكُونُ قَدْ أضَلَّهم، والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]، فَأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ وأنَّهم قَدْ جاءَهُمُ البَيِّناتُ، فَهَذا الهُدى غَيْرُ البَيانِ لا مَحالَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] .

ورابِعُها: الهُدى إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، وقالَ: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

صفحة ١٣٥

[المائدة: ١٦]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ﴾ [محمد: ٥]، والهِدايَةُ بَعْدَ القَتْلِ لا تَكُونُ إلّا إلى الجَنَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ [يونس: ٩]، وهَذا تَأْوِيلُ الجُبّائِيِّ.

وخامِسُها: الهُدى بِمَعْنى التَّقْدِيمِ، يُقالُ: هَدى فُلانٌ فُلانًا؛ أيْ قَدَّمَهُ أمامَهُ، وأصْلُ هَدى مِن هِدايَةِ الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ يَتَقَدَّمُ المَدْلُولَ.

وتَقُولُ العَرَبُ: أقْبَلَتْ هَوادِي الخَيْلِ؛ أيْ مُتَقَدِّماتُها، ويُقالُ لِلْعُنُقِ: هادِي، وهَوادِي الخَيْلِ: أعْناقُها لِأنَّها تَتَقَدَّمُها.

وسادِسُها: يَهْدِي؛ أيْ يَحْكُمُ بِأنَّ المُؤْمِنَ مُهْتَدٍ، وتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ القائِلِ: هَداهُ: جَعَلَهُ مُهْتَدِيًا، وهَذا اللَّفْظُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الحُكْمِ والتَّسْمِيَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، أيْ ما حَكَمَ ولا شَرَعَ، وقالَ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، مَعْناهُ أنَّ الهُدى ما حَكَمَ اللَّهُ بِأنَّهُ هُدًى، وقالَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ [الكهف: ١٧] أيْ مَن حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالهُدى فَهو المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُسَمّى مُهْتَدِيًا، فَهَذِهِ هي الوُجُوهُ الَّتِي ذَكَرَها المُعْتَزِلَةُ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْها فِيما تَقَدَّمَ في بابِ الإضْلالِ.

قالَتِ الجَبْرِيَّةُ: وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ الهُدى بِمَعْنى خَلْقِ الهِدايَةِ والعِلْمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، قالَتِ القَدَرِيَّةُ: هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لا يَصِحُّ في اللُّغَةِ أنْ يُقالَ لِمَن حَمَلَ غَيْرَهُ عَلى سُلُوكِ الطَّرِيقِ كَرْهًا وجَبْرًا، أنَّهُ هَداهُ إلَيْهِ، وإنَّما يُقالُ: رَدَّهُ إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وحَمَلَهُ عَلَيْهِ وجَرَّهُ إلَيْهِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ هَداهُ إلَيْهِ، فَلا.

وثانِيها: لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَبَطَلَ الأمْرُ والنَّهْيُ والمَدْحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ كَسْبُ العَبْدِ. قُلْنا: هَذا الكَسْبُ مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الحَرَكَةِ إمّا أنْ يَكُونَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى أوْ لا يَكُونَ بِتَخْلِيقِهِ، فَإنْ كانَ بِتَخْلِيقِهِ، فَمَتى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَحالَ مِنَ العَبْدِ أنْ يَمْتَنِعَ مِنهُ، ومَتى لَمْ يَخْلُقْهُ اسْتَحالَ مِنَ العَبْدِ الإتْيانُ بِهِ، فَحِينَئِذٍ تَتَوَجَّهُ الإشْكالاتُ المَذْكُورَةُ. وإنْ لَمْ يَكُنْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى بَلْ مِنَ العَبْدِ فَهَذا هو القَوْلُ بِالِاعْتِزالِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى وكَسْبًا لِلْعَبْدِ لَمْ يَخْلُ مِن أحَدِ وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، إمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَخْلُقُهُ أوَّلًا ثُمَّ يَكْتَسِبُهُ العَبْدُ، أوْ يَكْتَسِبُهُ العَبْدُ أوَّلًا ثُمَّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ يَقَعُ الأمْرانِ مَعًا، فَإنْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى كانَ العَبْدُ مَجْبُورًا عَلى اكْتِسابِهِ فَيَعُودُ الإلْزامُ، وإنِ اكْتَسَبَهُ العَبْدُ أوَّلًا فاللَّهُ مَجْبُورٌ عَلى خَلْقِهِ، وإنْ وقَعا مَعًا وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الأمْرُ إلّا بَعْدَ اتِّفاقِهِما، لَكِنَّ هَذا الِاتِّفاقَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هَذا الِاتِّفاقُ، وأيْضًا فَهَذا الِاتِّفاقُ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا بِاتِّفاقٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُ مِن كَسْبِهِ وفِعْلِهِ، وذَلِكَ يُؤَدِّي إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ مِنَ الِاتِّفاقِ وهو مُحالٌ. هَذا مَجْمُوعُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ.

قالَتِ الجَبْرِيَّةُ: إنّا قَدْ دَلَّلْنا بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لا تَقْبَلُ الِاحْتِمالَ والتَّأْوِيلَ عَلى أنَّ خالِقَ هَذِهِ الأفْعالِ هو اللَّهُ تَعالى، إمّا بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والوُجُوهُ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِها وُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ قابِلَةٌ لِلِاحْتِمالِ، والقاطِعُ لا يُعارِضُهُ المُحْتَمَلُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما قُلْناهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ وُصِفَ المَهْدِيُّونَ بِالكَثْرَةِ، والقِلَّةُ صِفَتُهم؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] ولِحَدِيثِ: ”«النّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً» “ وحَدِيثِ: ”«النّاسُ أُخْبِرْ تَقْلَهُ» “، والجَوابُ: أهْلُ الهُدى كَثِيرٌ في أنْفُسِهِمْ، وحَيْثُ يُوصَفُونَ بِالقِلَّةِ إنَّما يُوصَفُونَ بِها

صفحة ١٣٦

بِالقِياسِ إلى أهْلِ الضَّلالِ، وأيْضًا فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المَهْدِيِّينَ كَثِيرٌ في الحَقِيقَةِ وإنْ قَلُّوا في الصُّورَةِ فَسُمُّوا بِالكَثِيرِ ذَهابًا إلى الحَقِيقَةِ.

المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: قالَ الفَرّاءُ: الفاسِقُ أصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ مِن قِشْرِها؛ أيْ خَرَجَتْ، فَكَأنَّ الفاسِقَ هو الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، وتُسَمّى الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةٌ لِخُرُوجِها لِأجْلِ المَضَرَّةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ في أنَّهُ هَلْ هو مُؤْمِنٌ أوْ كافِرٌ، فَعِنْدَ أصْحابِنا أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وعِنْدَ الخَوارِجِ أنَّهُ كافِرٌ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ لا مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقالَ: ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وهَذِهِ المَسْألَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ.

2:27Page 5

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧

Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ وذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهَذا المِيثاقِ حُجَجُهُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ الدّالَّةُ لَهم عَلى صِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مِيثاقًا وعَهْدًا عَلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ، إذا كانَ يَلْزَمُ بِهَذِهِ الحُجَجِ ما ذَكَرْنا مِنَ التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] .

وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ما حَلَفُوا عَلَيْهِ وصَفَهم بِنَقْضِ عَهْدِهِ ومِيثاقِهِ، والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ يُمْكِنُ فِيهِ العُمُومُ في كُلِّ مَن ضَلَّ وكَفَرَ، والثّانِي لا يُمْكِنُ إلّا فِيمَنِ اخْتَصَّ بِهَذا القَسَمِ، إذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ رُجْحانُ التَّأْوِيلِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يُمْكِنُ إجْراءُ الآيَةِ عَلى عُمُومِها، وعَلى الثّانِي يَلْزَمُ التَّخْصِيصُ، الثّانِي: أنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأنَّهم نَقَضُوا عَهْدًا أبْرَمَهُ اللَّهُ وأحْكَمَهُ بِما أنْزَلَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي كَرَّرَها عَلَيْهِمْ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وأوْضَحَها وأزالَ التَّلْبِيسَ عَنْها، ولِما أوْدَعَ في العُقُولِ مِن دَلائِلِها وبَعَثَ الأنْبِياءَ وأنْزَلَ الكُتُبَ مُؤَكِّدًا لَها، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإنَّهُ يَلْزَمُهُمُ الذَّمُّ لِأجْلِ أنَّهم تَرَكُوا شَيْئًا هم بِأنْفُسِهِمُ التَزَمُوهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَرْتِيبَ الذَّمِّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْلى.

وثالِثُها: قالَ القَفّالُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالآيَةِ قَوْمًا مِن أهْلِ الكِتابِ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ والمِيثاقُ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَيَّنَ لَهم أمْرَهُ وأمْرَ أُمَّتِهِ فَنَقَضُوا ذَلِكَ وأعْرَضُوا عَنْهُ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ.

ورابِعُها: قالَ بَعْضُهم، إنَّهُ عَنى بِهِ مِيثاقًا أخَذَهُ مِنَ النّاسِ وهم عَلى صُورَةِ الذَّرِّ وأخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ كَذَلِكَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذا ساقِطٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَحْتَجُّ عَلى العِبادِ بِعَهْدٍ ومِيثاقٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ، كَما لا يُؤاخِذُهم بِما ذَهَبَ عِلْمُهُ عَنْ قَلْبِهِمْ بِالسَّهْوِ والنِّسْيانِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَعِيبَهم بِذَلِكَ ؟

وخامِسُها: عَهْدُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ ثَلاثَةُ عُهُودٍ، العَهْدُ الأوَّلُ: الَّذِي أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وهو الإقْرارُ

صفحة ١٣٧

بِرُبُوبِيَّتِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ النَّبِيِّينَ أنْ يُبَلِّغُوا الرِّسالَةَ ويُقِيمُوا الدِّينَ ولا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٧] وعَهْدٌ خَصَّ بِهِ العُلَماءَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّمِيرُ في (مِيثاقِهِ) لِلْعَهْدِ وهو ما وثَّقُوا بِهِ عَهْدَ اللَّهِ مِن قَبُولِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَوْثِيقِهِ، كَما أنَّ المِيعادَ والمِيلادَ بِمَعْنى الوَعْدِ والوِلادَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما وثَّقَ بِهِ عَهْدَهُ مِن آياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ.

* * *

المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ فَذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: أرادَ بِهِ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ وحُقُوقَ القَراباتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قَطَعُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ القَرابَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ خاصَّةً.

وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم أنْ يَصِلُوا حَبْلَهم بِحَبْلِ المُؤْمِنِينَ فَهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ واتَّصَلُوا بِالكُفّارِ، فَذاكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ .

وثالِثُها: أنَّهم نُهُوا عَنِ التَّنازُعِ وإثارَةِ الفِتَنِ وهم كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِذَلِكَ.

المَسْألَةُ العِشْرُونَ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فالأظْهَرُ أنْ يُرادَ بِهِ الفَسادُ الَّذِي يَتَعَدّى دُونَ ما يَقِفُ عَلَيْهِمْ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ الصَّدُّ عَنْ طاعَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّ تَمامَ الصَّلاحِ في الأرْضِ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ بِالتِزامِ الشَّرائِعِ يَلْتَزِمُ الإنْسانُ كُلَّ ما لَزِمَهُ، ويَتْرُكُ التَّعَدِّيَ إلى الغَيْرِ، ومِنهُ زَوالُ التَّظالُمِ، وفي زَوالِهِ العَدْلُ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، قالَ تَعالى فِيما حَكى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافر: ٢٦]، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ خاسِرٌ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وفي هَذا الخُسْرانِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا نَعِيمَ الجَنَّةِ لِأنَّهُ لا أحَدَ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ أهْلٌ ومَنزِلٌ، فَإنْ أطاعَ اللَّهَ وجَدَهُ، وإنْ عَصاهُ ورِثَهُ المُؤْمِنُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ١٠: ١١ ]، وقالَ: ﴿إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الشورى: ٤٥] .

وثانِيها: أنَّهم خَسِرُوا حَسَناتِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها لِأنَّهم أحْبَطُوها بِكُفْرِهِمْ فَلَمْ يَصِلْ لَهم مِنها خَيْرٌ ولا ثَوابٌ، والآيَةُ في اليَهُودِ ولَهم أعْمالٌ في شَرِيعَتِهِمْ، وفي المُنافِقِينَ وهم يَعْمَلُونَ في الظّاهِرِ ما يَعْمَلُهُ المُخْلِصُونَ فَحَبِطَ ذَلِكَ كُلُّهُ.

وثالِثُها: أنَّهم إنَّما أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ خَوْفًا مِن أنْ تَفُوتَهُمُ اللَّذّاتُ العاجِلَةُ، ثُمَّ إنَّها تَفُوتُهم إمّا عِنْدَما يَصِيرُ الرَّسُولُ ﷺ مَأْذُونًا في الجِهادِ أوْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ. وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وبِالجُمْلَةِ أنَّ الخاسِرَ اسْمٌ عامٌّ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَن عَمِلَ عَمَلًا لا يُجْزى عَلَيْهِ فَيُقالُ لَهُ خاسِرٌ، كالرَّجُلِ الَّذِي إذا تَعَنّى وتَصَرَّفَ في أمْرٍ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنهُ عَلى نَفْعٍ قِيلَ لَهُ: خابَ وخَسِرَ؛ لِأنَّهُ كَمَن أعْطى شَيْئًا ولَمْ يَأْخُذْ بِإزائِهِ ما يَقُومُ مَقامَهُ، فَسَمّى الكُفّارَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِمَعاصِي اللَّهِ خاسِرِينَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٢، ٣]، وقالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском