Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:268–270
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ الإنْسانَ في إنْفاقِ أجْوَدِ ما يَمْلِكُهُ حَذَرَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ فَقالَ:
صفحة ٥٧
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ أيْ: يُقالُ: إنْ أنْفَقْتَ الأجْوَدَ صِرْتَ فَقِيرًا فَلا تُبالِ بِقَوْلِهِ فَإنَّ الرَّحْمَنَ ﴿يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الشَّيْطانِ فَقِيلَ: إبْلِيسُ، وقِيلَ: سائِرُ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ، وقِيلَ: النَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الوَعْدُ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحَجِّ: ٧٢] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا مَحْمُولًا عَلى التَّهَكُّمِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَقْرُ والفُقْرُ لُغَتانِ، وهو الضَّعِيفُ بِسَبَبِ قِلَّةِ المالِ، وأصْلُ الفَقْرِ في اللُّغَةِ كَسْرُ الفَقارِ، يُقالُ: رَجُلٌ فَقِرٌ وفَقِيرٌ إذا كانَ مَكْسُورَ الفَقارِ، قالَ طَرفَةُ:
إنَّنِي لَسْتُ بِمَرْهُونِ فَقِرْ
قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ الفُقْرُ بِالضَّمِّ والفَقَرُ بِفَتْحَتَيْنِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا الكَلامُ في حَقِيقَةِ الوَسْوَسَةِ، فَقَدْ ذَكَرْناهُ في أوَّلِ الكِتابِ في تَفْسِيرِ ”أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ“ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً وهي الإيعادُ بِالشَّرِّ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً وهي الوَعْدُ بِالخَيْرِ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، ومِن وجَدَ الأوَّلَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى الحَسَنُ، قالَ بَعْضُ المُهاجِرِينَ: مَن سَرَّهُ أنْ يَعْلَمَ مَكانَ الشَّيْطانِ مِنهُ فَلْيَتَأمَّلْ مَوْضِعَهُ مِنَ المَكانِ الَّذِي مِنهُ يَجِدُ الرَّغْبَةَ في فِعْلِ المُنْكَرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الفَحْشاءَ هي البُخْلُ ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: ويُغْرِيكم عَلى البُخْلِ إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ، قالَ طَرَفَةُ:
أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ
ويَعْتامُ مَنقُولٌ مَن عامَ فُلانٌ إلى اللَّبَنِ إذا اشْتَهاهُ، وأرادَ بِالفاحِشِ البَخِيلَ، قالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِياتِ: ٨] وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَطِيفَةٍ وهي أنَّ الشَّيْطانَ يُخَوِّفُهُ أوَّلًا بِالفَقْرِ ثُمَّ يَتَوَصَّلُ بِهَذا التَّخْوِيفِ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالفَحْشاءِ ويُغْرِيَهُ بِالبُخْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ البُخْلَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، فالشَّيْطانُ لا يُمْكِنُهُ تَحْسِينُ البُخْلِ في عَيْنِهِ إلّا بِتَقْدِيمِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، وهي التَّخْوِيفُ مِنَ الفَقْرِ.
الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفَحْشاءِ: وهو أنَّهُ يَقُولُ: لا تُنْفِقِ الجَيِّدَ مِن مالِكَ في طاعَةِ اللَّهِ لِئَلّا تَصِيرَ فَقِيرًا، فَإذا أطاعَ الرَّجُلُ الشَّيْطانَ في ذَلِكَ زادَ الشَّيْطانُ، فَيَمْنَعُهُ مِنَ الإنْفاقِ في الكُلِّيَّةِ حَتّى لا يُعْطِيَ لا الجَيِّدَ ولا الرَّدِيءَ وحَتّى يَمْنَعَ الحُقُوقَ الواجِبَةَ، فَلا يُؤَدِّي الزَّكاةَ ولا يَصِلُ الرَّحِمَ ولا يَرُدُّ الوَدِيعَةَ، فَإذا صارَ هَكَذا سَقَطَ وقْعُ الذُّنُوبِ عَنْ قَلْبِهِ ويَصِيرُ غَيْرَ مُبالٍ بِارْتِكابِها، وهُناكَ يَتَّسِعُ الخَرْقُ ويَصِيرُ مِقْدامًا عَلى كُلِّ الذُّنُوبِ، وذَلِكَ هو الفَحْشاءُ. وتَحْقِيقُهُ أنْ لِكُلِّ خَلْقٍ طَرَفَيْنِ ووَسَطًا، فالطَّرَفُ الكامِلُ هو أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَبْذُلُ كُلَّ ما يَمْلِكُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ الجَيِّدَ والرَّدِيءَ، والطَّرَفُ الفاحِشُ النّاقِصُ لا يُنْفِقُ شَيْئًا في سَبِيلِ اللَّهِ لا الجَيِّدَ ولا الرَّدِيءَ، والأمْرُ المُتَوَسِّطُ أنْ يَبْخَلَ بِالجَيِّدِ ويُنْفِقَ الرَّدِيءَ، فالشَّيْطانُ إذا أرادَ نَقْلَهُ مِنَ الطَّرَفِ الفاضِلِ إلى الطَّرَفِ الفاحِشِ، لا يُمْكِنُهُ إلّا بِأنْ يَجُرَّهُ إلى الوَسَطِ، فَإنْ عَصى الإنْسانُ الشَّيْطانَ في هَذا المَقامِ انْقَطَعَ طَمَعُهُ عَنْهُ،
صفحة ٥٨
وإنْ أطاعَهُ فِيهِ طَمِعَ في أنْ يَجُرَّهُ مِنَ الوَسَطِ إلى الطَّرَفِ الفاحِشِ، فالوَسَطُ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ والطَّرْفُ الفاحِشُ قَوْلُهُ: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى دَرَجاتِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ أرْدَفَها بِذِكْرِ إلْهاماتِ الرَّحْمَنِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ فالمَغْفِرَةُ إشارَةٌ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، والفَضْلُ إشارَةٌ إلى ما يَحْصُلُ في الدُّنْيا مِنَ الخَلْقِ، ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّ المَلَكَ يُنادِي كُلَّ لَيْلَةٍ ”«اللَّهُمَّ أعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفًا وكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا» “ .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُكَ الفَقْرَ في غَدِ دُنْياكَ، والرَّحْمَنُ يَعِدُكَ المَغْفِرَةَ في غَدِ عُقْباكَ، ووَعْدُ الرَّحْمَنِ في غَدِ العُقْبى أوْلى بِالقَبُولِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ وِجْدانَ غَدِ الدُّنْيا مَشْكُوكٌ فِيهِ، ووِجْدانَ غَدِ العُقْبى مُتَيَقِّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ.
وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ وِجْدانِ غَدِ الدُّنْيا، فَقَدْ يَبْقى المالُ المَبْخُولُ بِهِ وقَدْ لا يَبْقى، وعِنْدَ وِجْدانِ غَدِ العُقْبى لا بُدَّ مِن وِجْدانِ المَغْفِرَةِ المَوْعُودِ بِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ الصّادِقُ الَّذِي يَمْتَنِعُ وُجُودُ الكَذِبِ في كَلامِهِ.
وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ بَقاءِ المالِ المَبْخُولِ بِهِ في غَدِ الدُّنْيا، فَقَدْ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ وقَدْ لا يَتَمَكَّنُ إمّا بِسَبَبِ خَوْفٍ أوْ مَرَضٍ أوِ اشْتِغالٍ بِمُهِمٍّ آخَرَ، وعِنْدَ وِجْدانِ غَدِ العُقْبى الِانْتِفاعُ حاصِلٌ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ.
ورابِعُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ حُصُولِ الِانْتِفاعِ بِالمالِ المَبْخُولِ بِهِ غَدِ الدُّنْيا لا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الِانْتِفاعَ يَنْقَطِعُ ولا يَبْقى، وأمّا الِانْتِفاعُ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ فَهو الباقِي الَّذِي لا يَنْقَطِعُ ولا يَزُولُ.
وخامِسُها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِلَذّاتِ الدُّنْيا مَشُوبٌ بِالمَضارِّ، فَلا تَرى شَيْئًا مِنَ اللَّذّاتِ إلّا ويَكُونُ سَبَبًا لِلْمِحْنَةِ مَن ألْفِ وجْهٍ بِخِلافِ مَنافِعِ الآخِرَةِ فَإنَّها خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ، ومَن تَأمَّلَ فِيما ذَكَرْناهُ عَلِمَ أنَّ الِانْقِيادَ لِوَعْدِ الرَّحْمَنِ بِالفَضْلِ والمَغْفِرَةِ أوْلى مِنَ الِانْقِيادِ لِوَعْدِ الشَّيْطانِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ كَما قالَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التَّوْبَةِ: ١٣] وفي الآيَةِ لَفْظانِ يَدُلّانِ عَلى كَمالِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ:
أحَدُها: التَّنْكِيرُ في لَفْظَةِ المَغْفِرَةِ، والمَعْنى مَغْفِرَةً أيَّ مَغْفِرَةٍ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ فَقَوْلُهُ: (مِنهُ) يَدُلُّ عَلى كَمالِ حالِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّ كَمالَ كَرَمِهِ ونِهايَةَ جُودِهِ مَعْلُومٌ لِجَمِيعِ العُقَلاءِ، وكَوْنُ المَغْفِرَةِ مِنهُ مَعْلُومٌ أيْضًا لِكُلِّ أحَدٍ فَلَمّا خَصَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ بِأنَّها مِنهُ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ تَعْظِيمُ حالِ هَذِهِ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّ عِظَمَ المُعْطِي يَدُلُّ عَلى عِظَمِ العَطِيَّةِ، وكَمالُ هَذِهِ المَغْفِرَةِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما قالَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفُرْقانِ: ٧٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ أنْ يَجْعَلَهُ شَفِيعًا في غُفْرانِ ذُنُوبِ سائِرِ المُذْنِبِينَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَمالُ تِلْكَ المَغْفِرَةِ أمْرًا لا يَصِلُ إلَيْهِ عَقْلُنا ما دُمْنا في دارِ الدُّنْيا، فَإنَّ تَفاصِيلَ أحْوالِ الآخِرَةِ، أكْثَرُها مَحْجُوبَةٌ عَنّا ما دُمْنا في الدُّنْيا.
وأمّا مَعْنى الفَضْلِ فَهو الخَلْفُ المُعَجَّلُ في الدُّنْيا، وهَذا الفَضْلُ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِن هَذا الفَضْلِ الفَضِيلَةُ الحاصِلَةُ لِلنَّفْسِ وهي فَضِيلَةُ الجُودِ والسَّخاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَراتِبَ السَّعادَةِ ثَلاثٌ: نَفْسانِيَّةٌ، وبَدَنِيَّةٌ، وخارِجِيَّةٌ، ومِلْكُ المالِ مِنَ الفَضائِلِ الخارِجِيَّةِ، وحُصُولُ خَلْقِ الجُودِ والسَّخاوَةِ مِنَ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ.
وأجْمَعُوا عَلى أنَّ أشْرَفَ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ السِّعاداتُ النَّفْسانِيَّةُ، وأخَسَّها السِّعاداتُ الخارِجِيَّةُ، فَمَتى لَمْ يَحْصُلْ إنْفاقُ المالِ كانَتِ السَّعادَةُ الخارِجِيَّةُ حاصِلَةً والنَّقِيضَةُ النَّفْسانِيَّةُ مَعَها حاصِلَةً، ومَتى حَصَلَ الإنْفاقُ حَصَلَ الكَمالُ النَّفْسانِيُّ والنُّقْصانُ الخارِجِيُّ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ أكْمَلُ، فَثَبَتَ أنَّ مُجَرَّدَ الإنْفاقِ يَقْتَضِي حُصُولَ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن حُصُولِ الفَضْلِ.
والثّانِيَ: وهو أنَّهُ مَتى حَصَلَتْ مَلَكَةُ الإنْفاقِ زالَتْ عَنِ الرُّوحِ هَيْئَةُ الِاشْتِغالِ بِلَذّاتِ الدُّنْيا والتَّهالُكُ في مَطالِبِها، ولا مانِعَ لِلرُّوحِ مِن تَجَلِّي نُورِ جَلالِ اللَّهِ لَها إلّا
صفحة ٥٩
حُبَّ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يُوحُونَ إلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “ وإذا زالَ عَنْ وجْهِ القَلْبِ غُبارُ حُبِّ الدُّنْيا اسْتَنارَ بِأنْوارِ عالَمِ القُدْسِ وصارَ كالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ والتَحَقَ بِأرْواحِ المَلائِكَةِ، وهَذا هو الفَضْلُ لا غَيْرَ.
والثّالِثَ، وهو أحْسَنُ الوُجُوهِ: أنَّهُ مَهْما عُرِفَ مِنَ الإنْسانِ كَوْنُهُ مُنْفِقًا لِأمْوالِهِ في وُجُوهِ الخَيْراتِ مالَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ فَلا يُضايِقُونَهُ في مَطالِبِهِ، فَحِينَئِذٍ تَنْفَتِحُ عَلَيْهِ أبْوابُ الدُّنْيا، ولِأنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْفَقَ مالَهُ عَلَيْهِمْ يُعِينُونَهُ بِالدُّعاءِ والهِمَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ أبْوابَ الخَيْرِ.
ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ أنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ، قادِرٌ عَلى إغْنائِكم، وإخْلافِ ما تُنْفِقُونَهُ، وهو عَلِيمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما تُنْفِقُونَ، فَهو يُخْلِفُهُ عَلَيْكم.
2:269Page 45
يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩
He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُ الفَقْرَ ويَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، وأنَّ الرَّحْمَنَ يَعِدُ بِالمَغْفِرَةِ والفَضْلِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ الأمْرَ الَّذِي لِأجْلِهِ وجَبَ تَرْجِيحُ وعْدِ الرَّحْمَنِ عَلى وعْدِ الشَّيْطانِ هو أنَّ وعْدَ الرَّحْمَنِ تُرَجِّحُهُ الحِكْمَةُ والعَقْلُ، ووَعْدَ الشَّيْطانِ تُرَجِّحُهُ الشَّهْوَةُ والنَّفْسُ مِن حَيْثُ إنَّهُما يَأْمُرانِ بِتَحْصِيلِ اللَّذَّةِ الحاضِرَةِ واتِّباعِ أحْكامِ الخَيالِ والوَهْمِ، ولا شَكَّ أنَّ حُكْمَ الحِكْمَةِ والعَقْلِ هو الحَكَمُ الصّادِقُ المُبَرَّأُ عَنِ الزَّيْغِ والخَلَلِ، وحُكْمَ الحِسِّ والشَّهْوَةِ والنَّفْسِ تُوقِعُ الإنْسانَ في البَلاءِ والمِحْنَةِ، فَكانَ حُكْمُ الحِكْمَةِ والعَقْلِ أوْلى بِالقَبُولِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى وجْهِ النَّظْمِ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ إمّا العِلْمُ وإمّا فِعْلُ الصَّوابِ؛ يُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: تَفْسِيرُ الحِكْمَةِ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَ في البَقَرَةِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] يَعْنِي مَواعِظَ القُرْآنِ، وفي النِّساءِ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النِّساءِ: ١١٣] يَعْنِي المَواعِظَ، ومِثْلُها في آلِ عِمْرانَ.
وثانِيها: الحِكْمَةُ بِمَعْنى الفَهْمِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ١٢] وفي لُقْمانَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لُقْمانَ: ١٢] يَعْنِي الفَهْمَ والعِلْمَ، وفي الأنْعامِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٩] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي ص: ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ [ص: ٢٠] يَعْنِي النُّبُوَّةَ، وفي البَقَرَةِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥١] .
ورابِعُها: القُرْآنُ بِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأسْرارِ في النَّحْلِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٥] .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ تَرْجِعُ إلى العِلْمِ. ثُمَّ تَأْمَّلْ أيُّها المِسْكِينُ فَإنَّهُ تَعالى ما أعْطى إلّا القَلِيلَ مِنَ العِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ﴾
صفحة ٦٠
﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٥] وسَمّى الدُّنْيا بِأسْرِها قَلِيلًا، فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النِّساءِ: ٧٧] وانْظُرْ كَمْ مِقْدارُ هَذا القَلِيلِ حَتّى تَعْرِفَ عَظَمَةَ ذَلِكَ الكَثِيرِ، والبُرْهانُ العَقْلِيُّ أيْضًا يُطابِقُهُ؛ لِأنَّ الدُّنْيا مُتَناهِيَةُ المِقْدارِ، مُتَناهِيَةُ المُدَّةِ، والعُلُومُ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِها وعَدَدِها ومُدَّةِ بَقائِها، والسَّعادَةِ الحاصِلَةِ مِنها، وذَلِكَ يُنْبِئُكَ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ، والِاسْتِقْصاءُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البَقَرَةِ: ٣١] .
وأمّا الحِكْمَةُ بِمَعْنى فِعْلِ الصَّوابِ فَقِيلَ في حَدِّها: إنَّها التَّخَلُّقُ بِأخْلاقِ اللَّهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، ومَدارُ هَذا المَعْنى عَلى قَوْلِهِ ﷺ: ”«تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى» “ . واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ لا يُمْكِنُ خُرُوجُها عَنْ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في شَيْئَيْنِ: أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالمَرْجِعُ بِالأوَّلِ إلى العِلْمِ والإدْراكِ المُطابِقِ، وبِالثّانِي إلى فِعْلِ العَدْلِ والصَّوابِ، فَحُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، ونادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ [طه: ١٤] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مَرْيَمَ: ٣٠] الآيَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ النَّظَرِيَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣١] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، وقالَ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ [النَّحْلِ: ٢] وهو الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ [النَّحْلِ: ٢] وهو الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ، والقُرْآنُ هو مِنَ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ لَيْسَ إلّا في هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الحِكْمَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الحُكْمِ، وهي كالنَّحْلَةِ مِنَ النَّحْلِ، ورَجُلٌ حَكِيمُ إذا كانَ ذا حِجًى ولُبٍّ وإصابَةِ رَأْيٍ، وهو في هَذا المَوْضِعِ في مَعْنى الفاعِلِ، ويُقالُ: أمْرٌ حَكِيمٌ، أيْ: مُحْكَمٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخانِ: ٤] وهَذا الَّذِي قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ مِنَ اشْتِقاقِ اللُّغَةِ يُطابِقُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”ومَن يُؤْتِي الحِكْمَةَ“ بِمَعْنى: ومَن يُؤْتِهِ اللَّهُ الحِكْمَةَ، وهَكَذا قَرَأ الأعْمَشُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى وذَلِكَ لِأنَّ الحِكْمَةَ إنْ فَسَّرْناها بِالعِلْمِ لَمْ تَكُنْ مُفَسَّرَةً بِالعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، لِأنَّها حاصِلَةٌ لِلْبَهائِمِ والمَجانِينِ والأطْفالِ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا تُوصَفُ بِأنَّها حِكَمٌ، فَهي مُفَسَّرَةٌ بِالعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وإنْ فَسَّرْناها بِالأفْعالِ الحِسِّيَّةِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ والأفْعالِ الحِسِّيَّةِ ثابِتًا مِن غَيْرِهِمْ، وبِتَقْدِيرِ مُقَدَّرٍ مِن غَيْرِهِمْ، وذَلِكَ الغَيْرُ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى بِالِاتِّفاقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقٌ لِلَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ والقُرْآنَ، أوْ قُوَّةَ الفَهْمِ والحِسِّيَّةَ عَلى ما هو قَوْلُالرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ ؟ .
قُلْنا: الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَدْفَعُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ ثَبَتَ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الحَكِيمِ في غَيْرِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ الحِكْمَةُ مُغايِرَةً لِلنُّبُوَّةِ والقُرْآنِ، بَلْ هي مُفَسَّرَةٌ إمّا بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، أوْ
صفحة ٦١
بِالإقْدامِ عَلى الأفْعالِ الحَسَنَةِ الصّائِبَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَإنْ حاوَلَتِ المُعْتَزِلَةُ حَمْلَ الإيتاءِ عَلى التَّوْفِيقِ والإعانَةِ والألْطافِ، قُلْنا: كُلُّ ما فَعَلَهُ مِن هَذا الجِنْسِ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ فَعَلَ مَثَلَهُ في حَقِّ الكُفّارِ، مَعَ أنَّ هَذا المَدْحَ العَظِيمَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَناوَلُهم، فَعَلِمْنا أنَّ الحِكْمَةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى فِعْلِ الألْطافِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ والمُرادُ بِهِ عِنْدِي واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى الحِكَمَ والمَعارِفَ حاصِلَةً في قَلْبِهِ، ثُمَّ تَأمَّلَ وتَدَبَّرَ وعَرَفَ أنَّها لَمْ تَحْصُلْ إلّا بِإيتاءِ اللَّهِ تَعالى وتَيْسِيرِهِ، كانَ مِن أُولِي الألْبابِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ المُسَبِّباتِ، بَلْ تَرَقّى مِنها إلى أسْبابِها، فَهَذا الِانْتِقالُ مِنَ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ هو التَّذَكُّرُ الَّذِي لا يَحْصُلُ إلّا لِأُولِي الألْبابِ، وأمّا مَن أضافَ هَذِهِ الأحْوالَ إلى نَفْسِهِ، واعْتَقَدَ أنَّهُ هو السَّبَبُ في حُصُولِها وتَحْصِيلِها، كانَ مِنَ الظّاهِرِيِّينَ الَّذِينَ عَجَزُوا عَنِ الِانْتِقالِ مِنَ المُسَبِّباتِ إلى الأسْبابِ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم لَمّا فَسَّرُوا الحِكْمَةَ بِقُوَّةِ الفَهْمِ ووَضْعِ الدَّلائِلِ، قالُوا: هَذِهِ الحِكْمَةُ لا تَقُومُ بِنَفْسِها، وإنَّما يَنْتَفِعُ بِها المَرْءُ بِأنْ يَتَدَبَّرَ ويَتَفَكَّرَ، فَيَعْرِفَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقْدُمُ أوْ يَحْجِمُ.
2:270Page 46
وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ ٢٧٠
And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allāh knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن أجْوَدِ المالِ، ثُمَّ حَثَّ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾، وثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ حَثَّ عَلَيْهِ ثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ عَلى اخْتِصارِهِ، يُفِيدُ الوَعْدَ العَظِيمَ لِلْمُطِيعِينَ، والوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِلْمُتَمَرِّدِينَ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما في قَلْبِ المُتَصَدِّقِ مِن نِيَّةِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ أوْ مِن نِيَّةِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ.
وثانِيها: أنَّ عِلْمَهُ بِكَيْفِيَّةِ نِيَّةِ المُتَصَدِّقِ يُوجِبُ قَبُولَ تِلْكَ الطّاعاتِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ القَدْرَ المُسْتَحَقَّ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ عَلى تِلْكَ الدَّواعِي والنِّيّاتِ فَلا يُهْمِلُ شَيْئًا مِنها، ولا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُها، لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الأخِيرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النِّساءِ: ١١٢] وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.
والثّانِي: أنَّ الكِتابَةَ عادَتْ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ لِأنَّها اسْمٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣١] .
صفحة ٦٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّذْرُ ما يَلْتَزِمُهُ الإنْسانُ بِإيجابِهِ عَلى نَفْسِهِ يُقالُ: نَذَرَ يَنْذُرُ، وأصْلُهُ مِنَ الخَوْفِ لِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَعْقِدُ عَلى نَفْسِهِ خَوْفَ التَّقْصِيرِ في الأمْرِ المُهِمِّ عِنْدَهُ، وأنْذَرْتُ القَوْمَ إنْذارًا بِالتَّخْوِيفِ، وفي الشَّرِيعَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُفَسَّرٍ وغَيْرِ مُفَسَّرٍ، فالمُفَسَّرُ أنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، ولِلَّهِ عَلَيَّ حَجٌّ، فَهَهُنا يَلْزَمُ الوَفاءُ بِهِ ولا يَجْزِيهِ غَيْرُهُ. وغَيْرُ المُفَسَّرِ أنْ يَقُولَ: نَذَرْتُ لِلَّهِ أنْ لا أفْعَلَ كَذا ثُمَّ يَفْعَلُهُ، أوْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَيَلْزَمُ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: ”«مَن نَذَرَ نَذْرًا وسَمّى فَعَلَيْهِ ما سَمّى، ومَن نَذَرَ نَذْرًا ولَمْ يُسَمِّ فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ» “ .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلظّالِمِينَ، وهو قِسْمانِ، أمّا ظُلْمُهُ نَفْسَهُ فَذاكَ حاصِلٌ في كُلِّ المَعاصِي، وأمّا ظُلْمُهُ غَيْرَهُ فَبِأنْ لا يُنْفِقَ أوْ يَصْرِفَ الإنْفاقَ عَنِ المُسْتَحِقِّ إلى غَيْرِهِ، أوْ يَكُونَ نِيَّتُهُ في الإنْفاقِ عَلى المُسْتَحِقِّ الرِّياءَ والسُّمْعَةَ، أوْ يُفْسِدَها بِالمَعاصِي، وهَذانِ القِسْمانِ الأخِيرانِ لَيْسا مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى الغَيْرِ، بَلْ مِن بابِ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ عَنْ أهْلِ الكَبائِرِ، قالُوا: لِأنَّ ناصِرَ الإنْسانِ مَن يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ، فَلَوِ انْدَفَعَتِ العُقُوبَةُ عَنْهم بِشَفاعَةِ الشُّفَعاءِ لَكانَ أُولَئِكَ أنْصارًا لَهم وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ العُرْفَ لا يُسَمِّي الشَّفِيعَ ناصِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٨] فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ الشَّفِيعِ والنّاصِرِ فَلا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأنْصارِ نَفْيُ الشُّفَعاءِ.
والجَوابُ الثّانِي: لَيْسَ لِمَجْمُوعِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ لَيْسَ لِبَعْضِ الظّالِمِينَ أنْصارٌ ؟
فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الظّالِمِينَ ولَفْظُ الأنْصارِ جَمْعٌ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ تَوَزَّعَ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، فَكانَ المَعْنى: لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الظّالِمِينَ أحَدٌ مِنَ الأنْصارِ.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تُوجِبُ تَوَزُّعَ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ فَقَطْ لا مُقابَلَةَ الفَرْدِ بِالفَرْدِ.
والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ النّافِيَ لِلشَّفاعَةِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، وفي كُلِّ الأوْقاتِ، والدَّلِيلُ المُثْبِتُ لِلشَّفاعَةِ خاصٌّ في حَقِّ البَعْضِ وفي بَعْضِ الأوْقاتِ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والجَوابُ الرّابِعُ: ما بَيَّنّا أنَّ اللَّفْظَ العامَّ لا يَكُونُ قاطِعًا في الِاسْتِغْراقِ، بَلْ ظاهِرًا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ القَوِيِّ فَصارَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا، والمَسْألَةُ لَيْسَتْ ظَنِّيَّةً، فَكانَ التَّمَسُّكُ بِها ساقِطًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ، كَأشْرافٍ وشَرِيفٍ، وأحْبابٍ وحَبِيبٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences