Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:275–279

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:275–279, continued

الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الِاسْمَ المُفْرَدَ المُحَلّى بِلامِ التَّعْرِيفِ لا يُفِيدُ العُمُومَ البَتَّةَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ كَفى العَمَلُ بِهِ في ثُبُوتِ حُكْمِهِ في صُورَةٍ واحِدَةٍ.

والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنّا إذا سَلَّمْنا أنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ، ولَكِنّا لا نَشُكُّ أنَّ إفادَتَهُ العُمُومَ أضْعَفُ مِن إفادَةِ ألْفاظِ الجَمْعِ لِلْعُمُومِ، مَثَلًا قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ وإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعاتِ أقْوى في إفادَةِ الِاسْتِغْراقِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ لا يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ إلّا إفادَةً ضَعِيفَةً، ثُمَّ تَقْدِيرُ العُمُومِ لا بُدَّ وأنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْها تَخْصِيصاتٌ كَثِيرَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والضَّبْطِ، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ والكَذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَأمّا العامُّ الَّذِي يَكُونُ مَوْضِعُ التَّخْصِيصِ مِنهُ قَلِيلًا جِدًّا فَذَلِكَ جائِزٌ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الِاسْتِغْراقِ عَلى الأغْلَبِ عُرْفٌ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ هَذا عَلى العُمُومِ غَيْرُ جائِزٍ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الدُّنْيا وما سَألْناهُ عَنِ الرِّبا»، ولَوْ كانَ هَذا اللَّفْظُ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ لَما قالَ ذَلِكَ فَعَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنَ المُجْمَلاتِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ بَيْعٍ حَلالًا، وقَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ رِبًا حَرامًا؛ لِأنَّ الرِّبا هو الزِّيادَةُ ولا بَيْعَ إلّا ويُقْصَدُ بِهِ الزِّيادَةُ، فَأوَّلُ الآيَةِ أباحَ جَمِيعَ البُيُوعِ، وآخِرُها حَرَّمَ الجَمِيعَ، فَلا يُعْرَفُ الحَلالُ مِنَ الحَرامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانَتْ مُجْمَلَةً، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ في الحَلالِ والحَرامِ إلى بَيانِ الرَّسُولِ ﷺ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ ذَكَّرَ فِعْلَ المَوْعِظَةِ لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِأنَّها في مَعْنى الوَعْظِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ“ فَمَن جاءَتْهُ مَوْعِظَةٌ " ثُمَّ قالَ: ﴿فانْتَهى﴾ أيْ: فامْتَنَعَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

صفحة ٨٢

المَسْألَةُ الأُولى: في التَّأْوِيلِ وجْهانِ: الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: صَفَحَ لَهُ عَمّا مَضى مِن ذَنْبِهِ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [ الأنْفالِ: ٣٨] وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ في التَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرامًا ولا ذَنْبًا، فَكَيْفَ يُقالُ المُرادُ مِنَ الآيَةِ الصَّفْحُ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ مَعَ أنَّهُ ما كانَ هُناكَ ذَنْبٌ ؟ والنَّهْيُ المُتَأخِّرُ لا يُؤَثِّرُ في الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ ولِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلَيْهِ بِلامِ التَّمْلِيكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ذَنْبًا. الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: لَهُ ما سَلَفَ أيْ: لَهُ ما أكَلَ مِنَ الرِّبا، ولَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّ ما سَلَفَ، فَأمّا مَن لَمْ يَقْضِ بَعْدُ فَلا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، وإنَّما لَهُ رَأْسُ مالِهِ فَقَطْ كَما بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٧٩].

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: السَّلَفُ المُتَقَدِّمُ، وكُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ أمامَكَ فَهو سَلَفٌ، ومِنهُ الأُمَّةُ السّالِفَةُ، والسّالِفَةُ العُنُقُ لِتَقَدُّمِهِ في جِهَةِ العُلُوِّ، والسُّلْفَةُ ما يُقَدَّمُ قَبْلَ الطَّعامِ، وسُلافَةُ الخَمْرِ صَفْوَتُها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِن عَصِيرِها.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ لِلْمُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ الَّذِي أقُولُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَن تَرَكَ اسْتِحْلالَ الرِّبا مِن غَيْرِ بَيانِ أنَّهُ تَرَكَ أكْلَ الرِّبا، أوْ لَمْ يَتْرُكْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ ومُؤَخِّرَتُها.

أمّا مُقَدِّمَةُ الآيَةِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ انْتَهى عَمّاذا فَلا بُدَّ وأنُ يَصْرِفَ ذَلِكَ المَذْكُورُ إلى السّابِقِ، وأقْرَبُ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ما حَكى اللَّهُ أنَّهم قالُوا: إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَهى﴾ عائِدًا إلَيْهِ، فَكانَ المَعْنى: فانْتَهى عَنْ هَذا القَوْلِ.

وأمّا مُؤَخِّرَةُ الآيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ومَعْناهُ: [ مَن ] عادَ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، وهو اسْتِحْلالُ الرِّبا ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ هَذا الإنْسانُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كَما انْتَهى عَنِ اسْتِحْلالِ الرِّبا انْتَهى أيْضًا عَنْ أكْلِ الرِّبا، أوْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ هَذا الشَّخْصُ مُقِرًّا بِدِينِ اللَّهِ عالِمًا بِتَكْلِيفِ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ المَدْحَ والتَّعْظِيمَ والإكْرامَ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ تَعالى إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَلِيقُ بِالكافِرِ ولا بِالمُؤْمِنِ المُطِيعِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَن أقَرَّ بِحُرْمَةِ الرِّبا ثُمَّ أكَلَ الرِّبا فَهَهُنا أمْرُهُ لِلَّهِ إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا ظاهِرًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا أنَّ العَفْوَ مِنَ اللَّهِ مَرْجُوٌّ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ فالمَعْنى: ومَن عادَ إلى اسْتِحْلالِ الرِّبا حَتّى يَصِيرَ كافِرًا.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دَلِيلٌ قاطِعٌ في أنَّ الخُلُودَ لا يَكُونُ إلّا لِلْكافِرِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ فِيمَن عادَ إلى قَوْلِ الكافِرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ صاحِبَ النّارِ، وكَوْنَهُ خالِدًا في النّارِ لا يَحْصُلُ إلّا في الكُفّارِ أقْصى ما في البابِ أنّا خالَفْنا هَذا الظّاهِرَ وأدْخَلْنا سائِرَ الكُفّارِ فِيهِ، لَكِنَّهُ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ في صاحِبِ الكَبِيرَةِ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ المَواضِعِ، وذَلِكَ أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ يَجُوزُ في حَقِّهِ أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يُعاقِبَهُ اللَّهُ، وأمْرُهُ في البابَيْنِ مُوكَلٌ إلى اللَّهِ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُعاقِبَهُ اللَّهُ فَإنَّهُ لا يَخْلُدُ في النّارِ بَلْ

صفحة ٨٣

يُخْرِجُهُ مِنها، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ صِحَّةَ هَذا المَذْهَبِ في هَذِهِ الآياتِ بِقَوْلِهِ ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ عَلى جَوازِ العَفْوِ في حَقِّ صاحِبِ الكَبِيرَةِ عَلى ما بَيَّنّاهُ.

ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ النّارَ لَكِنَّهُ لا يُخَلِّدُهُ فِيها لِأنَّ الخُلُودَ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ لا بِأهْلِ الإيمانِ، وهَذا بَيانٌ شَرِيفٌ وتَفْسِيرٌ حَسَنٌ.

2:276Page 47

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في الزَّجْرِ عَنِ الرِّبا، وكانَ قَدْ بالَغَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في الأمْرِ بِالصَّدَقاتِ، ذَكَرَ هَهُنا ما يَجْرِي مَجْرى الدُّعاءِ إلى تَرْكِ الصَّدَقاتِ وفِعْلِ الرِّبا، وكَشَفَ عَنْ فَسادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى فِعْلِ الرِّبا تَحْصِيلُ المَزِيدِ في الخَيْراتِ، والصّارِفَ عَنِ الصَّدَقاتِ الِاحْتِرازُ عَنْ نُقْصانِ الخَيْرِ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الرِّبا، وإنْ كانَ في زِيادَةٍ في الحالِ، إلّا أنَّهُ نُقْصانٌ في الحَقِيقَةِ، وأنَّ الصَّدَقَةَ وإنْ كانَتْ نُقْصانًا في الصُّورَةِ، إلّا أنَّها زِيادَةٌ في المَعْنى، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِالعاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى ما يَقْضِي بِهِ الطَّبْعُ والحِسُّ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ، بَلْ يُعَوِّلُ عَلى ما نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَيْهِ مِنَ الدَّواعِي والصَّوارِفِ فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَحْقُ نُقْصانُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، ومِنهُ المَحاقُ في الهِلالِ يُقالُ: مَحَقَهُ اللَّهُ فانْمَحَقَ وامْتَحَقَ، ويُقالُ: هَجِيرٌ ماحِقٌ إذا نَقَصَ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَرارَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَحْقَ الرِّبا وإرْباءَ الصَّدَقاتِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَنَقُولُ: مَحْقُ الرِّبا في الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الغالِبَ في المُرابِي وإنْ كَثُرَ مالُهُ أنَّهُ تَؤُولُ عاقِبَتُهُ إلى الفَقْرِ، وتَزُولُ البَرَكَةُ عَنْ مالِهِ، قالَ ﷺ: ”«الرِّبا وإنْ كَثُرَ فَإلى قُلٍّ» “ .

وثانِيها: إنْ لَمْ يَنْقُصْ مالُهُ فَإنَّ عاقِبَتَهُ الذَّمُّ، والنَّقْصُ، وسُقُوطُ العَدالَةِ، وزَوالُ الأمانَةِ، وحُصُولُ اسْمِ الفِسْقِ والقَسْوَةِ والغِلْظَةِ.

وثالِثُها: أنَّ الفُقَراءَ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ أنَّهُ أخَذَ أمْوالَهم بِسَبَبِ الرِّبا يَلْعَنُونَهُ ويُبْغِضُونَهُ ويَدْعُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِزَوالِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ عَنْهُ في نَفْسِهِ ومالِهِ.

ورابِعُها: أنَّهُ مَتى اشْتُهِرَ بَيْنَ الخَلْقِ أنَّهُ إنَّما جَمَعَ مالَهُ مِنَ الرِّبا تَوَجَّهَتْ إلَيْه الأطْماعُ، وقَصَدَهُ كُلُّ ظالِمٍ ومارِقٍ وطَمّاعٍ، ويَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ المالَ لَيْسَ لَهُ في الحَقِيقَةِ فَلا يُتْرَكُ في يَدِهِ. وأمّا أنَّ الرِّبا سَبَبٌ لِلْمَحْقِ في الآخِرَةِ فَلِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَعْنى هَذا المَحْقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْبَلُ مِنهُ صَدَقَةً ولا جِهادًا، ولا حَجًّا، ولا صِلَةَ رَحِمٍ، وثانِيها: أنَّ مالَ الدُّنْيا لا يَبْقى عِنْدَ المَوْتِ، ويَبْقى التَّبِعَةُ والعُقُوبَةُ، وذَلِكَ هو الخَسارُ الأكْبَرُ، وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ في الحَدِيثِ أنَّ الأغْنِياءَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَعْدَ الفُقَراءِ بِخَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَإذا كانَ الغَنِيُّ مِنَ الوَجْهِ الحَلالِ كَذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِالغَنِيِّ مِنَ الوَجْهِ الحَرامِ المَقْطُوعِ بِحُرْمَتِهِ، كَيْفَ يَكُونُ ؟ فَذَلِكَ هو المَحْقُ والنُّقْصانُ.

وأمّا إرْباءُ الصَّدَقاتِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ في الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ في الآخِرَةِ.

صفحة ٨٤

أمّا في الدُّنْيا فَمِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَن كانَ لِلَّهِ كانَ اللَّهُ لَهُ، فَإذا كانَ الإنْسانُ مَعَ فَقْرِهِ وحاجَتِهِ يُحْسِنُ إلى عَبِيدِ اللَّهِ، فاللَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُهُ ضائِعًا في الدُّنْيا، وفي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْناهُ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ المَلَكَ يُنادِي كُلَّ يَوْمٍ ”«اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِكُلِّ مُنْفِقٍ خَلَفًا ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا» “ .

وثانِيها: أنَّهُ يَزْدادُ كُلَّ يَوْمٍ في جاهِهِ وذِكْرِهِ الجَمِيلِ، ومَيْلِ القُلُوبِ إلَيْهِ وسُكُونِ النّاسِ إلَيْهِ، وذَلِكَ أفْضَلُ مِنَ المالِ مَعَ أضْدادِ هَذِهِ الأحْوالِ.

وثالِثُها: أنَّ الفُقَراءَ يُعِينُونَهُ بِالدَّعَواتِ الصّالِحَةِ.

ورابِعُها: الأطْماعُ تَنْقَطِعُ عَنْهُ فَإنَّهُ مَتى اشْتُهِرَ أنَّهُ مُتَشَمِّرٌ لِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الفُقَراءِ والضُّعَفاءِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَحْتَرِزُ عَنْ مُنازَعَتِهِ، وكُلُّ ظالِمٍ، وكُلُّ طَمّاعٍ لا يَجُوزُ أخْذُ شَيْءٍ مِن مالِهِ، اللَّهُمَّ إلّا نادِرًا، فَهَذا هو المُرادُ بِإرْباءِ الصَّدَقاتِ في الدُّنْيا.

وأمّا إرْباؤُها في الآخِرَةِ فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ الصَّدَقاتِ ولا يَقْبَلُ مِنها إلّا الطَّيِّبَ، ويَأْخُذُها بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ أوْ فَلُوَّهُ حَتّى أنَّ اللُّقْمَةَ تَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ» “ وتَصْدِيقُ ذَلِكَ بَيِّنٌ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٠٤] و: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ فِيما تَقَدَّمَ بِصَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا، ونَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ بِحَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الكَفّارَ فَعّالٌ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْناهُ مَن كانَ ذَلِكَ مِنهُ عادَةً، والعَرَبُ تُسَمِّي المُقِيمَ عَلى الشَّيْءِ بِهَذا، فَتَقُولُ: فُلانٌ فَعّالٌ لِلْخَيْرِ أمّارٌ بِهِ. والأثِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو الآثِمُ، وهو أيْضًا مُبالَغَةٌ في الِاسْتِمْرارِ عَلى اكْتِسابِ الآثامِ والتَّمادِي فِيهِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن يُنْكِرُ تَحْرِيمَ الرِّبا فَيَكُونُ جاحِدًا، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ الكَفّارُ راجِعًا إلى المُسْتَحِيلِ والأثِيمُ يَكُونُ راجِعًا إلى مَن يَفْعَلُهُ مَعَ اعْتِقادِ التَّحْرِيمِ، فَتَكُونُ الآيَةُ جامِعَةً لِلْفَرِيقَيْنِ.

2:277Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ في القُرْآنِ مُطَّرِدَةٌ بِأنَّهُ تَعالى مَهْما ذَكَرَ وعِيدًا ذَكَرَ بَعْدَهُ وعْدًا فَلَمّا بالَغَ هَهُنا في وعِيدِ المُرابِي أتْبَعَهُ بِهَذا الوَعْدِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ قالَ:

صفحة ٨٥

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَعَطَفَ عَمَلَ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مَن أجابَ عَنْهُ ألَيْسَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ مَعَ أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ داخِلانِ تَحْتَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَكَذا فِيما ذَكَرْتُمْ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٨] وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٩] .

ولِلْمُسْتَدِلِّ الأوَّلِ أنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ الأصْلَ حَمْلُ كُلِّ لَفْظَةٍ عَلى فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّعَذُّرِ، فَيَبْقى في غَيْرِ مَوْضِعِ التَّعَذُّرِ عَلى الأصْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أقْوى مِن قَوْلِهِ: عَلى رَبِّهِمْ أجْرُهم؛ لِأنَّ الأوَّلَ يَجْرِي مَجْرى ما إذا باعَ بِالنَّقْدِ، فَذاكَ النَّقْدُ هُناكَ حاضِرٌ مَتى شاءَ البائِعُ أخَذَهُ، وقَوْلُهُ: أجْرُهم عَلى رَبِّهِمْ. يَجْرِي مَجْرى ما إذا باعَ بِالنَّسِيئَةِ في الذِّمَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُهم مِن أحْوالِ القِيامَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ ما تَرَكُوهُ في الدُّنْيا، فَإنَّ المُنْتَقِلَ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى فَوْقَها رُبَّما يَحْزَنُ عَلى بَعْضِ ما فاتَهُ مِنَ الأحْوالِ السّالِفَةِ، وإنْ كانَ مُغْتَبِطًا بِالثّانِيَةِ لِأجْلِ إلْفِهِ وعادَتِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الغُصَّةِ لا يَلْحَقُ أهْلَ الثَّوابِ والكَرامَةِ، وقالَ الأصَمُّ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ، ولا هم يَحْزَنُونَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَهُمُ النَّعِيمُ الزّائِدُ الَّذِي قَدْ حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ السُّعَداءِ؛ لِأنَّهُ لا مُنافَسَةَ في الآخِرَةِ، ولا هم يَحْزَنُونَ أيْضًا بِسَبَبِ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنّا في الدُّنْيا طاعَةٌ أزْيَدُ مِمّا صَدَرَ حَتّى صِرْنا مُسْتَحِقِّينَ لِثَوابٍ أزْيَدَ مِمّا وجَدْناهُ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الخَواطِرَ لا تُوجَدُ في الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إشْكالٌ هو أنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتْ عارِفَةً بِاللَّهِ وكَما بَلَغَتْ حاضَتْ، ثُمَّ عِنْدَ انْقِطاعِ حَيْضِها ماتَتْ، أوِ الرَّجُلَ بَلَغَ عارِفًا بِاللَّهِ، وقَبْلَ أنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ ماتَ، فَهُما بِالِاتِّفاقِ مِن أهْلِ الثَّوابِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى حُصُولِ الأعْمالِ، وأيْضًا مِن مَذْهَبِنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُثِيبُ المُؤْمِنَ الفاسِقَ الخالِيَ عَنْ جَمِيعِ الأعْمالِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ وقَفَ اللَّهُ هَهُنا حُصُولَ الأجْرِ عَلى حُصُولِ الأعْمالِ ؟

الجَوابُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الخِصالَ لا لِأجْلِ أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ مَشْرُوطٌ بِهَذا، بَلْ لِأجْلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أثَرًا في جَلْبِ الثَّوابِ، كَما قالَ في ضِدِّ هَذا ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [ الفُرْقانِ: ٦٨] ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [ الفُرْقانِ: ٦٨] ومَعْلُومٌ أنَّ مَنِ ادَّعى مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا يَحْتاجُ في اسْتِحْقاقِهِ العَذابَ إلى عَمَلٍ آخَرَ، ولَكِنَّ اللَّهَ جَمَعَ الزِّنا وقَتْلَ النَّفْسِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْلالِ مَعَ دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا لِبَيانِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ يُوجِبُ العُقُوبَةَ.

2:278–279Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ مَنِ انْتَهى عَنِ الرِّبا فَلَهُ ما سَلَفَ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ مِنهُ وبَيْنَ الباقِي في ذِمَّةِ القَوْمِ، فَقالَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وبَيَّنَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقْبَضْ، فالزِّيادَةُ تَحْرُمُ، ولَيْسَ لَهم أنْ يَأْخُذُوا إلّا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ، وإنَّما شَدَّدَ تَعالى في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَنِ انْتَظَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً في حُلُولِ الأجَلِ، ثُمَّ حَضَرَ الوَقْتُ وظَنَّ نَفْسَهُ عَلى أنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَيَحْتاجُ في مَنعِهِ عَنْهُ إلى تَشْدِيدٍ عَظِيمٍ، فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ واتِّقاؤُهُ ما نَهى عَنْهُ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ قَدْ قَبَضْتُمْ شَيْئًا فَيَعْفُو عَنْهُ، وإنْ لَمْ تَقْبِضُوهُ، أوْ لَمْ تَقْبِضُوا بَعْضَهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لَمْ تَقْبِضُوهُ كُلًّا كانَ أوْ بَعْضًا فَإنَّهُ يَحْرُمُ قَبْضُهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في أحْكامِ الكُفّارِ إذا أسْلَمُوا، وذَلِكَ لِأنَّ ما مَضى في وقْتِ الكُفْرِ فَإنَّهُ يَبْقى ولا يُنْقَضُ، ولا يُفْسَخُ، وما لا يُوجَدُ مِنهُ شَيْءٌ في حالِ الكُفْرِ فَحُكْمُهُ مَحْمُولٌ عَلى الإسْلامِ، فَإذا تَناكَحُوا عَلى ما يَجُوزُ عِنْدَهم ولا يَجُوزُ في الإسْلامِ فَهو عَفْوٌ لا يُتَعَقَّبُ، وإنْ كانَ النِّكاحُ وقَعَ عَلى مُحَرَّمٍ فَقَبَضَتْهُ المَرْأةُ فَقَدْ مَضى، وإنْ كانَتْ لَمْ تَقْبِضْهُ فَلَها مَهْرُ مِثْلِها دُونَ المَهْرِ المُسَمّى. هَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؟

الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِثْلُ ما يُقالُ: إنْ كُنْتَ أخًا فَأكْرِمْنِي، مَعْناهُ: إنَّ مَن كانَ أخًا أكْرَمَ أخاهُ.

والثّانِي: قِيلَ: مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُ.

الثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ اسْتِدامَةَ الحُكْمِ لَكم بِالإيمانِ.

الرّابِعُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِلِسانِهِمْ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِقُلُوبِكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ رِواياتٌ:

صفحة ٨٧

الرِّوايَةُ الأُولى: أنَّها خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ كانُوا يُرابُونَ فَلَمّا أسْلَمُوا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْخُذُوا رُءُوسَ أمْوالِهِمْ دُونَ الزِّيادَةِ.

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أرْبَعَةِ إخْوَةٍ مِن ثَقِيفٍ: مَسْعُودٌ، وعَبْدُ يالِيلَ، وحَبِيبٌ، ورَبِيعَةُ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ كانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَلَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الطّائِفِ أسْلَمَ الإخْوَةُ، ثُمَّ طالَبُوا بِرِباهم بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكانا أسْلَفا في التَّمْرِ، فَلَمّا حَضَرَ الجُذاذُ قَبَضا بَعْضًا، وزادَ في الباقِي فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وعِكْرِمَةَ.

الرِّوايَةُ الرّابِعَةُ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا يُسْلِفانِ في الرِّبا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَتَكامَلُ إذا أصَرَّ الإنْسانُ عَلى كَبِيرَةٍ وإنَّما يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِالإطْلاقِ إذا اجْتَنَبَ كُلَّ الكَبائِرِ.

والجَوابُ: لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ المَذْكُورَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ عَلى أنَّ العَمَلَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةً عَلى كَمالِ الإيمانِ وشَرائِعِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ عامِلِينَ بِمُقْتَضى شَرائِعِ الإيمانِ. وهَذا وإنْ كانَ تَرْكًا لِلظّاهِرِ لَكِنّا ذَهَبْنا إلَيْهِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (فَآذِنُوا) مَفْتُوحَةَ الألِفِ مَمْدُودَةً مَكْسُورَةَ الذّالِ عَلى مِثالِ (فَآمِنُوا) والباقُونَ ﴿فَأْذَنُوا﴾ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةَ الذّالِ مَقْصُورَةً، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُما قَرَآ كَذَلِكَ (فَآذِنُوا) مَمْدُودَةً، أيْ فَأعْلِمُوا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٩] ومَفْعُولُ الإيذانِ مَحْذُوفٌ في هَذِهِ الآيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الرِّبا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ فَهم أيْضًا قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسَ في عِلْمِهِمْ دَلالَةٌ عَلى إعْلامِ غَيْرِهِمْ، فَهَذِهِ القِراءَةُ في البَلاغَةِ آكَدٌ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: قِراءَةُ العامَّةِ مِنَ الإذْنِ، أيْ كُونُوا عَلى عِلْمٍ وإذْنٍ، وقَرَأ الحَسَنُ (فَأيْقِنُوا) وهو دَلِيلٌ لِقِراءَةِ العامَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ المُصِرِّينَ عَلى مُعامَلَةِ الرِّبا، أوْ هو خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ المُسْتَحِلِّينَ لِلرِّبا، الَّذِينَ قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، قالَ القاضِي: والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ خِطابٌ مَعَ قَوْمٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ بِالمُحارَبَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ ؟

قُلْنا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مَن عَصى اللَّهَ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ، كَما جاءَ في الخَبَرِ ”«مَن أهانَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» “ وعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«مَن لَمْ يَدَعِ المُخابَرَةَ فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ» “ وقَدْ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ والفُقَهاءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [ المائِدَةِ: ٣٣] أصْلًا في قَطْعِ

صفحة ٨٨

الطَّرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَثَبَتَ أنَّ ذِكْرَ هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّهْدِيدِ مَعَ المُسْلِمِينَ وارِدٌ في كِتابِ اللَّهِ وفي سُنَّةِ رَسُولِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ المَذْكُورِ وجْهانِ: الأوَّلُ: المُرادُ المُبالَغَةُ في التَّهْدِيدِ دُونَ نَفْسِ الحَرْبِ، والثّانِي: المُرادُ نَفْسُ الحَرْبِ وفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَنَقُولُ: الإصْرارُ عَلى عَمَلِ الرِّبا إنْ كانَ مِن شَخْصٍ وقَدَرَ الإمامُ عَلَيْهِ قَبَضَ عَلَيْهِ وأجْرى فِيهِ حُكْمَ اللَّهِ مِنَ التَّعْزِيرِ والحَبْسِ إلى أنْ تَظْهَرَ مِنهُ التَّوْبَةُ، وإنْ وقَعَ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ عَسْكَرٌ وشَوْكَةٌ، حارَبَهُ الإمامُ كَما يُحارِبُ الفِئَةَ الباغِيَةَ وكَما حارَبَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مانِعِي الزَّكاةِ، وكَذا القَوْمُ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى تَرْكِ الأذانِ، وتَرْكِ دَفْنِ المَوْتى، فَإنَّهُ يَفْعَلُ بِهِمْ ما ذَكَرْناهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مَن عامَلَ بِالرِّبا يُسْتَتابُ فَإنْ تابَ وإلّا ضُرِبَ عُنُقُهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا﴾، خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِ الرِّبا ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا مُعْتَرِفِينَ بِتَحْرِيمِهِ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ومَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ، قالَ: إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَن كَفَرَ بِشَرِيعَةٍ واحِدَةٍ مِن شَرائِعِ الإسْلامِ كانَ كافِرًا، كَما لَوْ كَفَرَ بِجَمِيعِ شَرائِعِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ والمَعْنى عَلى القَوْلِ الأوَّلِ تُبْتُمْ مِن مُعامَلَةِ الرِّبا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي مِنِ اسْتِحْلالِ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا تَظْلِمُونَ الغَرِيمَ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى رَأْسِ المالِ، ولا تُظْلَمُونَ أيْ بِنُقْصانِ رَأْسِ المالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском