Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:282

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:282

2:282Page 48

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢

O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.

الحُكْمُ الثّالِثُ

مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَوْضِعِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَةُ المُدايَنَةِ.

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قَبْلَ هَذا الحُكْمِ نَوْعَيْنِ مِنَ الحُكْمِ: أحَدُهُما: الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ وهو يُوجِبُ تَنْقِيصَ المالِ، والثّانِي: تَرْكُ الرِّبا، وهو أيْضًا سَبَبٌ لِتَنْقِيصِ المالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ ذَيْنِكَ الحُكْمَيْنِ بِالتَّهْدِيدِ العَظِيمِ، فَقالَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ والتَّقْوى تَسُدُّ عَلى الإنْسانِ أكْثَرَ أبْوابِ المَكاسِبِ والمَنافِعِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ نَدَبَهُ إلى كَيْفِيَّةِ حِفْظِ المالِ الحَلالِ وصَوْنِهِ عَنِ الفَسادِ والبَوارِ؛ فَإنَّ القُدْرَةَ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى تَرْكِ الرِّبا، وعَلى مُلازَمَةِ التَّقْوى لا يَتِمُّ

صفحة ٩٤

ولا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ المالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِأجْلِ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ بالَغَ في الوَصِيَّةِ بِحِفْظِ المالِ الحَلالِ عَنْ وُجُوهِ التَّوى والتَّلَفِ، وقَدْ ورَدَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [ النِّساءِ: ٥] فَحَثَّ عَلى الِاحْتِياطِ في أمْرِ الأمْوالِ لِكَوْنِها سَبَبًا لِمَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ جارِيَةٌ في الأكْثَرِ عَلى الِاخْتِصارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَسْطٌ شَدِيدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾، ثُمَّ قالَ ثالِثًا: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، فَكانَ هَذا كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾؛ لِأنَّ العَدْلَ هو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ رابِعًا: (فَلْيَكْتُبْ) وهَذا إعادَةُ الأمْرِ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ خامِسًا: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ كِفايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لِأنَّ الكاتِبَ بِالعَدْلِ إنَّما يَكْتُبُ ما يُمْلى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ سادِسًا: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وهَذا تَأْكِيدٌ، ثُمَّ قالَ سابِعًا: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ فَهَذا كالمُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ثُمَّ قالَ ثامِنًا: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ وهو أيْضًا تَأْكِيدٌ لِما مَضى، ثُمَّ قالَ تاسِعًا: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ فَذَكَرَ هَذِهِ الفَوائِدَ الثَّلاثَةَ لِتِلْكَ التَّأْكِيداتِ السّالِفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى ما يَجْرِي مَجْرى سَبَبِ تَنْقِيصِ المالِ في الحُكْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ بالَغَ في هَذا الحُكْمِ في الوَصِيَّةِ بِحِفْظِ المالِ الحَلالِ، وصَوْنِهِ عَنِ الهَلاكِ والبَوارِ، لِيَتَمَكَّنَ الإنْسانُ بِواسِطَتِهِ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والإعْراضِ عَنْ مَساخِطِ اللَّهِ مِنَ الرِّبا وغَيْرِهِ، والمُواظَبَةِ عَلى تَقْوى اللَّهِ فَهَذا هو الوَجْهُ الأوَّلُ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ، وهو حَسَنٌ لَطِيفٌ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: المُرادُ بِالمُدايَنَةِ السَّلَمُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا مَنَعَ الرِّبا في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أذِنَ في السَّلَمِ في جَمِيعِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ أنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ المَطْلُوبَةِ مِنَ الرِّبا حاصِلَةٌ في السَّلَمِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا لَذَّةَ ولا مَنفَعَةَ يُوصَلُ إلَيْها بِالطَّرِيقِ الحَرامِ إلّا وضَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ اللَّذَّةِ طَرِيقًا حَلالًا وسَبِيلًا مَشْرُوعًا فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّدايُنُ تَفاعُلٌ مِنَ الدَّيْنِ، ومَعْناهُ دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا، وتَدايَنْتُمْ تَبايَعْتُمْ بَدَيْنٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: القَرْضُ غَيْرُ الدَّيْنِ؛ لِأنَّ القَرْضَ أنْ يُقْرِضَ الإنْسانُ دَراهِمَ، أوْ دَنانِيرَ، أوْ حَبًّا، أوْ تَمْرًا، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ فِيهِ الأجَلُ والدَّيْنُ يَجُوزُ فِيهِ الأجَلُ، ويُقالُ مِنَ الدَّيْنِ ادّانَ إذا باعَ سِلْعَتَهُ بِثَمَنٍ إلى أجَلٍ، ودانَ يُدِينُ إذا أقْرَضَ، ودانَ إذا اسْتَقْرَضَ وأنْشَدَ الأحْمَرُ:

نَدِينُ ويَقْضِي اللَّهُ عَنّا وقَدْ نَرى مَصارِعَ قَوْمٍ لا يَدِينُونَ ضُيَّقا

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في المُرادِ بِهَذِهِ المُدايَنَةِ أقْوالٌ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في السَّلَفِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في التَّمْرِ السَّنَتَيْنِ والثَّلاثَ، فَقالَ ﷺ: ”«مَن أسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» “ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَرَّفَ المُكَلَّفِينَ وجْهَ الِاحْتِياطِ في الكَيْلِ والوَزْنِ والأجَلِ، فَقالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ القَرْضُ وهو ضَعِيفٌ لِما بَيَّنّا أنَّ القَرْضَ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ الأجَلُ، والدَّيْنُ المَذْكُورُ في الآيَةِ قَدِ اشْتُرِطَ فِيهِ الأجَلُ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: أنَّ البِياعاتِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيْعُ العَيْنِ بِالعَيْنِ،

صفحة ٩٥

وذَلِكَ لَيْسَ بِمُدايَنَةٍ البَتَّةَ. والثّانِي: بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ، فَلا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، بَقِيَ هُنا قِسْمانِ: بَيْعُ العَيْنِ بِالدَّيْنِ، وهو ما إذا باعَ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وبَيْعُ الدَّيْنِ بِالعَيْنِ وهو المُسَمّى بِالسَّلَمِ، وكِلاهُما داخِلانِ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: المُدايَنَةُ مُفاعَلَةٌ، وحَقِيقَتُها أنْ يَحْصُلَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دَيْنٌ، وذَلِكَ هو بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ.

والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن تَدايَنْتُمْ تَعامَلْتُمْ، والتَّقْدِيرُ: إذا تَعامَلْتُمْ بِما فِيهِ دَيْنٌ.

السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الدَّيْنِ فَما الفائِدَةُ بِقَوْلِهِ ﴿بِدَيْنٍ﴾ ؟

الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّدايُنُ يَكُونُ لِمَعْنَيَيْنِ أحَدُهُما: التَّدايُنُ بِالمالِ، والآخَرُ التَّدايُنُ بِمَعْنى المُجازاةِ، مِن قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ، والدَّيْنُ الجَزاءُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الدَّيْنَ لِتَخْصِيصِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّما ذَكَرَ الدَّيْنَ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ إذْ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ، فَلَمْ يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الحَسَنَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [ الحِجْرِ: ٣٠]، ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٣٨] .

الرّابِعُ: فَإذا تَدايَنْتُمْ أيَّ دَيْنٍ كانَ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، مِن قَرْضٍ أوْ سَلَمٍ أوْ بَيْعِ عَيْنٍ إلى أجَلٍ. الخامِسُ: ما خَطَرَ بِبالِي أنّا ذَكَرْنا أنَّ المُدايَنَةَ مُفاعَلَةٌ، وذَلِكَ إنَّما يَتَناوَلُ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ، فَلَوْ قالَ: إذا تَدايَنْتُمْ لَبَقِيَ النَّصُّ مَقْصُورًا عَلى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وهو باطِلٌ، أمّا لَمّا قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ كانَ المَعْنى: إذا تَدايَنْتُمْ تَدايُنًا يَحْصُلُ فِيهِ دَيْنٌ واحِدٌ، وحِينَئِذٍ يَخْرُجُ عَنِ النَّصِّ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، ويَبْقى بَيْعُ العَيْنِ بِالدَّيْنِ، أوْ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالعَيْنِ فَإنَّ الحاصِلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دَيْنٌ واحِدٌ لا غَيْرَ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: كُلَّما تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ فاكْتُبُوهُ، وكَلِمَةُ ”إذا“ لا تُفِيدُ العُمُومَ، فَلِمَ قالَ: ﴿تَدايَنْتُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ كُلَّما تَدايَنْتُمْ ؟

الجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ وإنْ كانَتْ لا تَقْتَضِي العُمُومَ، إلّا أنَّها لا تَمْنَعُ مِنَ العُمُومِ وهَهُنا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ هو العُمُومُ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ العِلَّةَ في الأمْرِ بِالكِتابَةِ في آخِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ والمَعْنى إذا وقَعَتِ المُعامَلَةُ بِالدَّيْنِ ولَمْ يُكْتَبْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ تُنْسى الكَيْفِيَّةُ، فَرُبَّما تَوَهَّمَ الزِّيادَةَ، فَطَلَبَ الزِّيادَةَ وهو ظُلْمٌ، ورُبَّما تَوَهَّمَ النُّقْصانَ فَتَرَكَ حَقَّهُ مِن غَيْرِ حَمْدٍ ولا أجْرٍ، فَأمّا إذا كَتَبَ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ أمِنَ مِن هَذِهِ المَحْذُوراتِ فَلَمّا دَلَّ النَّصُّ عَلى أنَّ هَذا هو العِلَّةُ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ العِلَّةَ قائِمَةٌ في الكُلِّ، كانَ الحُكْمُ أيْضًا حاصِلًا في الكُلِّ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الأجَلُ ؟

الجَوابُ: الأجَلُ في اللُّغَةِ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ الأمَدِ، وأجَلُ الإنْسانِ هو الوَقْتُ لِانْقِضاءِ عُمْرِهِ، وأجَلُ الدَّيْنِ لِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ في المُسْتَقْبَلِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّأْخِيرِ، يُقالُ: أجِلَ الشَّيْءُ يَأْجِلُ أُجُولًا إذا تَأخَّرَ، والآجِلُ نَقِيضُ العاجِلِ.

صفحة ٩٦

السُّؤالُ الثّانِي: المُدايَنَةُ لا تَكُونُ إلّا مُؤَجَّلَةً فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الأجَلِ بَعْدَ ذِكْرِ المُدايَنَةِ ؟

الجَوابُ: إنَّما ذَكَرَ الأجَلَ لِيُمْكِنَهُ أنْ يَصِفَهُ بِقَوْلِهِ (مُسَمًّى) والفائِدَةُ في قَوْلِهِ: (مُسَمًّى) لِيُعْلَمَ أنَّ مِن حَقِّ الأجَلِ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، كالتَّوْقِيتِ بِالسَّنَةِ والشَّهْرِ والأيّامِ، ولَوْ قالَ: إلى الحَصادِ، أوْ إلى الدِّياسِ، أوْ إلى قُدُومِ الحاجِّ، لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ في المُدايَنَةِ بِأمْرَيْنِ أحَدُهُما: الكِتابَةُ وهي قَوْلُهُ هَهُنا ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ الثّانِي: الإشْهادُ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: فائِدَةُ الكِتابَةِ والإشْهادِ أنَّ ما يَدْخُلُ فِيهِ الأجَلُ، تَتَأخَّرُ فِيهِ المُطالَبَةُ ويَتَخَلَّلُهُ النِّسْيانُ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجَحْدُ، فَصارَتِ الكِتابَةُ كالسَّبَبِ لِحِفْظِ المالِ مِنَ الجانِبَيْنِ؛ لِأنَّ صاحِبَ الدَّيْنِ إذا عَلِمَ أنَّ حَقَّهُ قَدْ قُيِّدَ بِالكِتابَةِ والإشْهادِ يَحْذَرُ مِن طَلَبِ الزِّيادَةِ، ومِن تَقْدِيمِ المُطالَبَةِ قَبْلَ حُلُولِ الأجَلِ، ومَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذا عَرَفَ ذَلِكَ يَحْذَرُ عَنِ الجُحُودِ، ويَأْخُذُ قَبْلَ حُلُولِ الأجَلِ في تَحْصِيلِ المالِ، لِيَتَمَكَّنَ مِن أدائِهِ وقْتَ حُلُولِ الدَّيْنِ، فَلَمّا حَصَلَ في الكِتابَةِ والإشْهادِ هَذِهِ الفَوائِدُ لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلنَّدْبِ لا إشْكالَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ ظاهِرَهُ لِلْوُجُوبِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ قَوْمٌ بِالوُجُوبِ وهو مَذْهَبُ عَطاءٍ وابْنِ جُرَيْجٍ والنَّخَعِيِّ واخْتِيارُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وقالَ النَّخَعِيُّ: يُشْهِدُ ولَوْ عَلى دَسْتَجَةِ بَقْلٍ، وقالَ آخَرُونَ: هَذا الأمْرُ مَحْمُولٌ عَلى النَّدْبِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الفُقَهاءِ المُجْتَهِدِينَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنّا نَرى جُمْهُورَ المُسْلِمِينَ في جَمِيعِ دِيارِ الإسْلامِ يَبِيعُونَ بِالأثْمانِ المُؤَجَّلَةِ مِن غَيْرِ كِتابَةٍ ولا إشْهادٍ، وذَلِكَ إجْماعٌ عَلى عَدَمِ وُجُوبِهِما، ولِأنَّ في إيجابِهِما أعْظَمَ التَّشْدِيدِ عَلى المُسْلِمِينَ، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ”«بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ» “ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ كانَتْ واجِبَةً، إلّا أنَّ ذَلِكَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨٣] وهَذا مَذْهَبُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ والحَكَمِ وابْنِ عُيَيْنَةَ، وقالَ التَّيْمِيُّ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْها فَقالَ: إنْ شاءَ أشْهَدَ وإنْ شاءَ لَمْ يُشْهِدْ، ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِكَتْبِ هَذِهِ المُدايَنَةِ اعْتَبَرَ في تِلْكَ الكِتابَةِ شَرْطَيْنِ:

الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الكاتِبُ عَدْلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فاكْتُبُوهُ) ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكْتُبَ، لَكِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَقَدْ لا يَكُونُ ذَلِكَ الإنْسانُ كاتِبًا، فَصارَ مَعْنى قَوْلِهِ: (فاكْتُبُوهُ) أيْ لا بُدَّ مِن حُصُولِ هَذِهِ الكِتابَةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً﴾ [ المائِدَةِ: ٣٨] فَإنَّ ظاهِرَهُ وإنْ كانَ يَقْتَضِي خِطابَ الكُلِّ بِهَذا الفِعْلِ، إلّا أنّا عَلِمْنا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ قَطْعِ اليَدِ مِن إنْسانٍ واحِدٍ، إمّا الإمامُ أوْ نائِبُهُ أوِ المَوْلى، فَكَذا هَهُنا ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا الَّذِي قُلْناهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ هَذِهِ الكِتابَةِ مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ.

أمّا قَوْلُهُ: (بِالعَدْلِ) فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكْتُبَ بِحَيْثُ لا يَزِيدُ في الدَّيْنِ ولا يَنْقُصُ مِنهُ، ويَكْتُبُهُ بِحَيْثُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً لَهُ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.

الثّانِي: إذا كانَ فَقِيهًا وجَبَ أنْ يَكْتُبَ بِحَيْثُ لا يَخُصُّ

صفحة ٩٧

أحَدَهُما بِالِاحْتِياطِ دُونَ الآخَرِ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكْتُبَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ آمِنًا مِن تَمَكُّنِ الآخَرِ مِن إبْطالِ حَقِّهِ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: العَدْلُ أنْ يَكُونَ ما يَكْتُبُهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ ولا يَكُونُ بِحَيْثُ يَجِدُ قاضٍ مِن قُضاةِ المُسْلِمِينَ سَبِيلًا إلى إبْطالِهِ عَلى مَذْهَبِ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ.

الرّابِعُ: أنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الألْفاظِ المُجْمَلَةِ الَّتِي يَقَعُ النِّزاعُ في المُرادِ بِها، وهَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْناها لا يُمْكِنُ رِعايَتُها إلّا إذا كانَ الكاتِبُ فَقِيهًا عارِفًا بِمَذاهِبِ المُجْتَهِدِينَ، وأنْ يَكُونَ أدِيبًا مُمَيِّزًا بَيْنَ الألْفاظِ المُتَشابِهَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ نَهْيٌ لِكُلِّ مَن كانَ كاتِبًا عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الكِتابَةِ، وإيجابُ الكِتابَةِ عَلى كُلِّ مَن كانَ كاتِبًا، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ الإرْشادِ إلى الأوْلى لا عَلى سَبِيلِ الإيجابِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلَّمَهُ الكِتابَةَ، وشَرَّفَهُ بِمَعْرِفَةِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، فالأوْلى أنْ يَكْتُبَ تَحْصِيلًا لِمُهِمِّ أخِيهِ المُسْلِمِ شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [ القَصَصِ: ٧٧] فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ النّاسُ بِكِتابَتِهِ كَما نَفَعَهُ اللَّهُ بِتَعْلِيمِها.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: أنَّهُ فَرْضُ كِفايَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدًا يَكْتُبُ إلّا ذَلِكَ الواحِدَ وجَبَ الكِتابَةُ عَلَيْهِ، فَإنْ وجَدَ أقْوامًا كانَ الواجِبُ عَلى واحِدٍ مِنهم أنْ يَكْتُبَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ واجِبًا عَلى الكاتِبِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ .

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ مُتَعَلِّقَ الإيجابِ هو أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، يَعْنِي أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكْتُبَ فالواجِبُ أنْ يَكْتُبَ عَلى ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وأنْ لا يُخِلَّ بِشَرْطٍ مِنَ الشَّرائِطِ، ولا يُدْرِجُ فِيهِ قَيْدًا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الإنْسانِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كَتَبَهُ مِن غَيْرِ مُراعاةِ هَذِهِ الشُّرُوطِ اخْتَلَّ مَقْصُودُ الإنْسانِ، وضاعَ مالُهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنْ كُنْتَ تَكْتُبُ فاكْتُبْهُ عَنِ العَدْلِ، واعْتِبارِ كُلِّ الشَّرائِطِ الَّتِي اعْتَبَرَها اللَّهُ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَأْبَ كاتِبٌ عَنِ الكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها، ولا يَنْبَغِي أنْ يَكْتُبَ غَيْرَ الكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَلْيَكْتُبْ تِلْكَ الكِتابَةَ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ، وهَهُنا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ فَيَكُونُ الأوَّلُ أمْرًا بِالكِتابَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالأمْرِ بِالكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها، والوَجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.

* * *

الشَّرْطُ الثّانِي في الكِتابَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الكِتابَةَ وإنْ وجَبَ أنْ يُخْتارَ لَها العالِمُ بِكَيْفِيَّةِ كَتْبِ الشُّرُوطِ والسِّجِلّاتِ لَكِنْ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِإمْلاءِ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ فَلْيُدْخِلْ في جُمْلَةِ إمْلائِهِ اعْتِرافَهُ بِما عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في قَدْرِهِ وجِنْسِهِ وصِفَتِهِ وأجَلِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ، قالَ الفَرّاءُ: أمْلَلْتُ عَلَيْهِ الكِتابَ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ

صفحة ٩٨

وأمْلَيْتُ لُغَةَ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، ونَزَلَ القُرْآنُ بِاللُّغَتَيْنِ قالَ تَعالى في اللُّغَةِ الثّانِيَةِ ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [ الفُرْقانِ: ٥].

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ وهَذا أمْرٌ لِهَذا المُمْلِي الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ بِأنْ يُقِرَّ بِمَبْلَغِ المالِ الَّذِي عَلَيْهِ ولا يَنْقُصَ مِنهُ شَيْئًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أوْ ضَعِيفًا أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن عَلَيْهِ الدَّيْنَ إذا لَمْ يَكُنْ إقْرارُهُ مُعْتَبَرًا فالمُعْتَبَرُ هو إقْرارُ ولَيِّهِ.

ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إدْخالُ حَرْفِ ”أوْ“ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي السَّفِيهَ، والضَّعِيفَ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ يَقْتَضِي كَوْنَها أُمُورًا مُتَغايِرَةً؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِإحْدى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ، فَيَجِبُ في الثَّلاثَةِ أنْ تَكُونَ مُتَغايِرَةً، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ حَمْلُ السَّفِيهِ عَلى الضَّعِيفِ الرَّأْيِ ناقِصِ العَقْلِ مِنَ البالِغِينَ، والضَّعِيفِ عَلى الصَّغِيرِ والمَجْنُونِ والشَّيْخِ الخَرِفِ، وهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا العَقْلَ بِالكُلِّيَّةِ، والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ مَن يَضْعُفُ لِسانُهُ عَنِ الإمْلاءِ لِخَرَسٍ، أوْ جَهْلِهِ بِمالِهِ وما عَلَيْهِ، فَكُلُّ هَؤُلاءِ لا يَصِحُّ مِنهُمُ الإمْلاءُ والإقْرارُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَقُومَ غَيْرُهم مَقامَهم، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ والمُرادُ ولِيُّ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ ولِيَّ المَحْجُورِ السَّفِيهِ، ووَلِيَّ الصَّبِيِّ: هو الَّذِي يُقِرُّ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، كَما يُقِرُّ بِسائِرِ أُمُورِهِ، وهَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ والرَّبِيعُ: المُرادُ بِوَلِيِّهِ ولِيُّ الدَّيْنِ يَعْنِي أنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ يُمْلِي وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ كَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُ المُدَّعِي، وإنْ كانَ قَوْلُهُ مُعْتَبَرًا، فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى الكِتابَةِ والإشْهادِ ؟

* * *

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي اعْتَبَرَها اللَّهُ تَعالى في المُدايَنَةِ الإشْهادُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكِتابَةِ هو الِاسْتِشْهادُ لِكَيْ يُتَمَكَّنَ بِالشُّهُودِ عِنْدَ الجُحُودِ مِنَ التَّوَصُّلِ إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (اسْتَشْهِدُوا) أيْ أشْهِدُوا يُقالُ: أشْهَدْتُ الرَّجُلَ واسْتَشْهَدْتُهُ بِمَعْنًى، والشَّهِيدانِ هُما الشّاهِدانِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الإضافَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: يَعْنِي مِن أهْلِ مِلَّتِكم وهُمُ المُسْلِمُونَ.

والثّانِي: قالَ بَعْضُهم: يَعْنِي الأحْرارَ.

والثّالِثُ: (مِن رِجالِكم) الَّذِينَ تَعْتَدُّونَهم لِلشَّهادَةِ بِسَبَبِ العَدالَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: شَرائِطُ الشَّهادَةِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، ونَذْكُرُ هَهُنا مَسْألَةً واحِدَةً: وهي أنَّ عِنْدَ شُرَيْحٍ وابْنِ سِيرِينَ وأحْمَدَ تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لا تَجُوزُ، حُجَّةُ شُرَيْحٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ العَبِيدَ وغَيْرَهم، والمَعْنى المُسْتَفادُ مِنَ النَّصِّ أيْضًا دالٌّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ عَقْلَ الإنْسانِ ودِينَهُ وعَدالَتَهُ تَمْنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ، فَإذا شَهِدَ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ تَأكَّدَ بِهِ قَوْلُ المُدَّعِي، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا في إحْياءِ حَقِّهِ، والعَقْلُ والدِّينُ والعَدالَةُ لا تَخْتَلِفُ بِسَبِبِ

صفحة ٩٩

الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ العَبِيدِ مَقْبُولَةً. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن كانَ شاهِدًا الذَّهابُ إلى مَوْضِعِ أداءِ الشَّهادَةِ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ الذَّهابِ إلى أداءِ الشَّهادَةِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ شاهِدًا وجَبَ عَلَيْهِ الذَّهابُ والإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّهابُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ شاهِدًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ حَسَنٌ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمُ الَّذِينَ تَعْتَدُّونَهم لِأداءِ الشَّهادَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلِمَ قُلْتُمْ أنَّ العَبِيدَ كَذَلِكَ ؟

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ وفي ارْتِفاعِ (رَجُلٌ وامْرَأتانِ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ الأوَّلُ: فَلْيَكُنَّ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، والثّانِي: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، والثّالِثُ: فالشّاهِدُ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، والرّابِعُ: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَشْهَدُونَ، كُلُّ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ جائِزٌ حَسَنٌ، ذَكَرَهاعَلِيُّ بْنُ عِيسى رَحِمَهُ اللَّهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في الطَّلاقِ ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ صالِحًا لِلشَّهادَةِ والفُقَهاءُ قالُوا: شَرائِطُ قَبُولِ الشَّهادَةِ عَشَرَةٌ: أنْ يَكُونَ حُرًّا، بالِغًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، عالِمًا بِما شَهِدَ بِهِ، ولَمْ يَجُرَّ بِتِلْكَ الشَّهادَةِ مَنفَعَةً إلى نَفْسِهِ ولا يَدْفَعُ بِها مَضَرَّةً عَنْ نَفْسِهِ، ولا يَكُونُ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الغَلَطِ، ولا بِتَرْكِ المُرُوءَةِ، ولا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَشْهَدُ عَلَيْهِ عَداوَةٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ والمَعْنى أنَّ النِّسْيانَ غالِبُ طِباعِ النِّساءِ لِكَثْرَةِ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ في أمْزِجَتِهِنَّ، واجْتِماعُ المَرْأتَيْنِ عَلى النِّسْيانِ أبْعَدُ في العَقْلِ مِن صُدُورِ النِّسْيانِ عَلى المَرْأةِ الواحِدَةِ فَأُقِيمَتِ المَرْأتانِ مَقامَ الرَّجُلِ الواحِدِ حَتّى إنَّ إحْداهُما لَوْ نَسِيَتْ ذَكَّرَتْها الأُخْرى فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ ثُمَّ فِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”إنْ تَضِلَّ“ بِكَسْرِ إنْ ”فَتُذَكِّرُ“ بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ، ومَعْناهُ الجَزاءُ، مَوْضِعُ ”تَضِلَّ“ جَزْمٌ إلّا أنَّهُ لا يَتَبَيَّنُ في التَّضْعِيفِ، ”فَتُذَكِّرُ“ رُفِعَ لِأنَّ ما بَعْدَ الجَزاءِ مُبْتَدَأٌ، وأمّا سائِرُ القُرّاءِ فَقَرَءُوا بِنَصْبِ ”أنْ“ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّقْدِيرُ: لِأنْ تَضِلَّ، فَحُذِفَ مِنهُ الخافِضُ. والثّانِي: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ إرادَةُ أنْ تَضِلَّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا الكَلامُ والإشْهادُ لِلْإذْكارِ لا الإضْلالِ.

قُلْنا: هَهُنا غَرَضانِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإشْهادِ، وذَلِكَ لا يَأْتِي إلّا بِتَذْكِيرِ إحْدى المَرْأتَيْنِ الثّانِيَةَ، والثّانِي: بَيانُ تَفْضِيلِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ حَتّى يُبَيِّنَ أنَّ إقامَةَ المَرْأتَيْنِ مَقامَ الرَّجُلِ الواحِدِ هو العَدْلُ في القَضِيَّةِ، وذَلِكَ لا يَأْتِي إلّا في ضَلالِ إحْدى المَرْأتَيْنِ، فَإذا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ أعْنِي الإشْهادَ وبَيانَ فَضْلِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ مَقْصُودًا، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا بِضَلالِ إحْداهُما وتَذَكُّرِ الأُخْرى، لا جَرَمَ صارَ هَذانِ الأمْرانِ مَطْلُوبَيْنِ، هَذا ما خَطَرَ بِبالِي مِنَ الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ وقْتَ كِتابَةِ هَذا المَوْضِعِ، ولِلنَّحْوِيِّينَ أجْوِبَةٌ أُخْرى ما اسْتَحْسَنْتُها والكُتُبُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٠٠

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّلالُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْيانِ، قالَ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧] أيْ ذَهَبَ عَنْهم. الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن ضَلَّ في الطَّرِيقِ إذا لَمْ يَهْتَدِ لَهُ، والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: أصْلُ الضَّلالِ في اللُّغَةِ الغَيْبُوبَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ ”فَتُذَكِّرَ“ بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّشْدِيدِ والرَّفْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ والنَّصْبِ، وهُما لُغَتانِ ذَكَّرَ وأذْكَرَ نَحْوُ نَزَّلَ وأنْزَلَ، والتَّشْدِيدُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [ الغاشِيَةِ: ٢١] ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَقَدْ جَعَلَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا بِهَمْزَةِ الأفْعالِ.

وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَّذْكِيرَ والإذْكارَ مِنَ النِّسْيانِ إلّا ما يُرْوى عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ أنْ تَجْعَلَها ذَكَرًا يَعْنِي أنَّ مَجْمُوعَ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مِثْلُ شَهادَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ، وهَذا الوَجْهُ مَنقُولٌ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، قالَ: إذا شَهِدَتِ المَرْأةُ ثُمَّ جاءَتِ الأُخْرى فَشَهِدَتْ مَعَها أذْكَرَتْها؛ لِأنَّهُما يَقُومانِ مَقامَ رَجُلٍ واحِدٍ وهَذا الوَجْهُ باطِلٌ بِاتِّفاقِ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ النِّساءَ لَوْ بَلَغْنَ ما بَلَغْنَ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ لَمْ تَجُزْ شَهادَتُهُنَّ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَرْأةُ الثّانِيَةُ ما ذَكَّرَتِ الأُولى.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: (فَتُذَكِّرَ) مُقابِلٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ فَلَمّا كانَ الضَّلالُ مُفَسَّرًا بِالنِّسْيانِ كانَ الإذْكارُ مُفَسَّرًا بِما يُقابِلُ النِّسْيانَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ - وهو الأصَحُّ - أنَّهُ نَهى الشّاهِدَ عَنِ الِامْتِناعِ عَنْ أداءِ الشَّهادَةِ عِنْدَ احْتِياجِ صاحِبِ الحَقِّ إلَيْها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском