Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:30

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:30

2:30Page 6

وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠

And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى كَيْفِيَّةِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إنْعامًا عامًّا عَلى جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَيَكُونُ هَذا هو النِّعْمَةَ الثّالِثَةَ مِن تِلْكَ النِّعَمِ العامَّةِ الَّتِي أوْرَدَها في هَذا المَوْضِعِ ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٤٧

المَسْألَةُ الأُولى: في إذْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ إلّا أنَّ العَرَبَ يَعْتادُونَ التَّكَلُّمَ بِها، والقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ.

الثّانِي: وهو الحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما لا مَعْنى لَهُ، وهو نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ، والمَعْنى: اذْكُرْ لَهم قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ فَأضْمَرَ هَذا لِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى مَعْرُوفٌ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ كَشَفَ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ [الأحْقافِ: ٢١] وقالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ [ص: ١٧]، ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٣، ١٤] والقُرْآنُ كُلُّهُ كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَواضِعُ المُصَرِّحَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلا جَرَمَ تُرِكَ ذَلِكَ هَهُنا اكْتِفاءً بِذَلِكَ المُصَرَّحِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ”إذْ“ بِقالُوا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَلَكُ أصْلُهُ مِنَ الرِّسالَةِ، يُقالُ: ألَكَنِي إلَيْهِ أيْ أرْسَلَنِي إلَيْهِ، والمَأْلُكَةُ والألُوكَةُ الرِّسالَةُ، وأصْلُهُ الهَمْزَةُ مِن ”مَلْأكَةٍ“ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى ما قَبْلَها طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: المَلائِكُ جَمْعُ مَلْأكٍ عَلى الأصْلِ كالشِّمالِ في جَمْعِ شَمْألٍ وإلْحاقُ التّاءِ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في المَلائِكَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلى الكَلامِ في الأنْبِياءِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ عَلى ذِكْرِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] ولَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» “ .

الثّانِي: أنَّ المَلَكَ واسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ الرَّسُولِ في تَبْلِيغِ الوَحْيِ والشَّرِيعَةِ فَكانَ مُقَدَّمًا عَلى الرَّسُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ في النُّبُوّاتِ مُقَدَّمٌ عَلى الكَلامِ في المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ لا طَرِيقَ لَنا إلى مَعْرِفَةِ وُجُودِ المَلائِكَةِ بِالعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ، فَكانَ الكَلامُ في النُّبُوّاتِ أصْلًا لِلْكَلامِ في المَلائِكَةِ فَلا جَرَمَ وجَبَ تَقْدِيمُ الكَلامِ في النُّبُوّاتِ، والأوْلى أنْ يُقالَ: المَلَكُ قَبْلَ النَّبِيِّ بِالشَّرَفِ والعِلْيَةِ، وبَعْدَهُ في عُقُولِنا وأذْهانِنا بِحَسَبِ وُصُولِنا إلَيْها بِأفْكارِنا.

واعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنِ العُقَلاءِ في أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ العُلْوِيِّ هو وُجُودُ المَلائِكَةِ فِيهِ، كَما أنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ هو وُجُودُ الإنْسانِ فِيهِ إلّا أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في ماهِيَّةِ المَلائِكَةِ وحَقِيقَتِهِمْ.

وطَرِيقُ ضَبْطِ المَذاهِبِ أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ ذَواتًا قائِمَةً بِأنْفُسِها، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الذَّواتِ إمّا أنْ تَكُونَ مُتَحَيِّزَةً أوْ لا تَكُونَ، أمّا الأوَّلُ: وهو أنْ تَكُونَ المَلائِكَةُ ذَواتًا مُتَحَيِّزَةً فَهُنا أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ هَوائِيَّةٌ تَقْدِرُ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ مَسْكَنُها السَّماواتُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُسْلِمِينَ.

وثانِيًا: قَوْلُ طَوائِفَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ وهو أنَّ المَلائِكَةَ هي الحَقِيقَةُ في هَذِهِ الكَواكِبِ المَوْصُوفَةِ بِالإسْعادِ والإنْحاسِ، فَإنَّها بِزَعْمِهِمْ أحْياءٌ ناطِقَةٌ، وأنَّ المُسْعِداتِ مِنها مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، والمُنْحِساتِ مِنها مَلائِكَةُ العَذابِ.

وثالِثُها: قَوْلُ مُعْظَمِ المَجُوسِ والثَّنَوِيَّةِ وهو أنَّ هَذا العالَمَ مُرَكَّبٌ مِن أصْلَيْنِ أزَلِيَّيْنِ وهُما النُّورُ والظُّلْمَةُ، وهُما في الحَقِيقَةِ جَوْهَرانِ شَفّافانِ مُخْتارانِ قادِرانِ مُتَضادّا النَّفْسِ والصُّورَةِ مُخْتَلِفا الفِعْلِ والتَّدْبِيرِ، فَجَوْهَرُ النُّورِ فاضِلٌ خَيِّرٌ نَقِيٌّ طَيِّبُ الرِّيحِ كَرِيمُ النَّفْسِ يَسُرُّ ولا يَضُرُّ، ويَنْفَعُ ولا يَمْنَعُ، ويُحْيِي ولا يُبْلِي، وجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ جَوْهَرَ النُّورِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الأوْلِياءَ وهُمُ المَلائِكَةُ لا عَلى سَبِيلِ التَّناكُحِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ تَوَلُّدِ الحِكْمَةِ مِنَ الحَكِيمِ والضَّوْءِ مِنَ المُضِيءِ، وجَوْهَرُ الظُّلْمَةِ لَمْ يَزَلْ يُوَلِّدُ الأعْداءَ وهُمُ الشَّياطِينُ عَلى سَبِيلِ تَوَلُّدِ السَّفَهِ مِنَ السَّفِيهِ، لا عَلى سَبِيلِ التَّناكُحِ، فَهَذِهِ أقْوالُ مَن جَعَلَ المَلائِكَةَ

صفحة ١٤٨

أشْياءَ مُتَحَيِّزَةً جُسْمانِيَّةً.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ ذَواتٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها ولَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ ولا بِأجْسامٍ فَهَهُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: قَوْلُ طَوائِفَ مِنَ النَّصارى وهو أنَّ المَلائِكَةَ في الحَقِيقَةِ هي الأنْفُسُ النّاطِقَةُ المُفارِقَةُ لِأبْدانِها عَلى نَعْتِ الصَّفاءِ والخَيْرِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إنْ كانَتْ صافِيَةً خالِصَةً فَهي المَلائِكَةُ، وإنْ كانَتْ خَبِيثَةً كَدِرَةً فَهي الشَّياطِينُ.

وثانِيهِما: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ: وهي أنَّها جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها ولَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ البَتَّةَ، وأنَّها بِالماهِيَّةِ مُخالِفَةٌ لِأنْواعِ النُّفُوسِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ، وأنَّها أكْمَلُ قُوَّةً مِنها وأكْثَرُ عِلْمًا مِنها، وأنَّها لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ جارِيَةٌ مَجْرى الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأضْواءِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجَواهِرَ عَلى قِسْمَيْنِ، مِنها ما هي بِالنِّسْبَةِ إلى أجْرامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ كَنُفُوسِنا النّاطِقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أبْدانِنا، ومِنها ما هي لا عَلى شَيْءٍ مِن تَدْبِيرِ الأفْلاكِ بَلْ هي مُسْتَغْرِقَةٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ ومُشْتَغِلَةٌ بِطاعَتِهِ، وهَذا القِسْمُ هُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، ونِسْبَتُهم إلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ السَّماواتِ كَنِسْبَةِ أُولَئِكَ المُدَبِّرِينَ إلى نُفُوسِنا النّاطِقَةِ.

فَهَذانَ القِسْمانِ قَدِ اتَّفَقَتِ الفَلاسِفَةُ عَلى إثْباتِهِما، ومِنهم مَن أثْبَتَ أنْواعًا أُخَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وهي المَلائِكَةُ الأرْضِيَّةُ المُدَبِّرَةُ لِأحْوالِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، ثُمَّ إنَّ المُدَبِّراتِ لِهَذا العالَمِ إنْ كانَتْ خَيِّرَةً فَهُمُ المَلائِكَةُ، وإنْ كانَتْ شِرِّيرَةً فَهُمُ الشَّياطِينُ، فَهَذا تَفْصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ في المَلائِكَةِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في أنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ الحُكْمُ بِوُجُودِها مِن حَيْثُ العَقْلُ أوْ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِالسَّمْعِ ؟ أمّا الفَلاسِفَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ في العَقْلِ دَلائِلَ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ المَلائِكَةِ، ولَنا مَعَهم في تِلْكَ الدَّلائِلِ أبْحاثٌ دَقِيقَةٌ عَمِيقَةٌ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ في ذَلِكَ وُجُوهًا عَقْلِيَّةً إقْناعِيَّةً ولْنُشِرْ إلَيْها.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنَ المَلَكِ الحَيِّ النّاطِقِ الَّذِي لا يَكُونُ مَيِّتًا، فَنَقُولُ: القِسْمَةُ العَقْلِيَّةُ تَقْتَضِي وُجُودَ أقْسامٍ ثَلاثَةٍ، فَإنَّ الحَيَّ إمّا أنْ يَكُونَ ناطِقًا ومَيِّتًا مَعًا وهو الإنْسانُ، أوْ يَكُونَ مَيِّتًا ولا يَكُونَ ناطِقًا وهو البَهائِمُ، أوْ يَكُونَ ناطِقًا ولا يَكُونَ مَيِّتًا وهو المَلَكُ، ولا شَكَّ أنَّ أخَسَّ المَراتِبِ هو المَيِّتُ غَيْرُ النّاطِقِ، وأوْسَطُها النّاطِقُ المَيِّتُ، وأشْرَفُها النّاطِقُ الَّذِي لَيْسَ بِمَيِّتٍ، فَإذا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ إيجادَ أخَسِّ المَراتِبِ وأوْسَطِها، فَلِأنْ تَقْتَضِيَ إيجادَ أشْرَفِ المَراتِبِ وأعْلاها كانَ ذَلِكَ أوْلى.

وثانِيها: أنَّ الفِطْرَةَ تَشْهَدُ بِأنَّ عالَمَ السَّماواتِ أشْرَفُ مِن هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ، وتَشْهَدُ بِأنَّ الحَياةَ والعَقْلَ والنُّطْقَ أشْرَفُ مِن أضْدادِها ومُقابِلَتِها، فَيَبْعُدُ في العَقْلِ أنْ تَحْصُلَ الحَياةُ، والعَقْلُ والنُّطْقُ في هَذا العالَمِ الكَدِرِ الظُّلُمانِيِّ، ولا تَحْصُلُ البَتَّةَ في ذَلِكَ العالَمِ الَّذِي هو عالَمُ الضَّوْءِ والنُّورِ والشَّرَفِ.

وثالِثُها: أنَّ أصْحابَ المُجاهَداتِ أثْبَتُوها مِن جِهَةِ المُشاهَدَةِ والمُكاشَفَةِ، وأصْحابَ الحاجاتِ والضَّرُوراتِ أثْبَتُوها مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي ما يُشاهَدُ مِن عَجائِبِ آثارِها في الهِدايَةِ إلى المُعالَجاتِ النّادِرَةِ الغَرِيبَةِ، وتَرْكِيبِ المَعْجُوناتِ واسْتِخْراجِ صَنْعَةِ التِّرْياقاتِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حالُ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ إقْناعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن سَمِعَها ولَمْ يُمارِسْها، وقَطْعِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن جَرَّبَها وشاهَدَها واطَّلَعَ عَلى أسْرارِها، وأمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَلا نِزاعَ البَتَّةَ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في إثْباتِ المَلائِكَةِ، بَلْ ذَلِكَ كالأمْرِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ بَيْنَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في شَرْحِ كَثْرَتِهِمْ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها

صفحة ١٤٩

مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ» “ ورُوِيَ أنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الجِنِّ، والجِنُّ وبَنُو آدَمَ عُشْرُ حَيَواناتِ البَرِّ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ الطُّيُورِ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ حَيَواناتِ البَحْرِ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ مَلائِكَةِ الأرْضِ المُوَكَّلِينَ بِها، وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ سَماءِ الدُّنْيا، وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّالِثَةِ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ إلى مَلائِكَةِ السَّماءِ السّابِعَةِ، ثُمَّ الكُلُّ في مُقابَلَةِ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السُّرادِقِ الواحِدِ مِن سُرادِقاتِ العَرْشِ الَّتِي عَدَدُها سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، طُولُ كُلِّ سُرادِقٍ وعَرْضُهُ وسُمْكُهُ إذا قُوبِلَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرَضُونَ وما فِيها وما بَيْنَها، فَإنَّها كُلَّها تَكُونُ شَيْئًا يَسِيرًا، وقَدْرًا صَغِيرًا، وما مِن مِقْدارِ مَوْضِعِ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ أوْ قائِمٌ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ العَرْشِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ثُمَّ مَعَ هَؤُلاءِ مَلائِكَةُ اللَّوْحِ الَّذِينَ هم أشْياعُ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم جُنُودُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم كُلُّهم سامِعُونَ مُطِيعُونَ لا يَفْتُرُونَ مُشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، رِطابُ الألْسُنِ بِذِكْرِهِ وتَعْظِيمِهِ، يَتَسابَقُونَ في ذَلِكَ مُذْ خَلَقَهم، لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ولا يَسْأمُونَ، لا يُحْصِي أجْناسَهم، ولا مُدَّةَ أعْمارِهِمْ ولا كَيْفِيَّةَ عِبادَتِهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا تَحْقِيقُ حَقِيقَةِ مَلَكُوتِهِ جَلَّ جَلالُهُ عَلى ما قالَ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] . وأقُولُ: رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ التَّذْكِيرِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ عُرِجَ بِهِ رَأى مَلائِكَةً في مَوْضِعٍ بِمَنزِلَةِ سُوقٍ بَعْضُهم يَمْشِي تُجاهَ بَعْضٍ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيُّهم إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ ؟ فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا أدْرِي إلّا أنِّي أراهم مُذْ خُلِقْتُ ولا أرى واحِدًا مِنهم قَدْ رَأيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَألُوا واحِدًا مِنهم، وقِيلَ لَهُ: مُذْ كَمْ خُلِقْتَ ؟ فَقالَ: لا أدْرِي غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ كَوْكَبًا في كُلِّ أرْبَعِمِائَةِ ألْفِ سَنَةٍ فَخَلَقَ مِثْلَ ذَلِكَ الكَوْكَبِ مُنْذُ خَلَقَنِي أرْبَعَمِائَةِ ألْفِ مَرَّةٍ»، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أعْظَمَ قُدْرَتَهُ وما أجَلَّ كَمالَهُ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أصْنافَهم وأوْصافَهم، أمّا الأصْنافُ:

فَأحَدُها: حَمَلَةُ العَرْشِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقَّةِ: ١٧] .

وثانِيها: الحافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] .

وثالِثُها: أكابِرُ المَلائِكَةِ، فَمِنهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأُمُورٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ صاحِبُ الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣، ١٩٤] . الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ قَبْلَ سائِرِ المَلائِكَةِ في القُرْآنِ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٧] ولِأنَّ جِبْرِيلَ صاحِبُ الوَحْيِ والعِلْمِ، ومِيكائِيلَ صاحِبُ الأرْزاقِ والأغْذِيَةِ، والعِلْمُ الَّذِي هو الغِذاءُ الرُّوحانِيُّ أشْرَفُ مِنَ الغِذاءِ الجُسْمانِيِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْرَفَ مِن مِيكائِيلَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ ثانِيَ نَفْسِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] .

الرّابِعُ: سَمّاهُ رُوحَ القُدُسِ، قالَ في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائِدَةِ: ١١٠] .

الخامِسُ: يَنْصُرُ أوْلِياءَ اللَّهِ ويَقْهَرُ أعْداءَهُ مَعَ ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَسُوِّمِينَ.

السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى مَدَحَهُ بِصِفاتٍ سِتٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ - ٢١] فَرِسالَتُهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَجَمِيعُ

صفحة ١٥٠

الأنْبِياءِ والرُّسُلِ أُمَّتُهُ وكَرَمُهُ عَلى رَبِّهِ أنَّهُ جَعَلَهُ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ أشْرَفِ عِبادِهِ وهُمُ الأنْبِياءُ، وقُوَّتُهُ أنَّهُ رَفَعَ مَدائِنَ قَوْمِ لُوطٍ إلى السَّماءِ وقَلَبَها،، ومَكانَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَهُ ثانِيَ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤]، وكَوْنُهُ مُطاعًا أنَّهُ إمامُ المَلائِكَةِ ومُقْتَداهم، وأمّا كَوْنُهُ أمِينًا فَهو قَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤]، ومِن جُمْلَةِ أكابِرِ المَلائِكَةِ إسْرافِيلُ وعِزْرائِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِما، وقَدْ ثَبَتَ وُجُودُهُما بِالأخْبارِ، وثَبَتَ بِالخَبَرِ أنَّ عِزْرائِيلَ هو مَلَكُ المَوْتِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنْعامِ: ٦١] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ مَلائِكَةٍ مُوَكَّلِينَ بِقَبْضِ الأرْواحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ رَئِيسَ جَماعَةٍ وُكِّلُوا عَلى قَبْضِ الأرْواحِ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠] . وأمّا إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى أنَّهُ صاحِبُ الصُّورِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] .

ورابِعُها: مَلائِكَةُ الجَنَّةِ قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] .

وخامِسُها: مَلائِكَةُ النّارِ قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] ورَئِيسُهم مالِكٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] وأسْماءُ جُمْلَتِهِمُ الزَّبانِيَةُ قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العَلَقِ: ١٧، ١٨] .

وسادِسُها: المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٧، ١٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْدِ: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنْعامِ: ٦١] .

وسابِعُها: كَتَبَةُ الأعْمالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٠ - ١٢] .

وثامِنُها: المُوَكَّلُونَ بِأحْوالِ هَذا العالَمِ وهُمُ المُرادُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصّافّاتِ: ١] وبِقَوْلِهِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذّارِياتِ: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤] وبِقَوْلِهِ: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ [النّازِعاتِ: ١] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سِوى الحَفَظَةِ يَكْتُبُونَ ما يَسْقُطُ مِن ورَقِ الأشْجارِ، فَإذا أصابَ أحَدَكم حَرِجَةٌ بِأرْضِ فَلاةٍ فَلْيُنادِ: أعِينُوا عِبادَ اللَّهِ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ.

* * *

وأمّا أوْصافُ المَلائِكَةِ فَمِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [الحَجِّ: ٧٥] فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ هُمُ الرُّسُلُ فَقَطْ، وجَوابُهُ أنَّ ”مِن“ لِلتَّبْيِينِ لا لِلتَّبْعِيضِ.

وثانِيها: قُرْبُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القُرْبُ هو القُرْبُ بِالشَّرَفِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٦] وقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وثالِثُها: وصْفُ طاعاتِهِمْ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ:

صفحة ١٥١

﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥ - ١٦٦] واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهم في ذَلِكَ فَثَبَتَ بِها مُواظَبَتُهم عَلى العِبادَةِ.

الثّانِي: مُبادَرَتُهم إلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٠] .

الثّالِثُ: أنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِوَحْيِهِ وأمْرِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٧] .

ورابِعُها: وصْفُ قُدْرَتِهِمْ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وهم ثَمانِيَةٌ يَحْمِلُونَ العَرْشَ والكُرْسِيَّ، ثُمَّ إنَّ الكُرْسِيَّ الَّذِي هو أصْغَرُ مِنَ العَرْشِ أعْظَمُ مِن جُمْلَةِ السَّماواتِ السَّبْعِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] فانْظُرْ إلى نِهايَةِ قُدْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ عُلُوَّ العَرْشِ شَيْءٌ لا يُحِيطُ بِهِ الوَهْمُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المَعارِجِ: ٤] ثُمَّ إنَّهم لِشِدَّةِ قُدْرَتِهِمْ يَنْزِلُونَ مِنهُ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٨] فَصاحِبُ الصُّورِ يَبْلُغُ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ أنَّ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ مِنهُ يُصْعَقُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وبِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ مِنهُ يَعُودُونَ أحْياءً. فاعْرِفْ مِنهُ عِظَمَ هَذِهِ القُوَّةِ.

والرّابِعُ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَ في قُوَّتِهِ إلى أنْ قَلَعَ جِبالَ آلِ لُوطٍ وبِلادَهم دَفْعَةً واحِدَةً.

وخامِسُها: وصْفُ خَوْفِهِمْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهم مَعَ كَثْرَةِ عِباداتِهِمْ وعَدَمِ إقْدامِهِمْ عَلى الزَّلّاتِ البَتَّةَ يَكُونُونَ خائِفِينَ وجِلِينَ حَتّى كَأنَّ عِبادَتَهم مَعاصِي قالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] وقالَ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] . الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سَبَأٍ: ٢٣] رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ سَمِعَهُ أهْلُ السَّماواتِ مِثْلَ صَوْتِ السِّلْسِلَةِ عَلى الصَّفْوانِ فَفَزِعُوا، فَإذا انْقَضى الوَحْيُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ.

الثّالِثُ: رَوى البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِناحِيَةٍ ومَعَهُ جِبْرِيلُ إذِ انْشَقَّ أُفُقُ السَّماءِ فَأقْبَلَ جِبْرِيلُ يَتَضاءَلُ ويَدْخُلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ ويَدْنُو مِنَ الأرْضِ، فَإذا مَلَكٌ قَدْ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأشارَ إلَيَّ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أنْ تَواضَعْ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ لِي ناصِحٌ، فَقُلْتُ: عَبْدًا نَبِيًّا، فَعَرَجَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى السَّماءِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ قَدْ كُنْتُ أرَدْتُ أنْ أسْألَكَ عَنْ هَذا فَرَأيْتُ مِن حالِكَ ما شَغَلَنِي عَنِ المَسْألَةِ فَمَن هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ فَقالَ: هَذا إسْرافِيلُ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صافًّا قَدَمَيْهِ لا يَرْفَعُ طَرْفَهُ، وبَيْنَ الرَّبِّ وبَيْنَهُ سَبْعُونَ نُورًا ما مِنها نُورٌ يَدْنُو مِنهُ إلّا احْتَرَقَ، وبَيْنَ يَدَيْهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَإذا أذِنَ اللَّهُ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ أوْ مِنَ الأرْضِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ اللَّوْحُ بِقُرْبِ جَبِينِهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ، فَإنْ كانَ مِن عَمَلِي أمَرَنِي بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مِيكائِيلَ أمَرَهُ بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مَلَكِ المَوْتِ أمَرَهُ بِهِ. قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ عَلى أيِّ شَيْءٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى الرِّياحِ والجُنُودِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءِ مِيكائِيلُ ؟ قالَ: عَلى النَّباتِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ مَلَكُ المَوْتِ ؟ قالَ: عَلى قَبْضِ الأنْفُسِ، وما ظَنَنْتُ أنَّهُ هَبَطَ إلّا لِقِيامِ السّاعَةِ، وما ذاكَ الَّذِي رَأيْتَ مِنِّي إلّا خَوْفًا مِن قِيامِ السّاعَةِ» .

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ كَلامٌ في وصْفِ المَلائِكَةِ أعْلى وأجَلُّ مِن كَلامِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ في بَعْضِ خُطَبِهِ: ثُمَّ فَتَقَ ما بَيْنَ السَّماواتِ العُلا فَمَلَأهُنَّ أطْوارًا مِن مَلائِكَةٍ فَمِنهم سُجُودٌ لا يَرْكَعُونَ، ورُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ، وصافُّونَ لا يَتَزايَلُونَ، ومُسَبِّحُونَ لا يَسْأمُونَ، لا يَغْشاهم نَوْمُ العُيُونِ ولا سَهْوُ العُقُولِ، ولا فَتْرَةُ الأبْدانِ، ولا غَفْلَةُ النِّسْيانِ، ومِنهم أُمَناءُ عَلى وحْيِهِ وألْسِنَةٌ إلى رُسُلِهِ، ومُخْتَلِفُونَ بِقَضائِهِ وأمْرِهِ، ومِنهُمُ الحَفَظَةُ لِعِبادِهِ، والسَّدَنَةُ لِأبْوابِ جِنانِهِ، ومِنهُمُ الثّابِتَةُ في الأرَضِينَ

صفحة ١٥٢

السُّفْلى أقْدامُهم، والمارِقَةُ مِنَ السَّماءِ العُلْيا أعْناقُهم، والخارِجَةُ مِنَ الأقْطارِ أرْكانُهم، والمُناسِبَةُ لِقَوائِمِ العَرْشِ أكْتافُهم، ناكِسَةً دُونَهُ أبْصارُهم، مُتَلَفِّعُونَ بِأجْنِحَتِهِمْ، مَضْرُوبَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن دُونَهم حُجُبُ العِزَّةِ وأسْتارُ القُدْرَةِ، لا يَتَوَهَّمُونَ رَبَّهم بِالتَّصْوِيرِ، ولا يُجْرُونَ عَلَيْهِ صِفاتِ المَصْنُوعِينَ، ولا يَحُدُّونَهُ بِالأماكِنِ، ولا يُشِيرُونَ إلَيْهِ بِالنَّظائِرِ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ كُلُّ المَلائِكَةِ أوْ بَعْضُهم، فَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما قالَ هَذا القَوْلَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ كانُوا مُحارِبِينَ مَعَ إبْلِيسَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أسْكَنَ الجِنَّ الأرْضَ فَأفْسَدُوا فِيها وسَفَكُوا الدِّماءَ وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، بَعَثَ اللَّهُ إبْلِيسَ في جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَقَتَلَهم إبْلِيسُ بِعَسْكَرِهِ حَتّى أخْرَجُوهم مِنَ الأرْضِ، وألْحَقُوهم بِجَزائِرِ البَحْرِ فَقالَ تَعالى لَهم: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . وقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إنَّهُ تَعالى قالَ ذَلِكَ لِجَماعَةِ المَلائِكَةِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ؛ لِأنَّ لَفْظَ المَلائِكَةِ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ خِلافَ الأصْلِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: جاعِلٌ مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ دَخَلَ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ فَكانا مَفْعُولَيْنِ، ومَعْناهُ مُصَيِّرٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الظّاهِرُ أنَّ الأرْضَ الَّتِي في الآيَةِ جَمِيعُ الأرْضِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ورَوى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ وكانَتِ المَلائِكَةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ، وهم أوَّلُ مَن طافَ بِهِ، وهو في الأرْضِ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً»﴾ والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: الخَلِيفَةُ مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ ويَقُومُ مَقامَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [يُونُسَ: ١٤] . ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ [الأعْرافِ: ٦٩] فَأمّا أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ مَن ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ المُرادُ ذُرِّيَّتُهُ لا هو.

والثّانِي: أنَّهُ ولَدُ آدَمَ، أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى لِمَ سَمّاهُ خَلِيفَةً ؟ وذَكَرُوا فِيهِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى الجِنَّ مِنَ الأرْضِ وأسْكَنَ آدَمَ الأرْضَ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيفَةً لِأُولَئِكَ الجِنِّ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهُ، يُرْوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إنَّما سَمّاهُ اللَّهُ خَلِيفَةً؛ لِأنَّهُ يَخْلُفُ اللَّهَ في الحُكْمِ بَيْنَ المُكَلَّفِينَ مِن خَلْقِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، وهَذا الرَّأْيُ مُتَأكَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ ولَدُ آدَمَ، فَقالُوا: إنَّما سَمّاهم خَلِيفَةً؛ لِأنَّهم يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ١٦٥]، والخَلِيفَةُ اسْمٌ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كَما يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، وقُرِئَ خَلِيقَةً بِالقافِ، فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في أنْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ مَعَ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحاجَةِ إلى المَشُورَةِ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم إذا اطَّلَعُوا عَلى ذَلِكَ السِّرِّ أوْرَدُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ السُّؤالَ، فَكانَتِ المَصْلَحَةُ تَقْتَضِي إحاطَتَهم بِذَلِكَ الجَوابِ، فَعَرَّفَهم هَذِهِ الواقِعَةَ لِكَيْ يُورِدُوا ذَلِكَ السُّؤالَ ويَسْمَعُوا ذَلِكَ الجَوابَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَ عِبادَهُ المُشاوَرَةَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِن عُلَماءِ الدِّينِ اتَّفَقُوا عَلى عِصْمَةِ كُلِّ المَلائِكَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ومِنَ الحَشْوِيَّةِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ ولَنا وُجُوهٌ:

صفحة ١٥٣

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском