Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:31

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:31, continued

(و) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا أُخْبِرُكم بِأجْوَدِ الأجْوادِ ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُ تَعالى أجْوَدُ الأجْوادِ، وأنا أجْوَدُ ولَدِ آدَمَ، وأجْوَدُهم مِن بَعْدِي رَجُلٌ عالِمٌ يَنْشُرُ عِلْمَهُ فَيُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ، ورَجُلٌ جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ» “ .

(ز) عَنْ أبِي

صفحة ١٧٥

هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ”«مَن نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الآخِرَةِ، ومَن يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، واللَّهُ تَعالى في عَوْنِ العَبْدِ ما دامَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ، ومَن سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في مَسْجِدٍ مِن مَساجِدِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ.

(ح) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«يَشْفَعُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةٌ: الأنْبِياءُ ثُمَّ العُلَماءُ ثُمَّ الشُّهَداءُ» “ .

قالَ الرّاوِي: فَأعْظَمُ مَرْتَبَةٍ هي واسِطَةٌ بَيْنَ النُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ.

(ط) مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهادٌ، وتَعْلِيمَهُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لِأهْلِهِ قُرْبَةٌ» “ لِأنَّهُ مَعالِمُ الحَلالِ والحَرامِ ومَنارُ سُبُلِ الجَنَّةِ والأنِيسُ مِنَ الوَحْشَةِ، والصّاحِبُ في الوَحْدَةِ والمُحَدِّثُ في الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والسِّلاحُ عَلى الأعْداءِ، والدِّينُ عِنْدَ الِاخْتِلافِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا فَيَجْعَلُهم في الخَيْرِ قادَةً هُداةً يُهْتَدى بِهِمْ، وأئِمَّةً في الخَيْرِ يُقْتَفى بِآثارِهِمْ، ويُقْتَدى بِأفْعالِهِمْ، ويُنْتَهى إلى آرائِهِمْ تَرْغَبُ المَلائِكَةُ في خِلْقَتِهِمْ وبِأجْنِحَتِها تَمْسَحُهم، وفي صَلاتِها تَسْتَغْفِرُ لَهم حَتّى كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، وحِيتانُ البَحْرِ وهَوامُّهُ وسِباعُ البَرِّ وأنْعامُهُ والسَّماءُ ونُجُومُها؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ العَمى ونُورُ الأبْصارِ مِنَ الظُّلْمَةِ، وقُوَّةُ الأبْدانِ مِنَ الضَّعْفِ يَبْلُغُ بِالبَعِيدِ مَنازِلَ الأحْرارِ ومَجالِسَ المُلُوكِ والدَّرَجاتِ العُلا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والتَّفَكُّرُ فِيهِ يُعْدَلُ بِالصِّيامِ، ومُدارَسَتُهُ بِالقِيامِ بِهِ يُطاعُ اللَّهُ ويُعْبَدُ، وبِهِ يُمَجَّدُ ويُوَحَّدُ، وبِهِ تُوصَلُ الأرْحامُ، وبِهِ يُعْرَفُ الحَلالُ والحَرامُ.

(ي) أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ ولَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ» “

(يا) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«إذا سَألْتُمُ الحَوائِجَ فاسْألُوها النّاسَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ومَنِ النّاسُ ؟ قالَ: أهْلُ القُرْآنِ، قِيلَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: أهْلُ العِلْمِ، قِيلَ: ثُمَّ مَن ؟ قالَ: الصِّباحُ الوُجُوهِ» “ .

قالَ الرّاوِي: والمُرادُ بِأهْلِ القُرْآنِ مَن يَحْفَظُ مَعانِيَهُ

(يب) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في أرْضِهِ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ، والدُّنْيا سُمُّ اللَّهِ القَتّالُ لِعِبادِهِ فَخُذُوا مِنها بِقَدْرِ السُّمِّ في الأدْوِيَةِ لَعَلَّكم تَنْجُونَ» “ قالَ الرّاوِي: والعُلَماءُ داخِلُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذا حَرامٌ فاجْتَنِبُوهُ، وهَذا حَلالٌ فَخُذُوهُ.

(يج) في الخَبَرِ: العالِمُ نَبِيٌّ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ.

(يد) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُنْ عالِمًا، أوْ مُتَعَلِّمًا، أوْ مُسْتَمِعًا، أوْ مُحِبًّا، ولا تَكُنِ الخامِسَ فَتَهْلِكَ» “ .

* * *

قالَ الرّاوِي: وجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وبَيْنَ الرِّوايَةِ الأُخْرى وهي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ رَجُلانِ: عالِمٌ ومُتَعَلِّمٌ، وسائِرُ النّاسِ هَمَجٌ لا خَيْرَ فِيهِمْ» “ إنَّ المُسْتَمِعَ والمُحِبَّ بِمَنزِلَةِ المُتَعَلِّمِ، وما أحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِ الأعْرابِ لِوَلَدِهِ: كُنْ سَبُعًا خالِسًا، أوْ ذِئْبًا خانِسًا، أوْ كَلْبًا حارِسًا، وإيّاكَ وأنْ تَكُونَ إنْسانًا ناقِصًا.

(يه) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَنِ اتَّكَأ عَلى يَدِهِ عالِمٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، ومَن قَبَّلَ رَأْسَ عالِمٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً» “ .

(يو) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”«بَكَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ ومَن عَلَيْهِنَّ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ومَن فِيهِنَّ ومَن عَلَيْهِنَّ لِعَزِيزٍ ذَلَّ وغَنِيٍّ افْتَقَرَ، وعالِمٍ يَلْعَبُ بِهِ الجُهّالُ» “ .

(يز) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«حَمَلَةُ القُرْآنِ عُرَفاءُ أهْلِ الجَنَّةِ، والشُّهَداءُ قُوّادُ أهْلِ الجَنَّةِ، والأنْبِياءُ سادَةُ أهْلِ الجَنَّةِ» “ .

(يح) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«العُلَماءُ مَفاتِيحُ الجَنَّةِ وخُلَفاءُ الأنْبِياءِ» “ .

صفحة ١٧٦

قالَ الرّاوِي: الإنْسانُ لا يَكُونُ مِفْتاحًا إنَّما المَعْنى أنَّ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ مِفْتاحَ الجِنانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ مَن رَأى في النَّوْمِ أنَّ بِيَدِهِ مَفاتِيحَ الجَنَّةِ فَإنَّهُ يُؤْتى عِلْمًا في الدِّينِ.

(يط) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ألْفَ رَحْمَةٍ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ الغافِلِينَ، والبالِغِينَ وغَيْرِ البالِغِينَ، فَتِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً لِلْعُلَماءِ وطالِبِي العِلْمِ والمُسْلِمِينَ، والرَّحْمَةُ الواحِدَةُ لِسائِرِ النّاسِ» “ .

(كَ) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«قُلْتُ يا جِبْرِيلُ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ لِأُمَّتِي ؟ قالَ: العِلْمُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: النَّظَرُ إلى العالِمِ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: زِيارَةُ العالِمِ، ثُمَّ قالَ: ومَن كَسَبَ العِلْمَ لِلَّهِ وأرادَ بِهِ صَلاحَ نَفْسِهِ وصَلاحَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُرِدْ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا، فَأنا كَفِيلُهُ بِالجَنَّةِ» “ .

(كا) وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَشَرَةٌ تُسْتَجابُ لَهُمُ الدَّعْوَةُ: العالِمُ، والمُتَعَلِّمُ، وصاحِبُ حُسْنِ الخُلُقِ، والمَرِيضُ، واليَتِيمُ، والغازِي، والحاجُّ، والنّاصِحُ لِلْمُسْلِمِينَ، والوَلَدُ المُطِيعُ لِأبَوَيْهِ، والمَرْأةُ المُطِيعَةُ لِزَوْجِها» “

(كب) ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ ما العِلْمُ ؟ فَقالَ: دَلِيلُ العَمَلِ، قِيلَ: فَما العَقْلُ ؟ قالَ: قائِدُ الخَيْرِ، قِيلَ: فَما الهَوى ؟ قالَ: مَرْكَبُ المَعاصِي، قِيلَ: فَما المالُ ؟ قالَ: رِداءُ المُتَكَبِّرِينَ، قِيلَ: فَما الدُّنْيا ؟ قالَ: سُوقُ الآخِرَةِ» “ .

(كج) «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُحَدِّثُ إنْسانًا فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن عُمُرِ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي تُحَدِّثُهُ إلّا ساعَةٌ، وكانَ هَذا وقْتَ العَصْرِ، فَأخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ فاضْطَرَبَ الرَّجُلُ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلى أوْفَقِ عَمَلٍ لِي في هَذِهِ السّاعَةِ، قالَ: اشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ، فاشْتَغَلَ بِالتَّعَلُّمِ، وقُبِضَ قَبْلَ المَغْرِبِ» .

قالَ الرّاوِي: فَلَوْ كانَ شَيْءٌ أفْضَلَ مِنَ العِلْمِ لَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.

(كد) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«النّاسُ كُلُّهم مَوْتى إلّا العالِمُونَ» “ والخَبَرُ مَشْهُورٌ.

(كه) عَنْ أنَسٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«سَبْعَةٌ لِلْعَبْدِ تَجْرِي بَعْدَ مَوْتِهِ: مَن عَلَّمَ عِلْمًا، أوْ أجْرى نَهْرًا، أوْ حَفَرَ بِئْرًا، أوْ بَنى مَسْجِدًا، أوْ ورِّثَ مُصْحَفًا، أوْ تَرَكَ ولَدًا صالِحًا يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ، أوْ صَدَقَةً تَجْرِي لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ» “ فَقَدَّمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَّعْلِيمَ عَلى جَمِيعِ الِانْتِفاعاتِ؛ لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ، والرُّوحانِيُّ أبْقى مِنَ الجُسْمانِيّاتِ.

(كو) قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا تُجالِسُوا العُلَماءَ إلّا إذا دَعَوْكم مِن خَمْسٍ إلى خَمْسٍ: مِنَ الشَّكِّ إلى اليَقِينِ، ومِنَ الكِبَرِ إلى التَّواضُعِ، ومِنَ العَداوَةِ إلى النَّصِيحَةِ، ومِنَ الرِّياءِ إلى الإخْلاصِ، ومِنَ الرَّغْبَةِ إلى الزُّهْدِ» “

(كز) «أوْصى النَّبِيُّ ﷺ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا عَلِيُّ احْفَظِ التَّوْحِيدَ فَإنَّهُ رَأْسُ مالِي، والزَمِ العَمَلَ فَإنَّهُ حِرْفَتِي، وأقِمِ الصَّلاةَ فَإنَّها قُرَّةُ عَيْنِي، واذْكُرِ الرَّبَّ فَإنَّهُ بَصِيرَةُ فُؤادِي، واسْتَعْمِلِ العِلْمَ فَإنَّهُ مِيراثِي» .

(كح) أبُو كَبْشَةَ الأنْصارِيُّ قالَ: «ضَرَبَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلَ الدُّنْيا مَثَلَ أرْبَعَةِ رَهْطٍ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا وآتاهُ مالًا فَهو يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ في مالِهِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا ولَمْ يُؤْتِهِ مالًا فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَفْعَلُ فُلانٌ فَهُما في الأجْرِ سَواءٌ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا ولَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهو يَمْنَعُهُ مِنَ الحَقِّ ويُنْفِقُهُ في الباطِلِ، ورَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا ولَمْ يُؤْتِهِ مالًا، فَيَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي مِثْلَ ما أُوتِيَ فُلانٌ لَفَعَلْتُ فِيهِ مِثْلَ ما يَفْعَلُ فُلانٌ فَهُما في الوِزْرِ سَواءٌ» .

الآثارُ: (أ) كُمَيْلُ بْنُ زِيادٍ قالَ: أخَذَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِي فَأخْرَجَنِي إلى الجَبّانَةِ فَلَمّا أصْحَرَ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ، ثُمَّ قالَ: يا كُمَيْلُ بْنَ زِيادٍ إنَّ هَذِهِ القُلُوبَ أوْعِيَةٌ فَخَيْرُها أوْعاها، فاحْفَظْ ما أقُولُ لَكَ: النّاسُ ثَلاثَةٌ: عالِمٌ رَبّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلى سَبِيلِ نَجاةٍ، وهَمَجٌ رِعاعٌ أتْباعُ كُلِّ ناعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ العِلْمِ، ولَمْ يَلْجَئُوا إلى رُكْنٍ وثِيقٍ، ياكُمَيْلُ، العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المالِ، والعِلْمُ يَحْرُسُكَ وأنْتَ تَحْرُسُ المالَ، والمالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ، والعِلْمُ يَزْكُو بِالإنْفاقِ، وصَنِيعُ المالِ يَزُولُ بِزَوالِهِ، يا كُمَيْلُ مَعْرِفَةُ العِلْمِ زَيْنٌ يُزانُ بِهِ يَكْتَسِبُ

صفحة ١٧٧

بِهِ الإنْسانُ الطّاعَةَ في حَياتِهِ، وجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وفاتِهِ، والعِلْمُ حاكِمٌ، والمالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

(ب) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِن مَنزِلِهِ وعَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ جَبَلِ تِهامَةَ، فَإذا سَمِعَ العِلْمَ، وخافَ واسْتَرْجَعَ عَلى ذُنُوبِهِ انْصَرَفَ إلى مَنزِلِهِ ولَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، فَلا تُفارِقُوا مَجالِسَ العُلَماءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ تُرْبَةً عَلى وجْهِ الأرْضِ أكْرَمَ مِن مَجالِسِ العُلَماءِ.

(ج) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: خُيَّرَ سُلَيْمانُ بَيْنَ المُلْكِ والمالِ وبَيْنَ العِلْمِ فاخْتارَ العِلْمَ، فَأُعْطِيَ العِلْمَ والمُلْكَ مَعًا.

(د) سُلَيْمانُ لَمْ يَحْتَجْ إلى الهُدْهُدِ إلّا لِعِلْمِهِ لِما رُوِيَ عَنْ نافِعِ بْنِ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: كَيْفَ اخْتارَ سُلَيْمانُ الهُدْهُدَ لِطَلَبِ الماءِ ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّ الأرْضَ كالزُّجاجَةِ يُرى باطِنُها مِن ظاهِرِها، فَقالَ نافِعٌ: فَكَيْفَ بِأوْقاتِ الفَخِّ يُغَطّى لَهُ بِأُصْبُعٍ مِن تُرابٍ فَلا يَراهُ بَلْ يَقَعُ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا جاءَ القَدَرُ عَمِيَ البَصَرُ.

(ه) قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: تُقَسَّمُ الجَنَّةُ عَلى عَشَرَةِ آلافِ جُزْءٍ، تِسْعَةُ آلافِ وتِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ مِنها لِلَّذِينِ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ أمْرَهُ فَكانَ هَذا ثَوابَهم عَلى قَدْرِ ما قَسَمَ اللَّهُ لَهم مِنَ العُقُولِ، يَقْتَسِمُونَ المَنازِلَ فِيها، وجُزْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الضُّعَفاءِ الفُقَراءِ الصّالِحِينَ.

(و) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِوَلَدِهِ: يا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِالأدَبِ؛ فَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلى المُرُوءَةِ، وأُنْسٌ في الوَحْشَةِ، وصاحِبٌ في الغُرْبَةِ، وقَرِينٌ في الحَضَرِ، وصَدْرٌ في المَجْلِسِ، ووَسِيلَةٌ عِنْدَ انْقِضاءِ الوَسائِلِ، وغِنًى عِنْدَ العَدَمِ، ورِفْعَةٌ لِلْخَسِيسِ، وكَمالٌ لِلشَّرِيفِ، وجَلالَةٌ لِلْمَلِكِ.

(ز) عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: صَرِيرُ قَلَمِ العُلَماءِ تَسْبِيحٌ، وكِتابَةُ العِلْمِ والنَّظَرُ فِيهِ عِبادَةٌ، وإذا أصابَ مِن ذَلِكَ المِدادِ ثَوْبَهُ فَكَأنَّما أصابَهُ دَمُ الشُّهَداءِ، وإذا قَطَرَ مِنها عَلى الأرْضِ تَلَأْلَأ نُورُهُ، وإذا قامَ مِن قَبْرِهِ نَظَرَ إلَيْهِ أهْلُ الجَمْعِ، فَيُقالُ: هَذا عَبْدٌ مِن عِبادِ اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وحُشِرَ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

(ح) في كِتابِ كَلِيلَةَ ودِمْنَةَ: أحَقُّ مَن لا يُسْتَخَفُّ بِحُقُوقِهِمْ ثَلاثَةٌ: العالِمُ والسُّلْطانُ والإخْوانُ، فَإنَّ مَنِ اسْتَخَفَّ بِالعالِمِ أهْلَكَ دِينَهُ، ومَنِ اسْتَخَفَّ بِالسُّلْطانِ أهْلَكَ دُنْياهُ، ومَنِ اسْتَخَفَّ بِالإخْوانِ أهْلَكَ مُرُوءَتَهُ.

(ط) قالَ سُقْراطُ: مِن فَضِيلَةِ العِلْمِ أنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْدِمَكَ فِيهِ أحَدٌ كَما تَجِدُ مَن يَخْدِمُكَ في سائِرِ الأشْياءِ، بَلْ تَخْدِمُهُ بِنَفْسِكَ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى سَلْبِهِ عَنْكَ.

(ي) قِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: لا تَنْظُرْ، فَأغْمَضَ عَيْنَيْهِ، فَقِيلَ: لا تَسْمَعْ، فَسَدَّ أُذُنَيْهِ، فَقِيلَ: لا تَتَكَلَّمْ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: لا تَعْلَمْ، فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلَيْهِ.

(يا) إذا كانَ السّارِقُ عالِمًا لا تُقْطَعُ يَدُهُ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: كانَ المالُ ودِيعَةً لِي، وكَذا الشّارِبُ يَقُولُ: حَسِبْتُهُ خَلّا، وكَذا الزّانِي يَقُولُ: تَزَوَّجْتُها فَإنَّهُ لا يُحَدُّ.

(يب) قالَ بَعْضُهم: أحْيُوا قُلُوبَ إخْوانِكم بِبَصائِرِ بَيانِكم كَما تُحْيُونَ المَواتَ بِالنَّباتِ والنَّواةِ، فَإنَّ نَفْسًا تَبْعُدُ مِنَ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ أفْضَلُ مِن أرْضٍ تَصْلُحُ لِلنَّباتِ، قالَ الشّاعِرُ:

وفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ وأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ

وإنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ

* * *

(وأمّا النُّكَتُ) فَمِن وُجُوهٍ:(أ) المَعْصِيَةُ عِنْدَ الجَهْلِ لا يُرْجى زَوالُها، وعِنْدَ الشَّهْوَةِ يُرْجى زَوالُها، انْظُرْ إلى زَلَّةِ آدَمَ فَإنَّهُ بِعِلْمِهِ اسْتَغْفَرَ والشَّيْطانُ غَوى، وبَقِيَ في غَيِّهِ أبَدًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِسَبَبِ الجَهْلِ.

(ب) إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صارَ مَلِكًا احْتاجَ إلى وزِيرٍ فَسَألَ رَبَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: لا تَخْتَرْ إلّا فُلانًا، فَرَآهُ يُوسُفُ في أسْوَأِ الأحْوالِ فَقالَ لِجِبْرِيلَ: إنَّهُ كَيْفَ يَصْلُحُ لِهَذا العَمَلِ مَعَ سُوءِ حالِهِ ؟ فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكَ عَيَّنَهُ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ ذَبَّ عَنْكَ حَيْثُ قالَ: ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٢٧] والنُّكْتَةُ أنَّ الَّذِي ذَبَّ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَحَقَّ الشَّرِكَةَ في مَمْلَكَتِهِ، فَمَن ذَبَّ عَنِ الدِّينِ القَوِيمِ بِالبُرْهانِ المُسْتَقِيمِ كَيْفَ لا يَسْتَحِقُّ مِنَ اللَّهِ الإحْسانَ والتَّحْسِينَ ؟!

(ج) أرادَ واحِدٌ خِدْمَةَ مَلِكٍ فَقالَ المَلِكُ: اذْهَبْ وتَعَلَّمْ

صفحة ١٧٨

حَتّى تَصْلُحَ لِخِدْمَتِي، فَلَمّا شَرَعَ في التَّعَلُّمِ وذاقَ لَذَّةَ العِلْمِ بَعَثَ المَلِكُ إلَيْهِ وقالَ: اتْرُكِ التَّعَلُّمَ، فَقَدْ صِرْتَ أهْلًا لِخِدْمَتِي، فَقالَ: كُنْتُ أهْلًا لِخِدْمَتِكَ حِينَ لَمْ تَرَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ، وحِينَ رَأيْتَنِي أهْلًا لِخِدْمَتِكَ رَأيْتُ نَفْسِي أهْلًا لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أنِّي كُنْتُ أظُنُّ أنَّ البابَ بابُكَ لِجَهْلِي، والآنَ عَلِمْتُ أنَّ البابَ بابُ الرَّبِّ.

(د) تَحْصِيلُ العِلْمِ إنَّما يَصْعُبُ عَلَيْكَ لِفَرْطِ حُبِّكَ لِلدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْطاكَ سَوادَ العَيْنِ وسُوَيْداءَ القَلْبِ، ولا شَكَّ أنَّ السَّوادَ أكْبَرُ مِنَ السُّوَيْداءِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ السُّوَيْداءَ تَصْغِيرُ السَّوادِ، ثُمَّ إذا وضَعْتَ عَلى سَوادِ عَيْنِكَ جُزْءًا مِنَ الدُّنْيا لا تَرى شَيْئًا، فَكَيْفَ إذا وضَعْتَ عَلى السُّوَيْداءِ كُلَّ الدُّنْيا كَيْفَ تَرى بِقَلْبِكَ شَيْئًا ؟

(ه) قالَ حَكِيمٌ: القَلْبُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالعِلْمِ، والعِلْمُ مَيِّتٌ وحَياتُهُ بِالطَّلَبِ، والطَّلَبُ ضَعِيفٌ وقُوَّتُهُ بِالمُدارَسَةِ، فَإذا قَوِيَ بِالمُدارَسَةِ فَهو مُحْتَجِبٌ وإظْهارُهُ بِالمُناظَرَةِ، وإذا ظَهَرَ بِالمُناظَرَةِ فَهو عَقِيمٌ ونِتاجُهُ بِالعَمَلِ، فَإذا زُوِّجَ العِلْمُ بِالعَمَلِ تَوالَدَ وتَناسَلَ مُلْكًا أبَدِيًّا لا آخِرَ لَهُ.

(و) ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ ] [النَّمْلِ: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [النَّمْلِ: ١٨] كانَتْ رِياسَةُ تِلْكَ النَّمْلَةِ عَلى غَيْرِها لَمْ تَكُنْ إلّا بِسَبَبِ أنَّها عَلِمَتْ مَسْألَةً واحِدَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ كَأنَّها قالَتْ: إنَّ سُلَيْمانَ مَعْصُومٌ والمَعْصُومُ لا يَجُوزُ مِنهُ إيذاءُ البَرِيءِ عَنِ الجُرْمِ، ولَكِنَّهُ لَوْ حَطَّمَكم فَإنَّما يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنهُ عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ حالَكم فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَتِلْكَ النَّمْلَةُ لَمّا عَلِمَتْ هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ اسْتَحَقَّتِ الرِّياسَةَ التّامَّةَ، فَمَن عَلِمَ حَقائِقَ الأشْياءِ مِنَ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ كَيْفَ لا يَسْتَوْجِبُ الرِّياسَةَ في الدُّنْيا والدِّينِ.

(ز) الكَلْبُ إذا تَعَلَّمَ وأرْسَلَهُ المالِكُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى صارَ صَيْدُهُ النَّجِسُ طاهِرًا، والنُّكْتَةُ أنَّ العِلْمَ هُناكَ انْضَمَّ إلى الكَلْبِ فَصارَ النَّجِسُ بِبَرَكَةِ العِلْمِ طاهِرًا، فَهَهُنا النَّفْسُ والرُّوحُ طاهِرَتانِ في أصْلِ الفِطْرَةِ إلّا أنَّهُما تَلَوَّثَتا بِأقْذارِ المَعْصِيَةِ، ثُمَّ انْضَمَّ إلَيْهِما العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ فَنَرْجُو مِن عَمِيمِ لُطْفِهِ أنْ يَقْلِبَ النَّجِسَ طاهِرًا هَهُنا والمَرْدُودَ مَقْبُولًا.

(ح) القَلْبُ رَئِيسُ الأعْضاءِ، ثُمَّ تِلْكَ الرِّياسَةُ لَيْسَتْ لِلْقُوَّةِ، فَإنَّ العَظْمَ أقْوى مِنهُ، ولا لِلْعِظَمِ، فَإنَّ الفَخِذَ أعْظَمُ مِنهُ، ولا لِلْحِدَّةِ، فَإنَّ الظُّفْرَ أحَدُّ مِنهُ، وإنَّما تِلْكَ الرِّياسَةُ بِسَبَبِ العِلْمِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الصِّفاتِ.

(أمّا الحِكاياتُ):

(أ) حُكِيَ أنَّ هارُونَ الرَّشِيدَ كانَ مَعَهُ فُقَهاءُ، وكانَ فِيهِمْ أبُو يُوسُفَ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فادَّعى عَلَيْهِ آخَرُ أنَّهُ أخَذَ مِن بَيْتِهِ مالًا بِاللَّيْلِ فَأقَرَّ الآخِذُ بِذَلِكَ في المَجْلِسِ فاتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَقالَ أبُو يُوسُفَ: لا قَطْعَ عَلَيْهِ، قالُوا: لِمَ ؟ قالَ: لِأنَّهُ أقَرَّ بِالأخْذِ والأخْذُ لا يُوجِبُ القَطْعَ بَلْ لا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالسَّرِقَةِ، فَصَدَّقَهُ الكُلُّ في قَوْلِهِ، ثُمَّ قالُوا لِلْآخِذِ أسَرَقْتَها ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأجْمَعُوا كُلُّهم عَلى أنَّهُ وجَبَ القَطْعُ، لِأنَّهُ أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، فَقالَ أبُو يُوسُفَ: لا قَطْعَ لِأنَّهُ وإنْ أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ لَكِنْ بَعْدَ ما وجَبَ الضَّمانُ عَلَيْهِ بِإقْرارِهِ بِالأخْذِ فَإذا أقَرَّ بِالسَّرِقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو بِهَذا الإقْرارِ يُسْقِطُ الضَّمانَ عَنْ نَفْسِهِ فَلا يُسْمَعُ إقْرارُهُ فَتَعَجَّبَ الكُلُّ مِن ذَلِكَ.

(ب) عَنِ الشَّعْبِيِّ كُنْتُ عِنْدَ الحَجّاجِ فَأُتِيَ بِيَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقِيهِ خُراسانَ مَعَ بَلْخٍ مُكَبَّلًا بِالحَدِيدِ فَقالَ لَهُ الحَجّاجُ: أنْتَ زَعَمْتَ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقالَ: بَلى، فَقالَ الحَجّاجُ: لَتَأْتِيَنِّي بِها واضِحَةً بَيِّنَةً مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ لَأُقَطِّعَنَّكَ عُضْوًا عُضْوًا، فَقالَ: آتِيكَ بِها واضِحَةً بَيِّنَةً مِن كِتابِ اللَّهِ يا حَجّاجُ قالَ: فَتَعَجَّبْتُ مِن جُرْأتِهِ بِقَوْلِهِ: يا حَجّاجُ، فَقالَ لَهُ: ولا تَأْتِنِي بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦١] فَقالَ: آتِيكَ بِها واضِحَةً مِن كِتابِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ [الأنْعامِ: ٨٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ [الأنْعامِ: ٨٥] فَمَن كانَ أبا عِيسى وقَدْ أُلْحِقَ بِذُرِّيَّةِ نُوحٍ ؟ قالَ: فَأطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: كَأنِّي لَمْ أقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ مِن كِتابِ اللَّهِ، حُلُّوا وثاقَهُ وأعْطُوهُ مِنَ المالِ كَذا.

(ج) يُحْكى أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ المَدِينَةِ جاءُوا إلى أبِي حَنِيفَةَ لِيُناظِرُوهُ في

صفحة ١٧٩

القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ ويُبَكِّتُوهُ ويُشَنِّعُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم: لا يُمْكِنُنِي مُناظَرَةُ الجَمِيعِ، فَفَوِّضُوا أمْرَ المُناظَرَةِ إلى أعْلَمِكم لِأُناظِرَهُ، فَأشارُوا إلى واحِدٍ فَقالَ: هَذا أعْلَمُكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: والمُناظَرَةُ مَعَهُ كالمُناظَرَةِ مَعَكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: والإلْزامُ عَلَيْهِ كالإلْزامِ عَلَيْكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: وإنْ ناظَرْتُهُ وألْزَمْتُهُ الحُجَّةَ فَقَدْ لَزِمَتْكُمُ الحُجَّةُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: كَيْفَ ؟ قالُوا: لِأنّا رَضِينا بِهِ إمامًا، فَكانَ قَوْلُهُ قَوْلًا لَنا، قالَ أبُو حَنِيفَةَ: فَنَحْنُ لَمّا اخْتَرْنا الإمامَ في الصَّلاةِ كانَتْ قِراءَتُهُ قِراءَةً لَنا وهو يَنُوبُ عَنّا فَأقَرُّوا لَهُ بِالإلْزامِ.

(د) هَجا الفَرَزْدَقُ واحِدًا فَقالَ:

لَقَدْ ضاعَ شِعْرِي عَلى بابِكم كَما ضاعَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ

وكانَتْ خالِصَةُ مَعْشُوقَةَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، وكانَتْ ظَرِيفَةً صاحِبَةَ أدَبٍ، وكانَتْ هَيْبَةُ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ تَفُوقُ هَيْبَةَ المَرْوانِيِّينَ، فَلَمّا بَلَغَها هَذا البَيْتُ شَقَّ عَلَيْها فَدَخَلَتْ عَلى سُلَيْمانَ وشَكَتِ الفَرَزْدَقَ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِإشْخاصِ الفَرَزْدَقِ عَلى أفْظَعِ الوُجُوهِ مُكَبَّلًا مُقَيَّدًا، فَلَمّا حَضَرَ وما كانَ بِهِ مِنَ الرَّمَقِ إلّا مِقْدارُ ما يُقِيمُهُ عَلى الرِّجْلِ مِن شِدَّةِ الهَيْبَةِ، فَقالَ لَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ: أنْتَ القائِلُ:

لَقَدْ ضاعَ شِعْرِي عَلى بابِكم ∗∗∗ كَما ضاعَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ

فَقالَ: ما قُلْتُهُ هَكَذا، وإنَّما غَيَّرَهُ عَلَيَّ مَن أرادَ بِي مَكْرُوهًا، وإنَّما قُلْتُ: - وخالِصَةُ مِن وراءِ السِّتْرِ تَسْمَعُ -:

لَقَدْ ضاءَ شِعْرِي عَلى بابِكم ∗∗∗ كَما ضاءَ دُرٌّ عَلى خالِصَةْ

فَسُرِّيَ عَنْ خالِصَةَ فَلَمْ تَمْلِكْ نَفْسَها أنْ خَرَجَتْ مِنَ السِّتْرِ فَألْقَتْ عَلى الفَرَزْدَقِ ما كانَ عَلَيْها مِنَ الحُلِيِّ، وهي زِيادَةٌ عَلى ألْفِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَأتْبَعَهُ سُلَيْمانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ حاجِبَهُ لَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى اشْتَرى الحُلِيَّ مِنَ الفَرَزْدَقِ بِمِائَةِ ألْفٍ ورَدَّهُ عَلى خالِصَةَ.

(ه) دَعا المَنصُورُ أبا حَنِيفَةَ يَوْمًا فَقالَ الرَّبِيعُ - وهو يُعادِيهُ -: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا - يَعْنِي أبا حَنِيفَةَ - يُخالِفُ جَدَّكَ حَيْثُ يَقُولُ: الِاسْتِثْناءُ المُنْفَصِلُ جائِزٌ وأبُو حَنِيفَةَ يُنْكِرُهُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هَذا الرَّبِيعُ يَقُولُ: لَيْسَ لَكَ بَيْعَةٌ في رَقَبَةِ النّاسِ، فَقالَ: كَيْفَ ؟ قالَ: إنَّهم يَعْقِدُونَ البَيْعَةَ لَكَ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مَنازِلِهِمْ فَيَسْتَثْنُونَ فَتَبْطُلُ بَيْعَتُهم، فَضَحِكَ المَنصُورُ، وقالَ: إيّاكَ يا رَبِيعُ وأبا حَنِيفَةَ، فَلَمّا خَرَجَ فَقالَ الرَّبِيعُ: يا أبا حَنِيفَةَ سَعَيْتَ في دَمِي، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كُنْتَ البادِيَ وأنا المُدافِعُ.

ويُحْكى أنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَمْدًا فَحَكَمَ أبُو يُوسُفَ بِقَتْلِ المُسْلِمِ بِهِ، فَبَلَغَ زُبَيْدَةَ ذَلِكَ فَبَعَثَتْ إلى أبِي يُوسُفَ فَقالَتْ: إيّاكَ وأنْ تَقْتُلَ المُسْلِمَ، وكانَتْ في عِنايَةٍ عَظِيمَةٍ بِأمْرِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا حَضَرَ أبُو يُوسُفَ وحَضَرَ الفُقَهاءُ وجِيءَ بِأوْلِياءَ الذِّمِّيِّ والمُسْلِمِ فَقالَ لَهُ الرَّشِيدُ: احْكم بِقَتْلِهِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هو مَذْهَبِي غَيْرَ أنِّي لَسْتُ أقْتُلُ المُسْلِمَ بِهِ حَتّى تَقُومَ البَيِّنَةُ العادِلَةُ أنَّ الذِّمِّيَّ يَوْمَ قَتَلَهُ المُسْلِمُ كانَ مِمَّنْ يُؤَدِّي الجِزْيَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَبَطَلَ دَمُهُ.

(ز) دَخَلَ الغَضْبانُ عَلى الحَجّاجِ بَعْدَما قالَ لِعَدُوِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأشْعَثِ: تَغَدَّ بِالحَجّاجِ قَبْلَ أنْ يَتَعَشّى بِكَ، فَقالَ لَهُ: ما جَوابُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ؟ فَقالَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ، ثُمَّ فَطِنَ الحَجّاجُ، وقالَ: قاتَلَكَ اللَّهُ يا غَضْبانُ، أخَذْتَ لِنَفْسِكَ أمانًا بِرَدِّي عَلَيْكَ، أما واللَّهِ لَوْلا الوَفاءُ والكَرَمُ، لَما شَرِبْتَ الماءَ البارِدَ بَعْدَ ساعَتِكَ هَذِهِ.

فانْظُرْ إلى فائِدَةِ العِلْمِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَلِلَّهِ دَرُّ العِلْمِ ومَن بِهِ تَرَدّى، وتَعْسًا لِلْجَهْلِ ومَن في أوْدِيَتِهِ تَرَدّى.

(ح) بَلَغَ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

صفحة ١٨٠

ومِنّا سُوَيْدٌ والبَطِينُ وقَعْنَبُ ∗∗∗ ومِنّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ

فَأمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنْتَ القائِلُ: ومَنّا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ ؟ فَقالَ: إنَّما قُلْتُ: ومِنّا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ شَبِيبُ، بِنَصْبِ الرّاءِ فَنادَيْتُكَ واسْتَغَثْتُ بِكَ، فَسُرِّيَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، وتَخَلَّصَ الرَّجُلُ مِنَ الهَلاكِ بِصَنْعَةٍ يَسِيرَةٍ عَمِلَها بِعِلْمِهِ، وهو أنَّهُ حَوَّلَ الضَّمَّةَ فَتْحَةً.

(ط) قالَ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ لِسُلَيْمانَ بْنِ كَثِيرٍ: بَلَغَنِي أنَّكَ كُنْتَ في مَجْلِسٍ وقَدْ جَرى بَيْنَ يَدَيْكَ ذِكْرِي، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ سَوِّدْ وجْهَهُ، واقْطَعْ عُنُقَهُ، وأسْقِنِي مِن دَمِهِ، فَقالَ: نَعَمْ قُلْتُهُ، ولَكِنْ في كَرْمِ كَذا لَمّا نَظَرْتُ إلى الحِصْرِمِ، فاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ، وعَفا عَنْهُ.

(ي) قالَ رَجُلٌ لِأبِي حَنِيفَةَ: إنِّي حَلَفْتُ لا أُكَلِّمُ امْرَأتِي حَتّى تُكَلِّمَنِي، وحَلَفَتْ بِصَدَقَةِ ما تَمْلِكُ أنْ لا تُكَلِّمَنِي أوْ أُكَلِّمَها فَتَحَيَّرَ الفُقَهاءُ فِيهِ فَقالَ سُفْيانُ: مَن كَلَّمَ صاحِبَهُ حَنِثَ.

فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: اذْهَبْ وكَلِّمْها ولا حِنْثَ عَلَيْكُما، فَذَهَبَ إلى سُفْيانَ وأخْبَرَهُ بِما قالَ أبُو حَنِيفَةَ، فَذَهَبَ سُفْيانُ إلى أبِي حَنِيفَةَ مُغْضَبًا، وقالَ: تُبِيحُ الفُرُوجَ ! فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: وما ذاكَ ؟ قالَ سُفْيانُ: أعِيدُوا عَلى أبِي حَنِيفَةَ السُّؤالَ، فَأعادُوا وأعادَ أبُو حَنِيفَةَ الفَتْوى، فَقالَ: مِن أيْنَ قُلْتَ ؟ قالَ: لَمّا شافَهَتْهُ بِاليَمِينِ بَعْدَما حَلَفَ كانَتْ مُكَلِّمَةً فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ، وإنْ كَلَّمَها فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ ولا عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ كَلَّمَها بَعْدَ اليَمِينِ فَسَقَطَتِ اليَمِينُ عَنْهُما، قالَ سُفْيانُ: إنَّهُ لَيُكْشَفُ لَكَ مِنَ العِلْمِ عَنْ شَيْءٍ كُلُّنا عَنْهُ غافِلٌ.

(يا) دَخَلَ اللُّصُوصُ عَلى رَجُلٍ فَأخَذُوا مَتاعَهُ واسْتَحْلَفُوهُ بِالطَّلاقِ ثَلاثًا أنْ لا يُعْلِمَ أحَدًا، فَأصْبَحَ الرَّجُلُ وهو يَرى اللُّصُوصَ يَبِيعُونَ مَتاعَهُ ولَيْسَ يَقْدِرُ أنْ يَتَكَلَّمَ مِن أجْلِ يَمِينِهِ، فَجاءَ الرَّجُلُ يُشاوِرُ أبا حَنِيفَةَ فَقالَ: أحْضِرْ لِي إمامَ مَسْجِدِكَ وأهْلَ مَحَلَّتِكَ فَأحْضَرَهم إيّاهُ، فَقالَ لَهم أبُو حَنِيفَةَ: هَلْ تُحِبُّونَ أنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلى هَذا مَتاعَهُ ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاجْمَعُوا كُلًّا مِنهم، وأدْخِلُوهم في دارٍ ثُمَّ أخْرِجُوهم واحِدًا واحِدًا، وقُولُوا: أهَذا لِصُّكَ ؟ فَإنْ كانَ لَيْسَ بِلِصِّهِ قالَ: لا، وإنْ كانَ لِصَّهُ فَلْيَسْكُتْ، وإذا سَكَتَ فاقْبِضُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ أبُو حَنِيفَةَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعَ ما سُرِقَ مِنهُ.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском