Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:34

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:34

2:34Page 6

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النِّعْمَةُ الرّابِعَةُ مِنَ النِّعَمِ العامَّةِ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ وهو أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ أبانا مَسْجُودَ المَلائِكَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَخْصِيصَ آدَمَ بِالخِلافَةِ أوَّلًا ثُمَّ تَخْصِيصَهُ بِالعِلْمِ الكَثِيرِ ثانِيًا، ثُمَّ بُلُوغَهُ في العِلْمِ إلى أنْ صارَتِ المَلائِكَةُ عاجِزِينَ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَتِهِ في العِلْمِ، وذَكَرَ الآنَ كَوْنَهُ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الأمْرُ بِالسُّجُودِ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يُسَوِّيَ اللَّهُ تَعالى خِلْقَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [ص: ٧١، ٧٢] وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا صارَ حَيًّا صارَ مَسْجُودَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: (فَقَعُوا) لِلتَّعْقِيبِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ تَعْلِيمُ الأسْماءِ ومُناظَرَتُهُ مَعَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ حَصَلَ بَعْدَ أنْ صارَ مَسْجُودَ المَلائِكَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لَيْسَ سُجُودَ عِبادَةٍ؛ لِأنَّ سُجُودَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ والأمْرُ لا يَرِدُ بِالكُفْرِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ تَعالى وآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كالقِبْلَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلِ: أنَّهُ لا يُقالُ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ بَلْ يُقالُ صَلَّيْتُ إلى القِبْلَةِ فَلَوْ كانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قِبْلَةً لِذَلِكَ السُّجُودِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ اسْجُدُوا إلى آدَمَ فَلَمّا لَمْ يَرِدِ الأمْرُ هَكَذا بَلْ قِيلَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ عَلِمْنا أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ قِبْلَةً.

الثّانِي: أنَّ إبْلِيسَ قالَ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ أيْ أنَّ كَوْنَهُ مَسْجُودًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ حالًا مِنَ السّاجِدِ ولَوْ كانَ قِبْلَةً لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ بِدَلِيلِ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ ولَمْ يَلْزَمْ أنْ تَكُونَ الكَعْبَةُ أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ .

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ كَما لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: صَلَّيْتُ إلى القِبْلَةِ جازَ أنْ يُقالَ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ والدَّلِيلُ

صفحة ١٩٥

عَلَيْهِ القُرْآنُ والشِّعْرُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسْراءِ: ٧٨] والصَّلاةُ لِلَّهِ لا لِلدُّلُوكِ، فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ صَلَّيْتُ لِلْقِبْلَةِ مَعَ أنَّ الصَّلاةَ تَكُونُ لِلَّهِ تَعالى لا لِلْقِبْلَةِ ؟ وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ حَسّانَ:

ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الأمْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ مِنها عَنْ أبِي حَسَنِ

ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكُمْ

وأعْرَفَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ ؟

فَقَوْلُهُ صَلّى لِقِبْلَتِكم نَصٌّ عَلى المَقْصُودِ، والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ إبْلِيسَ شَكا تَكْرِيمَهُ، وذَلِكَ التَّكْرِيمُ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ المَسْجُودِيَّةِ بَلْ لَعَلَّهُ حَصَلَ بِذَلِكَ مَعَ أُمُورٍ أُخَرَ فَهَذا ما في القَوْلِ الأوَّلِ، أمّا القَوْلُ الثّانِي فَهو أنَّ السَّجْدَةَ كانَتْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ وتَحِيَّةً لَهُ كالسَّلامِ مِنهم عَلَيْهِ، وقَدْ كانَتِ الأُمَمُ السّالِفَةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ كَما يُحَيِّي المُسْلِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يُوسُفَ: ١٠٠] كانَتْ تَحِيَّةُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ سُجُودَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وعَنْ صُهَيْبٍ «أنَّ مُعاذًا لَمّا قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”يا مُعاذُ ما هَذا ؟ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَسْجُدُ لِعُظَمائِها وعُلَمائِها ورَأيْتُ النَّصارى تَسْجُدُ لِقُسُسِها وبِطارِقَتِها قُلْتُ: ما هَذا ؟ قالُوا: تَحِيَّةُ الأنْبِياءِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ» “ .

وعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ سِماكِ بْنِ هانِئٍ قالَ: دَخَلَ الجاثَلِيقُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ فَأرادَ أنْ يَسْجُدَ لَهُ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: اسْجُدْ لِلَّهِ ولا تَسْجُدْ لِي.

وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْها» “ .

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السُّجُودَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو الِانْقِيادُ والخُضُوعُ، قالَ الشّاعِرُ:

تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ

أيْ تِلْكَ الجِبالُ الصِّغارُ كانَتْ مُذَلَّلَةً لِحَوافِرِ الخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦] واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ تَعْظِيمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مُجَرَّدَ القِبْلَةِ لا يُفِيدُ تَعْظِيمَ حالِهِ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ السُّجُودَ لا شَكَّ أنَّهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في أصْلِ اللُّغَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ فَإنْ قِيلَ: السُّجُودُ عِبادَةٌ والعِبادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ لا تَجُوزُ، قُلْنا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ عِبادَةٌ، بَيانُهُ أنَّ الفِعْلَ قَدْ يَصِيرُ بِالمُواضَعَةِ مُفِيدًا كالقَوْلِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ قِيامَ أحَدِنا لِلْغَيْرِ يُفِيدُ مِنَ الإعْظامِ ما يُفِيدُهُ القَوْلُ، وما ذاكَ إلّا لِلْعادَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ في بَعْضِ الأوْقاتِ سُقُوطُ الإنْسانِ عَلى الأرْضِ وإلْصاقُهُ الجَبِينَ بِها مُفِيدًا ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِبادَةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إظْهارًا لِرِفْعَتِهِ وكَرامَتِهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ قالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ ولا سِيَّما المُعْتَزِلَةُ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّهُ كانَ مِنهم واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن ظَنَّ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ كانَ مِنَ

صفحة ١٩٦

الجِنِّ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الجِنَّ جِنْسٌ مُخالِفٌ لِلْمَلَكِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الجِنَّ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاجْتِنانِ وهو السَّتْرُ؛ ولِهَذا سُمِّيَ الجَنِينُ جَنِينًا لِاجْتِنانِهِ، ومِنهُ الجُنَّةُ لِكَوْنِها ساتِرَةً، والجَنَّةُ لِكَوْنِها مُسْتَتِرَةً بِالأغْصانِ، ومِنهُ الجُنُونُ لِاسْتِتارِ العَقْلِ فِيهِ، ولَمّا ثَبَتَ هَذا والمَلائِكَةُ مَسْتُورُونَ عَنِ العُيُونِ وجَبَ إطْلاقُ لَفْظِ الجِنِّ عَلَيْهِمْ بِحَسْبِ اللُّغَةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَدْرَ لا يُفِيدُ المَقْصُودَ فَنَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في الفَرْقِ بَيْنَ الجِنِّ والمَلَكِ، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كانَ مِنَ الجَنَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: كانَ مِنَ الجِنِّ أيْ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنَ الجِنِّ أيْ صارَ مِنَ الجِنِّ كَما أنَّ قَوْلَهُ ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ صارَ مِنَ الكافِرِينَ، سَلَّمْنا أنَّ ما ذَكَرْتَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الجِنِّ، فَلِمَ قُلْتَ إنَّ كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ ؟ وما ذَكَرْتُمْ مِنَ الآيَةِ مُعارَضٌ بِآيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصّافّاتِ: ١٥٨] وذَلِكَ لِأنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَكَ يُسَمّى جِنًّا ؟ والجَوابُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] أنَّهُ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ يُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ تَرْكِهِ لِلسُّجُودِ لِكَوْنِهِ جِنِّيًّا ولا يُمْكِنُ تَعْلِيلُ تَرْكِ السُّجُودِ بِكَوْنِهِ خازِنًا لِلْجَنَّةِ، فَيُبْطِلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ أيْ صارَ مِنَ الجِنِّ.

قُلْنا: هَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصّافّاتِ: ١٥٨] قُلْنا يُحْتَمَلُ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ أثْبَتَ ذَلِكَ النَّسَبَ في الجِنِّ كَما أثْبَتَهُ في المَلائِكَةِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَلَكَ يُسَمّى جِنًّا بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ لَكِنَّ لَفْظَ الجِنِّ بِحَسَبِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِغَيْرِهِمْ كَما أنَّ لَفْظَ الدّابَّةِ وإنْ كانَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما يَدِبُّ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ ما يَدِبُّ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرْناها عَلى العُرْفِ الحادِثِ.

وثانِيها: أنَّ إبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ والمَلائِكَةُ لا ذُرِّيَّةَ لَهم، إنَّما قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَهُ ذَرِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] وهَذا صَرِيحٌ في إثْباتِ الذُّرِّيَّةِ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المَلائِكَةَ لا ذُرِّيَّةَ لَهم؛ لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، والمَلائِكَةُ لا أُنْثى فِيهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] أنْكَرَ عَلى مَن حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالأُنُوثَةِ فَإذا انْتَفَتِ الأُنُوثَةُ انْتَفى التَّوالُدُ لا مَحالَةَ فانْتَفَتِ الذُّرِّيَّةُ.

وثالِثُها: أنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وإبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ.

ورابِعُها: أنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ والمَلائِكَةُ لَيْسُوا كَذَلِكَ، إنَّما قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النّارِ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْلِيسَ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ [الأعْرافِ: ١٢] وأيْضًا فَلِأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] والجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧] وقالَ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١٥] وأمّا أنَّ المَلائِكَةَ لَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ النّارِ بَلْ مِنَ النُّورِ، فَلِما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ «خُلِقَتِ

صفحة ١٩٧

المَلائِكَةُ مِن نُورٍ وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ»؛ ولِأنَّ مِنَ المَشْهُورِ الَّذِي يَدْفَعُ أنَّ المَلائِكَةَ رُوحانِيُّونَ، وقِيلَ إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا مِنَ الرِّيحِ أوِ الرَّوْحِ.

وخامِسُها: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] ورُسُلُ اللَّهِ مَعْصُومُونَ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٢٤] فَلَمّا لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونُ مِنَ المَلائِكَةِ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ المَلائِكَةِ بِأمْرَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناهُ مِنَ المَلائِكَةِ والِاسْتِثْناءُ يُفِيدُ إخْراجَ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، لا يُقالُ: الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٧] وقالَ تَعالى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ [النِّساءِ: ٢٩] وقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النِّساءِ: ٩٢] وأيْضًا فَلِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا واحِدًا بَيْنَ الأُلُوفِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِ في قَوْلِهِ (فَسَجَدُوا) ثُمَّ اسْتُثْنِيَ هو مِنهُمُ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهم؛ لِأنّا نَقُولُ: كُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى خِلافِ الأصْلِ، فَذَلِكَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، والدَّلائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في نَفْيِ كَوْنِهِ مِنَ المَلائِكَةِ، لَيْسَ فِيها إلّا الِاعْتِمادُ عَلى العُمُوماتِ، فَلَوْ جَعَلْناهُ مِنَ المَلائِكَةِ لَزِمَ تَخْصِيصُ ما عَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُوماتِ، ولَوْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، لَزِمَنا حَمْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، ومَعْلُومٌ أنَّ تَخْصِيصَ العُمُوماتِ أكْثَرُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى مِن حَمْلِ الِاسْتِثْناءِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ فَكانَ قَوْلُنا أوْلى.

أيْضًا فالِاسْتِثْناءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّنْيِ والصَّرْفِ، ومَعْنى الصَّرْفِ إنَّما يَتَحَقَّقُ حَيْثُ لَوْلا الصَّرْفُ لَدَخَلَ والشَّيْءُ لا يَدْخُلُ في غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فِيهِ، وأمّا قَوْلُهُ إنَّهُ جِنِّيٌّ واحِدٌ بَيْنَ المَلائِكَةِ، فَنَقُولُ: إنَّما يَجُوزُ إجْراءُ حُكْمِ الكَثِيرِ عَلى القَلِيلِ إذا كانَ القَلِيلُ ساقِطَ العِبْرَةِ غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ إذا كانَ مُعْظَمُ الحَدِيثِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَلِكَ الواحِدِ لَمْ يَجُزْ إجْراءُ حُكْمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قالُوا لَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَما كانَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ مُتَناوِلًا لَهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَناوِلًا لَهُ لاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ تَرْكُهُ لِلسُّجُودِ إباءً واسْتِكْبارًا ومَعْصِيَةً، ولَما اسْتَحَقَّ الذَّمَّ والعِقابَ، وحَيْثُ حَصَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الخِطابَ يَتَناوَلُهُ، ولا يَتَناوَلُهُ ذَلِكَ الخِطابُ إلّا إذا كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، لا يُقالُ إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا أنَّهُ نَشَأ مَعَهم وطالَتْ مُخالَطَتُهُ بِهِمْ والتَصَقَ بِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَتَناوَلُهُ ذَلِكَ الخِطابُ، وأيْضًا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في هَذا الأمْرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِالسُّجُودِ بِلَفْظٍ آخَرَ ما حَكاهُ في القُرْآنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢] لِأنّا نَقُولُ: أمّا الأوَّلُ فَجَوابُهُ أنَّ المُخالَطَةَ لا تُوجِبُ ما ذَكَرْتُمُوهُ، ولِهَذا قُلْنا في أُصُولِ الفِقْهِ إنَّ خِطابَ الذُّكُورِ لا يَتَناوَلُ الإناثَ، وبِالعَكْسِ مَعَ شَدَّةِ المُخالَطَةِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، وأيْضًا فَشِدَّةُ المُخالَطَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْلِيسَ لَمّا لَمْ تَمْنَعِ اقْتِصارَ اللَّعْنِ عَلى إبْلِيسَ فَكَيْفَ تَمْنَعُ اقْتِصارَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ عَلى المَلائِكَةِ، وأمّا الثّانِي فَجَوابُهُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَلَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أشْعَرَ هَذا التَّعْقِيبُ بِأنَّ هَذا الإباءَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ لا بِسَبَبِ مُخالَفَةِ أمْرٍ آخَرَ، فَهَذا ما عِنْدِي في الجانِبَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

* * *

صفحة ١٩٨

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِنا يَحْتَجُّونَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ بِسُجُودِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ فَرَأيْنا أنْ نَذْكُرَ هَهُنا هَذِهِ المَسْألَةَ فَنَقُولُ: قالَ أكْثَرُ أهْلِ السُّنَّةِ: الأنْبِياءُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ بَلِ المَلائِكَةُ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الشِّيعَةِ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ القاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ مِنّا، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيِّ مِن فُقَهائِنا ونَحْنُ نَذْكُرُ مُحَصِّلَ الكَلامِ مِنَ الجانِبَيْنِ: أمّا القائِلُونَ بِأنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِأُمُورٍ.

أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] والِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ العِنْدِيَّةِ عِنْدِيَّةَ المَكانِ والجِهَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بَلْ عِنْدِيَّةُ القُرْبِ والشَّرَفِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةً في صِفَةِ المَلائِكَةِ عَلِمْنا أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ القُرْبَةِ والشَّرَفِ حاصِلٌ لَهم لا لِغَيْرِهِمْ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ هَذِهِ العِنْدِيَّةَ في الآخِرَةِ لِآحادِ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُهُ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٥٥] وأمّا في الدُّنْيا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاكِيًا عَنْهُ سُبْحانَهُ ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ وهَذا أكْثَرُ إشْعارًا بِالتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ هَؤُلاءِ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم وما احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ كَوْنَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ العَبْدِ أدْخَلُ في التَّعْظِيمِ مِن كَوْنِ العَبْدِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الوَجْهُ الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَّ بِعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ عَلى أنَّ غَيْرَهم وجَبَ أنْ لا يَسْتَكْبِرُوا ولَوْ كانَ البَشَرُ أفْضَلَ مِنهم لَما تَمَّ هَذا الِاحْتِجاجُ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا أرادَ أنْ يُقَرِّرَ عَلى رَعِيَّتِهِ وُجُوبَ طاعَتِهِمْ لَهُ يَقُولُ: المُلُوكُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طاعَتِي، فَمَن هَؤُلاءِ المَساكِينُ حَتّى يَتَمَرَّدُوا عَنْ طاعَتِي ! وبِالجُمْلَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إلّا بِالأقْوى عَلى الأضْعَفِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نِزاعَ في أنَّ المَلائِكَةَ أشَدُّ قُوَّةً وقُدْرَةً مِنَ البَشَرِ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاسْتِدْلالِ هَذا القَدْرُ مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ واسْتِيلائِهِمْ عَلى أجْرامِ السَّماواتِ والأرْضِ وأمْنِهِمْ مِنَ الهَرَمِ والمَرَضِ وطُولِ أعْمارِهِمْ، لا يَتْرُكُونَ العُبُودِيَّةَ لَحْظَةً واحِدَةً، والبَشَرُ مَعَ نِهايَةِ ضَعْفِهِمْ ووُقُوعِهِمْ في أسْرَعِ الأحْوالِ في المَرَضِ والهَرَمِ وأنْواعِ الآفاتِ أوْلى أنْ لا يَتَمَرَّدُوا، فَهَذا القَدْرُ مِنَ التَّفاوُتِ كافٍ في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِدْلالِ، ولا نِزاعَ في حُصُولِ التَّفاوُتِ في هَذا المَعْنى، إنَّما النِّزاعُ في الأفْضَلِيَّةِ بِمَعْنى كَثْرَةِ الثَّوابِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانَ المَلِكُ أكْثَرَ ثَوابًا مِنَ البَشَرِ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ إلى الفَهْمِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ ؟

وثانِيها: أنَّهم قالُوا: عِباداتُ المَلائِكَةِ أشَقُّ مِن عِباداتِ البَشَرِ، فَتَكُونُ أكْثَرَ ثَوابًا مِن عِباداتِ البَشَرِ، وإنَّما قُلْنا إنَّها أشَقُّ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَيْلَهم إلى التَّمَرُّدِ أشَدُّ فَتَكُونُ طاعَتُهم أشَقَّ، وإنَّما قُلْنا إنَّ مَيْلَهم إلى التَّمَرُّدِ أشَدُّ؛ لِأنَّ العَبْدَ السَّلِيمَ مِنَ الآفاتِ، المُسْتَغْنِيَ عَنْ طَلَبِ الحاجاتِ، يَكُونُ أمْيَلَ إلى النِّعَمِ والِالتِذاذِ مِنَ المَغْمُورِ في الحاجاتِ، فَإنَّهُ يَكُونُ كالمُضْطَرِبِ في الرُّجُوعِ إلى عِبادَةِ مَوْلاهُ والِالتِجاءِ إلَيْهِ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٥] ومَعْلُومٌ أنَّ المَلائِكَةَ سُكّانُ السَّماواتِ وهي جَنّاتٌ وبَساتِينُ ومَواضِعُ التَّنَزُّهِ والرّاحَةِ وهم آمِنُونَ

صفحة ١٩٩

مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ ثُمَّ إنَّهم مَعَ اسْتِكْمالِ أسْبابِ التَّنَعُّمِ لَهم أبَدًا مُذْ خُلِقُوا مُشْتَغِلُونَ بِالعِبادَةِ خاشِعُونَ وجِلُونَ مُشْفِقُونَ كَأنَّهم مَسْجُونُونَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى نَعِيمِ الجِنانِ واللَّذّاتِ بَلْ هم مُقْبِلُونَ عَلى الطّاعاتِ الشّاقَّةِ مَوْصُوفُونَ بِالخَوْفِ الشَّدِيدِ والفَزَعِ العَظِيمِ، وكَأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ أنْ يَبْقى كَذَلِكَ يَوْمًا واحِدًا فَضْلًا عَنْ تِلْكَ الأعْصارِ المُتَطاوِلَةِ ويُؤَكِّدُهُ قِصَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ أطْلَقَ لَهُ جَمِيعَ مَواضِعِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البَقَرَةِ: ٣٥] ثُمَّ مُنِعَ مِن شَجَرَةٍ واحِدَةٍ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ حَتّى وقَعَ في الشَّرِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ طاعَتَهم أشَقُّ مِن طاعاتِ البَشَرِ.

وثانِيها: أنَّ انْتِقالَ المُكَلَّفِ مِن نَوْعِ عِبادَةٍ إلى نَوْعٍ آخَرَ كالِانْتِقالِ مِن بُسْتانٍ إلى بُسْتانٍ، أمّا الإقامَةُ عَلى نَوْعٍ واحِدٍ فَإنَّها تُورِثُ المَشَقَّةَ والمَلالَةَ؛ ولِهَذا السَّبَبِ جُعِلَتِ التَّصانِيفُ مَقْسُومَةً بِالأبْوابِ والفُصُولِ، وجُعِلَ كِتابُ اللَّهِ مَقْسُومًا بِالسُّوَرِ والأحْزابِ والأعْشارِ والأخْماسِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُواظِبٌ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ لا يَعْدِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] وقالَ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٥، ١٦٦] وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عِبادَتُهم في نِهايَةِ المَشَقَّةِ، إذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ تَكُونَ عِباداتُهم أفْضَلَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”«أفْضَلُ الأعْمالِ أحَمَزُها» “ أيْ أشَقُّها، وقَوْلُهُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ”«إنَّما أجْرُكِ عَلى قَدْرِ نَصَبِكِ» “ والقِياسُ أيْضًا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإنَّ العَبْدَ كُلَّما كانَ تَحَمُّلُهُ المَشاقَّ لِأجْلِ رِضا مَوْلاهُ أكْثَرَ كانَ أحَقَّ بِالتَّعْظِيمِ والتَّقْدِيمِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ عَلى الوَجْهَيْنِ: هَبْ أنَّ مَشَقَّتَهم أكْثَرُ فَلِمَ قُلْتُمْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ثَوابُهم أكْبَرَ ؟ وذَلِكَ لِأنّا نَرى بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ في زَمانِنا هَذا يَتَحَمَّلُونَ في طَرِيقِ المُجاهَدَةِ مِنَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ ما يَقْطَعُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما كانَ يَتَحَمَّلُ بَعْضَ ذَلِكَ ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْضَلُ مِنهُ، ومِن أمْثالِهِ، بَلْ يُحْكى عَنْ عُبّادِ الهِنْدِ وزُهّادِهِمْ ورُهْبانِهِمْ أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ مِنَ المَتاعِبِ في التَّواضُعِ لِلَّهِ تَعالى ما لَمْ يُحْكَ مِثْلُهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ والأوْلِياءِ مَعَ أنّا نَقْطَعُ بِكُفْرِهِمْ، فَعَلِمْنا أنَّ كَثْرَةَ المَشَقَّةِ في العِبادَةِ لا تَقْتَضِي زِيادَةَ الثَّوابِ، وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ كَثْرَةَ الثَّوابِ لا تَحْصُلُ إلّا بِناءً عَلى الدَّواعِي والقُصُودِ، فَلَعَلَّ الفِعْلَ الواحِدَ يَأْتِي بِهِ مُكَلَّفانِ عَلى السَّواءِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ الظّاهِرَةِ ويَسْتَحِقُّ أحَدُهُما بِهِ ثَوابًا عَظِيمًا والآخَرُ لا يَسْتَحِقُّ بِهِ ثَوابًا قَلِيلًا، لِما أنَّ إخْلاصَ أحَدِهِما أشَدُّ وأكْثَرُ مِن إخْلاصِ الثّانِي، فَإذَنْ كَثْرَةُ العِباداتِ ومَشَقَّتُها لا تَقْتَضِي التَّفاوُتَ في الفَضْلِ ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ عِباداتِ المَلائِكَةِ أشَقُّ.

أمّا قَوْلُهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ: السَّماواتُ كالبَساتِينِ النَّزِهَةِ قُلْنا: مُسَلَّمٌ ولَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ بِأنَّ الإتْيانَ بِالعِبادَةِ في المَواضِعِ الطَّيِّبَةِ أشَقُّ مِنَ الإتْيانِ بِها في المَواضِعِ الرَّدِيئَةِ ؟

أكْثَرُ ما في البابِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قَدْ يُهَيَّأُ لَهُ أسْبابُ التَّنَعُّمِ فامْتِناعُهُ عَنْها مَعَ تَهْيِئَتِها لَهُ أشَقُّ، ولَكِنَّهُ مُعارَضٌ بِما أنَّ أسْبابَ البَلاءِ مُجْتَمِعَةٌ عَلى البَشَرِ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ اجْتِماعِها عَلَيْهِمْ يَرْضَوْنَ بِقَضاءِ اللَّهِ ولا تُغَيُّرُهم تِلْكَ المِحَنُ والآفاتُ عَنِ الخُشُوعِ لَهُ والمُواظَبَةِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في العُبُودِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الخَدَمَ والعَبِيدَ تَطِيبُ قُلُوبُهم بِالخِدْمَةِ حالَ ما يَجِدُونَ مِنَ النِّعَمِ والرَّفاهِيَةِ ولا يَصْبِرُ أحَدٌ مِنهم حالَ المَشَقَّةِ عَلى الخِدْمَةِ إلّا مَن كانَ في نِهايَةِ الإخْلاصِ فَما ذَكَرُوهُ بِالعَكْسِ أوْلى، أمّا قَوْلُهُ: والمُواظَبَةُ عَلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ العِبادَةِ شاقٌّ، قُلْنا هَذا مُعارَضٌ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنَّهم لَمّا

صفحة ٢٠٠

اعْتادُوا نَوْعًا واحِدًا مِنَ العِبادَةِ صارُوا كالمَجْبُورِينَ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي لا يَقْدِرُونَ عَلى خِلافِهِ عَلى ما قِيلَ: العادَةُ طَبِيعَةٌ خامِسَةٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ النَّوْعُ في نِهايَةِ السُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الوِصالِ في الصَّوْمِ، وقالَ ”«أفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ» “ وهو أنْ يَصُومَ يَوْمًا ويُفْطِرَ يَوْمًا.

وثالِثُها: قالُوا: عِباداتُ المَلائِكَةِ أدْوَمُ فَكانَتْ أفْضَلَ، بَيانُ أنَّها أدْوَمُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] وعَلى هَذا لَوْ كانَتْ أعْمارُهم مُساوِيَةً لِأعْمارِ البَشَرِ لَكانَتْ طاعاتُهم أدْوَمَ وأكْثَرَ فَكَيْفَ ولا نِسْبَةَ لَعُمْرِ كُلِّ البَشَرِ إلى عُمَرِ المَلائِكَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في بابِ صِفاتِ المَلائِكَةِ، وعَلى هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ: رُوِيَ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ: قُلْتُ لِكَعْبٍ أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ثُمَّ قالَ ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطِرٍ: ١] أفَلا تَكُونُ الرِّسالَةُ مانِعَةً لَهم عَنْ هَذا التَّسْبِيحِ ؟ وأيْضًا قالَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦١] فَكَيْفَ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِاللَّعْنِ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ ؟ أجابَ كَعْبُ الأحْبارِ، فَقالَ: التَّسْبِيحُ لَهم كالتَّنَفُّسِ لَنا فَكَما أنَّ اشْتِغالَنا بِالتَّنَفُّسِ لا يَمْنَعُنا مِنَ الكَلامِ فَكَذَلِكَ اشْتِغالُنا بِالتَّسْبِيحِ لا يَمْنَعُهم مِن سائِرِ الأعْمالِ.

وأقُولُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الِاشْتِغالُ بِالتَّنَفُّسِ إنَّما لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ آلَةَ التَّنَفُّسِ غَيْرُ آلَةِ الكَلامِ أمّا اللَّعْنُ والتَّسْبِيحُ فَهُما مِن جِنْسِ الكَلامِ فاجْتِماعُهُما في الآيَةِ الواحِدَةِ مُحالٌ، والجَوابُ الأوَّلُ: أيُّ اسْتِبْعادٍ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهم ألْسُنًا كَثِيرَةً يُسَبِّحُونَ اللَّهَ تَعالى بِبَعْضِها ويَلْعَنُونَ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى بِالبَعْضِ الآخَرِ.

والجَوابُ الثّانِي: اللَّعْنُ هو الطَّرْدُ والتَّبْعِيدُ، والتَّسْبِيحُ هو الخَوْضُ في ثَناءِ اللَّهِ تَعالى ولا شَكَّ أنَّ ثَناءَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ تَبْعِيدَ مَنِ اعْتَقَدَ في اللَّهِ ما لا يَنْبَغِي فَكانَ ذَلِكَ اللَّعْنُ مِن لَوازِمِهِ.

والجَوابُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٠] مَعْناهُ أنَّهم لا يَفْتُرُونَ عَنِ العَزْمِ عَلى أدائِهِ في أوْقاتِهِ اللّائِقَةِ بِهِ كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا مُواظِبٌ عَلى الجَماعاتِ لا يَفْتُرُ عَنْها لا يُرادُ بِهِ أنَّهُ أبَدًا مُشْتَغِلٌ بِها بَلْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ مُواظِبٌ عَلى العَزْمِ أبَدًا عَلى أدائِها في أوْقاتِها، وإذا ثَبَتَ أنَّ عِبادَتَهم أدَوْمُ وجَبَ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ.

أمّا أوَّلًا؛ فَلِأنَّ الأدْوَمَ أشَقُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في الحُجَّةِ الثّانِيَةِ، وأما ثانِيًا: فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أفْضَلُ العِبادِ مَن طالَ عُمْرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ» والمَلائِكَةُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أطْوَلُ العِبادِ أعْمارًا وأحْسَنُهم أعْمالًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ العِبادِ؛ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ”«الشَّيْخُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ» “ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في البَشَرِ كالنَّبِيِّ في الأُمَّةِ وذَلِكَ يُوجِبُ فَضْلَهم عَلى البَشَرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском