Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:34

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:34, continued

الحُجَّةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ أحْوالِهِمُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ ولَوْ كانَ في الخَلْقِ طائِفَةٌ أُخْرى قِيامُهم وتَضَرُّعُهم أقْوى مِنَ الإنْباءِ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ مِن قِيامِهِمْ لَكانَ ذِكْرُهم أوْلى في هَذا المَقامِ، ثُمَّ كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظَمَةَ ذاتِهِ في الآخِرَةِ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ فَكَذا بَيَّنَ عَظَمَتَهُ في الدُّنْيا بِذِكْرِ المَلائِكَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٧٥] ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أزْيَدُ حالًا مِنَ البَشَرِ في بَعْضِ الأُمُورِ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنَّ تِلْكَ الحالَةَ هي قُوَّتُهم وشِدَّتُهم وبَطْشُهم، وهَذا كَما يُقالُ إنَّ السُّلْطانَ لَمّا جَلَسَ وقَفَ حَوْلَ سَرِيرِهِ مُلُوكُ أطْرافِ العالَمِ خاضِعِينَ خاشِعِينَ، فَإنَّ عَظَمَةَ السُّلْطانِ إنَّما تُشْرَحُ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنْ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْرَمُ عِنْدَ السُّلْطانِ مِن ولَدِهِ فَكَذا هَهُنا.

الحُجَّةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥]

صفحة ٢٠٧

فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ في صِحَّةِ الإيمانِ بِهَذِهِ الأشْياءِ ثُمَّ بَدَأ بِنَفْسِهِ وثَنّى بِالمَلائِكَةِ وثَلَّثَ بِالكُتُبِ، ورَبَّعَ بِالرُّسُلِ وكَذا في قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحْزابِ: ٥٦] والتَّقْدِيمُ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى التَّقْدِيمِ في الدَّرَجَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ تَقْدِيمَ الأدْوَنِ عَلى الأشْرَفِ في الذِّكْرِ قَبِيحٌ عُرْفًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبِيحًا شَرْعًا، أمّا أنَّهُ قَبِيحٌ عُرْفًا؛ فَلِأنَّ الشّاعِرَ قالَ:

عُمَيْرَةَ ودِّعْ إنْ تَجَهَّزْتَ غادِيًا كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ قَدَّمْتَ السَّلامَ لَأجَزْتُكَ، ولِأنَّهم لَمّا كَتَبُوا كِتابَ الصُّلْحِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ وقَعَ التَّنازُعُ في تَقْدِيمِ الِاسْمِ، وكَذا في كِتابِ الصُّلْحِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الشَّرَفِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ في العُرْفِ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ في الشَّرْعِ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ» “ فَثَبَتَ أنَّ تَقْدِيمَ المَلائِكَةِ عَلى الرُّسُلِ في الذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِهِمْ في الفَضْلِ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذِهِ الحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِمادَ إنْ كانَ عَلى الواوِ، فالواوُ لا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وإنْ كانَ عَلى التَّقْدِيمِ في الذِّكْرِ يَنْتَقِضُ بِتَقْدِيمِ سُورَةِ تَبَّتْ عَلى سُورَةِ: قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ.

الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحْزابِ: ٥٦] فَجَعَلَ صَلَواتِ المَلائِكَةِ كالتَّشْرِيفِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ أشْرَفَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحْزابِ: ٥٦] فَأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ولَمْ يَلْزَمْ كَوْنُ المُؤْمِنِينَ أفْضَلَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَذا في المَلائِكَةِ.

الحُجَّةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنْ نَتَكَلَّمَ في جِبْرِيلَ ومُحَمَّدٍ ﷺ فَنَقُولُ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩-٢٢] وصَفَ اللَّهُ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسِتٍّ مِن صِفاتِ الكَمالِ، أحَدُها: كَوْنُهُ رَسُولًا لِلَّهِ.

وثانِيها: كَوْنُهُ كَرِيمًا عَلى اللَّهِ تَعالى.

وثالِثُها: كَوْنُهُ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، وقُوَّتُهُ عِنْدَ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا قُوَّتَهُ عَلى الطّاعاتِ بِحَيْثُ لا يَقْوى عَلَيْها غَيْرُهُ.

ورابِعُها: كَوْنُهُ مَكِينًا عِنْدَ اللَّهِ. وخامِسُها: كَوْنُهُ مُطاعًا في عالَمِ السَّماواتِ، وسادِسُها: كَوْنُهُ أمِينًا في كُلِّ الطّاعاتِ مُبَرَّأً عَنْ أنْواعِ الخِياناتِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ وصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ العالِيَةِ وصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٢] ولَوْ كانَ مُحَمَّدٌ مُساوِيًا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صِفاتِ الفَضْلِ أوْ مُقارِنًا لَهُ لَكانَ وصْفُ مُحَمَّدٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ وصْفِ جِبْرِيلَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ نَقْصًا مِن مَنصِبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَحْقِيرًا لِشَأْنِهِ وإبْطالًا لِحَقِّهِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المَنزِلَةِ إلّا مِقْدارُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نِسْبَةَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩] صِفَةً لِمُحَمَّدٍ لا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، قُلْنا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٣] يُبْطِلُ ذَلِكَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا تَوافَقْنا جَمِيعًا عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَضائِلُ أُخْرى سِوى كَوْنِهِ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وأنَّ اللَّهَ تَعالى ما ذَكَرَ شَيْئًا مِن تِلْكَ الفَضائِلِ في هَذا المَوْضِعِ، فَإذَنْ

صفحة ٢٠٨

عَدَمُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى تِلْكَ الفَضائِلَ هَهُنا لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِها بِالإجْماعِ، أوْ إذا ثَبَتَ أنَّ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضائِلَ سِوى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ هَهُنا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ تِلْكَ الفَضائِلِ الَّتِي هي غَيْرُ مَذْكُورَةٍ هَهُنا يَكُونُ أفْضَلَ مِن جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كَما وصَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَهُنا بِهَذِهِ الصِّفاتِ السِّتِّ وصَفَ مُحَمَّدًا ﷺ أيْضًا بِصِفاتٍ سِتٍّ وهي قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٥، ٤٦] فالوَصْفُ الأوَّلُ: كَوْنُهُ نَبِيًّا والثّانِي: كَوْنُهُ رَسُولًا، والثّالِثُ: كَوْنُهُ شاهِدًا، والرّابِعُ: كَوْنُهُ مُبَشِّرًا والخامِسُ: كَوْنُهُ نَذِيرًا، والسّادِسُ: كَوْنُهُ داعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى بِإذْنِهِ، والسّابِعُ: كَوْنُهُ سِراجًا، والثّامِنُ: كَوْنُهُ مُنِيرًا وبِالجُمْلَةِ فَإفْرادُ أحَدِ الشَّخْصَيْنِ بِالوَصْفِ لا يَدُلُّ البَتَّةَ عَلى انْتِفاءِ تِلْكَ الأوْصافِ عَنِ الثّانِي.

* * *

الحُجَّةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: المَلَكُ أعْلَمُ مِنَ البَشَرِ، والأعْلَمُ أفْضَلُ فالمَلَكُ أفْضَلُ إنَّما قُلْنا إنَّ المَلَكَ أعْلَمُ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُعَلِّمًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النَّجْمِ: ٥] والمُعَلِّمُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أعْلَمَ مِنَ المُتَعَلِّمِ، وأيْضًا فالعُلُومُ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: العُلُومُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إلَيْها بِالعُقُولِ كالعِلْمِ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، فَلا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّقْصِيرِ فِيها لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا لِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ التَّقْصِيرَ في ذَلِكَ جَهْلٌ وهو قادِحٌ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا العِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى وما فِيها مِنَ العَجائِبِ، والعِلْمُ بِأحْوالِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ واللَّوْحِ والقَلَمِ والجَنَّةِ والنّارِ وطِباقِ السَّماواتِ وأصْنافِ المَلائِكَةِ وأنْواعِ الحَيَواناتِ في المَغاوِرِ والجِبالِ والبِحارِ فَلا شَكَّ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْلَمُ بِها؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْوَلُ عُمْرًا وأكْثَرُ مُشاهَدَةً لَها فَكانَ عِلْمُهُ بِها أكْثَرَ وأتَمَّ.

وثانِيها: العُلُومُ الَّتِي لا يُتَوَصَّلُ إلَيْها إلّا بِالوَحْيِ لا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا لِسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلّا مِن جِهَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَضِيلَةٌ فِيها عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو كانَ الواسِطَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، فَكانَ عالِمًا بِكُلِّ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ والحاضِرَةِ، وهو أيْضًا عالِمٌ بِشَرائِعِ المَلائِكَةِ وتَكالِيفِهِمْ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ عالِمًا بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أكْثَرَ عِلْمًا مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٩] . ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهم أعْلَمُ مِنَ البَشَرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْثَرُ عِلْمًا مِنهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياآدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ ثُمَّ إنْ سَلَّمْنا مَزِيدَ عِلْمِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يَقْتَضِي كَثْرَةَ الثَّوابِ، فَإنّا نَرى الرَّجُلَ المُبْتَدِعَ مُحِيطًا بِكَثِيرٍ مِن دَقائِقِ العِلْمِ ولا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الثَّوابِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ثَوابُهُ أكْثَرَ وسَبَبُهُ ما نَبَّهْنا مِرارًا عَلَيْهِ أنَّ كَثْرَةَ الثَّوابِ إنَّما تَحْصُلُ بِحَسَبِ الإخْلاصِ في الأفْعالِ، ولَمْ نَعْلَمْ أنَّ إخْلاصَ المَلائِكَةِ أكْثَرُ.

الحُجَّةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٩]

صفحة ٢٠٩

فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في التَّرَفُّعِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إلى أنَّهم لَوْ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَما خالَفُوهُ إلّا بِادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لا بِشَيْءٍ آخَرَ مِن مُتابَعَةِ الشَّهَواتِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نِهايَةِ جَلالِهِمْ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نِزاعَ في نِهايَةِ جَلالِهِمْ، أمّا قَوْلُهُ: إنَّهم بَلَغُوا في التَّرَفُّعِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إلى حَيْثُ لَوْ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَما خالَفُوهُ إلّا في ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ فَهَذا مُسَلَّمٌ وذَلِكَ لَأنَّ عُلُومَهم كَثِيرَةٌ وقُواهم شَدِيدَةٌ، وهم مُبَرَّءُونَ عَنْ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَوْ خالَفَ أمْرَ اللَّهِ لَمْ يُخالِفْ إلّا في هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أكْثَرُ ثَوابًا مِنَ البَشَرِ ؟ فَإنَّ مَحَلَّ الخِلافِ لَيْسَ إلّا ذاكَ.

الحُجَّةُ العِشْرُونَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رِوايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«وإذا ذَكَرَنِي عَبْدِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِن مَلَئِهِ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلَأ الأعْلى أشْرَفُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا خَيْرٌ واحِدٌ وأيْضًا فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَلَأ المَلائِكَةِ أفْضَلُ مِن مَلَأِ البَشَرِ، ومَلَأُ البَشَرِ عِبارَةٌ عَنِ العَوامِّ لا عَنِ الأنْبِياءِ فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ المَلَكِ أفْضَلَ مِن عامَّةِ البَشَرِ كَوْنُهم أفْضَلَ مِنَ الأنْبِياءِ، هَذا آخِرُ الكَلامِ في الدَّلائِلِ النَّقْلِيَّةِ، واعْلَمْ أنَّ الفَلاسِفَةَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأرْواحَ السَّماوِيَّةَ المُسَمّاةَ بِالمَلائِكَةِ أفْضَلُ مِنَ الأرْواحِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ واعْتَمَدُوا في هَذا البابِ عَلى وُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ نَحْنُ نَذْكُرُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

الحُجَّةُ الأُولى: قالُوا: المَلائِكَةُ ذَواتُها بَسِيطَةٌ مُبَرَّأةٌ عَنِ الكَثْرَةِ والبَشَرُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ والبَدَنِ والنَّفْسُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ القُوى الكَثِيرَةِ والبَدَنُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأجْزاءِ الكَثِيرَةِ، والبَسِيطُ خَيْرٌ مِنَ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ أسْبابَ العَدَمِ لِلْمُرَكَّبِ أكْثَرُ مِنها لِلْبَسِيطِ؛ ولِذَلِكَ فَإنَّ فَرْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى مِن صِفاتِ جَلالِهِ ونُعُوتِ كِبْرِيائِهِ.

الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ البَسِيطَ أشْرَفُ مِنَ المُرَكَّبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جانِبَ الرُّوحانِيِّ أمْرٌ واحِدٌ، وجانِبَ الجُسْمانِيِّ أمْرانِ رُوحُهُ وجِسْمُهُ فَهو مِن حَيْثُ الرُّوحِ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ والأنْوارِ، ومِن حَيْثُ الجَسَدِ مِن عالَمِ الأجْسادِ فَهو لِكَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الرُّوحانِيِّ الصِّرْفِ والجُسْمانِيِّ الصِّرْفِ، وهَذا هو السِّرُّ في أنْ جَعَلَ البَشَرَ الأوَّلَ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ ومِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ المَلَكِيَّةَ مُجَرَّداتٌ مُفارِقَةٌ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، فَكَأنَّ اسْتِغْراقَها في مَقاماتِها النُّورانِيَّةِ عاقَها عَنْ تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ الجَسَدانِيِّ، أمّا النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَإنَّها قَوِيَتْ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ العالَمَيْنِ فَلا دَوامَ تَرَقِّيها في مَعارِجِ المَعارِفِ وعَوالِمِ القُدْسِ يَعُوقُها عَنْ تَدْبِيرِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ولا التِفاتُها إلى مَناظِمِ عالَمِ الأجْسامِ يَمْنَعُها عَنِ الِاسْتِكْمالِ في عالَمِ الأرْواحِ، فَكانَتْ قُوَّتُها وافِيَةً بِتَدْبِيرِ العالَمَيْنِ مُحِيطَةً بِضَبْطِ الجِنْسَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أشْرَفَ وأعْظَمَ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَنشَأُ سَفْكِ الدِّماءِ، والأرْواحُ البَشَرِيَّةُ مَقْرُونَةٌ بِها والخالِي عَنْ مَنبَعِ الشَّرِّ أشْرَفُ مِنَ المُبْتَلى بِهِ.

الِاعْتِراضُ: لا شَكَّ أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الخِدْمَةِ مَعَ كَثْرَةِ المَوانِعِ والعَوائِقِ أدَلُّ عَلى الإخْلاصِ مِنَ المُواظَبَةِ عَلَيْها مِن غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ العَوائِقِ والمَوانِعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَقامَ البَشَرِ في المَحَبَّةِ أعْلى وأكْمَلُ، وأيْضًا فالرُّوحانِيّاتُ لَمّا أطاعَتْ خالِقَها لَمْ تَكُنْ طاعَتُها مُوجِبَةً قَهْرَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ، أمّا الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ لَمّا أطاعَتْ خالِقَها لَزِمَ مِن تِلْكَ الطّاعَةِ قَهْرُ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ وهي شَياطِينُ الإنْسِ فَكانَتْ طاعاتُهم أكْمَلَ، وأيْضًا فَمِنَ الظّاهِرِ أنَّ دَرَجاتِ الرُّوحانِيّاتِ حِينَ قالَتْ: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ أكْمَلُ مِن دَرَجاتِهِمْ حِينَ قالَتْ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ وما ذاكَ إلّا بِسَبَبِ الِانْكِسارِ الحاصِلِ مِنَ الزَّلَّةِ، وهَذا في البَشَرِ أكْمَلُ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِكايَةً عَنْ رَبِّهِ تَعالى: ”«لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ» “

صفحة ٢١٠

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الرُّوحانِيّاتُ مُبَرَّأةٌ عَنْ طَبِيعَةِ القُوَّةِ فَإنَّ كُلَّ ما كانَ مُمْكِنًا لَها بِحَسَبِ أنْواعِها الَّتِي في أشْخاصِها فَقَدْ خَرَجَ إلى الفِعْلِ، والأنْبِياءُ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم» “ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشُّورى: ٥٢] ولا شَكَّ أنَّ ما بِالفِعْلِ التّامِّ أشْرَفُ مِمّا بِالقُوَّةِ.

الِاعْتِراضُ: لا نُسَلِّمُ أنَّها بِالفِعْلِ التّامِّ فَلَعَلَّها بِالقُوَّةِ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ تَحْرِيكاتِها لِلْأفْلاكِ لِأجْلِ اسْتِخْراجِ التَّعَقُّلاتِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ وهَذِهِ التَّحْرِيكاتُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالتَّحْرِيكاتِ العارِضَةِ لِلْأرْواحِ الحامِلَةِ لِقُوى الفِكْرِ والتَّخَيُّلِ عِنْدَ مُحاوَلَةِ اسْتِخْراجِ التَّعَقُّلاتِ الَّتِي هي بِالقُوَّةِ إلى الفِعْلِ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: الرُّوحانِيّاتُ أبَدِيَّةُ الوُجُودِ مُبَرَّأةٌ عَنْ طَبِيعَةِ التَّغَيُّرِ، والقُوَّةُ والنُّفُوسُ النّاطِقَةُ البَشَرِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

الِاعْتِراضُ: المُقَدِّمَتانِ مَمْنُوعَتانِ ألَيْسَ أنَّ الرُّوحانِيّاتِ مُمْكِنَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها واجِبَةُ الوُجُودِ بِمادَّتِها فَهي مُحْدَثَةٌ سَلَّمْنا ذَلِكَ، فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ حادِثَةٌ، بَلْ هي عِنْدَ بَعْضِهِمْ أزَلِيَّةٌ وهَؤُلاءِ قالُوا: هَذِهِ الأرْواحُ كانَتْ سَرْمَدِيَّةً مَوْجُودَةً كالأظْلالِ تَحْتَ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ إلّا أنَّ المُبْدِئَ الأوَّلَ أمَرَها حَتّى نَزَلَتْ إلى عالَمِ الأجْسامِ وسَكَناتِ المَوادِّ، فَلَمّا تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الأجْسامِ عَشِقَتْها، واسْتَحْكَمَ إلْفُها بِها فَبَعَثَ مِن تِلْكَ الأظْلالِ أكْمَلَها وأشْرَفَها إلى هَذا العالَمِ لِيَحْتالَ في تَخْلِيصِ تِلْكَ الأرْواحِ عَنْ تِلْكَ السَّكَناتِ، وهَذا هو المُرادُ مِن بابِ الحَمامَةِ المُطَوَّقَةِ المَذْكُورَةِ في كِتابِ ”كَلَيْلَةَ ودِمْنَةَ“ .

* * *

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: الرُّوحانِيّاتُ نُورانِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ لَطِيفَةٌ، والجُسْمانِيّاتُ ظُلْمانِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ كَثِيفَةٌ، وبِدائِيَّةُ العُقُولِ تَشْهَدُ بِأنَّ النُّورَ أشْرَفُ مِنَ الظُّلْمَةِ، والعُلْوِيَّ خَيْرٌ مِنَ السُّفْلِيِّ، واللَّطِيفَ أكْمَلُ مِنَ الكَثِيفِ.

الِاعْتِراضُ: هَذا كُلُّهُ إشارَةٌ إلى المادَّةِ وعِنْدَنا سَبَبُ الشَّرَفِ الِانْقِيادُ لِأمْرِ رَبِّ العالَمِينَ عَلى ما قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ وادِّعاءُ الشَّرَفِ بِسَبَبِ شَرَفِ المادَّةِ هو حُجَّةُ اللَّعِينِ الأوَّلِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ ما قِيلَ.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: الرُّوحانِيّاتُ السَّماوِيَّةُ فَضَلَتِ الجُسْمانِيّاتِ بِقُوى العِلْمِ والعَمَلِ، أمّا العِلْمُ فَلِاتِّفاقِ الحُكَماءِ عَلى إحاطَةِ الرُّوحانِيّاتِ السَّماوِيَّةِ بِالمُغَيَّباتِ واطِّلاعِها عَلى مُسْتَقْبَلِ الأُمُورِ، وأيْضًا فَعُلُومُهم فِعْلِيَّةٌ فِطْرِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ دائِمَةٌ. وعُلُومُ البَشَرِ عَلى الضِّدِّ في كُلِّ ذَلِكَ، وأمّا العَمَلُ فَلِأنَّهم مُواظِبُونَ عَلى الخِدْمَةِ دائِمًا يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ لا يَلْحَقُهم نَوْمُ العُيُونِ ولا سَهْوُ العُقُولِ، ولا غَفْلَةُ الأبْدانِ، طَعامُهُمُ التَّسْبِيحُ وشَرابُهُمُ التَّقْدِيسُ والتَّحْمِيدُ والتَّهْلِيلُ وتَنَفُّسُهم بِذِكْرِ اللَّهِ وفَرْحَتُهم بِخِدْمَةِ اللَّهِ، مُتَجَرِّدُونَ مِنَ العَلائِقِ البَدَنِيَّةِ غَيْرُ مَحْجُوبِينَ بِشَيْءٍ مِنَ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، فَأيْنَ أحَدُ القِسْمَيْنِ مِنَ الآخَرِ ؟ .

الِاعْتِراضُ: لا نِزاعَ في كُلِّ ما ذَكَرْتُمُوهُ إلّا أنَّ هَهُنا دَقِيقَةً وهي أنَّ المُواظِبَ عَلى تَناوُلِ الأغْذِيَةِ اللَّطِيفَةِ لا يَلْتَذُّ بِها كَما يَلْتَذُّ المُبْتَلى بِالجُوعِ أيّامًا كَثِيرَةً، فالمَلائِكَةُ بِسَبَبِ مُواظَبَتِهِمْ عَلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ لا يَجِدُونَ مِنَ اللَّذَّةِ مِثْلَ ما يَجِدُ البَشَرُ الَّذِينَ يَكُونُونَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مَحْجُوبِينَ بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ والحُجُبِ الظُّلْمانِيَّةِ فَهَذِهِ المَزِيَّةُ مِنَ اللَّذَّةِ مِمّا يَخْتَصُّ بِها البَشَرُ، ولَعَلَّ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحْزابِ: ٧٢] فَإنَّ إدْراكَ المُلائِمِ بَعْدَ الِابْتِلاءِ بِالمُنافِي ألَذُّ مِن إدْراكِ المُلائِمِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، ولِذَلِكَ قالَتِ الأطِبّاءُ: إنَّ الحَرارَةَ في حُمّى الدِّقِّ أشَدُّ مِنها في حُمّى الغِبِّ، لَكِنَّ حَرارَةَ الحُمّى في الدِّقِّ إذا دامَتْ واسْتَقَرَّتْ بَطَلَ الشُّعُورُ بِها فَهَذِهِ الحالَةُ لَمْ تَحْصُلْ لِلْمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ

صفحة ٢١١

كَمالاتِها دائِمَةٌ ولَمْ تَحْصُلْ لِسائِرِ الأجْسامِ؛ لِأنَّها كانَتْ خالِيَةً عَنِ القُوَّةِ المُسْتَعِدَّةِ لِإدْراكِ المُجَرَّداتِ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّنْ يَقْوى عَلى تَحَمُّلِ هَذِهِ الأمانَةِ إلّا البَشَرُ.

الحُجَّةُ السّابِعَةُ: الرُّوحانِيّاتُ لَهم قُوَّةٌ عَلى تَصْرِيفِ الأجْسامِ وتَقْلِيبِ الأجْرامِ، والقُوَّةُ الَّتِي هي لَهم لَيْسَتْ مِن جِنْسِ القُوى المِزاجِيَّةِ حَتّى يَعْرِضَ لَها كَلالٌ ولُغُوبٌ، ثُمَّ إنَّكَ تَرى الخامَةَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الزَّرْعِ في بَدْءِ نُمُوِّها تَفْتَقُ الحَجَرَ وتَشُقُّ الصَّخْرَ، وما ذاكَ إلّا لِقُوَّةٍ نَباتِيَّةٍ فاضَتْ عَلَيْها مِن جَواهِرِ القُوى السَّماوِيَّةِ فَما ظَنُّكَ بِتِلْكَ القُوى السَّماوِيَّةِ، والرُّوحانِيّاتُ هي الَّتِي تَتَصَرَّفُ في الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ تَقْلِيبًا وتَصْرِيفًا لا يَسْتَثْقِلُونَ حَمْلَ الأثْقالِ ولا يَسْتَصْعِبُونَ تَحْرِيكَ الجِبالَ، فالرِّياحُ تَهُبُّ بَتَحْرِيكاتِها والسَّحابُ تَعْرِضُ وتَزُولُ بِتَصْرِيفِها، وكَذا الزَّلازِلُ تَقَعُ في الجِبالِ بِسَبَبٍ مِن جِهَتِها، والشَّرائِعُ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤] والعُقُولُ أيْضًا دالَّةٌ عَلَيْهِ والأرْواحُ السُّفْلِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَأيْنَ أحَدُ القِسْمَيْنِ مِنَ الآخَرِ.

والَّذِي يُقالُ إنَّ الشَّياطِينَ الَّتِي هي الأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلا نِزاعَ في أنَّ قُدْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى ذَلِكَ أشَدُّ وأكْمَلُ؛ ولِأنَّ الأرْواحَ الطَّيِّبَةَ المَلَكِيَّةَ تَصْرِفُ قُواها إلى مَناظِمِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ ومَصالِحِها، والأرْواحَ الخَبِيثَةَ تَصْرِفُ قُواها إلى الشُّرُورِ، فَأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ؟

الِاعْتِراضُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَتَّفِقَ في النُّفُوسِ النّاطِقَةِ البَشَرِيَّةِ نَفْسٌ قَوِيَّةٌ كامِلَةٌ مُسْتَعْلِيَةٌ عَلى الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ بِالتَّقْلِيبِ والتَّصْرِيفِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى امْتِناعِ مِثْلِ هَذِهِ النَّفْسِ.

الحُجَّةُ الثّامِنَةُ: الرُّوحانِيّاتُ لَها اخْتِياراتٌ فائِضَةٌ مِن أنْوارِ جَلالِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُتَوَجِّهَةٌ إلى الخَيْراتِ، مَقْصُورَةٌ عَلى نِظامِ هَذا العالَمِ لا يَشُوبُها البَتَّةَ شائِبَةُ الشَّرِّ، والفَسادِ بِخِلافِ اخْتِياراتِ البَشَرِ فَإنَّها مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ جِهَتِي العُلُوِّ والسَّفالَةِ وطَرَفَيِ الخَيْرِ، ومَيْلُهم إلى الخَيْراتِ إنَّما يَحْصُلُ بِإعانَةِ المَلائِكَةِ عَلى ما ورَدَ في الأخْبارِ مِن أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ ويَهْدِيهِ.

الِاعْتِراضُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ كالمَجْبُورِينَ عَلى طاعاتِهِمْ، والأنْبِياءَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، والمُخْتارُ أفْضَلُ مِنَ المَجْبُورِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّرَدُّدَ ما دامَ يَبْقى اسْتَحالَ صُدُورُ الفِعْلِ وإذا حَصَلَ التَّرْجِيحُ التَحَقَ بِالمُوجِبِ، فَكانَ لِلْأنْبِياءِ خَيْراتٌ بِالقُوَّةِ وبِواسِطَةِ المَلائِكَةِ تَصِيرُ خَيْراتٍ بِالفِعْلِ، أمّا المَلائِكَةُ فَهم خَيْراتٌ بِالفِعْلِ فَأيْنَ هَذا مِن ذاكَ ؟ .

الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: الرُّوحانِيّاتُ مُخْتَصَّةٌ بِالهَياكِلِ وهي السَّيّاراتُ السَّبْعَةُ وسائِرُ الثَّوابِتِ، والأفْلاكُ كالأبْدانِ، والكَواكِبُ كالقُلُوبِ، والمَلائِكَةُ كالأرْواحِ فَنِسْبَةُ الأرْواحِ إلى الأرْواحِ كَنِسْبَةِ الأبْدانِ إلى الأبْدانِ، ثُمَّ إنّا نَعْلَمُ أنَّ اخْتِلافاتِ أحْوالِ الأفْلاكِ مَبادِئُ لِحُصُولِ الِاخْتِلافاتِ في أحْوالِ هَذا العالَمِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ مِن حَرَكاتِ الكَواكِبِ اتِّصالاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنَ التَّسْدِيسِ والتَّثْلِيثِ والتَّرْبِيعِ والمُقابَلَةِ والمُقارَبَةِ وكَذا مَناطِقُ الأفْلاكِ تارَةً تَصِيرُ مُنْطَبِقَةً بَعْضُها عَلى البَعْضِ، وذَلِكَ هو الرَّتْقُ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ عِمارَةُ العالَمِ وأُخْرى يَنْفَصِلُ بَعْضُها عَنِ البَعْضِ فَتَنْتَقِلُ العِمارَةُ مِن جانِبٍ مِن هَذا العالَمِ العُلْوِيِّ مُسْتَوْلِيَةً عَلى هَياكِلَ العالَمِ السُّفْلِيِّ، فَكَذا أرْواحُ العالَمِ السُّفْلِيِّ لا سِيَّما وقَدْ دَلَّتِ المَباحِثُ الحِكْمِيَّةُ والعُلُومُ الفَلْسَفِيَّةُ عَلى أنَّ أرْواحَ هَذا العالَمِ مَعْلُولاتٌ لِأرْواحِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وكِمالاتِ هَذِهِ الأرْواحِ مَعْلُولاتٌ لِكِمالاتِ تِلْكَ الأرْواحِ، ونِسْبَةُ هَذِهِ الأرْواحِ إلى تِلْكَ الأرْواحِ كالشُّعْلَةِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُرْصِ الشَّمْسِ، وكالقَطْرَةِ الصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَحْرِ الأعْظَمِ، فَهَذِهِ هي الآثارُ، وهُناكَ المَبْدَأُ، والمَعادُ فَكَيْفَ يَلِيقُ القَوْلُ بِادِّعاءِ المُساواةِ فَضْلًا عَنِ الزِّيادَةِ ؟ .

الِاعْتِراضُ: كُلُّ ما ذَكَرْتُمُوهُ

صفحة ٢١٢

مُنازَعٌ فِيهِ لَكِنْ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فالبَحْثُ باقٍ بَعْدُ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الوُصُولَ إلى اللَّذِيذِ بَعْدَ الحِرْمانِ ألَذُّ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ فَهَذِهِ الحالَةُ غَيْرُ حاصِلَةٍ إلّا لِلْبَشَرِ.

الحُجَّةُ العاشِرَةُ: قالُوا الرُّوحانِيّاتُ الفَلَكِيَّةُ مَبادِئُ لِرُوحانِيّاتِ هَذا العالَمِ ومُعادِلُها، والمَبْدَأُ أشْرَفُ مِن ذِي المَبْدَأِ؛ لِأنَّ كُلَّ كَمالٍ يَحْصُلُ لِذِي المَبْدَأِ فَهو مُسْتَفادٌ مِنَ المَبْدَأِ، والمُسْتَفِيدُ أقَلُّ حالًا مِنَ الواجِبِ، وكَذَلِكَ المَعادُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ، فَعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ عالِمُ الكَمالِ فالمَبْدَأُ مِنها والمَعادُ إلَيْها والمَصْدَرُ عَنْها والمَرْجِعُ إلَيْها، وأيْضًا فَإنَّ الأرْواحَ إنَّما نَزَلَتْ مِن عالَمِها حَتّى اتَّصَلَتْ بِالأبْدانِ فَتَوَسَّخَتْ بِأوْضارِ الأجْسامِ ثُمَّ تَطَهَّرَتْ عَنْها بِالأخْلاقِ الزَّكِيَّةِ والأعْمالِ المُرْضِيَةِ حَتّى انْفَصَلَتْ عَنْها إلى عالَمِها الأوَّلِ، فالنُّزُولُ هو النَّشْأةُ الأُولى والصُّعُودُ هو النَّشْأةُ الأُخْرى فَعُرِفَ أنَّ الرُّوحانِيّاتِ أشْرَفُ مِنَ الأشْخاصِ البَشَرِيَّةِ.

الِاعْتِراضُ: هَذِهِ الكَلِماتُ بَنَيْتُمُوها عَلى نَفْيِ المَعادِ، ونَفْيِ حَشْرِ الأجْسادِ ودُونَهُما خَرْطُ القَتادِ.

الحُجَّةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: ألَيْسَ أنَّ الأنْبِياءَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى أنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِشَيْءٍ مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ إلّا بَعْدَ الوَحْيِ فَهَذا اعْتِرافٌ بِأنَّ عُلُومَهم مُسْتَفادَةٌ مِنهم ألَيْسَ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ هُمُ الَّذِينَ يُعِينُونَهم عَلى أعْدائِهِمْ كَما في قَلْعِ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ وفي يَوْمِ بَدْرٍ، وهُمُ الَّذِينَ يَهْدُونَهم إلى مَصالِحِهِمْ كَما في قِصَّةِ نُوحٍ في نَجْرِ السَّفِينَةِ، فَإذا اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ فَمِن أيْنَ وقَعَ لَكم أنْ فَضَّلْتُمُوهم عَلى المَلائِكَةِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ فافْتِقارُهم إلَيْهِمْ في كُلِّ الأُمُورِ ؟ .

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском