Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:6

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:6

2:6Page 3

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦

Indeed, those who disbelieve1 - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ نَحْوِيَّةً، ومَسائِلَ أُصُولِيَّةً، ونَحْنُ نَأْتِي عَلَيْها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أمّا قَوْلُهُ: (إنَّ) فَفِيهِ مَسائِلُ:

(المَسْألَةُ الأُولى): اعْلَمْ أنَّ (إنَّ) حَرْفٌ، والحَرْفُ لا أصْلَ لَهُ في العَمَلِ، لَكِنَّ هَذا الحَرْفَ أشْبَهَ الفِعْلَ صُورَةً ومَعْنًى، وتِلْكَ المُشابَهَةُ تَقْتَضِي كَوْنَها عامِلَةً، وفِيهِ مُقَدِّماتٌ:

(المُقَدِّمَةُ الأُولى): في بَيانِ المُشابَهَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُشابَهَةَ حاصِلَةٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، أمّا في اللَّفْظِ فَلِأنَّها تَرَكَّبَتْ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ وانْفَتَحَ آخِرُها ولَزِمَتِ الأسْماءَ كالأفْعالِ، ويَدْخُلُها نُونُ الوِقايَةِ نَحْوَ إنَّنِي وكَأنَّنِي، كَما يَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ نَحْوَ: أعْطانِي وأكْرَمَنِي، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّها تُفِيدُ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ، وهو تَأكُّدُ مَوْصُوفِيَّتِهِ بِالخَبَرِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ، فَقَوْلُكَ: قامَ أفادَ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ.

(المُقَدِّمَةَ الثّانِيَةُ): أنَّها لَمّا أشْبَهَتِ الأفْعالَ وجَبَ أنْ تُشْبِهَها في العَمَلِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ بِناءً عَلى الدَّوَرانِ.

(المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ): في أنَّها لِمَ نَصَبَتِ الِاسْمَ ورَفَعَتِ الخَبَرَ ؟ وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا صارَتْ عامِلَةً، فَإمّا أنْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ والخَبَرَ مَعًا، أوْ تَنْصِبَهُما مَعًا، أوْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ وتَنْصِبَ الخَبَرَ وبِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ كانا قَبْلَ دُخُولِ (إنَّ) عَلَيْهِما مَرْفُوعَيْنِ، فَلَوْ بَقِيا كَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِها عَلَيْهِما لَما ظَهَرَ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ، ولِأنَّها أُعْطِيَتْ عَمَلَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَرْفَعُ الِاسْمَيْنِ، فَلا مَعْنى لِلِاشْتِراكِ، والفَرْعُ لا يَكُونُ أقْوى مِنَ الأصْلِ، والقِسْمُ الثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا أيْضًا مُخالِفٌ لِعَمَلِ الفِعْلِ، لِأنَّ الفِعْلَ لا يَنْصِبُ شَيْئًا مَعَ خُلُوِّهِ عَمّا يَرْفَعُهُ. والقِسْمُ الثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ، فَإنَّ الفِعْلَ يَكُونُ عَمَلُهُ في الفاعِلِ أوَّلًا بِالرَّفْعِ ثُمَّ في المَفْعُولِ بِالنَّصْبِ، فَلَوْ جُعِلَ الحَرْفُ هَهُنا كَذَلِكَ لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ. ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ تَعَيَّنَ القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنَّها تَنْصِبُ الِاسْمَ وتَرْفَعُ

صفحة ٣٤

الخَبَرَ، وهَذا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ دَخِيلَةٌ في العَمَلِ لا أصْلِيَّةٌ، لِأنَّ تَقْدِيمَ المَنصُوبِ عَلى المَرْفُوعِ في بابِ الفِعْلِ عُدُولٌ عَنِ الأصْلِ، فَذَلِكَ يَدُلُّ هَهُنا عَلى أنَّ العَمَلَ لِهَذِهِ الحُرُوفِ لَيْسَ بِثابِتٍ بِطَرِيقِ الأصالَةِ، بَلْ بِطَرِيقٍ عارِضٍ.

* * *

(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): قالَ البَصْرِيُّونَ: هَذا الحَرْفُ يَنْصِبُ الِاسْمَ ويَرْفَعُ الخَبَرَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: لا أثَرَ لَهُ في رَفْعِ الخَبَرِ، بَلْ هو مُرْتَفِعٌ بِما كانَ مُرْتَفِعًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. حُجَّةُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تُشْبِهُ الفِعْلَ مُشابَهَةً تامَّةً عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والفِعْلُ لَهُ تَأْثِيرٌ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ، فَهَذِهِ الحُرُوفُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. وحَجَّةُ الكُوفِيِّينَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى الخَبَرِيَّةِ باقٍ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وهو أوْلى بِاقْتِضاءِ الرَّفْعِ، فَتَكُونُ الخَبَرِيَّةُ رافِعَةً، وإذا كانَتِ الخَبَرِيَّةُ رافِعَةً اسْتَحالَ ارْتِفاعُهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ، فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ ثَلاثَةٌ: إحْداها:

قَوْلُنا: الخَبَرِيَّةُ باقِيَةٌ، وذَلِكَ ظاهِرٌ، لِأنَّ المُرادَ مِنَ الخَبَرِيَّةِ كَوْنُ الخَبَرِ مُسْنَدًا إلى المُبْتَدَأِ، وبَعْدَ دُخُولِ حَرْفِ ”إنَّ“ عَلَيْهِ فَذاكَ الإسْنادُ باقٍ.

وثانِيها: قَوْلُنا: الخَبَرِيَّةُ هَهُنا مُقْتَضِيَةٌ لِلرَّفْعِ: وذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرِيَّةَ كانَتْ قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“ مُقْتَضِيَةً لِلرَّفْعِ، ولَمْ يَكُنْ عَدَمُ الحَرْفِ هُناكَ جُزْءًا مِنَ المُقْتَضى؛ لِأنَّ العَدَمَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ العِلَّةِ، فَبَعْدَ دُخُولِ هَذِهِ الحُرُوفِ كانَتِ الخَبَرِيَّةُ مُقْتَضِيَةً لِلرَّفْعِ، لِأنَّ المُقْتَضى بِتَمامِهِ لَوْ حَصَلَ ولَمْ يُؤَثِّرْ لَكانَ ذَلِكَ لِمانِعٍ، وهو خِلافُ الأصْلِ.

وثالِثُها: قَوْلُنا: الخَبَرِيَّةُ أوْلى بِالِاقْتِضاءِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَهُ خَبَرًا وصْفٌ حَقِيقِيٌّ قائِمٌ بِذاتِهِ، وذَلِكَ الحَرْفُ أجْنَبِيٌّ مُبايِنٌ عَنْهُ، وكَما أنَّهُ مُبايِنٌ عَنْهُ فَغَيْرُ مُجاوِرٍ لَهُ؛ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَخَلَّلُهُما.

الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ يُشابِهُ الفِعْلَ مُشابَهَةً حَقِيقِيَّةً مَعْنَوِيَّةً، وهو كَوْنُ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما مُسْنَدًا إلى الغَيْرِ، أمّا الحَرْفُ فَإنَّهُ لا يُشابِهُ الفِعْلَ في وصْفٍ حَقِيقِيٍّ مَعْنَوِيٍّ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْنادٌ، فَكانَتْ مُشابَهَةُ الخَبَرِ لِلْفِعْلِ أقْوى مِن مُشابَهَةِ هَذا الحَرْفِ لِلْفِعْلِ، فَإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَتِ الخَبَرِيَّةُ بِاقْتِضاءِ الرَّفْعِ لِأجْلِ مُشابَهَةِ الفِعْلِ أوْلى مِنَ الحَرْفِ بِسَبَبِ مُشابَهَتِهِ لِلْفِعْلِ.

ورابِعُها: لَمّا كانَتِ الخَبَرِيَّةُ أقْوى في اقْتِضاءِ الرَّفْعِ اسْتَحالَ كَوْنُ هَذا الحَرْفِ رافِعًا، لِأنَّ الخَبَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الحَرْفِ أوْلى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الحُكْمُ بِالخَبَرِيَّةِ قَبْلَ حُصُولِ هَذا الحَرْفِ، فَبَعْدَ وُجُودِ هَذا الحَرْفِ لَوْ أُسْنِدَ هَذا الحُكْمُ إلَيْهِ لَكانَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ، وهو مُحالٌ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ سِيبَوَيْهِ وافَقَ عَلى أنَّ الحَرْفَ غَيْرُ أصْلٍ في العَمَلِ، فَيَكُونُ إعْمالُهُ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وما ثَبَتَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ. والضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِإعْمالِها في الِاسْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُعْمِلَها في الخَبَرِ.

* * *

(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): رَوى الأنْبارِيُّ أنَّ الكِنْدِيَّ المُتَفَلْسِفَ رَكِبَ إلى المُبَرِّدِ، وقالَ: إنِّي أجِدُ في كَلامِ العَرَبِ حَشْوًا، أجِدُ العَرَبَ تَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ، ثُمَّ تَقُولُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ، ثُمَّ تَقُولُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ، فَقالَ المُبَرِّدُ: بَلِ المَعانِي مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلافِ الألْفاظِ، فَقَوْلُهم: عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ إخْبارٌ عَنْ قِيامِهِ، وقَوْلُهم: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ، وقَوْلُهم: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ جَوابٌ عَنْ إنْكارِ مُنْكِرٍ لِقِيامِهِ، واحْتَجَّ عَبْدُ القاهِرِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأنَّها إنَّما تُذْكَرُ جَوابًا لِسُؤالِ السّائِلِ بِأنْ قالَ: إنّا رَأيْناهم قَدْ ألْزَمُوها الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ إذا كانَ جَوابًا لِلْقَسَمِ نَحْوَ: واللَّهِ إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْزِيلِ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكَهْفِ: ٨٣] وقَوْلُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ١٣] وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢١٦] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ٥٦] وقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحَجِّ: ٨٩]

صفحة ٣٥

وأشْباهُ ذَلِكَ مِمّا يُعْلَمُ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ بِهِ الكُفّارَ في بَعْضِ ما جادَلُوا ونَظَرُوا فِيهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٦] وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٠٤] وفي قِصَّةِ السَّحَرَةِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٥] إذْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ جَوابُ فِرْعَوْنَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ﴾ [طه: ٧١] وقالَ عَبْدُ القاهِرِ: والتَّحْقِيقُ أنَّها لِلتَّأْكِيدِ، وإذا كانَ الخَبَرُ بِأمْرٍ لَيْسَ لِلْمُخاطَبِ ظَنٌّ في خِلافِهِ لَمْ يُحْتَجْ هُناكَ إلى ”إنَّ“، وإنَّما يُحْتاجُ إلَيْها إذا كانَ السّامِعُ ظَنَّ الخِلافَ، ولِذَلِكَ تَراها تَزْدادُ حُسْنًا إذا كانَ الخَبَرُ بِأمْرٍ يَبْعُدُ مِثْلُهُ، كَقَوْلِ أبِي نُواسٍ:

فَعَلَيْكَ بِاليَأْسِ مِنَ النّاسِ إنَّ غِنى نَفْسِكَ في الياسِ

وإنَّما حَسُنَ مَوْقِعُها؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ النّاسَ لا يَحْمِلُونَ أنْفُسَهم عَلى اليَأْسِ. وأمّا جَعْلُها مَعَ اللّامِ جَوابًا لِلْمُنْكِرِ في قَوْلِكَ: ”إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ“ فَجَيِّدٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الكَلامُ مَعَ المُنْكَرِ كانَتِ الحاجَةُ إلى التَّأْكِيدِ أشَدَّ، وكَما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإنْكارُ مِنَ السّامِعِ احْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الحاضِرِينَ. واعْلَمْ أنَّها قَدْ تَجِيءُ إذا ظَنَّ المُتَكَلِّمُ في الَّذِي وجَدَ أنَّهُ لا يُوجَدُ مِثْلُ قَوْلِكَ: إنَّهُ كانَ مِنِّي إلَيْهِ إحْسانٌ فَعامَلَنِي بِالسُّوءِ، فَكَأنَّكَ تَرُدُّ عَلى نَفْسِكَ ظَنَّكَ الَّذِي ظَنَنْتَ، وتُبَيِّنُ الخَطَأ في الَّذِي تَوَهَّمْتَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٦] وكَذَلِكَ قَوْلُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشُّعَراءِ: ١١٧] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

) المَسْألَةُ الأُولى ): اعْلَمْ أنَّهُ صَعْبٌ عَلى المُتَكَلِّمِينَ ذِكْرُ حَدِّ الكُفْرِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ كُلَّ ما يُنْقَلُ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ وقالَ بِهِ فَإمّا أنْ يُعْرَفَ صِحَّةُ ذَلِكَ النَّقْلِ بِالضَّرُورَةِ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ أوْ بِخَبَرِ الواحِدِ. أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ فَمَن صَدَّقَهُ في كُلِّ ذَلِكَ فَهو مُؤْمِنٌ، ومَن لَمْ يُصَدِّقْهُ في ذَلِكَ، فَإمّا بِأنْ لا يُصَدِّقَهُ في جَمِيعِها، أوْ بِأنْ لا يُصَدِّقَهُ في البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، فَذَلِكَ هو الكافِرُ، فَإذَنِ الكُفْرُ عَدَمُ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ في شَيْءٍ مِمّا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ، ومِثالُهُ مَن أنْكَرَ وُجُودَ الصّانِعِ، أوْ كَوْنَهُ عالِمًا قادِرًا مُخْتارًا، أوْ كَوْنَهُ واحِدًا، أوْ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، أوْ أنْكَرَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوْ صِحَّةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، أوْ أنْكَرَ الشَّرائِعَ الَّتِي عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ كَوْنَها مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَوُجُوبِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وحُرْمَةِ الرِّبا والخَمْرِ، فَذَلِكَ يَكُونُ كافِرًا؛ لِأنَّهُ تَرَكَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ فِيما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ مِن دِينِهِ. فَأمّا الَّذِي عُرِفَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ مِن دِينِهِ مِثْلُ كَوْنِهِ عالِمًا بِالعِلْمِ أوْ لِذاتِهِ، وأنَّهُ مَرْئِيٌّ أوْ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وأنَّهُ خالِقٌ أعْمالَ العِبادِ أمْ لا، فَلَمْ يُنْقَلْ بِالتَّواتُرِ القاطِعِ لِعُذْرِ مَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأحَدِ القَوْلَيْنِ دُونَ الثّانِي، بَلْ إنَّما يُعْلَمُ صِحَّةُ أحَدِ القَوْلَيْنِ وبُطْلانُ الثّانِي بِالِاسْتِدْلالِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهُ ولا الإقْرارُ بِهِ داخِلًا في ماهِيَّةِ الإيمانِ فَلا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ جُزْءَ ماهِيَّةِ الإيمانِ لَكانَ يَجِبُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ لا يَحْكُمَ بِإيمانِ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ هَلْ يَعْرِفُ الحَقَّ في تِلْكَ المَسْألَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لاشْتُهِرَ قَوْلُهُ في تِلْكَ المَسْألَةِ بَيْنَ جَمِيعِ الأُمَّةِ، ولَنُقِلَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ، فَلَمّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما وقَّفَ الإيمانَ عَلَيْها، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَعْرِفَتُها مِنَ الإيمانِ، ولا إنْكارُها مُوجِبًا لِلْكُفْرِ، ولِأجْلِ هَذِهِ القاعِدَةِ لا يُكَفَّرُ أحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ولا نُكَفِّرُ أرْبابَ التَّأْوِيلِ.

صفحة ٣٦

وأمّا الَّذِي لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِرِوايَةِ الآحادِ فَظاهِرٌ أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَوَقُّفُ الكُفْرِ والإيمانِ عَلَيْهِ. فَهَذا قَوْلُنا في حَقِيقَةِ الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ: يَبْطُلُ ما ذَكَرْتُمْ مِن جِهَةِ العَكْسِ بِلُبْسِ الغِيارِ وشَدِّ الزُّنّارِ وأمْثالِهِما، فَإنَّهُ كَفَرَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ سِوى تَرْكِ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيئُهُ بِهِ، قُلْنا: هَذِهِ الأشْياءُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ كُفْرًا لِأنَّ التَّصْدِيقَ وعَدَمَهُ أمْرٌ باطِنٌ لا اطِّلاعَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، ومِن عادَةِ الشَّرْعِ أنَّهُ لا يَبْنِي الحُكْمَ في أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى نَفْسِ المَعْنى، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الِاطِّلاعِ، بَلْ يَجْعَلُ لَها مُعَرِّفاتٍ وعَلاماتٍ ظاهِرَةً، ويَجْعَلُ تِلْكَ المَظانَّ الظّاهِرَةَ مَدارًا لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، ولَيْسَ الغِيارُ وشَدُّ الزُّنّارِ مِن هَذا البابِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَن يُصَدِّقُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِهَذِهِ الأفْعالِ، فَحَيْثُ أتى بِها دَلَّ عَلى عَدَمِ التَّصْدِيقِ، فَلا جَرَمَ الشَّرْعُ يُفَرِّعُ الأحْكامَ عَلَيْها، لا أنَّها في أنْفُسِها كُفْرٌ، فَهَذا هو الكَلامُ المُلَخَّصُ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إخْبارٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِصِيغَةِ الماضِي، والإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ بِصِيغَةِ الماضِي يَقْتَضِي كَوْنَ المُخْبَرِ عَنْهُ مُتَقَدِّمًا عَلى ذَلِكَ الإخْبارِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِكُلِّ ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ شَيْءٍ ماضٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أوْ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٩]، ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١]، ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نُوحٍ: ١] عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ سَواءٌ كانَ الكَلامُ هَذِهِ الحُرُوفَ والأصْواتِ، أوْ كانَ شَيْئًا آخَرَ. قالُوا: لِأنَّ الخَبَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ صِدْقًا إلّا إذا كانَ مَسْبُوقًا بِالخَبَرِ عَنْهُ، والقَدِيمُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِالغَيْرِ، فَهَذا الخَبَرُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، أجابَ القائِلُونَ بِقِدَمِ الكَلامِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِأنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَلَمّا أوْجَدَهُ انْقَلَبَ العِلْمُ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ عِلْمًا بِأنَّهُ قَدْ حَدَثَ في الماضِي ولَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعالى في الأزَلِ كانَ خَبَرًا بِأنَّهم سَيَكْفُرُونَ، فَلَمّا وُجِدَ كُفْرُهم صارَ ذَلِكَ الخَبَرُ خَبَرًا عَنْ أنَّهم قَدْ كَفَرُوا، ولَمْ يَلْزَمْ حُدُوثُ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٧] فَلَمّا دَخَلُوا المَسْجِدَ لا بُدَّ وأنْ يَنْقَلِبَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى أنَّهم قَدْ دَخَلُوا المَسْجِدَ الحَرامَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَغَيَّرَ الخَبَرُ الأوَّلُ، فَإذا جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ في مَسْألَتِنا مِثْلُهُ ؟ أجابَ المُسْتَدِلُّ أوَّلًا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، فَقالَ: عِنْدَ أبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ وأصْحابِهِ العِلْمُ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ تَغَيُّرِ المَعْلُوماتِ، وكَيْفَ لا والعِلْمُ بِأنَّ العالَمَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وأنَّهُ سَيُوجَدُ لَوْ بَقِيَ حالَ وُجُودِ العالَمِ، لَكانَ ذَلِكَ جَهْلًا لا عِلْمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَغَيُّرُ ذَلِكَ العِلْمِ، وعَلى هَذا سَقَطَتْ هَذِهِ المُعارَضَةُ. وعَنِ الثّانِي: أنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعالى وكَلامَهُ أصْواتٌ مَخْصُوصَةٌ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ بِهَذا الكَلامِ في الوَقْتِ المُتَقَدِّمِ عَلى دُخُولِ المَسْجِدِ لا أنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ بَعْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ، فَنَظِيرُهُ في مَسْألَتِنا أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ صُدُورِ الكُفْرِ عَنْهم لا قَبْلَهُ، إلّا أنَّهُ مَتى قِيلَ ذَلِكَ كانَ اعْتِرافًا بِأنَّ تَكَلُّمَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في الأزَلِ وهَذا هو المَقْصُودُ، أجابَ القائِلُونَ بِالقِدَمِ بِأنّا لَوْ قُلْنا إنَّ العِلْمَ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ المَعْلُومِ لَكُنّا إمّا أنْ نَقُولَ بِأنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ كانَ حاصِلًا في الأزَلِ أوْ ما كانَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في الأزَلِ كانَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِالجَهْلِ. وذَلِكَ كُفْرٌ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ كانَ حاصِلًا فَزَوالُهُ يَقْتَضِي زَوالَ القَدِيمِ، وذَلِكَ سَدُّ بابِ إثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صِيغَةٌ لِلْجَمْعِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ، وهي لِلِاسْتِغْراقِ بِظاهِرِهِ، ثُمَّ

صفحة ٣٧

إنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنها هَذا الظّاهِرَ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الكُفّارِ أسْلَمُوا، فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالعامِّ ويَكُونُ مُرادُهُ الخاصَّ؛ إمّا لِأجْلِ أنَّ القَرِينَةَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ ذَلِكَ الخُصُوصُ كانَتْ ظاهِرَةً في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ، فَحَسُنَ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّلْبِيسِ وظُهُورِ المَقْصُودِ، ومِثالُهُ ما إذا كانَ لِلْإنْسانِ في البَلَدِ جَمْعٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الأعْداءِ، فَإذا قالَ: ”إنَّ النّاسَ يُؤْذُونَنِي“ فَهِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُرادَهُ مِنَ النّاسِ ذَلِكَ الجَمْعُ عَلى التَّعْيِينِ، وإمّا لِأجْلِ أنَّ التَّكَلُّمَ بِالعامِّ لِإرادَةِ الخاصِّ جائِزٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ البَيانُ مَقْرُونًا بِهِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيانِ التَّخْصِيصِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِن صِيَغِ العُمُومِ عَلى القَطْعِ بِالِاسْتِغْراقِ لِاحْتِمالِ أنَّ المُرادَ مِنها هو الخاصُّ، وكانَتِ القَرِينَةُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ ظاهِرَةً في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلا جَرَمَ حَسُنَ ذَلِكَ، وأقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: لَوْ وُجِدَتْ هَذِهِ القَرِينَةُ لَعَرَفْناها، وحَيْثُ لَمْ نَعْرِفْها عَلِمْنا أنَّها ما وُجِدَتْ إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِعَدَمِ الوِجْدانِ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ مِن أضْعَفِ الأماراتِ المُفِيدَةِ لِلظَّنِّ فَضْلًا عَنِ القَطْعِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ عَلى القَطْعِ بِالوَعِيدِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَنِ احْتالَ في دَفْعِ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ“ كالنَّقِيضِ لِقَوْلِهِ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُؤْمِنُونَ“، وقَوْلُهُ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُؤْمِنُونَ“ لا يَصْدُقُ إلّا إذا آمَنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ في جانِبِ الثُّبُوتِ يَقْتَضِي العُمُومَ وجَبَ أنْ لا يَتَوَقَّفَ في جانِبِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ، بَلْ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ لا يَصْدُرَ الإيمانُ عَنْ واحِدٍ مِنهم؛ لِأنَّهُ مَتى لَمْ يُؤْمِن واحِدٌ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ الجَمْعَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُمُ الإيمانُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا يُؤْمِنُونَ“ يَكْفِي في إجْرائِهِ عَلى ظاهِرِهِ، أنْ لا يُؤْمِنَ واحِدٌ مِنهم، فَكَيْفَ إذا لَمْ يُؤْمِنِ الكَثِيرُ مِنهم ؟ والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صِيغَةُ الجَمْعِ، وقَوْلَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْضًا صِيغَةُ جَمْعٍ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ تَوَزَّعَ الفَرْدُ عَلى الفَرْدِ، فَمَعْناهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لا يُؤْمِنُ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ الكَلامُ المَذْكُورُ.

* * *

(المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ هَهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقالَ قائِلُونَ: إنَّهم رُؤَساءُ اليَهُودِ المُعانِدُونَ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، كَأبِي لَهَبٍ وأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا بَعْدَ البَيِّنَةِ، وأنْكَرُوا بَعْدَ المَعْرِفَةِ، ونَظِيرُهُ ما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤، ٥] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرِيصًا عَلى أنْ يُؤْمِنَ قَوْمُهُ جَمِيعًا حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكَهْفِ: ٦] وقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: ٩٩] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِيَقْطَعَ طَمَعَهُ عَنْهم ولا يَتَأذّى بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإنَّ اليَأْسَ إحْدى الرّاحَتَيْنِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

(المَسْألَةُ الأُولى): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ﴿سَواءٌ﴾ اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ وُصِفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِالمَصادِرِ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٦٤] ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٠] بِمَعْنى مُسْتَوِيَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ.

(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): في ارْتِفاعِ ﴿سَواءٌ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ارْتِفاعَهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِإنَّ و﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾

صفحة ٣٨

فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا مُخْتَصِمٌ أخُوهُ وابْنُ عَمِّهِ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم“ في مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، وسَواءٌ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا بِمَعْنى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِإنَّ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الثّانِيَ أوْلى؛ لِأنَّ ”سَواءٌ“ اسْمٌ، وتَنْزِيلَهُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ يَكُونُ تَرْكًا لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُرادَ وصْفُ الإنْذارِ وعَدَمُ الإنْذارِ بِالِاسْتِواءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ”سَواءٌ“ خَبَرًا، فَيَكُونُ الخَبَرُ مُقَدَّمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ جائِزٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢١] ورَوى سِيبَوَيْهِ قَوْلَهم: ”تَمِيمِيٌّ أنا“ ”ومَشْنُوءٌ مَن يَشْنَؤُكَ“، أمّا الكُوفِيُّونَ فَإنَّهم لا يُجَوِّزُونَهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: المُبْتَدَأُ ذاتٌ، والخَبَرُ صِفَةٌ، والذّاتُ قَبْلَ الصِّفَةِ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَبْلَها في اللَّفْظِ قِياسًا عَلى تَوابِعِ الإعْرابِ، والجامِعُ التَّبَعِيَّةُ المَعْنَوِيَّةُ. الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ وأنْ يَتَضَمَّنَ الضَّمِيرَ، فَلَوْ قُدِّمَ الخَبَرُ عَلى المُبْتَدَأِ لَوُجِدَ الضَّمِيرُ قَبْلَ الذِّكْرِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ هو اللَّفْظُ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلى أمْرٍ مَعْلُومٍ، فَقَبْلَ العِلْمِ بِهِ امْتَنَعَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، فَكانَ الإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ مُحالًا، أجابَ البَصْرِيُّونَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّ ما ذَكَرْتُمْ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ المُبْتَدَأِ أوْلى، لا أنْ يَكُونَ واجِبًا، وعَنِ الثّانِي: أنَّ الإضْمارَ قَبْلَ الذِّكْرِ واقِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِمْ: ”في بَيْتِهِ يُؤْتى الحَكَمُ“، قالَ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧]، وقالَ زُهَيْرٌ:

مَن يَلْقَ يَوْمًا عَلى عِلّاتِهِ هَرِمًا يَلْقَ السَّماحَةَ مِنهُ والنَّدى خُلُقًا

واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

( المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ( اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الفِعْلَ لا يُخْبَرُ عَنْهُ، لِأنَّ مَن قالَ: خَرَجَ ضَرَبَ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِكَلامٍ مُنْتَظِمٍ، ومِنهم مَن قَدَحَ فِيهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ فِعْلٌ وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يُوسُفَ: ٣٥] فاعِلُ ”بَدا“ هو ”لَيَسْجُنُنَّهُ“ .

وثانِيها: أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فِعْلًا، فالفِعْلُ قَدْ أُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ، فَإنْ قِيلَ: المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ هو تِلْكَ الكَلِمَةُ، وتِلْكَ الكَلِمَةُ اسْمٌ، قُلْنا: فَعَلى هَذا: المُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا بَلِ اسْمًا كانَ هَذا الخَبَرُ كَذِبًا، والتَّحْقِيقُ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ فِعْلٌ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ هَذا الخَبَرُ كَذِبًا، لِأنَّ الِاسْمَ لا يَكُونُ فِعْلًا، وإنْ كانَ فِعْلًا فَقَدْ صارَ الفِعْلُ مُخْبَرًا عَنْهُ، وثالِثُها: أنّا إذا قُلْنا: الفِعْلُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ فَقَدْ أخْبَرْنا عَنْهُ بِأنَّهُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ، والمُخْبَرُ عَنْهُ بِهَذا الخَبَرِ لَوْ كانَ اسْمًا لَزِمَ أنّا قَدْ أخْبَرْنا عَنِ الِاسْمِ بِأنَّهُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ، وهَذا خَطَأٌ، وإنْ كانَ فِعْلًا صارَ الفِعْلُ مُخْبَرًا عَنْهُ، ثُمَّ قالَ هَؤُلاءِ: لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا امْتِناعَ في الإخْبارِ عَنِ الفِعْلِ لَمْ يَكُنْ بِنا حاجَةٌ إلى تَرْكِ الظّاهِرِ. أمّا جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْبارُ عَنِ الفِعْلِ، فَلا جَرَمَ كانَ التَّقْدِيرُ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُ إنْذارِكَ، فَإنْ قِيلَ: العُدُولُ عَنِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِفائِدَةٍ زائِدَةٍ إمّا في المَعْنى أوْ في اللَّفْظِ، فَما تِلْكَ الفائِدَةُ هَهُنا ؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مَعْناهُ سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُ إنْذارِكَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا قَدْ بَلَغُوا في الإصْرارِ واللَّجاجِ والإعْراضِ عَنِ الآياتِ والدَّلائِلِ إلى حالَةٍ ما بَقِيَ فِيهِمُ البَتَّةَ رَجاءُ القَبُولِ بِوَجْهٍ. وقَبْلَ ذَلِكَ ما كانُوا كَذَلِكَ، ولَوْ قالَ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُ إنْذارِكَ لَما أفادَ أنَّ هَذا المَعْنى إنَّما حَصَلَ في هَذا الوَقْتِ دُونَ ما قَبْلَهُ، ولَمّا قالَ: ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾

صفحة ٣٩

أفادَ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ في هَذا الوَقْتِ، فَكانَ ذَلِكَ يُفِيدُ حُصُولَ اليَأْسِ وقَطْعَ الرَّجاءِ مِنهم، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذَلِكَ.

* * *

(المَسْألَةُ الرّابِعَةُ): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”الهَمْزَةُ“ و”أمْ“ مُجَرَّدَتانِ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُما مَعْنى الِاسْتِفْهامِ رَأْسًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: جَرى هَذا عَلى حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ كَما جَرى عَلى حَرْفِ النِّداءِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ، يَعْنِي أنَّ هَذا جَرى عَلى صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ ولا اسْتِفْهامَ، كَما أنَّ ذَلِكَ جَرى عَلى صُورَةِ النِّداءِ ولا نِداءَ.

(المَسْألَةُ الخامِسَةُ): في قَوْلِهِ: ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ سِتُّ قِراءاتٍ: إمّا بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ، أوْ لا ألِفَ بَيْنَهُما، أوْ بِأنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ الأُولى قَوِيَّةً والثّانِيَةُ بَيْنَ بَيْنَ بَيْنَهُما ألِفٌ، أوْ لا ألِفَ بَيْنَهُما، وبِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، وبِحَذْفِهِ وإلْقاءِ حَرَكَتِهِ عَلى السّاكِنِ قَبْلَهُ كَما قُرِئَ: ”قَدْ أفْلَحَ“، فَإنْ قِيلَ: فَما تَقُولُ فِيمَن يَقْلِبُ الثّانِيَةَ ألِفًا ؟ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هو لاحِنٌ خارِجٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ.

(المَسْألَةُ السّادِسَةُ): الإنْذارُ هو التَّخْوِيفُ مِن عِقابِ اللَّهِ بِالزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي، وإنَّما ذُكِرَ الإنْذارُ دُونَ البِشارَةِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الإنْذارِ في الفِعْلِ والتَّرْكِ أقْوى مِن تَأْثِيرِ البِشارَةِ؛ لِأنَّ اشْتِغالَ الإنْسانِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ أشَدُّ مِنَ اشْتِغالِهِ بِجَلْبِ المَنفَعَةِ، وهَذا المَوْضِعُ مَوْضِعُ المُبالَغَةِ، وكانَ ذِكْرُ الإنْذارِ أوْلى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

(المَسْألَةُ الأُولى): قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذِهِ إمّا أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، أوْ خَبَرًا ”لِإنَّ“، والجُمْلَةُ قَبْلَها اعْتِراضٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском