Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:62–64

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:62–64

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ: ﴿هادُوا﴾ بِضَمِّ الدّالِ وعَنِ الضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ بِفَتْحِ الدّالِّ وإسْكانِ الواوِ والقِراءَةُ المَعْرُوفَةُ الصّابِئِينَ والصّابِئُونَ بِالهَمْزَةِ فِيهِما حَيْثُ كانا وعَنْ نافِعٍ وشَيْبَةَ والزَّهْرِيِّ والصّابِّينَ بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والصّابُونَ بِباءٍ مَضْمُومَةٍ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، وعَنِ العُمَرِيِّ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ فِيهِما، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِياءَيْنِ خالِصَتَيْنِ فَهُما بَدَلُ الهَمْزَةِ، فَأمّا تَرْكُ الهَمْزَةِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ إلى الشَّيْءِ فَأحَبَّهُ.

والآخَرُ: قَلْبُ الهَمْزَةِ فَنَقُولُ: الصّابِيِينَ والصّابِيُونَ والِاخْتِيارُ الهَمْزُ لِأنَّهُ قِراءَةُ الأكْثَرِ وإلى مَعْنى التَّفْسِيرِ أقْرَبُ لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ قالُوا: هو الخارِجُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، واعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ إذا ذَكَرَ

صفحة ٩٧

وعَدًا أوْ وعِيدًا عَقَّبَهُ بِما يُضادُّهُ لِيَكُونَ الكَلامُ تامًّا فَهاهُنا لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ أخْبَرَ بِما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ والثَّوابِ الكَرِيمِ دالًّا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ كَما قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنهُ، وسَبَبُ هَذا الِاخْتِلافِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيمانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ غَيْرَ المُرادِ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ونَظِيرُهُ في الإشْكالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النِّساءِ: ١٣٦] فَلِأجْلِ هَذا الإشْكالِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. المُرادُ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ بِعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ البَراءَةِ عَنْ أباطِيلِ اليَهُودِ والنَّصارى مِثْلَ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ، وبَحِيرى الرّاهِبِ وحَبِيبٍ النَّجّارِ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ وأبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ ووَفْدِ النَّجاشِيِّ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ والَّذِينَ كانُوا عَلى الدِّينِ الباطِلِ الَّذِي لِلْيَهُودِ والَّذِينَ كانُوا عَلى الدِّينِ الباطِلِ الَّذِي لِلنَّصارى كُلُّ مَن آمَنَ مِنهم بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبِمُحَمَّدٍ فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ طَرِيقَةَ المُنافِقِينَ ثُمَّ طَرِيقَةَ اليَهُودِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ وهُمُ المُنافِقُونَ، فَذَكَرَ المُنافِقِينَ ثُمَّ اليَهُودَ والنَّصارى والصّابِئِينَ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَؤُلاءِ المُبْطِلُونَ كُلُّ مَن أتى مِنهم بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ صارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.

وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَقِيقَةِ وهو عائِدٌ إلى الماضِي، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يَقْتَضِي المُسْتَقْبَلَ فالمُرادُ الَّذِينَ آمَنُوا في الماضِي وثَبَتُوا عَلى ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ في المُسْتَقْبَلِ وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِهِ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: إنَّما سُمُّوا بِهِ حِينَ تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ وقالُوا: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٥٦] أيْ تُبْنا ورَجَعْنا، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وثانِيها: سُمُّوا بِهِ لِأنَّهم نُسِبُوا إلى يَهُوذا أكْبَرِ ولَدِ يَعْقُوبَ وإنَّما قالَتِ العَرَبُ بِالدّالِ لِلتَّعْرِيبِ، فَإنَّ العَرَبَ إذا نَقَلُوا أسْماءً مِنَ العَجَمِيَّةِ إلى لُغَتِهِمْ غَيَّرُوا بَعْضَ حُرُوفِها.

وثالِثُها: قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَتَهَوَّدُونَ أيْ يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ قِراءَةِ التَّوْراةِ، وأمّا النَّصارى فَفي اشْتِقاقِ هَذا الِاسْمِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي كانَ يَنْزِلُها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تُسَمّى ناصِرَةَ فَنُسِبُوا إلَيْها وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

وثانِيها: لِتَناصُرِهِمْ فِيما بَيْنَهم أيْ لِنُصْرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

وثالِثُها: لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: النَّصارى جَمْعُ نَصْرانَ يُقالُ رَجُلٌ نَصْرانُ، وامْرَأةٌ نَصْرانَةٌ والياءُ في نَصْرانِيٍّ لِلْمُبالَغَةِ كالَّتِي في أحَمَرِيٍّ لِأنَّهم نَصَرُواالمَسِيحَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّابِئِينَ﴾ فَهو مِن صَبَأ إذا خَرَجَ مِن دِينِهِ إلى دِينٍ آخَرَ، وكَذَلِكَ كانَتِ العَرَبُ

صفحة ٩٨

يُسَمُّونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ صابِئًا لِأنَّهُ أظْهَرَ دِينًا بِخِلافِ أدْيانِهِمْ وصَبَأتِ النُّجُومُ إذا أُخْرِجَتْ مِن مَطْلَعِها. وصَبَأْنا بِهِ إذا خَرَجْنا بِهِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ مَذْهَبِهِمْ أقْوالٌ:

أحَدُها: قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: هم طائِفَةٌ مِنَ المَجُوسِ واليَهُودِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهم ولا تُنْكَحُ نِساؤُهم.

وثانِيها: قالَ قَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويُصَلُّونَ إلى الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَواتٍ. وقالَ أيْضًا: الأدْيانُ خَمْسَةٌ مِنها لِلشَّيْطانِ أرْبَعَةٌ وواحِدٌ لِلرَّحْمَنِ: الصّابِئُونَ وهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، والمَجُوسُ وهم يَعْبُدُونَ النّارَ، والَّذِينَ أشْرَكُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، واليَهُودُ والنَّصارى.

وثالِثُها: وهو الأقْرَبُ أنَّهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ثُمَّ لَهم قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ خالِقَ العالَمِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الكَواكِبِ واتِّخاذِها قِبْلَةً لِلصَّلاةِ والدُّعاءِ والتَّعْظِيمِ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ، ثُمَّ إنَّ الكَواكِبَ هي المُدَبِّرَةُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والصِّحَّةِ والمَرَضِ، والخالِقَةُ لَها، فَيَجِبُ عَلى البَشَرِ تَعْظِيمُها لِأنَّها هي الآلِهَةُ المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ ثُمَّ إنَّها تَعْبُدُ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وهَذا المَذْهَبُ هو القَوْلُ المَنسُوبُ إلى الكِلْدانِيِّينَ الَّذِينَ جاءَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ رادًّا عَلَيْهِمْ ومُبْطِلًا لِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ في هَذِهِ الفِرَقِ الأرْبَعَةِ أنَّهم إذا آمَنُوا بِاللَّهِ فَلَهُمُ الثَّوابُ في الآخِرَةِ لِيَعْرِفَ أنَّ جَمِيعَ أرْبابِ الضَّلالِ إذا رَجَعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ وآمَنُوا بِالدِّينِ الحَقِّ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقْبَلُ إيمانَهم وطاعَتَهم ولا يَرُدُّهم عَنْ حَضْرَتِهِ البَتَّةَ، واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ دَخَلَ في الإيمانِ بِاللَّهِ الإيمانُ بِما أوْجَبَهُ، أعْنِي الإيمانَ بِرُسُلِهِ ودَخَلَ في الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ جَمِيعُ أحْكامِ الآخِرَةِ، فَهَذانِ القَوْلانِ قَدْ جَمَعا كُلَّ ما يَتَّصِلُ بِالأدْيانِ في حالِ التَّكْلِيفِ وفي حالِ الآخِرَةِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَلَيْسَ المُرادُ العِنْدِيَّةَ المَكانِيَّةَ، فَإنَّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، ولا الحِفْظَ كالوَدائِعِ، بَلِ المُرادُ أنَّ أجْرَهم مُتَيَقَّنٌ جارٍ مَجْرى الحاصِلِ عِنْدَ رَبِّهِمْ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَقِيلَ: أرادَ زَوالَ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم في الدُّنْيا ومِنهم مَن قالَ في الآخِرَةِ في حالِ الثَّوابِ، وهَذا أصَحُّ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ في النَّفْيِ، وكَذَلِكَ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَحْصُلُ في الدُّنْيا وخُصُوصًا في المُكَلَّفِينَ لِأنَّهم في كُلِّ وقْتٍ لا يَنْفَكُّونَ مِن خَوْفٍ وحُزْنٍ، إمّا في أسْبابِ الدُّنْيا وإمّا في أُمُورِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وعَدَهم في الآخِرَةِ بِالأجْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَةِ ذَلِكَ الأجْرِ أنْ يَكُونَ خالِيًا عَنِ الخَوْفِ والحُزْنِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ نَعِيمُهم دائِمًا لِأنَّهم لَوْ جَوَّزُوا كَوْنَهُ مُنْقَطِعًا لاعْتَراهُمُ الحُزْنُ العَظِيمُ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ المائِدَةِ هَكَذا: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٦٩] وفي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحَجِّ: ١٧] فَهَلْ في اخْتِلافِ هَذِهِ الآياتِ بِتَقْدِيمِ الصُّنُوفِ وتَأْخِيرِها ورَفْعِ ”الصّابِئِينَ“ في آيَةٍ ونَصْبِها في أُخْرى فائِدَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ .

والجَوابُ: لَمّا كانَ المُتَكَلِّمُ أحْكَمَ الحاكِمِينَ فَلا بُدَّ لِهَذِهِ التَّغْيِيراتِ مِن حِكَمٍ وفَوائِدَ، فَإنْ أدْرَكْنا تِلْكَ الحِكَمَ فَقَدْ فُزْنا بِالكَمالِ وإنْ عَجَزْنا أحَلْنا القُصُورَ عَلى عُقُولِنا لا عَلى كَلامِ الحَكِيمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:63–64Page 10

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ العاشِرُ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أخَذَ مِيثاقَهم لِمَصْلَحَتِهِمْ فَصارَ ذَلِكَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ:

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ المِيثاقَ إنَّما يَكُونُ بِفِعْلِ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْقِيادَ والطّاعَةَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المِيثاقِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما أوْدَعَ اللَّهُ العُقُولَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ والدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المَواثِيقِ أقْوى المَواثِيقِ والعُهُودِ لِأنَّها لا تَحْتَمِلُ الخُلْفَ والتَّبْدِيلَ بِوَجْهٍ البَتَّةَ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.

الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِن عِنْدِ رَبِّهِ بِالألْواحِ قالَ لَهم: إنَّ فِيها كِتابَ اللَّهِ فَقالُوا: لَنْ نَأْخُذَ بِقَوْلِكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَيَقُولُ: هَذا كِتابِي فَخُذُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: خُذُوا كِتابَ اللَّهِ فَأبَوْا فَرُفِعَ فَوْقَهُمُ الطُّورُ وقِيلَ لَهم: خُذُوا الكِتابَ وإلّا طَرَحْناهُ عَلَيْكم فَأخَذُوهُ. فَرَفْعُ الطُّورِ هو المِيثاقُ، وذَلِكَ لِأنَّ رَفْعَ الطُّورِ آيَةٌ باهِرَةٌ عَجِيبَةٌ تُبْهِرُ العُقُولَ وتَرُدُّ المُكَذِّبَ إلى التَّصْدِيقِ والشّاكَّ إلى اليَقِينِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وعَرَفُوا أنَّهُ مِن قِبَلِهِ تَعالى عِلْمًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا مُضافًا إلى سائِرِ الآياتِ أقَرُّوا لَهُ بِالصِّدْقِ فِيما جاءَ بِهِ وأظْهَرُوا التَّوْبَةَ وأعْطَوُا العَهْدَ والمِيثاقَ أنْ لا يَعُودُوا إلى ما كانَ مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ وأنْ يَقُومُوا بِالتَّوْراةِ فَكانَ هَذا عَهْدًا مُوَثَّقًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ.

وثالِثُها: أنَّ لِلَّهِ مِيثاقَيْنِ، فالأوَّلُ: حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ ألْزَمَ النّاسَ مُتابَعَةَ الأنْبِياءِ والمُرادُ هاهُنا هو هَذا العَهْدُ. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وهو ضَعِيفٌ.

الثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما قالَ: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ مَواثِيقَكم لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَدْ أخَذَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافِرٍ: ٦٧] أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ شَيْئًا واحِدًا أُخِذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم كَما أُخِذَ عَلى غَيْرِهِ فَلا جَرَمَ كانَ كُلُّهُ مِيثاقًا واحِدًا ولَوْ قِيلَ مَواثِيقُكم لَأشْبَهَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَواثِيقُ أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ لا مِيثاقٌ واحِدٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعْرافِ: ١٧١] وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ والمَعْنى أنَّ أخْذَ

صفحة ١٠٠

المِيثاقِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَلَمّا نَقَضُوهُ بِالِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ الكِتابِ رُفِعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ، وأمّا عَلى تَفْسِيرِ أبِي مُسْلِمٍ فَلَيْسَتْ واوَ عَطْفٍ ولَكِنَّها واوُ الحالِ كَما يُقالُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ والزَّمانُ زَمانٌ فَكَأنَّهُ قالَ: وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم عِنْدَ رَفْعِنا الطُّورَ فَوْقَكم.

الثّانِي: قِيلَ: إنَّ الطُّورَ كُلُّ جَبَلٍ. قالَ العَجّاجُ:

دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرْ تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَرْ

أمّا الخَلِيلُ فَقالَ في كِتابِهِ: إنَّ الطُّورَ اسْمُ جَبَلٍ مَعْلُومٍ وهَذا هو أقْرَبُ لِأنَّ لامَ التَّعْرِيفِ فِيهِ تَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلى جَبَلٍ مَعْهُودٍ عُرِفَ كَوْنُهُ مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ، والمَعْهُودُ هو الجَبَلُ الَّذِي وقَعَتِ المُناجاةُ عَلَيْهِ وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْقُلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى حَيْثُ هم فَيَجْعَلَهُ فَوْقَهم وإنْ كانَ بَعِيدًا مِنهم لِأنَّ القادِرَ أنْ يُسْكِنَ الجَبَلَ في الهَواءِ قادِرٌ أيْضًا عَلى أنْ يَقْلَعَهُ ويَنْقُلَهُ إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ البَعِيدِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ تَعالى جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ فانْقَلَعَ مِن أصْلِهِ حَتّى قامَ فَوْقَهم كالظُّلَّةِ وكانَ المُعَسْكَرُ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ أنِ اقْبَلُوا التَّوْراةَ وإلّا رَمَيْتُ الجَبَلَ عَلَيْكم، فَلَمّا رَأوْا أنْ لا مَهْرَبَ قَبِلُوا التَّوْراةَ بِما فِيها وسَجَدُوا لِلْفَزَعِ سُجُودًا يُلاحِظُونَ الجَبَلَ، فَلِذَلِكَ سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى أنْصافِ وُجُوهِهِمْ.

الثّالِثُ: مِنَ المَلاحِدَةِ مَن أنْكَرَ إمْكانَ وُقُوفِ الثَّقِيلِ في الهَواءِ بِلا عِمادٍ وأمّا الأرْضُ فَقالُوا إنَّما وقَفَتْ لِأنَّها بِطَبْعِها طالِبَةٌ لِلْمَرْكَزِ فَلا جَرَمَ وقَفَتْ في المَرْكَزِ، ودَلِيلُنا عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ ووُقُوفُ الثَّقِيلِ في الهَواءِ مِنَ المُمْكِناتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قادِرًا عَلَيْهِ وتَمامُ تَقْرِيرِ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ مَعْلُومٌ في كُتُبِ الأُصُولِ.

الرّابِعُ: قالَ بَعْضُهم: إظْلالُ الجَبَلِ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَكانَ يَجْرِي مَجْرى الإلْجاءِ إلى الإيمانِ وهو يُنافِي التَّكْلِيفَ.

أجابَ القاضِي بِأنَّهُ لا يُلْجِئُ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيهِ خَوْفُ السُّقُوطُ عَلَيْهِمْ، فَإذا اسْتَمَرَّ في مَكانِهِ مُدَّةً وقَدْ شاهَدُوا السَّماواتِ مَرْفُوعَةً فَوْقَهم بِلا عِمادٍ جازَ هاهُنا أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ الخَوْفُ فَيَزُولَ الإلْجاءُ ويَبْقى التَّكْلِيفُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ كامِلَةٍ وعُدُولٍ عَنِ التَّغافُلِ والتَّكاسُلِ، قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: خُذْ هَذا بِقُوَّةٍ ولا قُوَّةَ حاصِلَةٌ كَما لا يُقالُ: اكْتُبْ بِالقَلَمِ ولا قَلَمَ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ المُرادَ: خُذُوا ما آتَيْناكم بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ وعِنْدَنا العَزِيمَةُ قَدْ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً عَلى الفِعْلِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيِ احْفَظُوا ما في الكِتابِ وادْرُسُوهُ ولا تَنْسُوهُ ولا تَغْفُلُوا عَنْهُ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى نَفْسِ الذِّكْرِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الذِّكْرَ الَّذِي هو ضِدُّ النِّسْيانِ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَجُوزُ الأمْرُ بِهِ. فَأمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُدارَسَةِ فَلا إشْكالَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَتَّقُوا، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ فِعْلَ الطّاعَةِ مِنَ الكُلِّ، وجَوابُهُ ما تَقَدَّمَ.

واعْلَمْ أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ أنَّهم

صفحة ١٠١

فَعَلُوا ذَلِكَ وإلّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أخْذًا لِلْمِيثاقِ ولا صَحَّ قَوْلُهُ مِن بَعْدِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى القَبُولِ والِالتِزامِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ ثُمَّ أعْرَضْتُمْ عَنِ المِيثاقِ والوَفاءِ بِهِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ أنَّهم بَعْدَ قَبُولِ التَّوْراةِ ورَفْعِ الطُّورِ تَوَلَّوْا عَنِ التَّوْراةِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فَحَرَّفُوا التَّوْراةَ وتَرَكُوا العَمَلَ بِها وقَتَلُوا الأنْبِياءَ وكَفَرُوا بِهِمْ وعَصَوْا أمْرَهم ولَعَلَّ فِيها ما اخْتُصَّ بِهِ بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ ومِنها ما عَمِلَهُ أوائِلُهم ومِنها ما فَعَلَهُ مُتَأخِّرُوهم ولَمْ يَزالُوا في التِّيهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الأعاجِيبَ لَيْلًا ونَهارًا يُخالِفُونَ مُوسى ويَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ ويُلْقُونَهُ بِكُلِّ أذًى ويُجاهِرُونَ بِالمَعاصِي في مُعَسْكَرِهِمْ ذَلِكَ حَتّى لَقَدْ خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ وأحْرَقَتِ النّارُ بَعْضَهم وعُوقِبُوا بِالطّاعُونِ وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في تَراجِمِ التَّوْراةِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِها ثُمَّ فَعَلَ مُتَأخِّرُوهم ما لا خَفاءَ بِهِ حَتّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ وكَفَرُوا بِالمَسِيحِ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ. والقُرْآنُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ ما تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْراةِ فالجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِنادِ أسْلافِهِمْ فَغَيْرُ عَجِيبٍ إنْكارُهم ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكِتابِ وجُحُودُهم لِحَقِّهِ وحالُهم في كِتابِهِمْ ونَبِيِّهِمْ ما ذُكِرَ واللَّهُ أعْلَمُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: ذَكَرَ القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: لَوْلا ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِن إمْهالِكم وتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْكم لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ أيْ مِنَ الهالِكِينَ الَّذِينَ باعُوا أنْفُسَهم بِنارِ جَهَنَّمَ، فَدَلَّ هَذا القَوْلُ عَلى أنَّهم إنَّما خَرَجُوا عَنْ هَذا الخُسْرانِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالإمْهالِ حَتّى تابُوا.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ثُمَّ قِيلَ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ رُجُوعًا بِالكَلامِ إلى أوَّلِهِ، أيْ لَوْلا لُطْفُ اللَّهِ بِكم بِرَفْعِ الجَبَلِ فَوْقَكم لَدُمْتُمْ عَلى رَدِّكُمُ الكِتابَ ولَكِنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْكم ورَحِمَكم فَلَطَفَ بِكم بِذَلِكَ حَتّى تُبْتُمْ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَلِمَةُ ﴿فَلَوْلا﴾ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ انْتِفاءَ الخُسْرانِ مِن لَوازِمِ حُصُولِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَحَيْثُ حَصَلَ الخُسْرانُ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ هُناكَ لُطْفُ اللَّهِ تَعالى. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِالكافِرِ شَيْئًا مِنَ الألْطافِ الدِّينِيَّةِ وذَلِكَ خِلافُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. أجابَ الكَعْبِيُّ بِأنَّهُ تَعالى سَوّى بَيْنِ الكُلِّ في الفَضْلِ لَكِنِ انْتَفَعَ بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ، فَصَحَّ أنْ يُقالَ ذَلِكَ كَما يَقُولُ القائِلُ لِرَجُلٍ وقَدْ سَوّى بَيْنَ أوْلادِهِ في العَطِيَّةِ فانْتَفَعَ بَعْضُهم: لَوْلا أنَّ أباكَ فَضَّلَكَ لَكُنْتَ فَقِيرًا، وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ نَصُّوا عَلى أنَّ: ”لَوْلا“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ وبَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ فَكَلامُ الكَعْبِيِّ ساقِطٌ جِدًّا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском