Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:78–80

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:78–80

2:78–79Page 12

وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.

فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩

So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ اليَهُودُ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِنادِ وأزالَ الطَّمَعَ عَنْ إيمانِهِمْ بَيْنَ فِرَقِهِمْ، فالفِرْقَةُ الأُولى هي الفِرْقَةُ الضّالَّةُ المُضِلَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، والفِرْقَةُ الثّانِيَةُ: المُنافِقُونَ، والفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ يُجادِلُونَ المُنافِقِينَ، والفِرْقَةُ الرّابِعَةُ: هُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وهُمُ العامَّةُ الأُمِّيُّونَ الَّذِينَ لا مَعْرِفَةَ عِنْدَهم بِقِراءَةٍ ولا كِتابَةٍ وطَرِيقَتُهُمُ التَّقْلِيدُ وقَبُولُ ما يُقالُ لَهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ لَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ الِامْتِناعِ واحِدًا بَلْ لِكُلِّ قِسْمٍ مِنهم سَبَبٌ آخَرُ ومَن تَأمَّلَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مِن شَرْحِ فِرَقِ اليَهُودِ وجَدَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ في فِرَقِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يُعانِدُ الحَقَّ ويَسْعى في إضْلالِ الغَيْرِ وفِيهِمْ مَن يَكُونُ مُتَوَسِّطًا، وفِيهِمْ مَن يَكُونُ عامِّيًّا مَحْضًا مُقَلِّدًا، وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الأُمِّيِّ فَقالَ بَعْضُهم هو مَن لا يُقِرُّ بِكِتابٍ ولا بِرَسُولٍ. وقالَ آخَرُونَ: مَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ وهَذا الثّانِي أصْوَبُ لِأنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ وكانُوا مُقِرِّينَ بِالكِتابِ والرَّسُولِ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسِبُ» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”الأمانِيُّ“ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ ولَها مَعانٍ مُشْتَرِكَةٌ في أصْلٍ واحِدٍ:

أحَدُها: ما تَخَيَّلَهُ الإنْسانُ فَيُقَدِّرُ في نَفْسِهِ وُقُوعَهُ ويُحَدِّثُها بِكَوْنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُهم: فُلانٌ يَعِدُ فَلانًا ويُمَنِّيهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٠] فَإنْ فَسَّرْنا الأمانِيَّ بِهَذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ في أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم وما تُمَنِّيهِمْ أحْبارُهم مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً.

وثانِيها: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ إلّا أكاذِيبَ مُخْتَلِفَةً سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ فَقَبِلُوها عَلى التَّقْلِيدِ، قالَ أعْرابِيٌّ لِابْنِ دَأْبٍ في شَيْءٍ حَدَّثَ بِهِ: أهَذا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أمْ تَمَنَّيْتَهُ أمِ اخْتَلَقْتَهُ.

وثالِثُها: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ أيْ إلّا ما يَقْرَءُونَ مِن قَوْلِهِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والِاشْتِقاقُ مِن مَنِيَ، إذا قَدَّرَ لِأنَّ المُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ ويَجُوزُ ما يَتَمَنّاهُ، وكَذَلِكَ المُخْتَلِقُ والقارِئُ يُقَدِّرُ أنَّ كَلِمَةَ كَذا بَعْدَ كَذا، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] أيْ تَمَنِّيهِمْ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٢٣] وقالَ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ:

صفحة ١٢٨

١١١ ] وقالَ تَعالى: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٤] بِمَعْنى يُقَدِّرُونَ ويَخْرُصُونَ. وقالَ الأكْثَرُونَ: حَمْلُهُ عَلى القِراءَةِ أوْلى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] ولِأنَّ حَمْلَهُ عَلى القِراءَةِ ألْيَقُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِثْناءِ لِأنّا إذا حَمَلْناهُ عَلى ذَلِكَ كانَ لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ فَكَأنَّهُ قالَ: لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا بِقَدْرِ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ فَيَسْمَعُونَهُ وبِقَدْرِ ما يُذْكَرُ لَهم فَيَقْبَلُونَهُ، ثُمَّ إنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، وإذا حُمِلَ عَلى أنَّ المُرادَ الأحادِيثُ والأكاذِيبُ أوِ الظَّنُّ والتَّقْدِيرُ وحَدِيثُ النَّفْسِ كانَ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ نادِرًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، قالَ النّابِغَةُ:

حَلَفْتُ يَمِينًا غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ولا عِلْمَ إلّا حُسْنُ ظَنٍّ بِغائِبِ

وقُرِئَ ”إلّا أمانِيَ“ بِالتَّخْفِيفِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ فَكالمُحَقِّقِ لِما قُلْناهُ لِأنَّ الأمانِيَ إنْ أُرِيدَ بِها التَّقْدِيرُ والفِكْرُ لِأُمُورٍ لا حَقِيقَةَ لَها، فَهي ظَنٌّ ويَكُونُ ذَلِكَ تَكْرارًا. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: حَدِيثُ النَّفْسِ غَيْرُ والظَّنُّ غَيْرُ فَلا يَلْزَمُ التَّكْرارُ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى التِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ يَحْسُنُ مَعْناهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا بِأنْ يُتْلى عَلَيْهِمْ فَيَسْمَعُوهُ وإلّا بِأنْ يُذَكِّرَهم تَأْوِيلَهُ كَما يُرادُ فَيَظُنُّوهُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ لا تُوَصِّلُ إلى الحَقِّ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

إحْداها: أنَّ المَعارِفَ كَسْبِيَّةٌ لا ضَرُورِيَّةٌ فَلِذَلِكَ ذَمَّ مَن لا يَعْلَمُ ويَظُنُّ.

وثانِيها: بُطْلانُ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا وهو مُشْكَلٌ لِأنَّ التَّقْلِيدَ في الفُرُوعِ جائِزٌ عِنْدَنا.

وثالِثُها: أنَّ المُضِلَّ وإنْ كانَ مَذْمُومًا فالمُغْتَرُّ بِإضْلالِ المُضِلِّ أيْضًا مَذْمُومٌ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّهم وإنْ كانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

ورابِعُها: أنَّ الِاكْتِفاءَ بِالظَّنِّ في أُصُولِ الدِّينِ غَيْرُ جائِزٍ واللَّهُ أعْلَمُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾ فَقالُوا: الوَيْلُ كَلِمَةٌ يَقُولُها كُلُّ مَكْرُوبٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ العَذابُ الألِيمُ. وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: إنَّهُ مَسِيلُ صَدِيدِ أهْلِ جَهَنَّمَ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» “ . قالَ القاضِي: ”ويْلٌ“ يَتَضَمَّنُ نِهايَةَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ فَهَذا القَدْرُ لا شُبْهَةَ فِيهِ سَواءٌ كانَ الوَيْلُ عِبارَةً عَنْ وادٍ في جَهَنَّمَ أوْ عَنِ العَذابِ العَظِيمِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ كَتَبْتُ إذا أمَرَ بِذَلِكَ فَفائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهم إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَأْكِيدٌ وهَذا المَوْضِعُ مِمّا يَحْسُنُ فِيهِ التَّأْكِيدُ كَما تَقُولُ لِمَن يُنْكِرُ مَعْرِفَةَ ما كَتَبَهُ: يا هَذا كَتَبْتَهُ بِيَمِينِكَ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فالمُرادُ أنَّ مَن يَكْتُبُ هَذِهِ الكِتابَةَ ويَكْسِبُ هَذا الكَسْبَ في غايَةِ الرَّداءَةِ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنِ الدِّينِ وأضَلُّوا وباعُوا آخِرَتَهم بِدُنْياهم، فَذَنْبُهم أعْظَمُ مِن ذَنْبِ غَيْرِهِمْ، فَإنَّ المَعْلُومَ أنَّ الكَذِبَ عَلى الغَيْرِ بِما يَضُرُّ يَعْظُمُ إثْمُهُ فَكَيْفَ بِمَن يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ ويَضُمُّ إلى الكَذِبِ الإضْلالَ ويَضُمُّ إلَيْهِما حُبَّ الدُّنْيا والِاحْتِيالَ في تَحْصِيلِها ويَضُمُّ إلَيْها أنَّهُ مَهَّدَ طَرِيقًا في الإضْلالِ باقِيًا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، فَلِذَلِكَ عَظَّمَ تَعالى ما فَعَلُوهُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: كَتَبَةُ الكِتابِ، والآخَرُ: إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ، فَهَذا الوَعِيدُ مُرَتَّبٌ عَلى الكَتَبَةِ أوْ عَلى إسْنادِ المَكْتُوبِ إلى اللَّهِ أوْ عَلَيْهِما مَعًا ؟ قُلْنا: لا شَكَّ أنَّ كَتَبَةَ الأشْياءِ الباطِلَةِ لِقَصْدِ الإضْلالِ مِنَ المُنْكَراتِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى أيْضًا كَذَلِكَ والجَمْعُ بَيْنَهُما مُنْكَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَهو تَنْبِيهٌ عَلى أمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى نِهايَةِ شَقاوَتِهِمْ لِأنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ لا يَرْضى بِالوِزْرِ القَلِيلِ في الآخِرَةِ لِأجْلِ الأجْرِ

صفحة ١٢٩

العَظِيمِ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَرْضى بِالعِقابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ لِأجْلِ النَّفْعِ الحَقِيرِ في الدُّنْيا.

الثّانِي: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ التَّحْرِيفَ دِيانَةً بَلْ إنَّما فَعَلُوهُ طَلَبًا لِلْمالِ والجاهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أخْذَ المالِ عَلى الباطِلِ وإنْ كانَ بِالتَّراضِي فَهو مُحَرَّمٌ، لِأنَّ الَّذِينَ كانُوا يُعْطُونَهُ مِنَ المالِ كانَ عَلى مَحَبَّةٍ ورِضًا، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَبَّهَ تَعالى عَلى تَحْرِيمِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ فالمُرادُ أنَّ كَتْبَتَهم لِما كَتَبُوهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ بِانْفِرادِهِ، وكَذَلِكَ أخْذُهُمُ المالَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ أعادَ ذِكْرَ الوَيْلِ في الكَسْبِ، ولَوْ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَجْمُوعَهُما يَقْتَضِي الوَعِيدَ العَظِيمَ دُونَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ، واخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ هَلِ المُرادُ ما كانُوا يَأْخُذُونَ عَلى هَذِهِ الكِتابَةِ والتَّحْرِيفِ فَقَطْ أوِ المُرادُ بِذَلِكَ سائِرُ مَعاصِيهِمْ، والأقْرَبُ في نِظامِ الكَلامِ أنَّهُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ المالِ المَأْخُوذِ عَلى هَذا الوَجْهِ وإنْ كانَ الأقْرَبُ مِن حَيْثُ العُمُومِ أنَّهُ يَشْمَلُ الكُلَّ، لَكِنَّ الَّذِي يُرَجِّحُ الأوَّلَ أنَّهُ مَتى لَمْ يُقَيَّدْ كَسْبُهم بِهَذا القَيْدِ لَمْ يَحْسُنِ الوَعِيدُ عَلَيْهِ لِأنَّ الكَسْبَ يَدْخُلُ فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، فَلا بُدَّ مِن تَقْيِيدِهِ، وأوْلى ما يُقَيَّدُ بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

قالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كِتابَتَهم لَيْسَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّها لَوْ كانَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَتْ إضافَتُها إلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ذَلِكَ حَقِيقَةً لِأنَّهُ تَعالى إذا خَلَقَها فِيهِمْ فَهَبْ أنَّ العَبْدَ مُكْتَسِبٌ إلّا أنَّ انْتِسابَ الفِعْلِ إلى الخالِقِ أقْوى مِنَ انْتِسابِهِ إلى المُكْتَسِبِ فَكانَ إسْنادُ تِلْكَ الكَتْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْلى مِن إسْنادِها إلى العَبْدِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَسْتَحِقُّوا الحَمْدَ عَلى قَوْلِهِمْ فِيها: إنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ تِلْكَ الكَتْبَةَ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعالى.

والجَوابُ: أنَّ الدّاعِيَةَ المُوجِبَةَ لَها مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ فَهي أيْضًا تَكُونُ كَذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:80Page 12

وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠

And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وهو جَزْمُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُهم إلّا أيّامًا قَلِيلَةً، وهَذا الجَزْمُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ بِالعَقْلِ البَتَّةَ أمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، فَلا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عِنْدَهم عَلى أنَّ المَعاصِيَ يُسْتَحَقُّ بِها مِنَ اللَّهِ العِقابُ الدّائِمُ، فَلَمّا دَلَّ العَقْلُ عَلى ذَلِكَ احْتِيجَ في تَقْدِيرِ العِقابِ مُدَّةً ثُمَّ في زَوالِهِ بَعْدَها إلى سَمْعٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى المَذْهَبَيْنِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وحَيْثُ تُوجَدُ الدَّلالَةُ السَّمْعِيَّةُ لَمْ يَجُزِ الجَزْمُ بِذَلِكَ، وهَهُنا مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الأيّامِ المَعْدُودَةِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأيّامِ لا تُضافُ إلّا إلى العَشْرَةِ

صفحة ١٣٠

فَما دُونَها، ولا تُضافُ إلى ما فَوْقَها. فَيُقالُ: أيّامٌ خَمْسَةٌ وأيّامٌ عَشَرَةٌ ولا يُقالُ أيّامٌ أحَدَ عَشَرَ إلّا أنَّ هَذا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣] هي أيّامُ الشَّهْرِ كُلِّهِ، وهي أزْيَدُ مِنَ العَشَرَةِ. ثُمَّ قالَ القاضِي: إذا ثَبَتَ أنَّ الأيّامَ مَحْمُولَةٌ عَلى العَشَرَةِ فَما دُونَها فالأشْبَهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ الأقَلُّ أوِ الأكْثَرُ لِأنَّ مَن يَقُولُ ثَلاثَةٌ يَقُولُ أحْمِلُهُ عَلى أقَلِّ الحَقِيقَةِ فَلَهُ وجْهٌ، ومَن يَقُولُ: عَشَرَةٌ، يَقُولُ: أحْمِلُهُ عَلى الأكْثَرِ ولَهُ وجْهٌ، فَأمّا حَمْلُهُ عَلى الواسِطَةِ أعْنِي عَلى ما هو أقَلُّ مِنَ العَشَرَةِ وأزْيَدُ مِنَ الثَّلاثَةِ فَلا وجْهَ لَهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ عَدَدٌ أوْلى مِن عَدَدٍ اللَّهُمَّ إلّا إذا جاءَتْ في تَقْدِيرِها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِها، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَدَّرُوها بِسَبْعَةِ أيّامٍ، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُ: الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا، فَكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَذِّبُنا سَبْعَةَ أيّامٍ. وحَكى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِ اليَهُودِ أنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ سَبْعَةَ أيّامٍ فَكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَذِّبُنا سَبْعَةَ أيّامٍ وهَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ كَوْنِ الدُّنْيا سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ وبَيْنَ كَوْنِ العَذابِ سَبْعَةَ أيّامٍ مُناسَبَةٌ ومُلازَمَةٌ البَتَّةَ.

وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ المَعْصِيَةِ مُقَدَّرَةً بِسَبْعَةِ أيّامٍ أنْ يَكُونَ عَذابُها كَذَلِكَ.

أمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ العاصِيَ يَسْتَحِقُّ عَلى عِصْيانِهِ العِقابَ الدّائِمَ ما لَمْ تُوجَدِ التَّوْبَةُ أوِ العَفْوُ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ العِقابُ عَلى المَعْصِيَةِ ؟ قُلْنا: إنَّ المَعْصِيَةَ تَزْدادُ بِقَدْرِ النِّعْمَةِ، فَلَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى العِبادِ خارِجَةً عَنِ الحَصْرِ والحَدِّ لا جَرَمَ كانَتْ مَعْصِيَتُهم عَظِيمَةً جِدًّا.

الوَجْهُ الثّانِي: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الأيّامَ بِالأرْبَعِينَ، وهو عَدَدُ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا العِجْلَ فِيها، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا كالكَلامِ عَلى السَّبْعَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ ”: قِيلَ في مَعْنى“ مَعْدُودَةً ”قَلِيلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ؛ ذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ ثَلاثَةُ أيّامٍ وأكْثَرَهُ عَشَرَةٌ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﷺ:“ «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» ”، فَمُدَّةُ الحَيْضِ ما يُسَمّى أيّامًا وأقَلُّ عَدَدٍ يُسَمّى أيّامًا ثَلاثَةً وأكْثَرُهُ عَشَرَةٌ عَلى ما بَيَّنّاهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أقَلُّ الحَيْضِ ثَلاثَةً وأكْثَرُهُ عَشَرَةً، والإشْكالُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ هَهُنا: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وفي آلِ عِمْرانَ: ﴿إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ كانَتِ الأُولى مَعْدُودَةً والثّانِيَةُ مَعْدُوداتٍ والمَوْصُوفُ في المَكانَيْنِ مَوْصُوفٌ واحِدٌ وهو“ أيّامًا ”؟

والجَوابُ: أنَّ الِاسْمَ إنْ كانَ مُذَكَّرًا فالأصْلُ في صِفَةِ جَمْعِهِ التّاءُ، يُقالُ: كُوزٌ وكِيزانُ مَكْسُورَةٌ وثِيابٌ مَقْطُوعَةٌ، وإنْ كانَ مُؤَنَّثًا كانَ الأصْلُ في صِفَةِ جَمْعِهِ الألِفَ والتّاءَ، يُقالُ: جَرَّةٌ وجِرارٌ مَكْسُوراتٌ وخابِيَةٌ وخَوابِي مَكْسُوراتٌ. إلّا أنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الجَمْعُ بِالألِفِ والتّاءِ فِيما واحِدُهُ مُذَكَّرٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ نادِرًا نَحْوَ حَمّامٌ وحَمّاماتٌ وجَمَلٌ سِبَطْرٌ وسِبَطْراتٌ وعَلى هَذا ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] و﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحج: ٢٨] فاللَّهُ تَعالى تَكَلَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما هو الأصْلُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وفي آلِ عِمْرانَ بِما هو الفَرْعُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٣١

المَسْألَةُ الأُولى: العَهْدُ في هَذا المَوْضِعِ يَجْرِي مَجْرى الوَعْدِ والخَبَرِ، وإنَّما سُمِّيَ خَبَرُهُ سُبْحانَهُ عَهْدًا لِأنَّ خَبَرَهُ سُبْحانَهُ أوْكَدُ مِنَ العُهُودِ المُؤَكَّدَةِ مِنّا بِالقَسَمِ والنَّذْرِ، فالعَهْدُ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا بِهَذا الوَجْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ:“ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَّخَذْتُمْ﴾ لَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ، بَلْ هو إنْكارٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ تَعالى حُجَّةَ رَسُولِهِ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ أنْ يَسْتَفْهِمَهم، بَلِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ وهي أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ هَذا التَّقْدِيرِ إلّا بِالسَّمْعِ، فَلَمّا لَمْ يُوجَدِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ وجَبَ ألّا يَجُوزَ الجَزْمُ بِهَذا التَّقْدِيرِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ وعْدُهُ ووَعِيدُهُ. قالَ أصْحابُنا: لِأنَّ الكَذِبَ صِفَةُ نَقْصٍ، والنَّقْصُ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِقُبْحِ القَبِيحِ وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، والكَذِبُ قَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ والعالِمُ بِقُبْحِ القَبِيحِ وبِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَفْعَلَهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِنهُ مُحالٌ، فَلِهَذا قالَ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، فَإنْ قِيلَ: العَهْدُ هو الوَعْدُ وتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُ، فَلَمّا خَصَّ الوَعْدَ بِأنَّهُ لا يُخْلِفُهُ عَلِمْنا أنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ جائِزٌ، ثُمَّ العَقْلُ يُطابِقُ ذَلِكَ، لِأنَّ الخُلْفَ في الوَعْدِ لُؤْمٌ وفي الوَعِيدِ كَرَمٌ. قُلْنا: الدَّلالَةُ المَذْكُورَةُ قائِمَةٌ في جَمِيعِ أنْواعِ الكَذِبِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَكُنْ وعَدَ مُوسى ولا سائِرَ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ أهْلَ المَعاصِي والكَبائِرِ مِنَ النّارِ بَعْدَ التَّكْذِيبِ، لِأنَّهُ لَوْ وعَدَهم بِذَلِكَ لَما جازَ أنَّ يُنْكِرَ عَلى اليَهُودِ هَذا القَوْلَ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما دَلَّهم عَلى ذَلِكَ وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى دَلَّهم عَلى وعِيدِ العُصاةِ إذا كانَ بِذَلِكَ زَجْرُهم عَنِ الذُّنُوبِ، فَقَدْ وجَبَ أنْ يَكُونَ عَذابُهم دائِمًا عَلى ما هو قَوْلُ الوَعِيدِيَّةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في سائِرِ الأُمَمِ وجَبَ ثُبُوتُهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ، لِأنَّ حُكْمَهُ تَعالى في الوَعْدِ والوَعِيدِ لا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ في الأُمَمِ، إذْ كانَ قَدْرُ المَعْصِيَةِ مِنَ الجَمِيعِ لا يَخْتَلِفُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَجْهَ في نِهايَةِ التَّعَسُّفِ فَنَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى ما وعَدَ مُوسى أنَّهُ يُخْرِجُ أهْلَ الكَبائِرِ مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: لَوْ وعَدَهم بِذَلِكَ لَما أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ قَوْلَهم، قُلْنا: لِمَ قُلْتَ إنَّهُ تَعالى لَوْ وعَدَهم ذَلِكَ لَما أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ ذَلِكَ، وما الدَّلِيلُ عَلى هَذِهِ المُلازَمَةِ ؟ ثُمَّ إنّا نُبَيِّنُ شَرْعًا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم قَلَّلُوا أيّامَ العَذابِ، فَإنَّ قَوْلَهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ يَدُلُّ عَلى أيّامٍ قَلِيلَةٍ جِدًّا، فاللَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَزْمَهم بِهَذِهِ القِلَّةِ لا أنَّهُ تَعالى أنْكَرَ عَلَيْهِمُ انْقِطاعَ العَذابِ.

وثانِيها: أنَّ المُرْجِئَةَ يَقْطَعُونَ في الجُمْلَةِ بِالعَفْوِ، فَأمّا في حَقِّ الشَّخْصِ المُعَيَّنِ فَلا سَبِيلَ إلى القَطْعِ، فَلَمّا حَكَمُوا في حَقِّ أنْفُسِهِمْ بِالتَّخْفِيفِ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ لا جَرَمَ أنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.

وثالِثُها: أنَّهم كانُوا كافِرِينَ وعِنْدَنا عَذابُ الكافِرِ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ، سَلَّمْنا أنَّهُ تَعالى ما وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُخْرِجُ أهْلَ الكَبائِرِ مِنَ النّارِ، فَلِمَ قُلْتَ أنَّهُ لا يُخْرِجُهم مِنَ النّارِ ؟ بَيانُهُ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى ما وعَدَهُ إخْراجَهم مِنَ النّارِ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ لا يُخْرِجُهم مِنَ النّارِ والأوَّلُ لا مَضَرَّةَ فِيهِ، فَإنَّهُ تَعالى رُبَّما

صفحة ١٣٢

لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِمُوسى إلّا أنَّهُ سَيَفْعَلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما رَدَّ عَلى اليَهُودِ وذَلِكَ لِأنَّهم جَزَمُوا بِهِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، فَكانَ يَلْزَمُهم أنْ يَتَوَقَّفُوا فِيهِ وأنْ لا يَقْطَعُوا لا بِالنَّفْيِ ولا بِالإثْباتِ، سَلَّمْنا أنَّهُ تَعالى لا يُخْرِجُ عُصاةَ قَوْمِ مُوسى مِنَ النّارِ، فَلِمَ قُلْتَ: إنَّهُ لا يُخْرِجُ عُصاةَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ النّارِ، وأمّا قَوْلُ الجُبّائِيِّ: لِأنَّ حُكْمَهُ تَعالى في الوَعْدِ والوَعِيدِ لا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ في الأُمَمِ. فَهو تَحَكُّمٌ مَحْضٌ، فَإنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى، فَلَهُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى البَعْضِ بِالإسْقاطِ وأنْ لا يَتَفَضَّلَ بِذَلِكَ عَلى الباقِينَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَهو بَيانٌ لِتَمامِ الحُجَّةِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّهُ إذا كانَ لا طَرِيقَ إلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ إلّا السَّمْعُ وثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ السَّمْعُ، كانَ الجَزْمُ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ قَوْلًا عَلى اللَّهِ تَعالى بِما لا يَكُونُ مَعْلُومًا لا مَحالَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَوائِدَ:

أحُدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا عابَ عَلَيْهِمُ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ لا عَنْ دَلِيلٍ عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ باطِلٌ.

وثانِيها: أنَّ كُلَّ ما جازَ وُجُودُهُ وعَدَمُهُ عَقْلًا لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلى الإثْباتِ أوْ إلى النَّفْيِ إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ.

وثالِثُها: أنَّ مُنْكِرِي القِياسِ وخَبَرِ الواحِدِ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ. قالُوا: لِأنَّ القِياسَ وخَبَرَ الواحِدِ لا يُفِيدُ العِلْمَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ التَّمَسُّكُ بِهِ جائِزًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الإنْكارِ.

والجَوابُ: أنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ عِنْدَ حُصُولِ الظَّنِّ المُسْتَنِدِ إلى القِياسِ أوْ إلى خَبَرِ الواحِدِ كانَ وُجُوبُ العَمَلِ مَعْلُومًا، فَكانَ القَوْلُ بِهِ قَوْلًا بِالمَعْلُومِ لا بِغَيْرِ المَعْلُومِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском