Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:81–82

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:81–82, continued

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّهُ يَغْفِرُ كُلَّ ما سِوى الشِّرْكِ وذَلِكَ يَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وقَبْلَ التَّوْبَةِ إلّا أنَّ غُفْرانَ كُلِّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ يَحْتَمِلُ قِسْمَيْنِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَغْفِرَ كُلَّها لِكُلِّ أحَدٍ وأنْ يَغْفِرَ كُلَّها لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كُلَّ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كُلَّ تِلْكَ الأشْياءِ لا لِلْكُلِّ بَلْ لِلْبَعْضِ. وهَذا الوَجْهُ هو اللّائِقُ بِأُصُولِنا، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَغْفِرَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ العُصاةَ في الآخِرَةِ، بَيانُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ إسْقاطُ العِقابِ وإسْقاطُ العِقابِ أعَمُّ مِن إسْقاطِ العِقابِ دائِمًا أوْ لا دائِمًا واللَّفْظُ المَوْضُوعُ بِإزاءِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ لا إشْعارَ لَهُ بِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ القَيْدَيْنِ، فَإذَنْ لَفْظُ المَغْفِرَةِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الإسْقاطِ الدّائِمِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ عَنِ الدُّنْيا ويُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ ما دُونَ الشِّرْكِ عَنِ الدُّنْيا لِمَن يَشاءُ، لا يُقالُ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا ونَحْنُ لا نَرى مَزِيدًا لِلْكُفّارِ في عِقابِ الدُّنْيا عَلى المُؤْمِنِينَ لِأنّا نَقُولُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ لا يُؤَخِّرُ عِقابَ الشِّرْكِ في الدُّنْيا لِمَن يَشاءُ ويُؤَخِّرُ عِقابَ ما دُونَ الشِّرْكِ في الدُّنْيا لِمَن يَشاءُ فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَخْوِيفُ كِلا الفَرِيقَيْنِ بِتَعْجِيلِ العِقابِ لِلْكُفّارِ والفُسّاقِ لِتَجْوِيزِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ أنْ يُعَجِّلَ عِقابَهُ، وإنْ كانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنهم. سَلَّمْنا أنَّ الغُفْرانَ عِبارَةٌ عَنِ الإسْقاطِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى مَغْفِرَةِ التّائِبِ ومَغْفِرَةِ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ ؟ أمّا الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُولى: فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أُصُولٍ لا يَقُولُونَ بِها وهي وُجُوبُ مَغْفِرَةِ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ.

وأمّا الوَجْهُ الرّابِعُ: فَلا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصِحُّ إدْخالُ لَفْظِ

صفحة ١٤٥

”كُلُّ“ و”بَعْضُ“ عَلى البَدَلِ عَلَيْهِ مِثْلَ أنْ يُقالَ: ويَغْفِرُ كُلَّ ما دُونَ ذَلِكَ. ويَغْفِرُ بَعْضَ ما دُونَ ذَلِكَ ولَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ لَما صَحَّ ذَلِكَ، سَلَّمْنا أنَّهُ لِلْعُمُومِ ولَكِنّا نُخَصِّصُهُ بِصاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآياتِ الوارِدَةَ في الوَعِيدِ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الكَبائِرِ مِثْلَ القَتْلِ والزِّنا، وهَذِهِ الآيَةُ مُتَناوِلَةٌ لِجَمِيعِ المَعاصِي والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، فَآياتُ الوَعِيدِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُقَدَّمَةً عَلى هَذِهِ الآيَةِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنّا إذا حَمَلْنا المَغْفِرَةَ عَلى تَأْخِيرِ العِقابِ وجَبَ بِحُكْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ عِقابُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا أكْثَرَ مِن عِقابِ المُؤْمِنِينَ وإلّا لَمْ يَكُنْ في هَذا التَّفْصِيلِ فائِدَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] الآيَةَ. قَوْلُهُ: لِمَ قُلْتُمْ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما دُونَ ذَلِكَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ ؟ قُلْنا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ”ما“ تُفِيدُ الإشارَةَ إلى الماهِيَّةِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها دُونَ الشِّرْكِ، وهَذِهِ الماهِيَّةُ ماهِيَّةٌ واحِدَةٌ، وقَدْ حَكَمَ قَطْعًا بِأنَّهُ يَغْفِرُها، فَفي كُلِّ صُورَةٍ تَتَحَقَّقُ فِيها هَذِهِ الماهِيَّةُ وجَبَ تَحَقُّقُ الغُفْرانِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لِلْعُمُومِ ولِأنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ أيِّ مَعْصِيَةٍ كانَتْ مِنها وعِنْدَ الوَعِيدِيَّةِ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ، أمّا قَوْلُهُ: آياتُ الوَعِيدِ أخَصُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، قُلْنا: لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أخَصُّ مِنها لِأنَّها تُفِيدُ العَفْوَ عَنِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ وما ذَكَرْتُمُوهُ يُفِيدُ الوَعِيدَ لِلْكُلِّ، ولِأنَّ تَرْجِيحَ آياتِ العَفْوِ أوْلى لِكَثْرَةِ ما جاءَ في القُرْآنِ والأخْبارِ مِنَ التَّرْغِيبِ في العَفْوِ.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: أنْ نَتَمَسَّكَ بِعُمُوماتِ الوَعْدِ وهي كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، ثُمَّ نَقُولُ: لَمّا وقَعَ التَّعارُضُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ أوْ مِنَ التَّوْفِيقِ، والتَّرْجِيحُ مَعْناهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ عُمُوماتِ الوَعْدِ أكْثَرُ، والتَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الأدِلَّةِ أمْرٌ مُعْتَبَرٌ في الشَّرْعِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى صِحَّتِهِ في أُصُولِ الفِقْهِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَسَنَةَ إنَّما كانَتْ مُذْهِبَةً لِلسَّيِّئَةِ لِكَوْنِها حَسَنَةً عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذا الإيماءِ أنْ تَكُونَ كُلُّ حَسَنَةٍ مُذْهِبَةً لِكُلِّ سَيِّئَةٍ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّ الحَسَناتِ الصّادِرَةِ مِنَ الكُفّارِ، فَإنَّها لا تُذْهِبُ سَيِّئاتِهِمْ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ في الباقِي.

وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَ عَلى العَشْرَةِ فَقالَ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] ثُمَّ زادَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] وأمّا في جانِبِ السَّيِّئَةِ فَقالَ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وهَذا في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ جانِبَ الحَسَنَةِ راجِحٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى جانِبِ السَّيِّئَةِ.

ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ في آيَةِ الوَعْدِ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] فَقَوْلُهُ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ إنَّما ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ ولَمْ يَقُلْ في شَيْءٍ مِنَ المَواضِعِ وعِيدُ اللَّهِ حَقًّا.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] الآيَةَ، يَتَناوَلُ الوَعْدَ والوَعِيدَ.

وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١٠، ١١١] والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ وهو غَيْرُ التَّوْبَةِ فَصَرَّحَ هَهُنا بِأنَّهُ سَواءٌ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ فَإذا اسْتَغْفَرَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ولَمْ يَقُلْ ومَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّهُ يَجِدِ اللَّهَ مُعَذِّبًا مُعاقِبًا، بَلْ قالَ: ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ جانِبَ الحَسَنَةِ راجِحٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ﴾ ?

صفحة ١٤٦

﴿لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] ولَمْ يَقُلْ: وإنْ أسَأْتُمْ أسَأْتُمْ لَها فَكَأنَّهُ تَعالى أظْهَرَ إحْسانَهُ بِأنْ أعادَهُ مَرَّتَيْنِ وسَتَرَ عَلَيْهِ إساءَتَهُ بِأنْ لَمْ يَذْكُرْها إلّا مَرَّةً واحِدَةً، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الحَسَنَةِ راجِحٌ.

وسادِسُها: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] لا يَتَناوَلُ إلّا العَفْوَ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ هَذِهِ الآيَةَ في السُّورَةِ الواحِدَةِ مَرَّتَيْنِ والإعادَةُ لا تَحْسُنُ إلّا لِلتَّأْكِيدِ، ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِن آياتِ الوَعِيدِ عَلى وجْهِ الإعادَةِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، لا في سُورَةٍ واحِدَةٍ ولا في سُورَتَيْنِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِجانِبِ الوَعْدِ عَلى الحَسَناتِ والعَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ أتَمُّ.

وسابِعُها: أنَّ عُمُوماتِ الوَعْدِ والوَعِيدِ لَمّا تَعارَضَتْ فَلا بُدَّ مِن صَرْفِ التَّأْوِيلِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وصَرْفُ التَّأْوِيلِ إلى الوَعِيدِ أحْسَنُ مِن صَرْفِهِ إلى الوَعْدِ لِأنَّ العَفْوَ عَنِ الوَعِيدِ مُسْتَحْسَنٌ في العُرْفِ وإهْمالُ الوَعْدِ مُسْتَقْبَحٌ في العُرْفِ، فَكانَ صَرْفُ التَّأْوِيلِ إلى الوَعِيدِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الوَعْدِ.

وثامِنُها: أنَّ القُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِن كَوْنِهِ تَعالى غافِرًا غَفُورًا غَفّارًا وأنَّ لَهُ الغُفْرانَ والمَغْفِرَةَ، وأنَّهُ تَعالى رَحِيمٌ كَرِيمٌ، وأنَّ لَهُ العَفْوَ والإحْسانَ والفَضْلَ والإفْضالَ، والأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ قَدْ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَكِّدُ جانِبَ الوَعْدِ ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَعِيدٌ عَنِ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ والعَفْوِ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ رُجْحانَ جانِبِ الوَعْدِ عَلى جانِبِ الوَعِيدِ.

وتاسِعُها: أنَّ هَذا الإنْسانَ أتى بِما هو أفْضَلُ الخَيْراتِ وهو الإيمانُ ولَمْ يَأْتِ بِما هو أقْبَحُ القَبائِحِ وهو الكُفْرُ، بَلْ أتى بِالشَّرِّ الَّذِي هو في طَبَقَةِ القَبائِحِ لَيْسَ في الغايَةِ، والسَّيِّدُ الَّذِي لَهُ عَبْدٌ ثُمَّ أتى عَبْدُهُ بِأعْظَمِ الطّاعاتِ وأتى بِمَعْصِيَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ فَلَوْ رَجَّحَ المَوْلى تِلْكَ المَعْصِيَةَ المُتَوَسِّطَةَ عَلى الطّاعَةِ العَظِيمَةِ لَعُدَّ ذَلِكَ السَّيِّدُ لَئِيمًا مُؤْذِيًا فَكَذا هَهُنا، فَلَمّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ ثَبَتَ أنَّ الرُّجْحانَ لِجانِبِ الوَعْدِ.

وعاشِرُها: قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ الرّازِيُّ: إلَهِي إذا كانَ تَوْحِيدُ ساعَةٍ يَهْدِمُ كُفْرَ خَمْسِينَ سَنَةٍ فَتَوْحِيدُ خَمْسِينَ سَنَةٍ كَيْفَ لا يَهْدِمُ مَعْصِيَةَ ساعَةٍ ! إلَهِي لَمّا كانَ الكُفْرُ لا يَنْفَعُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الطّاعاتِ كانَ مُقْتَضى العَدْلِ أنَّ الإيمانَ لا يَضُرُّ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي وإلّا فالكُفْرُ أعْظَمُ مِنَ الإيمانِ ! فَإنْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا أقَلَّ مِن رَجاءِ العَفْوِ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

الحادِيَ عَشَرَ: أنا قَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الصَّغِيرَةِ ولا عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَلَوْ لَمْ تَحْمِلْهُ عَلى الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ لَزِمَ تَعْطِيلُ الآيَةِ، أمّا لَوْ خَصَّصْنا عُمُوماتِ الوَعِيدِ بِمَن يَسْتَحِلُّها لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ إلّا تَخْصِيصُ العُمُومِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّخْصِيصَ أهْوَنُ مِنَ التَّعْطِيلِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: تَرْجِيحُ جانِبِ الوَعِيدِ أوْلى مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: هو أنَّ الأُمَّةَ اتَّفَقَتْ عَلى أنَّ الفاسِقَ يُلْعَنُ ويُحَدُّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ والعَذابِ وأنَّهُ أهْلُ الخِزْيِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ وإذا كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ اسْتَحالَ أنْ يَبْقى في تِلْكَ الحالَةِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ جانِبُ الوَعِيدِ راجِحًا عَلى جانِبِ الوَعْدِ. أمّا بَيانُ أنَّهُ يُلْعَنُ، فالقُرْآنُ والإجْماعُ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى في قاتِلِ المُؤْمِنِ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وأمّا الإجْماعُ فَظاهِرٌ، وأمّا أنَّهُ يُحَدُّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] وأمّا أنَّهُ يُحَدُّ عَلى سَبِيلِ العَذابِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى في الزّانِي: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وأمّا أنَّهم أهْلُ الخِزْيِ فَلِقَوْلِهِ تَعالى في قُطّاعِ الطَّرِيقِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] . وإذا ثَبَتَ كَوْنُ الفاسِقِ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ ثَبَتَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذابِ والذَّمِّ، ومَن كانَ مُسْتَحِقًّا لَهُما دائِمًا ومَتى اسْتَحَقَّهُما دائِمًا امْتَنَعَ أنْ يَبْقى مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، لِأنَّ

صفحة ١٤٧

الثَّوابَ والعِقابَ مُتَنافِيانِ، فالجَمْعُ بَيْنَ اسْتِحْقاقِهِما مُحالٌ، وإذا لَمْ يَبْقَ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ ثَبَتَ أنْ جانِبَ الوَعِيدِ راجِحٌ عَلى جانِبِ الوَعْدِ.

وثانِيها: أنَّ آياتِ الوَعْدِ عامَّةٌ وآياتِ الوَعِيدِ خاصَّةٌ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.

وثالِثُها: أنَّ النّاسَ جُبِلُوا عَلى الفَسادِ والظُّلْمِ فَكانَتِ الحاجَةُ إلى الزَّجْرِ أشَدَّ، فَكانَ جانِبُ الوَعِيدِ أوْلى.

قُلْنا: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: كَما وُجِدَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهم يُلْعَنُونَ ويُعَذَّبُونَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَذَلِكَ أيْضًا وُجِدَتْ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهم يُعَظَّمُونَ ويُكْرَمُونَ في الدُّنْيا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فَلَيْسَ تَرْجِيحُ آياتِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم يُعَظَّمُونَ ويُعَذَّبُونَ في الدُّنْيا بِأوْلى مِن تَرْجِيحِ آياتِ الوَعْدِ في الآخِرَةِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم يُعَظَّمُونَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ في الدُّنْيا.

الثّانِي: فَكَما أنَّ آياتِ الوَعْدِ مُعارِضَةٌ لِآياتِ الوَعِيدِ في الآخِرَةِ فَهي مُعارِضَةٌ لِآياتِ الوَعِيدِ والنَّكالِ في الدُّنْيا، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ آياتِ وعِيدِ الدُّنْيا عَلى آياتِ وعِيدِ الآخِرَةِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ .

الثّالِثُ: أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ السّارِقَ وإنْ تابَ إلّا أنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ لا نَكالًا ولَكِنِ امْتِحانًا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: (﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا﴾ [المائدة: ٣٨] مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ العَفْوِ ؟ .

والرّابِعُ: أنَّ الجَزاءَ ما يُجْزِي ويَكْفِي وإذا كانَ كافِيًا وجَبَ أنْ لا يَجُوزَ العِقابُ في الآخِرَةِ وإلّا قَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُجْزِيًا وكافِيًا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا يُنافِي العَذابَ في الآخِرَةِ، وإذا ثَبَتَ فَسادُ قَوْلِهِمْ في تَرْجِيحِ جانِبِ الوَعِيدِ فَنَقُولُ: الآيَتانِ الدّالَّتانِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ مَوْجُودَتانِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُما، فَأمّا أنْ يُقالَ: العَبْدُ يَصِلُ إلَيْهِ الثَّوابُ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى دارِ العِقابَ وهو قَوْلٌ باطِلٌ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، أوْ يُقالُ: العَبْدُ يَصِلُ إلَيْهِ العِقابُ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى دارِ الثَّوابِ ويَبْقى هُناكَ أبَدَ الآبادِ وهو المَطْلُوبُ.

أمّا التَّرْجِيحُ الثّانِي فَهو ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] لا يَتَناوَلُ الكُفْرَ وقَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] يَتَناوَلُ الكُلَّ فَكانَ قَوْلُنا هو الخاصُّ واللَّهُ أعْلَمُ.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَأْثِيرَ شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في إسْقاطِ العِقابِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا في هَذِهِ المَسْألَةِ.

الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وهو نَصٌّ في المَسْألَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ إنْ دَلَّتْ فَإمّا تَدُلُّ عَلى القَطْعِ بِالمَغْفِرَةِ لِكُلِّ العُصاةِ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِهَذا المَذْهَبِ، فَما تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَقُولُونَ بِهِ وما تَقُولُونَ بِهِ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلَيْهِ ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ، لَكِنَّ المُرادَ بِها أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ مَعَ التَّوْبَةِ، وحَمْلُ الآيَةِ عَلى هَذا المَحْمَلِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنّا إذا حَمَلْناها عَلى هَذا الوَجْهِ فَقَدْ حَمَلْناها عَلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ [الزمر: ٥٤] والإنابَةُ هي التَّوْبَةُ. فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ شَرْطٌ فِيهِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وعْدٌ مِنهُ بِأنَّهُ تَعالى سَيُسْقِطُها في المُسْتَقْبَلِ، ونَحْنُ نَقْطَعُ بِأنَّهُ سَيَفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ذَلِكَ، فَإنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى سَيُخْرِجُ المُؤْمِنِينَ مِنَ النّارِ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ هَذا قَطْعًا بِالغُفْرانِ لا مَحالَةَ، وبِهَذا ثَبَتَ أنَّهُ لا حاجَةَ في إجْراءِ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها عَلى قَيْدِ التَّوْبَةِ، فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ فَنَقُولُ: إنَّ المُعْتَزِلَةَ فَسَّرُوا كَوْنَ الخَطِيئَةِ مُحِيطَةً بِكَوْنِها كَبِيرَةً مُحْبِطَةً لِثَوابِ فاعِلِها، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ مِن وُجُوهٍ:

صفحة ١٤٨

الأوَّلُ: أنَّهُ كَما أنَّ مِن شَرْطِ كَوْنِ السَّيِّئَةِ مُحِيطَةً بِالإنْسانِ كَوْنُها كَبِيرَةً فَكَذَلِكَ شَرْطُ هَذِهِ الإحاطَةِ عَدَمُ العَفْوِ، لِأنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ العَفْوُ لَما تَحَقَّقَتْ إحاطَةُ السَّيِّئَةِ بِالإنْسانِ، فَإذَنْ لا يَثْبُتُ كَوْنُ السَّيِّئَةِ مُحِيطَةً بِالإنْسانِ إلّا إذا ثَبَتَ عَدَمُ العَفْوِ، وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ ويَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثُبُوتِ المَطْلُوبِ وهو باطِلٌ.

الثّانِي: أنّا لا نُفَسِّرُ إحاطَةَ الخَطِيئَةِ بِكَوْنِها كَبِيرَةً، بَلْ نُفَسِّرُها بِأنْ يَكُونَ ظاهِرُهُ وباطِنُهُ مَوْصُوفًا بِالمَعْصِيَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ في حَقِّ الكافِرِ الَّذِي يَكُونُ عاصِيًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ وجَوارِحِهِ، فَأمّا المُسْلِمُ الَّذِي يَكُونُ مُطِيعًا لِلَّهِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ ويَكُونُ عاصِيًا لِلَّهِ تَعالى بِبَعْضِ أعْضائِهِ دُونَ البَعْضِ فَهَهُنا لا تَتَحَقَّقُ إحاطَةُ الخَطِيئَةِ بِالعَبْدِ، ولا شَكَّ أنَّ تَفْسِيرَ الإحاطَةِ بِما ذَكَرْناهُ أوْلى، لِأنَّ الجِسْمَ إذا مَسَّ بَعْضَ أجْزاءِ جِسْمٍ آخَرَ دُونَ بَعْضٍ لا يُقالُ إنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا تَتَحَقَّقُ إحاطَةُ الخَطِيئَةِ بِالعَبْدِ إلّا إذا كانَ كافِرًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ النّارِ لَيْسُوا إلّا هم وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ صاحِبُ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ النّارِ.

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهم في النّارِ في الحالِ وذَلِكَ باطِلٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ النّارَ. ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: لَكِنْ لا نِزاعَ في أنَّهُ تَعالى هَلْ يَعْفُو عَنْ هَذا الحَقِّ وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ، ولْنَخْتِمِ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ: وهي أنَّ الشَّرْطَ هَهُنا أمْرانِ:

أحَدُهُما: اكْتِسابُ السَّيِّئَةِ.

والثّانِي: إحاطَةُ تِلْكَ السَّيِّئَةِ بِالعَبْدِ، والجَزاءُ المُعَلَّقُ عَلى وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ لا يُوجَدُ عِنْدَ حُصُولِ أحَدِهِما. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن عَقَدَ اليَمِينَ عَلى شَرْطَيْنِ في طَلاقٍ أوْ إعْتاقٍ أنَّهُ لا يَحْنَثُ بِوُجُودِ أحَدِهِما واللَّهُ أعْلَمُ.

2:82Page 12

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما ذَكَرَ في القُرْآنِ آيَةً في الوَعِيدِ إلّا وذَكَرَ بِجَنْبِها آيَةً في الوَعْدِ، وذَلِكَ لِفَوائِدَ:

أحَدُها: لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ عَدْلَهُ سُبْحانَهُ، لِأنَّهُ لَمّا حَكَمَ بِالعَذابِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ وجَبَ أنْ يَحْكُمَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الإيمانِ.

وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَدِلَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “، وذَلِكَ الِاعْتِدالُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ.

وثالِثُها: أنَّهُ يُظْهِرُ بِوَعْدِهِ كَمالَ رَحْمَتِهِ وبِوَعِيدِهِ كَمالَ حِكْمَتِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعِرْفانِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العَمَلُ الصّالِحُ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَلَوْ دَلَّ الإيمانُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ لَكانَ ذِكْرُ العَمَلِ الصّالِحِ بَعْدَ الإيمانِ تَكْرارًا، أجابَ القاضِي بِأنَّ الإيمانَ وإنْ كانَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: آمَنَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا واحِدًا مِن أفْعالِ الإيمانِ، فَلِهَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .

والجَوابُ: أنَّ فِعْلَ الماضِي يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَصْدَرِ في زَمانٍ مَضى والإيمانُ هو المَصْدَرُ، فَلَوْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: آمَنَ دَلِيلًا عَلى صُدُورِ كُلِّ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٤٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ قَدْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ لِأنّا نَتَكَلَّمُ فِيمَن أتى بِالإيمانِ وبِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِالكَبِيرَةِ ولَمْ يَتُبْ عَنْها فَهَذا الشَّخْصُ قَبْلَ إتْيانِهِ بِالكَبِيرَةِ كانَ قَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَن صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ وإذا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إلّا إذا أتى بِجَمِيعِ الصّالِحاتِ ومِن جُمْلَةِ الصّالِحاتِ التَّوْبَةُ، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِها لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالصّالِحاتِ، فَلا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الآيَةِ. قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ قَبْلَ الإتْيانِ بِالكَبِيرَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإذا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ؛ لِأنَّهُ مَتى صَدَقَ المُرَكَّبُ يَجِبُ صِدْقُ المُفْرَدِ، بَلْ إنَّهُ إذا أتى بِالكَبِيرَةِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، لَكِنَّ قَوْلَنا: آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ أعَمُّ مِن قَوْلِنا: إنَّهُ كَذَلِكَ في كُلِّ الأوْقاتِ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، والمُعْتَبَرُ في الآيَةِ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ حُكْمِ الوَعْدِ. بَقِيَ قَوْلُهم: إنَّ الفاسِقَ أحْبَطَ عِقابُ مَعْصِيَتِهِ ثَوابَ طاعَتِهِ فَيَكُونُ التَّرْجِيحُ لِجانِبِ الوَعِيدِ إلّا أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها تَفَضُّلًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لِلْحَصْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أصْحابٌ إلّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَها فَمَن أُعْطِيَ الجَنَّةَ تَفَضُّلًا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذا الحُكْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском