Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:9–13

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:9–13

2:9–10Page 3

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩

They [think to] deceive Allāh and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠

In their hearts is disease, so Allāh has increased their disease;1 and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ أرْبَعَةَ أشْياءَ:

أحَدُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أوَّلًا: ما المُخادَعَةُ، ثُمَّ ثانِيًا: ما المُرادُ بِمُخادَعَةِ اللَّهِ ؟ وثالِثًا: أنَّهم لِماذا كانُوا يُخادِعُونَ اللَّهَ ؟ ورابِعًا: أنَّهُ ما المُرادُ بِقَوْلِهِ وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم ؟

صفحة ٥٧

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ الخَدِيعَةَ مَذْمُومَةٌ، والمَذْمُومُ يَجِبُ أنْ يُمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ لِكَيْ لا يُفْعَلَ، وأصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الإخْفاءُ، وسُمِّيَتِ الخِزانَةُ المِخْدَعَ، والأخْدَعانِ عِرْقانِ في العُنُقِ؛ لِأنَّهُما خَفِيّانِ، وقالُوا: خَدَعَ الضَّبُّ خَدْعًا إذا تَوارى في جُحْرِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ إلّا قَلِيلًا، وطَرِيقٌ خَيْدَعٌ وخَدّاعٌ، إذا كانَ مُخالِفًا لِلْمَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يُفْطَنُ لَهُ، ومِنهُ المَخْدَعُ، وأمّا حَدُّها فَهو إظْهارُ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ والسَّدادَ، وإبْطانُ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ والتَّخَلُّصَ مِنهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ النِّفاقِ في الكُفْرِ والرِّياءِ في الأفْعالِ الحَسَنَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِخِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الدِّينُ؛ لِأنَّ الدِّينَ يُوجِبُ الِاسْتِقامَةَ والعُدُولَ عَنِ الغُرُورِ والإساءَةِ، كَما يُوجِبُ المُخالَصَةَ لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، ومِن هَذا الجِنْسِ وصْفُهُمُ المُرائِيَ بِأنَّهُ مُدَلِّسٌ إذا أظْهَرَ خِلافَ مُرادِهِ، ومِنهُ أُخِذَ التَّدْلِيسُ في الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ يُوهِمُ السَّماعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ، وإذا أعْلَنَ ذَلِكَ لا يُقالُ إنَّهُ مُدَلِّسٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم كَيْفَ خادَعُوا اللَّهَ تَعالى ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعَةٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الضَّمائِرَ والسَّرائِرَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُخادَعَ؛ لِأنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَوْ أظْهَرُوا أنَّ الباطِنَ بِخِلافِ الظّاهِرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خِداعًا، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ البَواطِنُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُخادَعَ.

الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهم في نِفاقِهِمْ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ بِهِ رَسُولَهُ عَلى عادَتِهِ في تَفْخِيمِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وقالَ في عَكْسِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] أضافَ السَّهْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الرَّسُولُ إلى نَفْسِهِ، فالمُنافِقُونَ لَمّا خادَعُوا الرَّسُولَ قِيلَ إنَّهم خادَعُوا اللَّهَ تَعالى.

الثّانِي: أنْ يُقالَ: صُورَةُ حالِهِمْ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ يُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم كافِرُونَ صُورَةُ مَن يُخادِعُ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وهم عِنْدَهُ في عِدادِ الكَفَرَةِ صُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ فَأجْرَوْا أحْكامَهُ عَلَيْهِمْ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَهي في بَيانِ الغَرَضِ مِن ذَلِكَ الخِداعِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهم ظَنُّوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يُجْرُونَهم في التَّعْظِيمِ والإكْرامِ مَجْرى سائِرِ المُؤْمِنِينَ إذا أظْهَرُوا لَهُمُ الإيمانَ وإنْ أسَرُّوا خِلافَهُ فَمَقْصُودُهم مِنَ الخِداعِ هَذا.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم إفْشاءَ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْهِمْ أسْرارَهُ، وإفْشاءَ المُؤْمِنِينَ أسْرارَهم فَيَنْقُلُونَها إلى أعْدائِهِمْ مِنَ الكُفّارِ.

الثّالِثُ: أنَّهم دَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أحْكامَ الكُفّارِ مِثْلَ القَتْلِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“» .

الرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يَطْمَعُونَ في أمْوالِ الغَنائِمِ، فَإنْ قِيلَ: فاللَّهُ تَعالى كانَ قادِرًا عَلى أنْ يُوحِيَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هَتْكًا لِسِتْرِهِمْ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى اسْتِئْصالِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ ولَكِنَّهُ تَعالى أبْقاهم وقَوّاهم، إمّا لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ أوْ لِحِكْمَةٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا هو، فَإنْ قِيلَ: هَلْ لِلِاقْتِصارِ بِخادَعْتُ عَلى واحِدٍ وجْهٌ صَحِيحٌ ؟ قُلْنا: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وجْهُهُ أنْ يُقالَ: عَنى بِهِ فَعَلْتُ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ في زِنَةِ فاعَلْتُ؛ لِأنَّ الزِّنَةَ في أصْلِها لِلْمُبالَغَةِ، والفِعْلُ مَتى غُولِبَ فِيهِ فاعِلُهُ جاءَ أبْلَغَ وأحْكَمَ مِنهُ إذا زاوَلَهُ وحْدَهُ مِن غَيْرِ مُغالِبٍ لِزِيادَةِ قُوَّةِ الدّاعِي إلَيْهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ ”يَخْدَعُونَ اللَّهَ“ ثُمَّ قالَ: ﴿يُخادِعُونَ﴾ بَيانًا لِيَقُولُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولِمَ يَدَّعُونَ الإيمانَ كاذِبِينَ ؟ وما نَفْعُهم فِيهِ ؟ فَقِيلَ ﴿يُخادِعُونَ﴾ .

صفحة ٥٨

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”وما يُخادِعُونَ“ والباقُونَ ”يَخْدَعُونَ“ وحُجَّةُ الأوَّلِينَ: مُطابَقَةُ اللَّفْظِ حَتّى يَكُونَ مُطابِقًا لِلَّفْظِ الأوَّلِ، وحُجَّةُ الباقِينَ أنَّ المُخادَعَةَ إنَّما تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَلا يَكُونُ الإنْسانُ الواحِدُ مُخادِعًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ ويُعاقِبُهم عَلَيْهِ فَلا يَكُونُونَ في الحَقِيقَةِ خادِعِينَ إلّا أنْفُسَهم، عَنِ الحَسَنِ.

والثّانِي: ما ذَكَرَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وهو أنَّ وبالَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَدْفَعُ ضَرَرَ خِداعِهِمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ ويَصْرِفُهُ إلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤، ١٥] ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣] ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النَّحْلِ: ٥٠] ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطّارِقِ: ١٥، ١٦] ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائِدَةِ: ٣٣] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحْزابِ: ٥٧] وبَقِيَ في الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أبْحاثٌ.

أحَدُها: قُرِئَ ”وما يُخْدِعُونَ“ مِن أخْدَعَ و”يَخَدِّعُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى يَخْتَدِعُونَ ”ويُخْدَعُونَ“ و”يُخادَعُونَ“ عَلى لَفْظِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

وثانِيها: النَّفْسُ ذاتُ الشَّيْءِ وحَقِيقَتُهُ، ولا تَخْتَصُّ بِالأجْسامِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] والمُرادُ بِمُخادَعَتِهِمْ ذَواتِهِمْ أنَّ الخِداعَ لا يَعْدُوهم إلى غَيْرِهِمْ.

وثالِثُها: أنَّ الشُّعُورَ عِلْمُ الشَّيْءِ إذا حَصَلَ بِالحِسِّ، ومَشاعِرُ الإنْسانِ حَواسُّهُ، والمَعْنى أنَّ لُحُوقَ ضَرَرِ ذَلِكَ بِهِمْ كالمَحْسُوسِ، لَكِنَّهم لِتَمادِيهِمْ في الغَفْلَةِ كالَّذِي لا يَحُسُّ.

2:11–12Page 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَرَضَ صِفَةٌ تُوجِبُ وُقُوعَ الضَّرَرِ في الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ مَوْضِعِ تِلْكَ الصِّفَةِ، ولَمّا كانَ الأثَرُ الخاصُّ بِالقَلْبِ إنَّما هو مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ وعُبُودِيَّتَهُ، فَإذا وقَعَ في القَلْبِ مِنَ الصِّفاتِ ما صارَ مانِعًا مِن هَذِهِ الآثارِ كانَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ أمْراضًا لِلْقَلْبِ، فَإنْ قِيلَ: الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ المَرَضِ هَهُنا الكُفْرَ والجَهْلَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ مَحْمُولًا عَلى الكُفْرِ والجَهْلِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى فاعِلًا لِلْكُفْرِ والجَهْلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى مِنهُ فِعْلَ الكُفْرِ والجَهْلِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الكُفّارَ كانُوا في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَلَوْ كانَ المَعْنى ذَلِكَ لَقالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إذا فَعَلَ اللَّهُ الكُفْرَ فِينا، فَكَيْفَ تَأْمُرُنا بِالإيمانِ ؟ .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فاعِلًا لِلْكُفْرِ لَجازَ مِنهُ إظْهارُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الكَذّابِ، فَكانَ لا يَبْقى كَوْنُ القُرْآنِ حُجَّةً، فَكَيْفَ نَتَشاغَلُ بِمَعانِيهِ وتَفْسِيرِهِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ الآياتِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم عَلى كُفْرِهِمْ فَكَيْفَ يَذُمُّهم عَلى شَيْءٍ خَلَقَهُ فِيهِمْ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى خَلَقَ ذَلِكَ فِيهِمْ كَما خَلَقَ لَوْنَهم وطُولَهم، فَأيُّ ذَنْبٍ لَهم حَتّى يُعَذِّبَهم ؟ .

وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى أضافَهُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وعَلى هَذا وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم مُفْسِدُونَ في الأرْضِ، وأنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ، وأنَّهم إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: يُحْمَلُ المَرَضُ عَلى الغَمِّ؛ لِأنَّهُ يُقالُ مَرِضَ قَلْبِي مِن أمْرِ كَذا، والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ مَرِضَتْ قُلُوبُهم لَمّا رَأوْا ثَباتَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ واسْتِعْلاءَ شَأْنِهِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وذَلِكَ كانَ يُؤَثِّرُ في زَوالِ رِياسَتِهِمْ، كَما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ عَلى حِمارٍ، فَقالَ لَهُ: نَحِّ حِمارَكَ يا مُحَمَّدُ فَقَدْ آذَتْنِي رِيحُهُ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ الأنْصارِ: اعْذِرْهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ كُنّا عَزَمْنا عَلى أنْ نُتَوِّجَهُ الرِّياسَةَ قَبْلَ أنْ تَقْدَمَ عَلَيْنا»: فَهَؤُلاءِ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الغَمُّ وصَفَ اللَّهُ

صفحة ٥٩

تَعالى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهُمُ اللَّهُ غَمًّا عَلى غَمِّهِمْ بِما يَزِيدُ في إعْلاءِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ.

الثّانِي: أنَّ مَرَضَهم وكُفْرَهم كانَ يَزْدادُ بِسَبَبِ ازْدِيادِ التَّكالِيفِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٥] والسُّورَةُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا ازْدادُوا رِجْسًا عِنْدَ نُزُولِها لَمّا كَفَرُوا بِها قِيلَ ذَلِكَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] والدُّعاءُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن هَذا، ولَكِنَّهُمُ ازْدادُوا فِرارًا عِنْدَهُ، وقالَ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٩] والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَفْتِنْهُ، ولَكِنَّهُ كانَ يَفْتَتِنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ فَنُسِبَتِ الفِتْنَةُ إلَيْهِ ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطِرٍ: ٤٢] وقَوْلُكَ لِمَن وعَظْتَهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وتَمادى في فَسادِهِ: ما زادَتْكَ مَوْعِظَتِي إلّا شَرًّا، وما زادَتْكَ إلّا فَسادًا فَكَذا هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ لَمّا كانُوا كافِرِينَ، ثُمَّ دَعاهُمُ اللَّهُ إلى شَرائِعِ دِينِهِ فَكَفَرُوا بِتِلْكَ الشَّرائِعِ وازْدادُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ كُفْرًا لا جَرَمَ أُضِيفَتْ زِيادَةُ كُفْرِهِمْ إلى اللَّهِ.

الثّالِثُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ المَنعُ مِن زِيادَةِ الألْطافِ، فَيَكُونُ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَنعِ خاذِلًا لَهم وهو كَقَوْلِهِ: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المُنافِقُونَ: ٤] .

الرّابِعُ: أنَّ العَرَبَ تَصِفُ فُتُورَ الطَّرْفِ بِالمَرَضِ، فَيَقُولُونَ: جارِيَةٌ مَرِيضَةُ الطَّرْفِ. قالَ جَرِيرٌ:

فَإنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرْفِها مَرَضٌ قَتَلْنَنا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلانا

فَكَذا المَرَضُ هَهُنا إنَّما هو الفُتُورُ في النِّيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ كانَتْ قُلُوبُهم قَوِيَّةً عَلى المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ وإظْهارِ الخُصُومَةِ، ثُمَّ انْكَسَرَتْ شَوْكَتُهم فَأخَذُوا في النِّفاقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْفِ والِانْكِسارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أيْ زادَهم ذَلِكَ الِانْكِسارَ والجُبْنَ والضَّعْفَ، ولَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الحَشْرِ: ٢] .

الخامِسُ: أنْ يُحْمَلَ المَرَضُ عَلى ألَمِ القَلْبِ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مُبْتَلًى بِالحَسَدِ والنِّفاقِ ومُشاهَدَةِ المَكْرُوهِ، فَإذا دامَ بِهِ ذَلِكَ فَرُبَّما صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْرِ مِزاجِ القَلْبِ وتَألُّمِهِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا الوَجْهِ حَمْلٌ لَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَكانَ أوْلى مِن سائِرِ الوُجُوهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ألِمَ فَهو ألِيمٌ، كَوَجِعَ فَهو وجِيعٌ، ووُصِفَ العَذابُ بِهِ فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: جَدَّ جِدُّهُ، والألَمُ في الحَقِيقَةِ لِلْمُؤْلِمِ كَما أنَّ الجِدَّ لِلْجادِّ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ، أحَدُها: أنَّ الكَذِبَ هو الخَبَرُ عَنْ شَيْءٍ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ والجاحِظُ لا يُسَمِّيهِ كَذِبًا إلّا إذا عَلِمَ المُخْبِرُ كَوْنَ المُخْبِرِ عَنْهُ مُخالِفًا لِلْخَبَرِ، وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ كَذِبَهم عِلَّةٌ لِلْعَذابِ الألِيمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ كَذِبٍ حَرامًا فَأمّا ما رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَبَ ثَلاثَ كِذْباتٍ، فالمُرادُ التَّعْرِيضُ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ الكَذِبِ سُمِّيَ بِهِ.

وثالِثُها: في هَذِهِ الآيَةِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ والمُرادُ بِكَذِبِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما﴾ . والثّانِيَةُ: ”يُكَذِّبُونَ“ مِن كَذَّبَهُ الَّذِي هو نَقِيضُ صَدَّقَهُ، ومِن كَذَّبَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في كَذَبَ، كَما بُولِغَ في صَدَقَ فَقِيلَ صَدَّقَ.

صفحة ٦٠

﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، والكَلامُ فِيهِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ يُقالَ: مَنِ القائِلُ ﴿لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ ؟ .

وثانِيها: ما الفَسادُ في الأرْضِ ؟ وثالِثُها: مَنِ القائِلُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ؟ ورابِعُها: ما الصَّلاحُ ؟

أمّا المَسْألَةُ الأُولى: فَمِنهم مَن قالَ: ذَلِكَ القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، ومِنهم مَن قالَ: هو الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: بَعْضُ المُؤْمِنِينَ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِذَلِكَ مَن لا يَخْتَصُّ بِالدِّينِ والنَّصِيحَةِ، وإنْ كانَ الأقْرَبُ هو أنَّ القائِلَ لَهم ذَلِكَ مَن شافَهَهم بِذَلِكَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَهُ عَنْهُمُ النِّفاقُ ولَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ فَنَصَحَهم فَأجابُوا بِما يُحَقِّقُ إيمانَهم وأنَّهم في الصَّلاحِ بِمَنزِلَةِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، وإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ مَن كانُوا يُلْقُونَ إلَيْهِ الفَسادَ كانَ لا يَقْبَلُهُ مِنهم وكانَ يَنْقَلِبُ واعِظًا لَهم قائِلًا لَهم: ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ فَإنْ قِيلَ: أفَما كانُوا يُخْبِرُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ ؟ قُلْنا: نَعَمْ، إلّا أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا إذا عُوتِبُوا عادُوا إلى إظْهارِ الإسْلامِ والنَّدَمِ وكَذَّبُوا النّاقِلِينَ عَنْهم وحَلَفُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِ، كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٤] وقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٦] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَسادُ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، ونَقِيضُهُ الصَّلاحُ فَأمّا كَوْنُهُ فَسادًا في الأرْضِ فَإنَّهُ يُفِيدُ أمْرًا زائِدًا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ: أنَّ المُرادَ بِالفَسادِ في الأرْضِ إظْهارُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو أنَّ إظْهارَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى إنَّما كانَ إفْسادًا في الأرْضِ؛ لِأنَّ الشَّرائِعَ سُنَنٌ مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ العِبادِ، فَإذا تَمَسَّكَ الخَلْقُ بِها زالَ العُدْوانُ ولَزِمَ كُلُّ أحَدٍ شَأْنَهُ، فَحُقِنَتِ الدِّماءُ وسَكَنَتِ الفِتَنُ، وكانَ فِيهِ صَلاحُ الأرْضِ وصَلاحُ أهْلِها، أمّا إذا تَرَكُوا التَّمَسُّكَ بِالشَّرائِعِ وأقْدَمَ كُلُّ أحَدٍ عَلى ما يَهْواهُ لَزِمَ الهَرَجُ والمَرَجُ والِاضْطِرابُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] نَبَّهَهم عَلى أنَّهم إذا أعْرَضُوا عَنِ الطّاعَةِ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى الإفْسادِ في الأرْضِ بِهِ.

وثانِيها: أنْ يُقالَ: ذَلِكَ الفَسادُ هو مُداراةُ المُنافِقِينَ لِلْكافِرِينَ ومُخالَطَتُهم مَعَهم؛ لِأنَّهم لَمّا مالُوا إلى الكُفْرِ مَعَ أنَّهم في الظّاهِرِ مُؤْمِنُونَ أوْهَمَ ذَلِكَ ضَعْفَ الرَّسُولِ ﷺ وضَعْفَ أنْصارِهِ، فَكانَ ذَلِكَ يُجَرِّئُ الكَفَرَةَ عَلى إظْهارِ عَداوَةِ الرَّسُولِ ونَصْبِ الحَرْبِ لَهُ وطَمَعِهِمْ في الغَلَبَةِ، وفِيهِ فَسادٌ عَظِيمٌ في الأرْضِ.

وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: كانُوا يَدْعُونَ في السِّرِّ إلى تَكْذِيبِهِ، وجَحْدِ الإسْلامِ، وإلْقاءِ الشُّبَهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ هُمُ المُنافِقُونَ، والأقْرَبُ في مُرادِهِمْ أنْ يَكُونَ نَقِيضًا لِما نُهُوا عَنْهُ، فَلَمّا كانَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ هو الإفْسادَ في الأرْضِ كانَ قَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ كالمُقابِلِ لَهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ احْتِمالانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا في دِينِهِمْ أنَّهُ هو الصَّوابُ،

صفحة ٦١

وكانَ سَعْيُهم لِأجْلِ تَقْوِيَةِ ذَلِكَ الدِّينِ، لا جَرَمَ قالُوا: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ لِأنَّهم في اعْتِقادِهِمْ ما سَعَوْا إلّا لِتَطْهِيرِ وجْهِ الأرْضِ عَنِ الفَسادِ.

وثانِيهِما: أنّا إذا فَسَّرْنا ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ بِمُداراةِ المُنافِقِينَ لِلْكُفّارِ فَقَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ أنَّ هَذِهِ المُداراةَ سَعْيٌ في الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، ولِذَلِكَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النِّساءِ: ٦٢] فَقَوْلُهم: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ أيْ نَحْنُ نُصْلِحُ أُمُورَ أنْفُسِنا.

واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن أظْهَرَ الإيمانَ وجَبَ إجْراءُ حُكْمِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ، وتَجْوِيزُ خِلافِهِ لا يَطْعَنُ فِيهِ، وتَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ مَقْبُولَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ فَخارِجٌ عَلى وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:

أحَدُها: أنَّهم مُفْسِدُونَ؛ لِأنَّ الكُفْرَ فَسادٌ في الأرْضِ، إذْ فِيهِ كُفْرانُ نِعْمَةِ اللَّهِ، وإقْدامُ كُلِّ أحَدٍ عَلى ما يَهْواهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَعْتَقِدُ وُجُودَ الإلَهِ ولا يَرْجُو ثَوابًا ولا عِقابًا تَهارَجَ النّاسُ، ومِن هَذا ثَبَتَ أنَّ النِّفاقَ فَسادٌ؛ ولِهَذا قالَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.

2:13Page 3

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحِ أفْعالِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَهاهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ أمَرَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِالإيمانِ؛ لِأنَّ كَمالَ حالِ الإنْسانِ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ: أوَّلُهُما: تَرْكُ ما لا يَنْبَغِي وهو قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ”وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا“ أيْ إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ بَعِيدًا عَنِ النِّفاقِ، ولِقائِلٍ أنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الإقْرارِ إيمانٌ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إيمانًا لَما تَحَقَّقَ مُسَمّى الإيمانِ إلّا إذا حَصَلَ فِيهِ الإخْلاصُ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿آمِنُوا﴾ كافِيًا في تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ، وكانَ ذِكْرُ قَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ لَغْوًا، والجَوابُ: أنَّ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ عِنْدَ اللَّهِ هو الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ الإخْلاصُ، أمّا في الظّاهِرِ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِإقْرارِ الظّاهِرِ فَلا جَرَمَ افْتَقَرَ فِيهِ إلى تَأْكِيدِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللّامُ في ﴿النّاسُ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لِلْعَهْدِ أيْ كَما آمَنَ رَسُولُ اللَّهِ ومَن مَعَهُ، وهم ناسٌ مَعْهُودُونَ، أوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأشْياعُهُ؛ لِأنَّهم مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ، والثّانِي: أنَّها لِلْجِنْسِ ثُمَّ هَهُنا أيْضًا وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ أكْثَرُهم كانُوا مُسْلِمِينَ، وهَؤُلاءِ المُنافِقُونَ كانُوا مِنهم وكانُوا قَلِيلِينَ، ولَفْظُ العُمُومِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الأكْثَرِ.

والثّانِي: أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أعْطَوُا الإنْسانِيَّةَ حَقَّها؛ لِأنَّ فَضِيلَةَ الإنْسانِ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ بِالعَقْلِ المُرْشِدِ والفِكْرِ الهادِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا﴾ إمّا الرَّسُولُ، أوِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ كانَ بَعْضُهم يَقُولُ

صفحة ٦٢

لِبَعْضٍ: أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ سَفِيهُ بَنِي فُلانٍ وسَفِيهُ بَنِي فُلانٍ، والرَّسُولُ لا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: السَّفَهُ الخِفَّةُ يُقالُ: سَفَّهَتِ الرِّيحُ الشَّيْءَ إذا حَرَّكَتْهُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

فَجَرَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِياحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ الرَّواسِمِ

وقالَ أبُو تَمّامٍ الطّائِيُّ:

فَسَفِيهُ الرُّمْحِ جاهِلُهُ إذا ما ∗∗∗ بَدا فَضْلُ السَّفِيهِ عَلى الحَلِيمِ

أرادَ بِهِ سَرِيعَ الطَّعْنِ بِالرُّمْحِ خَفِيفَهُ، وإنَّما قِيلَ لِبَذِيءِ اللِّسانِ سَفِيهٌ؛ لِأنَّهُ خَفِيفٌ لا رَزانَةَ لَهُ وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [النِّساءِ: ٥] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”شارِبُ الخَمْرِ سَفِيهٌ“» لِقِلَّةِ عَقْلِهِ، وإنَّما سَمّى المُنافِقُونَ المُسْلِمِينَ بِالسُّفَهاءِ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا مِن أهْلِ الخَطَرِ والرِّياسَةِ، وأكْثَرُ المُؤْمِنِينَ كانُوا فَقُراءَ، وكانَ عِنْدَ المُنافِقِينَ أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ باطِلٌ، والباطِلُ لا يَقْبَلُهُ إلّا السَّفِيهُ؛ فَلِهَذِهِ الأسْبابِ نَسَبُوهم إلى السَّفاهَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَبَ عَلَيْهِمْ هَذا اللَّقَبَ، وقَوْلُهُ الحَقُّ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ الدَّلِيلِ ثُمَّ نَسَبَ المُتَمَسِّكَ بِهِ إلى السَّفاهَةِ فَهو السَّفِيهُ.

وثانِيها: أنَّ مَن باعَ آخِرَتَهُ بِدُنْياهُ فَهو السَّفِيهُ.

وثالِثُها: أنَّ مَن عادى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ عادى اللَّهَ، وذَلِكَ هو السَّفِيهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إنَّما قالَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ وفِيما قَبْلَها: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ الوُقُوفَ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ أمْرٌ عَقْلِيٌّ نَظَرِيٌّ، وأمّا أنَّ النِّفاقَ وما فِيهِ مِنَ البَغْيِ يُفْضِي إلى الفَسادِ في الأرْضِ فَضَرُورِيٌّ جارٍ مَجْرى المَحْسُوسِ.

الثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ السَّفَهَ وهو جَهْلٌ، فَكانَ ذِكْرُ العِلْمِ أحْسَنَ طِباقًا لَهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском