Ar-RaziTaha · 20:102–110

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:102–110

20:102–106Page 319

يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢

The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1

يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣

They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤

We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥

And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1

فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا ١٠٦

And He will leave it [i.e., the earth] a level plain;

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا شَرَحَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ أوَّلًا ثُمَّ مَعَ السّامِرِيِّ ثانِيًا أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مِن سائِرِ أخْبارِ الأُمَمِ وأحْوالِهِمْ؛ تَكْثِيرًا لِشَأْنِكَ، وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَكْثُرَ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ لِلْمُكَلَّفِينَ بِها في الدِّينِ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤] ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الشُّعَراءِ: ٥] ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحِجْرِ: ٦] ثُمَّ في تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابٌ فِيهِ ذِكْرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ مِن أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم. وثانِيها: أنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعَ آلاءِ اللَّهِ تَعالى ونَعْمائِهِ فَفِيهِ التَّذْكِيرُ والمَواعِظُ. وثالِثُها: فِيهِ الذِّكْرُ والشَّرَفُ لَكَ ولِقَوْمِكَ عَلى ما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٤]، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى كُلَّ كُتُبِهِ ذِكْرًا فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنْبِياءِ: ٧] وكَما بَيَّنَ نِعْمَتَهُ بِذَلِكَ بَيَّنَ شِدَّةَ الوَعِيدِ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن وُجُوهٍ: أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا، والوِزْرُ هو العُقُوبَةُ الثَّقِيلَةُ، سَمّاها وِزْرًا تَشْبِيهًا في ثِقَلِها عَلى المُعاقَبِ وصُعُوبَةِ احْتِمالِها الَّذِي يَثْقُلُ عَلى الحامِلِ ويُنْقِضُ ظَهْرَهُ، أوْ لِأنَّها جَزاءُ الوِزْرِ وهو الإثْمُ وقُرِئَ يُحَمَّلُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى صِفَةَ ذَلِكَ

صفحة ٩٩

الوِزْرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ أيْ وما أسْوَأ هَذا الوِزْرَ حِمْلًا أيْ مَحْمُولًا وحِمْلًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وثانِيها: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فالمُرادُ بَيانُ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ هو يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو نَنْفُخُ بِفَتْحِ النُّونِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ﴾ وقَرَأ الباقُونَ يُنْفَخُ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ونَحْشُرُ بِالنُّونِ لِأنَّ النّافِخَ مَلَكٌ التَقَمَ الصُّورَ، والحاشِرَ هو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ يَوْمَ يَنْفُخُ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِإسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا: (يَحْشُرُ المُجْرِمِينَ) فَلَمْ يَقْرَأْ بِهِ إلّا الحَسَنُ وقُرِئَ في الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فِي الصُّورِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ يُدْعى بِهِ النّاسُ إلى المَحْشَرِ. والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ صُورَةٍ والنَّفْخُ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: الصُّوَرِ بِفَتْحِ الواوِ والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٨] واللَّهُ تَعالى يُعَرِّفُ النّاسَ أُمُورَ الآخِرَةِ بِأمْثالِ ما شُوهِدَ في الدُّنْيا ومِن عادَةِ النّاسِ النَّفْخُ في البُوقِ عِنْدَ الأسْفارِ وفي العَساكِرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُرادُ مِن هَذا النَّفْخِ هو النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ كالسَّبَبِ لِحَشْرِهِمْ فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النَّبَأِ: ١٨]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿المُجْرِمِينَ﴾ يَتَناوَلُ الكُفّارَ والعُصاةَ فَيَدُلُّ عَلى عَدَمِ العَفْوِ عَنِ العُصاةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يُرِيدُ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا الكَلامُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالزُّرْقَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي زُرْقَ العُيُونِ سُودَ الوُجُوهِ وهي زُرْقَةٌ تَتَشَوَّهُ بِها خِلْقَتُهم والعَرَبُ تَتَشاءَمُ بِذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم: يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْمى وأزْرَقَ ؟ قُلْنا: لَعَلَّهُ يَكُونُ أعْمى في حالٍ وأزْرَقَ في حالٍ. وثانِيها: المُرادُ مِنَ الزُّرْقَةِ العَمى، قالَ الكَلْبِيُّ: زُرْقًا أيْ عُمْيًا، قالَ الزَّجّاجُ: يَخْرُجُونَ بُصَراءَ في أوَّلِ مَرَّةٍ ويَعْمُونَ في المَحْشَرِ، وسَوادُ العَيْنِ إذا ذَهَبَ تَزْرَقُّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ أعْمى، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٢] وشُخُوصُ البَصَرِ مِنَ الأعْمى مُحالٌ، وقَدْ قالَ في حَقِّهِمُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسْراءِ: ١٤] والأعْمى كَيْفَ يَقْرَأُ ؟ . فالجَوابُ: أنَّ أحْوالَهم قَدْ تَخْتَلِفُ. وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الزُّرْقَةِ شُخُوصُ أبْصارِهِمْ والأزْرَقُ شاخِصٌ لِأنَّهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ يَكُونُ مُحَدِّقًا نَحْوَ الشَّيْءِ يُرِيدُ أنْ يَتَبَيَّنَهُ وهَذِهِ حالُ الخائِفِ المُتَوَقِّعِ لِما يَكْرَهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ . ورابِعُها: زُرْقًا عِطاشًا هَكَذا رَواهُ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: لِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَطَشِ يَتَغَيَّرُ سَوادُ عُيُونِهِمْ حَتّى تَزْرَقَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦] . وخامِسُها: حَكى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ قالَ: طامِعِينَ فِيما لا يَنالُونَهُ. الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَتَخافَتُونَ أيْ يَتَسارُّونَ، يُقالُ: خَفَتَ يَخْفِتُ وخافَتَ مُخافَتَةً، والتَّخافُتُ السِّرارُ وهو نَظِيرُ

صفحة ١٠٠

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وإنَّما يَتَخافَتُونَ لِأنَّهُ امْتَلَأتْ صُدُورُهم مِنَ الرُّعْبِ والهَوْلِ، أوْ لِأنَّهم صارُوا بِسَبَبِ الخَوْفِ في نِهايَةِ الضَّعْفِ فَلا يُطِيقُونَ الجَهْرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ﴾ اللُّبْثُ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ، فَقالَ قَوْمٌ: أرادُوا بِهِ اللُّبْثَ في الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٣] فَإنْ قِيلَ: إمّا أنْ يُقالَ إنَّهم نَسُوا قَدْرَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، أوْ ما نَسُوا ذَلِكَ، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ إذْ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَبْقى الإنْسانُ خَمْسِينَ سَنَةً في بَلَدٍ ثُمَّ يَنْساهُ، والثّانِي غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ، وأهْلُ الآخِرَةِ لا يَكْذِبُونَ، لا سِيَّما وهَذا الكَذِبُ لا فائِدَةَ فِيهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: لَعَلَّهم إذا حُشِرُوا في أوَّلِ الأمْرِ وعايَنُوا تِلْكَ الأهْوالَ فَلِشِدَّةِ وقْعِها عَلَيْهِمْ ذَهَلُوا عَنْ مِقْدارِ عُمْرِهِمْ في الدُّنْيا وما ذَكَرُوا إلّا القَلِيلَ فَقالُوا: لَيْتَنا ما عِشْنا إلّا تِلْكَ الأيّامَ القَلِيلَةَ في الدُّنْيا حَتّى لا نَقَعَ في هَذِهِ الأهْوالِ، والإنْسانُ عِنْدَ الهَوْلِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ عَنْ أظْهَرِ الأشْياءِ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٣] . وثانِيها: أنَّهم عالِمُونَ بِمِقْدارِ عُمُرِهِمْ في الدُّنْيا إلّا أنَّهم لَمّا قابَلُوا أعْمارَهم في الدُّنْيا بِأعْمارِ الآخِرَةِ وجَدُوها في نِهايَةِ القِلَّةِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ أعْقَلُهم: بَلْ ما لَبِثْنا إلّا يَوْمًا واحِدًا، أيْ قَدْرُ لُبْثِنا في الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى قَدْرِ لُبْثِنا في الآخِرَةِ كَعَشَرَةِ أيّامٍ بَلْ كاليَوْمِ الواحِدِ بَلْ كالعَدَمِ، وإنَّما خَصَّ العَشَرَةَ والواحِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ القَلِيلَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ إلّا بِالعَشَرَةِ والواحِدِ. وثالِثُها: أنَّهم لَمّا عايَنُوا الشَّدائِدَ تَذَكَّرُوا أيّامَ النِّعْمَةِ والسُّرُورِ وتَأسَّفُوا عَلَيْها فَوَصَفُوها بِالقِصَرِ لِأنَّ أيّامَ السُّرُورِ قِصارٌ. ورابِعُها: أنَّ أيّامَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ وأيّامَ الآخِرَةِ مُسْتَقْبَلَةٌ، والذّاهِبُ وإنْ طالَتْ مُدَّتُهُ قَلِيلٌ بِالقِياسِ إلى الآتِي وإنْ قَصُرَتْ مُدَّتُهُ، فَكَيْفَ والأمْرُ بِالعَكْسِ؛ ولِهَذِهِ الوُجُوهِ رَجَّحَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَ مَن بالَغَ في التَّقْلِيلِ فَقالَ: ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ اللُّبْثُ في القَبْرِ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦] فَأمّا مَن جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ فَلا إشْكالَ لَهُ في الآيَةِ، أمّا مَن لَمْ يُجَوِّزْ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أحْياهم في القَبْرِ وعَذَّبَهم ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ بَعَثَهم يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَعْرِفُوا أنْ قَدْرَ لُبْثِهِمْ في القَبْرِ كَمْ كانَ، فَخَطَرَ بِبالِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ في تَقْدِيرِ عَشَرَةِ أيّامٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَوْمٌ واحِدٌ، فَلَمّا وقَعُوا في العَذابِ مَرَّةً أُخْرى تَمَنَّوْا زَمانَ المَوْتِ الَّذِي هو زَمانُ الخَلاصِ لِما نالَهم مِن هَوْلِ العَذابِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَن قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ أقَلَّ، وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ أيْ عَشْرَ ساعاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٦] وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ اليَوْمُ أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ بِهَذا القَوْلِ أعْظَمَ ما نالَهم مِنَ الحَيْرَةِ الَّتِي دُفِعُوا عِنْدَها إلى هَذا الجِنْسِ مِنَ التَّخافُتِ.

20:107Page 319

لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧

You will not see therein a depression or an elevation."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أمْرَ يَوْمِ القِيامَةِ حَكى سُؤالَ مَن لَمْ يُؤْمِن بِالحَشْرِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ وفي تَقْرِيرِ هَذا السُّؤالِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ وصْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكُلِّ المُجْرِمِينَ بِذَلِكَ، فَكَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ والجِبالُ حائِلَةٌ ومانِعَةٌ مِن هَذا التَّخافُتِ، وثانِيها: قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ تَكُونُ الجِبالُ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ وكانَ سُؤالُهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ. وثالِثُها: لَعَلَّ قَوْمَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَدَّعِي أنَّ الدُّنْيا سَتَنْقَضِي فَلَوْ صَحَّ ما قُلْتَهُ لَوَجَبَ أنْ تَبْتَدِئَ أوَّلًا بِالنُّقْصانِ ثُمَّ تَنْتَهِيَ إلى البُطْلانِ، لَكِنَّ أحْوالَ العالَمِ باقِيَةٌ كَما كانَتْ في أوَّلِ الأمْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ما قُلْتَهُ مِن خَرابِ الدُّنْيا ؟ وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَمَسَّكَ بِها جالِينُوسُ في أنَّ السَّماواتِ لا تَفْنى، قالَ: لِأنَّها لَوْ فَنِيَتْ لابْتَدَأتْ في النُّقْصانِ أوَّلًا حَتّى يَنْتَهِيَ نُقْصانُها إلى البُطْلانِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ فِيها النُّقْصانُ عَلِمْنا أنَّ القَوْلَ بِالبُطْلانِ باطِلٌ، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِالجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ وضَمَّ إلى الجَوابِ أُمُورًا أُخَرَ في شَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها.

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما قالَ: ﴿فَقُلْ﴾ مَعَ فاءِ التَّعْقِيبِ لِأنَّ مَقْصُودَهم مِن هَذا السُّؤالِ الطَّعْنُ في الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلا جَرَمَ أمَرَهُ بِالجَوابِ مَقْرُونًا بِفاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ البَيانِ في مِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ الأُصُولِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ، أمّا في المَسائِلِ الفُرُوعِيَّةِ فَجائِزٌ، لِذَلِكَ ذَكَرَ هُناكَ قُلْ مِن غَيْرِ حَرْفِ التَّعْقِيبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْسِفُها﴾ عائِدٌ إلى الجِبالِ، والنَّسْفُ التَّذْرِيَةُ، أيْ تَصِيرُ الجِبالُ كالهَباءِ المَنثُورِ تُذْرى تَذْرِيَةً، فَإذا زالَتِ الجِبالُ زالَتِ الحَوائِلُ فَيُعْلَمُ صِدْقُ قَوْلِهِ: ﴿يَتَخافَتُونَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: ﴿يَنْسِفُها﴾ أيْ يُذْهِبُها ويُطَيِّرُها، أمّا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَذَرُها﴾ فَهو عائِدٌ إلى الأرْضِ، فاسْتَغْنى عَنْ تَقْدِيمِ ذِكْرِها كَما في عادَةِ النّاسِ مِنَ الإخْبارِ عَنْها بِالإضْمارِ كَقَوْلِهِمْ: ما عَلَيْها أكْرَمُ مِن فُلانٍ، وقالَ تَعالى:

صفحة ١٠٢

﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطِرٍ: ٤٥] وإنَّما قالَ: ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ لِيُبَيِّنَ أنَّ ذَلِكَ النَّسْفَ لا يُزِيلُ الِاسْتِواءَ لِئَلّا يُقَدَّرَ أنَّها لَمّا زالَتْ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ صارَتْ هُناكَ حائِلَةً، هَذا كُلُّهُ إذا كانَ المَقْصُودُ مِن سُؤالِهِمُ الِاعْتِراضَ عَلى كَيْفِيَّةِ المُخافَتَةِ، أمّا لَوْ كانَ الغَرَضُ مِنَ السُّؤالِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ لا نُقْصانَ فِيها في الحالِ فَوَجَبَ أنْ لا يَنْتَهِيَ أمْرُها إلى البُطْلانِ، كانَ تَقْرِيرُ الجَوابِ: أنَّ بُطْلانَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بُطْلانًا يَقَعُ تَوْلِيدِيًّا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ تَقْدِيمُ النُّقْصانِ عَلى البُطْلانِ، وقَدْ يَكُونُ بُطْلانًا يَقَعُ دَفْعَةً واحِدَةً، وهَهُنا لا يَجِبُ تَقْدِيمُ النُّقْصانِ عَلى البُطْلانِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُفَرِّقُ تَرْكِيباتِ هَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ دَفْعَةً بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ فَلا حاجَةَ هَهُنا إلى تَقْدِيمِ النُّقْصانِ عَلى البُطْلانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ الأرْضَ ذَلِكَ الوَقْتَ بِصِفاتٍ: أحَدُها: كَوْنُها قاعًا وهو المَكانُ المُطْمَئِنُّ وقِيلَ مُسْتَنْقَعُ الماءِ. وثانِيها: الصَّفْصَفُ وهو الَّذِي لا نَباتَ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: القاعُ الأرْضُ المَلْساءُ المُسْتَوِيَةُ وكَذَلِكَ الصَّفْصَفُ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ العِوَجِ والعَوَجِ فَقالُوا: العِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي، والعَوَجُ بِالفَتْحِ في الأعْيانِ، فَإنْ قِيلَ: الأرْضُ عَيْنٌ فَكَيْفَ صَحَّ فِيها المَكْسُورُ العَيْنِ ؟ قُلْنا: اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ لَهُ مَوْقِعٌ بَدِيعٌ في وصْفِ الأرْضِ بِالِاسْتِواءِ ونَفْيِ الِاعْوِجاجِ، وذَلِكَ لِأنَّكَ لَوْ عَمَدْتَ إلى قِطْعَةِ أرْضٍ فَسَوَّيْتَها وبالَغْتَ في التَّسْوِيَةِ فَإذا قابَلْتَها المَقايِيسَ الهَنْدَسِيَّةَ وجَدْتَ فِيها أنْواعًا مِنَ العِوَجِ خارِجَةً عَنِ الحِسِّ البَصَرِيِّ، قالَ: فَذاكَ القَدْرُ في الِاعْوِجاجِ لَمّا لَطُفَ جِدًّا أُلْحِقَ بِالمَعانِي فَقِيلَ فِيهِ: عِوَجٌ بِالكَسْرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ تَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمَ كُرَةً حَقِيقِيَّةً لِأنَّ المُضَلَّعَ لا بُدَّ وأنْ يَتَّصِلَ بَعْضُ سُطُوحِهِ بِالبَعْضِ لا عَلى الِاسْتِقامَةِ بَلْ عَلى الِاعْوِجاجِ وذَلِكَ يُبْطِلُهُ ظاهِرُ الآيَةِ. ورابِعُها: الأمْتُ النُّتُوءُ اليَسِيرُ، يُقالُ: مَدَّ حَبْلَهُ حَتّى ما فِيهِ أمْتٌ، وتَحَصَّلَ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ أنَّ الأرْضَ تَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَلْساءَ خالِيَةً عَنِ الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ وأنْواعِ الِانْحِرافِ والِاعْوِجاجِ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِيَوْمِ القِيامَةِ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ وفي الدّاعِي قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الدّاعِيَ هو النَّفْخُ في الصُّورِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أيْ لا يَعْدِلُ عَنْ أحَدٍ بِدُعائِهِ بَلْ يَحْشُرُ الكُلَّ. الثّانِي: أنَّهُ مَلَكٌ قائِمٌ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُنادِي ويَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ النَّخِرَةُ، والأوْصالُ المُتَفَرِّقَةُ، واللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ، قَوْمِي إلى رَبِّكِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. فَيَسْمَعُونَ صَوْتَ الدّاعِي فَيَتْبَعُونَهُ، ويُقالُ: إنَّهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضَعُ قَدَمَهُ عَلى الصَّخْرَةِ، فَإنْ قِيلَ هَذا الدُّعاءُ يَكُونُ قَبْلَ الإحْياءِ أوْ بَعْدَهُ ؟ قُلْنا: إنْ كانَ المَقْصُودُ بِالدُّعاءِ إعْلامَهم وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الإحْياءِ لِأنَّ دُعاءَ المَيِّتِ عَبَثٌ وإنْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ إعْلامَهم بَلِ المَقْصُودُ مَقْصُودٌ آخَرُ مِثْلَ أنْ يَكُونَ لُطْفًا لِلْمَلائِكَةِ ومَصْلَحَةً لَهم فَذَلِكَ جائِزٌ قَبْلَ الإحْياءِ.

20:108–110Page 319

يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨

That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].

يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩

That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠

He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: خَشَعَتِ الأصْواتُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ وخَضَعَتْ وخَفِيَتْ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا وهو الذِّكْرُ الخَفِيُّ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وقَدْ عَلِمَ الإنْسُ والجِنُّ بِأنْ لا مالِكَ لَهم سِواهُ فَلا يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ يَزِيدُ عَلى الهَمْسِ وهو أخْفى الصَّوْتِ ويَكادُ يَكُونُ كَلامًا يُفْهَمُ بِتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ لِضَعْفِهِ، وحُقَّ لِمَن كانَ اللَّهُ مُحاسِبَهُ أنْ يَخْشَعَ طَرْفُهُ ويَضْعُفَ صَوْتُهُ ويَخْتَلِطَ قَوْلُهُ ويَطُولَ غَمُّهُ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الهَمْسُ وطْءُ الأقْدامِ،

صفحة ١٠٣

فالمَعْنى أنَّهُ لا تَسْمَعُ إلّا خَفْقَ الأقْدامِ ونَقْلَها إلى المَحْشَرِ.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مَن يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا فالرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِنَ الشَّفاعَةِ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا شَفاعَةُ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ. والنَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأقُولُ: الِاحْتِمالُ الثّانِي أوْلى لِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الأوَّلَ يَحْتاجُ فِيهِ إلى الإضْمارِ وتَغْيِيرِ الأعْرابِ، والثّانِي: لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى ذَلِكَ. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ يُرادُ بِهِ مَن يَشْفَعُ بِها والِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ إلّا شَخْصًا مَرْضِيًّا. والثّالِثُ: وهو أنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ دَرَجَةَ الشّافِعِ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ فَهي لا تَحْصُلُ إلّا لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيها وكانَ عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيًّا، فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صارَتْ جارِيَةً مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، أمّا لَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المَشْفُوعِ لَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيضاحَ الواضِحاتِ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُعْتَزِلَةُ قالُوا: الفاسِقُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ أنْ لا يَشْفَعَ الرَّسُولُ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ المَشْفُوعَ لَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ في حَقِّ الفُسّاقِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ، والفاسِقُ قَدِ ارْتَضى اللَّهُ تَعالى قَوْلًا واحِدًا مِن أقْوالِهِ وهو: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّفاعَةُ نافِعَةً لَهُ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى عَنْ ذَلِكَ النَّفْيِ بِشَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: حُصُولُ الإذْنِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، فَهَبْ أنَّ الفاسِقَ قَدْ حَصَلَ فِيهِ أحَدُ الشَّرْطَيْنِ وهو أنَّهُ تَعالى قَدْ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ أذِنَ فِيهِ، وهَذا أوَّلُ المَسْألَةِ قُلْنا: هَذا القَيْدُ وهو أنَّهُ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا كافٍ في حُصُولِ الِاسْتِثْناءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٨] فاكْتَفى هُناكَ بِهَذا القَيْدِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإذْنِ فَظَهَرَ مِن مَجْمُوعِهِما أنَّهُ إذا رَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَحْصُلُ الإذْنُ في الشَّفاعَةِ، وإذا حَصَلَ القَيْدانِ حَصَلَ الِاسْتِثْناءُ وتَمَّ المَقْصُودُ.

* * *

الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ ومَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ المُرادُ بِهِ الشّافِعُ، قالَ: ذَلِكُ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْهِ والمَعْنى لا تَنْفَعُ شَفاعَةُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ تَشْفَعَ لَهُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي ما بَيْنَ أيْدِي المَلائِكَةِ كَما قالَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ وفِيهِ تَقْرِيعٌ لِمَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ لِيَشْفَعُوا لَهُ، قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ المَلائِكَةَ وما كانَ مِنهم بَعْدَ خَلْقِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مَن أمْرِ الدُّنْيا والأعْمالِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ والثَّوابِ والعِقابِ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ: يَعْلَمُ ما مَضى وما بَقِيَ ومَتى تَكُونُ القِيامَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِي العِبادِ وما خَلْفَهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أيِ العِبادُ لا يُحِيطُونَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم

صفحة ١٠٤

عِلْمًا. الثّانِي: المُرادُ لا يُحِيطُونَ بِاللَّهِ عِلْمًا والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ والأقْرَبُ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ . وثانِيهِما: أنَّهُ تَعالى أوْرَدَ ذَلِكَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ لِيُعْلَمَ أنَّ سائِرَ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ وما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المُجازاةَ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском