Ar-RaziTaha · 20:121–127

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Taha 20:121–127

20:121–122Page 320

فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١

And they [i.e., Adam and his wife] ate of it, and their private parts became apparent to them, and they began to fasten over themselves from the leaves of Paradise. And Adam disobeyed his Lord and erred.

ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢

Then his Lord chose him and turned to him in forgiveness and guided [him].

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا مِثْلُ جَعَلَ يَفْعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ وحُكْمُها حُكْمُ كادَ في وُقُوعِ الخَبَرِ فِعْلًا مُضارِعًا وبَيْنَها وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ، وهي لِلشُّرُوعِ في أوَّلِ الأمْرِ، وكادَ لِمُقارَبَتِهِ والدُّنُوِّ مِنهُ.

البَحْثُ الثّانِي: قُرِئَ يَخِصِّفانِ لِلتَّكْثِيرِ والتَّكْرِيرِ مِن خَصَفَ النَّعْلَ، وهو أنْ يَخْرِزَ عَلَيْها الخِصافَ أيْ يُلْزِقانِ الوَرَقَةَ عَلى سَوْآتِهِما لِلسَّتْرِ وهو ورَقُ التِّينِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن تَمَسَّكَ بِهَذا في صُدُورِ الكَبِيرَةِ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ العاصِيَ اسْمٌ لِلذَّمِّ فَلا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى صاحِبِ الكَبِيرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾ [النِّساءِ: ١٤] ولا مَعْنى لِصاحِبِ الكَبِيرَةِ إلّا مَن فَعَلَ فِعْلًا يُعاقَبُ عَلَيْهِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الغَوايَةَ والضَّلالَةَ اسْمانِ مُتَرادِفانِ والغَيَّ ضِدُّ الرُّشْدِ ومِثْلُ هَذا الِاسْمِ لا يَتَناوَلُ إلّا الفاسِقَ المُنْهَمِكَ في فِسْقِهِ. أجابَ قَوْمٌ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ فَقالُوا: المَعْصِيَةُ مُخالَفَةُ الأمْرِ، والأمْرُ قَدْ يَكُونُ بِالواجِبِ والنَّدْبِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: أشَرْتُ عَلَيْهِ في أمْرِ ولَدِهِ في كَذا فَعَصانِي، وأمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّواءِ فَعَصانِي، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ إطْلاقُ اسْمِ العِصْيانِ عَلى آدَمَ لا لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْواجِبِ بَلْ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْمَندُوبِ، فَأجابَ المُسْتَدِلُّ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ بِأنّا بَيَّنّا أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العاصِيَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ، والعُرْفُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمُ ذَمٍّ فَوَجَبَ تَخْصِيصُ اسْمِ العاصِي بِتارِكِ الواجِبِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ تارِكُ المَندُوبِ عاصِيًا لَوَجَبَ وصْفُ الأنْبِياءِ بِأسْرِهِمْ بِأنَّهم عُصاةٌ في كُلِّ حالٍ لِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِن تَرْكِ المَندُوبِ، فَإنْ قِيلَ: وصْفُ تارِكِ المَندُوبِ بِأنَّهُ عاصٍ مَجازٌ والمَجازُ لا يَطَّرِدُ، قُلْنا: لَمّا سَلَّمْتَ كَوْنَهُ مَجازًا فالأصْلُ عَدَمُهُ، أمّا قَوْلُهُ: أشَرْتُ عَلَيْهِ في أمْرِ ولَدِهِ في كَذا فَعَصانِي وأمَرْتُهُ بِشُرْبِ الدَّواءِ فَعَصانِي، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا الِاسْتِعْمالَ مَرْوِيٌّ عَنِ العَرَبِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ ولَكِنَّهم إنَّما يُطْلِقُونَ ذَلِكَ إذا جَزَمُوا عَلى المُسْتَشِيرِ بِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ وأنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِذَلِكَ الفِعْلِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنى الإيجابِ حاصِلًا وإنْ لَمْ يَكُنِ الوُجُوبُ حاصِلًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَفْظَ العِصْيانِ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ إلّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الإيجابِ، لَكِنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّ الإيجابَ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي الوُجُوبَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ لَفْظِ العِصْيانِ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ لِكَوْنِهِ تارِكًا لِلْواجِبِ، ومِنَ النّاسِ مَن سَلَّمَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ المَعْصِيَةِ مِنهُ لَكِنَّهُ زَعَمَ أنَّ المَعْصِيَةَ كانَتْ مِنَ الصَّغائِرِ لا مِنَ الكَبائِرِ، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُعْتَزِلَةِ وهو أيْضًا ضَعِيفٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اسْمَ العاصِي اسْمٌ لِلذَّمِّ، ولِأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِقابَ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالصَّغِيرَةِ، وأجابَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ بِأنَّهُ عَصى في مَصالِحَ الدُّنْيا لا فِيما يَتَّصِلُ بِالتَّكالِيفِ وكَذَلِكَ القَوْلُ في غَوى، وهَذا أيْضًا بِعِيدٌ لِأنَّ مَصالِحَ الدُّنْيا تَكُونُ مُباحَةً، ومَن يَفْعَلُها لا يُوصَفُ بِالعِصْيانِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلذَّمِّ ولا يُقالُ: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾

صفحة ١١١

وأمّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَغَوى﴾ فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ خابَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أكَلَ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ لِيَصِيرَ مُلْكُهُ دائِمًا ثُمَّ لَمّا أكَلَ زالَ فَلَمّا خابَ سَعْيُهُ وما نَجَحَ قِيلَ إنَّهُ غَوى، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الغَيَّ ضِدُّ الرُّشْدِ، والرُّشْدُ هو أنْ يُتَوَصَّلَ بِشَيْءٍ إلى شَيْءٍ يُوَصِّلُ إلى المَقْصُودِ فَمَن تَوَصَّلَ بِشَيْءٍ إلى شَيْءٍ فَحَصَلَ لَهُ ضِدُّ مَقْصُودِهِ كانَ ذَلِكَ غَيًّا. وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: غَوى أيْ بَشِمَ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: هَذا وإنْ صَحَّ عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها ألِفًا، فَيَقُولُ في فَنِيَ وبَقِيَ فَنا وبَقا، وهم بَنُو طَيِّئٍ، فَهو تَفْسِيرٌ خَبِيثٌ، واعْلَمْ أنَّ الأوْلى عِنْدِي في هَذا البابِ والأحْسَمَ لِلشَّغَبِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَهُنا بَحْثٌ لا بُدَّ مِنهُ وهو أنْ ظاهِرَ القُرْآنِ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ آدَمَ عَصى وغَوى لَكِنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ آدَمَ كانَ عاصِيًا غاوِيًا، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا أُمُورٌ:

أحَدُها: قالَ العُتْبِيُّ: يُقالُ لِرَجُلٍ قَطَعَ ثَوْبًا وخاطَهُ قَدْ قَطَعَهُ وخاطَهُ، ولا يُقالُ: خائِطٌ ولا خَيّاطٌ حَتّى يَكُونَ مُعاوِدًا لِذَلِكَ الفِعْلِ مَعْرُوفًا بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الزَّلَّةَ لَمْ تَصْدُرْ عَنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ. وثانِيها: أنَّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ إنَّما وقَعَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لَمْ يَجُزْ بَعْدَ أنْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ وشَرَّفَهُ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ إطْلاقُ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ كَما لا يُقالُ لِمَن أسْلَمَ بَعْدَ الكُفْرِ إنَّهُ كافِرٌ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ كافِرًا، بَلْ وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الواقِعَةُ وقَعَتْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَجُزْ أيْضًا أنْ يُقالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تابَ عَنْها، كَما أنَّ الرَّجُلَ المُسْلِمَ إذا شَرِبَ الخَمْرَ أوْ زَنى ثُمَّ تابَ وحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ لا يُقالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّهُ شارِبُ خَمْرٍ أوْ زانٍ فَكَذا هَهُنا. وثالِثُها: أنَّ قَوْلَنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كَوْنَهُ عاصِيًا في أكْثَرِ الأشْياءِ وغاوِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ تَرِدْ هاتانِ اللَّفْظَتانِ في القُرْآنِ مُطْلَقَتَيْنِ بَلْ مَقْرُونَتَيْنِ بِالقِصَّةِ الَّتِي عَصى فِيها فَكَأنَّهُ قالَ: عَصى في كَيْتَ وكَيْتَ وذَلِكَ لا يُوهِمُ التَّوَهُّمَ الباطِلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ. ورابِعُها: أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَجُوزُ مِن غَيْرِهِ، كَما يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ في عَبِيدِهِ ووَلَدِهِ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ مِن إطْلاقِ القَوْلِ ما لا يَجُوزُ لِغَيْرِ السَّيِّدِ في عَبْدِهِ ووَلَدِهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ فالمَعْنى ثُمَّ اصْطَفاهُ فَتابَ عَلَيْهِ أيْ عادَ عَلَيْهِ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ وهَداهُ رُشْدَهُ حَتّى رَجَعَ إلى النَّدَمِ والِاسْتِغْفارِ وقَبِلَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَوْ جُمِعَ بُكاءُ أهْلِ الدُّنْيا إلى بُكاءِ داوُدَ كانَ بُكاؤُهُ أكْثَرَ، ولَوْ جُمِعَ كُلُّ ذَلِكَ إلى بُكاءِ نُوحٍ لَكانَ بُكاءُ نُوحٍ أكْثَرَ، وإنَّما سُمِّيَ نُوحًا لِنَوْحِهِ عَلى نَفْسِهِ، ولَوْ جُمِعَ كُلُّ ذَلِكَ إلى بُكاءِ آدَمَ لَكانَ بُكاءُ آدَمَ عَلى خَطِيئَتِهِ أكْثَرَ» “ وقالَ وهْبٌ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ بُكاؤُهُ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي إنَّكَ خَيْرُ الغافِرِينَ“ فَقالَها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ: قُلْ ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ“ ثُمَّ قالَ قُلْ: ”لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَمِلْتُ سُوءًا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ“ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذِهِ الكَلِماتُ هي الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن رَبِّهِ.

20:123–127Page 320

قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣

[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise] - all, [your descendants] being enemies to one another. And if there should come to you guidance from Me - then whoever follows My guidance will neither go astray [in the world] nor suffer [in the Hereafter].

وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤

And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed [i.e., difficult] life, and We will gather [i.e., raise] him on the Day of Resurrection blind."

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥

He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"

قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦

[Allāh] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot [i.e., disregarded] them; and thus will you this Day be forgotten."

وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧

And thus do We recompense he who transgressed and did not believe in the signs of his Lord. And the punishment of the Hereafter is more severe and more enduring.1

صفحة ١١٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ .

اعْلَمْ أنَّ عَلى أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ سُؤالًا وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اهْبِطا﴾، إمّا أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ شَخْصَيْنِ أوْ أكْثَرَ فَإنْ كانَ خِطابًا لِشَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ وهو خِطابُ الجَمْعِ وإنْ كانَ خِطابًا لِأكْثَرَ مِن شَخْصَيْنِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿اهْبِطا﴾ ؟ وذَكَرُوا في جَوابِهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الخِطابُ لِآدَمَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ ولِإبْلِيسَ ومَعَهُ ذُرِّيَّتُهُ فَلِكَوْنِهِما جِنْسَيْنِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطا﴾ ولِأجْلِ اشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى الكَثْرَةِ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ . ثانِيها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَمّا كانَ آدَمُ وحَوّاءُ عَلَيْهِما السَّلامُ أصْلًا لِلْبَشَرِ والسَّبَبِ اللَّذَيْنِ مِنهُما تَفَرَّعُوا جُعِلا كَأنَّهُما البَشَرُ أنْفُسُهم فَخُوطِبا مُخاطَبَتَهم فَقالَ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَماعَةِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فَقالَ القاضِي: يَكْفِي في تَوْفِيَةِ هَذا الظّاهِرِ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ إبْلِيسُ والشَّياطِينُ أعْداءً لِلنّاسِ والنّاسُ أعْداءً لَهم، فَإذا انْضافَ إلى ذَلِكَ عَداوَةُ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لِبَعْضٍ لَمْ يَمْتَنِعْ دُخُولُهُ في الكَلامِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ الذُّرِّيَّةُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالهُدى، فَقالَ بَعْضُهم: الرُّسُلُ، وبَعْضُهم قالَ: الآخَرُ والأدِلَّةُ، وبَعْضُهم قالَ: القُرْآنُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالهُدى الَّذِي ضَمِنَ اللَّهُ عَلى اتِّباعِهِ ذَلِكَ اتِّباعُ الأدِلَّةِ، واتِّباعُها لا يَتَكامَلُ إلّا بِأنْ يَسْتَدِلَّ بِها وبِأنْ يَعْمَلَ بِها، ومِن هَذا حالُهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أنْ لا يَضِلَّ ولا يَشْقى، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يَضِلُّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ. وثانِيها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الآخِرَةِ لِأنَّهُ تَعالى يَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ ويُمَكِّنُهُ فِيها. وثالِثُها: لا يَضِلُّ ولا يَشْقى في الدُّنْيا فَإنْ قِيلَ: المُتَّبِعُ لِهُدى اللَّهِ قَدْ يَلْحَقُهُ الشَّقاءُ في الدُّنْيا، قُلْنا: المُرادُ لا يَضِلُّ في الدِّينِ ولا يَشْقى بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَإنْ حَصَلَ الشَّقاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلا بَأْسَ، ولَمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى مَن يَتَّبِعُ الهُدى أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ فِيمَن أعْرَضَ، فَقالَ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ والذِّكْرُ يَقَعُ عَلى القُرْآنِ وعَلى سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأدِلَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فالضَّنْكُ أصْلُهُ الضِّيقُ والشِّدَّةُ وهو مَصْدَرٌ ثُمَّ يُوصَفُ بِهِ فَيُقالُ: مَنزِلٌ ضَنْكٌ، وعَيْشٌ ضَنْكٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَعِيشَةٌ ذاتُ ضَنْكٍ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الضِّيقَ المُتَوَعَّدَ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا أوْ في القَبْرِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ في الدِّينِ أوْ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ. أمّا الأوَّلُ: فَقالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمَ لِتَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ يَعِيشُ في الدُّنْيا عَيْشًا طَيِّبًا كَما قالَ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: ٩٧] والكافِرُ بِاللَّهِ يَكُونُ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طالِبًا لِلزِّيادَةِ أبَدًا فَعِيشَتُهُ ضَنْكٌ

صفحة ١١٣

وحالَتُهُ مُظْلِمَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ الكَفَرَةِ مَن ضَرَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لِكُفْرِهِ قالَ تَعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٦١] وقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائِدَةِ: ٦٦] وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٩٦] وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نُوحٍ: ١٠ - ١٢] وقالَ: ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجِنِّ: ١٦] . وأمّا الثّانِي: وهو عَذابُ القَبْرِ، فَهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ عَذابَ القَبْرِ لِلْكافِرِ قالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ تِنِّينًا» “ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى المَخْزُومِيِّ، والمُرادُ ضَغْطَةُ القَبْرِ تَخْتَلِفُ فِيها أضْلاعُهُ. وأمّا الثّالِثُ: وهو الضِّيقُ في الآخِرَةِ في جَهَنَّمَ، فَإنَّ طَعامَهم فِيها الضَّرِيعُ والزَّقُّومُ، وشَرابَهُمُ الحَمِيمُ والغِسْلِينُ فَلا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ. وأمّا الرّابِعُ: وهو الضِّيقُ في أحْوالِ الدِّينِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي أنْ تُضَيَّقَ عَلَيْهِ أبْوابُ الخَيْرِ فَلا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنها، سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«إذا رَأيْتُمْ أهْلَ البَلاءِ فاسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» “، فَقالَ: أهْلُ البَلاءِ هم أهْلُ الغَفَلاتِ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَعُقُوبَتُهم أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ، وأيُّ مَعِيشَةٍ أضْيَقُ وأشَدُّ مِن أنْ يُرَدَّ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ قالَ: المَعِيشَةُ الضَّنْكُ هي مَعِيشَةُ الكافِرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوقِنٍ بِالثَّوابِ والعِقابِ. وأمّا الخامِسُ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ الضِّيقُ في كُلِّ ذَلِكَ أوْ أكْثَرِهِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«عُقُوبَةُ المَعْصِيَةِ ثَلاثَةٌ: ضِيقُ المَعِيشَةِ، والعُسْرُ في الشِّدَّةِ، وأنْ لا يَتَوَصَّلَ إلى قُوَّتِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ . أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسْراءِ: ٩٧] وكَما فُسِّرَتِ الزُّرْقَةُ بِالعَمى، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يُحْشَرُ بَصِيرًا فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ والكَلامُ فِيهِ وعَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿زُرْقًا﴾ . وثانِيها: قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، وهي رِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ القاضِي: هَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ في القِيامَةِ لا بُدَّ أنْ يُعْلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، ومَن هَذا حالُهُ لا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلّا مَجازًا، والمُرادُ بِهِ أنَّهُ كانَ مِن قَبْلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ولا يَلِيقُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في حالِ الدُّنْيا. أقُولُ ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاعْتِراضَ أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ ذَلِكَ العَمى بِما أنَّ المُكَلَّفَ نَسِيَ الدَّلائِلَ في الدُّنْيا فَلَوْ كانَ العَمى الحاصِلُ في الآخِرَةِ بَيْنَ ذَلِكَ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، كَما أنَّهُ ما كانَ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ، واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الجَوابِ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ مَأْخُوذٌ مِن أمْرٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ الجاهِلَةَ في الدُّنْيا المُفارَقِةَ عَنْ أبْدانِها عَلى جَهالَتِها تَبْقى عَلى تِلْكَ الجَهالَةِ في الآخِرَةِ وأنَّ تِلْكَ الجَهالَةَ تَصِيرُ هُناكَ سَبَبًا لِأعْظَمِ الآلامِ الرُّوحانِيَّةِ. وبَيْنَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وبَيْنَ طَرِيقَةِ القاضِي المَبْنِيَّةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ بَوْنٌ شَدِيدٌ. وثالِثُها: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِن حَشْرِهِ أعْمى أنَّهُ لا يَهْتَدِي يَوْمَ القِيامَةِ إلى طَرِيقٍ يَنالُ مِنهُ خَيْرًا بَلْ يَبْقى واقِفًا مُتَحَيِّرًا كالأعْمى الَّذِي لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ فَفي تَقْرِيرِ هَذا الجَوابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ بِهِ هَذا

صفحة ١١٤

العَمى جَزاءً عَلى تَرْكِهِ اتِّباعَ الهُدى والإعْراضِ عَنْهُ. والثّانِي: هو أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها جاهِلَةً ضالَّةً عَنِ الِاتِّصالِ بِالرُّوحانِيّاتِ بَقِيَتْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ وعَظُمَتِ الآلامُ الرُّوحانِيَّةُ، فَلِهَذا عَلَّلَ اللَّهُ تَعالى حُصُولَ العَمى في الآخِرَةِ بِالإعْراضِ عَنِ الدَّلائِلِ في الدُّنْيا، ومَن فَسَّرَ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِالضِّيقِ في الدُّنْيا، قالَ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ في الدُّنْيا فَلَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ في الدُّنْيا والعَمى في الآخِرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَبَعْضُهم قالَ: أشْرَكَ وكَفَرَ، وبَعْضُهم قالَ: أسْرَفَ في أنْ عَصى اللَّهَ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: أسْرَفَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجْزِي مَن هَذا حالُهُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعِيشَةِ الضَّنْكِ والعَمى وبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى؛ أمّا الأشَدُّ فَلِعِظَمِهِ، وأمّا الأبْقى فَلِأنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском