Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Taha 20:54–62
20:54–56Page 315
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥
From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.
وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦
And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ يَقُولُ: رَبِّيَ الَّذِي جَعَلَ لَكم كَذا وكَذا فَأخْرَجْنا نَحْنُ مَعاشِرَ عِبادِهِ بِذَلِكَ الماءِ بِالحِراثَةِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى.
وثانِيها: أنَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَمَّ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ صِفَةِ نَفْسِهِ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ثُمَّ يَدُلُّ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ .
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ انْتَقَلَ فِيهِ مِن لَفْظِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُطاعٌ تَنْقادُ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ لِأمْرِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧]، ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لا يَلِيقُ بِمُوسى لِأنَّ أكْثَرَ ما في قُدْرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَرْفُ المِياهِ إلى سَقْيِ الأراضِي، وأمّا إخْراجُ النَّباتِ عَلى اخْتِلافِ ألْوانِها وطَبائِعِها فَلَيْسَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَثَبَتَ أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: كَلامُ اللَّهِ ابْتِداؤُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ لِأنَّ الفاءَ يَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَهُ فَلا يَجُوزُ جَعْلُ هَذا كَلامَ اللَّهِ تَعالى وجَعْلُ ما قَبْلَهُ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ ثُمَّ ابْتُدِئَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ هو الَّذِي ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ فَيَكُونُ ”الَّذِي“ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ التِفاتًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُخْرِجُ النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بِواسِطَةِ إنْزالِ الماءِ فَيَكُونُ لِلْماءِ فِيهِ أثَرٌ وهَذا بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لا يَقْدَحُ في شَيْءٍ مِن أُصُولِ الإسْلامِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي أعْطاها هَذِهِ الخَواصَّ والطَّبائِعَ، لَكِنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ يُنْكِرُونَهُ ويَقُولُونَ: لا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مُزْدَوَجَةٌ مَقْرُونَةٌ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ ﴿شَتّى﴾ صِفَةٌ لِلْأزْواجِ جَمْعُ شَتِيتٍ كَمَرِيضٍ ومَرْضى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنَّباتِ، والنَّباتُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ كَما يُسَمّى بِالنَّبْتِ، فاسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ يَعْنِي أنَّها شَتّى مُخْتَلِفَةُ النَّفْعِ والطَّعْمِ والطَّبْعِ، بَعْضُها يَصْلُحُ لِلنّاسِ وبَعْضُها يَصْلُحُ لِلْبَهائِمِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ فَهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أخْرَجْنا، والمَعْنى أخْرَجْنا أصْنافَ النَّباتِ آذِنِينَ في الِانْتِفاعِ بِها مُبِيحِينَ أنْ تَأْكُلُوا بَعْضَها وتَعْلِفُوا بَعْضَها. وقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ سائِرَ وُجُوهِ المَنافِعِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا﴾ أمْرُ إباحَةٍ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذَكَرْتُ مِن هَذِهِ
صفحة ٦١
النِّعَمِ ﴿لَآياتٍ﴾ أيْ لَدَلالاتٍ لِذَوِي النُّهى أيِ العُقُولِ، والنُّهْيَةُ العَقْلُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: النُّهى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالهُدى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مَنافِعَ الأرْضِ والسَّماءِ بَيَّنَ أنَّها غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِذاتِها بَلْ هي مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِها وسائِلَ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَنا مِن نُطْفَةٍ عَلى ما بَيَّنَ ذَلِكَ في سائِرِ الآياتِ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ أصْلَنا وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ عَلى ما قالَ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] لا جَرَمَ أطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْنا.
الثّانِي: أنَّ تَوَلُّدَ الإنْسانِ إنَّما هو مِنَ النُّطْفَةِ ودَمِ الطَّمْثِ وهُما يَتَوَلَّدانِ مِنَ الأغْذِيَةِ، والغِذاءُ إمّا حَيَوانِيٌّ أوْ نَباتِيٌّ، والحَيَوانِيُّ يَنْتَهِي إلى النَّباتِ، والنَّباتُ إنَّما يَحْدُثُ مِنِ امْتِزاجِ الماءِ والتُّرابِ، فَصَحَّ أنَّهُ تَعالى خَلَقَنا مِنها وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَنا مَخْلُوقِينَ مِنَ النُّطْفَةِ.
والثّالِثُ: ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ﴾ [آل عمران: ٦] خَبَرَ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ مَلَكَ الأرْحامِ أنْ يَكْتُبَ الأجَلَ والرِّزْقَ والأرْضَ الَّتِي يُدْفَنُ فِيها وأنَّهُ يَأْخُذُ مِن تُرابِ تِلْكَ البُقْعَةِ ويَذَرُهُ عَلى النُّطْفَةِ ثُمَّ يُدْخِلُها في الرَّحِمِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مَخْلُوقًا مِنَ الشَّيْءِ، وظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ يَأْباهُ. والجَوابُ: إنْ كانَ المُرادُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إزالَةَ صِفَةِ الشَّيْءِ الأوَّلِ عَنِ الذّاتِ وإحْداثَ صِفَةِ الشَّيْءِ الثّانِي فِيهِ فَذَلِكَ جائِزٌ؛ لِأنَّهُ لا مُنافاةَ فِيهِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ فَلا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ الإعادَةُ إلى القُبُورِ حَتّى تَكُونَ الأرْضُ مَكانًا وظَرْفًا لِكُلِّ مَن ماتَ إلّا مَن رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ، ومَن هَذا حالُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُعادَ إلَيْها أيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأقْرَبُ: ﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾ يَوْمَ الحَشْرِ والبَعْثِ.
وثانِيها: ومِنها نُخْرِجُكم تُرابًا وطِينًا ثُمَّ نُحْيِيكم بَعْدَ الإخْراجِ وهَذا مَذْكُورٌ في بَعْضِ الأخْبارِ.
وثالِثُها: المُرادُ عَذابُ القَبْرِ عَنِ البَراءِ قالَ: ”«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جِنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فَذَكَرَ عَذابَ القَبْرِ وما يُخاطَبُ بِهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ وأنَّهُ تُرَدُّ رُوحُهُ في جَسَدِهِ ويُرَدُّ إلى الأرْضِ وأنَّهُ تَعالى يَقُولُ عِنْدَ إعادَتِهِمْ إلى الأرْضِ: إنِّي وعَدْتُهم أنِّي مِنها خَلَقْتُهم وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى» “، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَدَّدَ في هَذِهِ الآياتِ مَنافِعَ الأرْضِ وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَها لَهم فِراشًا ومِهادًا يَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها وسَوّى لَهم فِيها مَسالِكَ يَتَرَدَّدُونَ فِيها كَيْفَ أرادُوا، وأنْبَتَ فِيها أصْنافَ النَّباتِ الَّتِي مِنها أقْواتُهم وعَلَفُ دَوابِّهِمْ وهي أصْلُهُمُ الَّذِي مِنهُ يَتَفَرَّعُونَ ثُمَّ هي كِفاتُهم إذا ماتُوا، ومِن ثَمَّ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«بِرُّوا بِالأرْضِ فَإنَّها بِكم بَرَّةٌ» “ .
20:57–58Page 315
قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧
He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?
فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨
Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1
قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ ﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ .
صفحة ٦٢
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أرى فِرْعَوْنَ الآياتِ كُلَّها ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ، فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ كُلَّ الأدِلَّةِ ما يَتَّصِلُ بِالتَّوْحِيدِ وما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّوْحِيدُ فَما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ الآيَةَ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٣] الآياتِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَهي الآياتُ التِّسْعُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي العَصا واليَدُ وفَلْقُ البَحْرِ والحَجَرِ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَتْقُ الجَبَلِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ مَعْنى أرَيْناهُ عَرَّفْناهُ صِحَّتَها وأوْضَحْنا لَهُ وجْهَ الدَّلالَةِ فِيها، ومِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى ما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ وهي هَذِهِ المُعْجِزاتُ، وإنَّما أضافَ الآياتِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ أنَّ المُظْهِرَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أجْراها عَلى يَدَيْهِ كَما أضافَ نَفْخَ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١] مَعَ أنَّ النَّفْخَ كانَ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: كُلُّها يُفِيدُ العُمُومَ واللَّهُ تَعالى ما أراهُ جَمِيعَ الآياتِ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآياتِ ما أظْهَرَها عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والَّذِينَ كانُوا بَعْدَهُ قُلْنا: لَفْظُ الكُلِّ وإنْ كانَ لِلْعُمُومِ لَكِنْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخُصُوصِ عِنْدَ القَرِينَةِ كَما يُقالُ: دَخَلْتُ السُّوقَ فاشْتَرَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ أوْ يُقالُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أراهُ آياتِهِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ آياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ بِالكُلِّ أوْ يُقالُ: تَكْذِيبُ بَعْضِ المُعْجِزاتِ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ الكُلِّ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كَذَّبَ وأبى، قالَ القاضِي: الإباءُ الِامْتِناعُ، وإنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ وبِأنَّهُ أبى، ولَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ما هو فِيهِ لَمْ يَصِحَّ، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] والجَوابُ مَذْكُورٌ هُناكَ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى شُبْهَةَ فِرْعَوْنَ وهي قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ وتَرْكِيبُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَجِيبٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ ألْقى في مَسامِعِهِمْ ما يَصِيرُونَ بِهِ مُبْغِضِينَ لَهُ جِدًّا وهو قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا مِمّا يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ في النِّهايَةِ ولِذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مُساوِيًا لِلْقَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] ثُمَّ لَمّا صارُوا في نِهايَةِ البُغْضِ لَهُ أوْرَدَ الشُّبْهَةَ الطّاعِنَةَ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي أنَّ ما جِئْتَنا بِهِ سِحْرٌ لا مُعْجِزٌ، ولَمّا عَلِمَ أنَّ المُعْجِزَ إنَّما يَتَمَيَّزُ عَنِ السِّحْرِ لِكَوْنِ المُعْجِزِ مِمّا يَتَعَذَّرُ مُعارَضَتُهُ والسِّحْرُ مِمّا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ قالَ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ المَوْعِدَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِمَكانِ الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] وأنْ يَكُونَ اسْمًا لِزَمانِ الوَعْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] والَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المَصْدَرِ أيِ اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ وعْدًا لا نُخْلِفُهُ لِأنَّ الوَعْدَ هو الَّذِي يَصِحُّ وصْفُهُ بِالخُلْفِ. أمّا الزَّمانُ والمَكانُ فَلا يَصِحُّ وصْفُهُما بِذَلِكَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ ”يَوْمَ الزِّينَةِ“ بِالنَّصْبِ، وذَلِكَ لا يُطابِقُ المَكانَ والزَّمانَ، وإنَّما نَصَبَ مَكانًا لِأنَّهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِلْجَعْلِ، والتَّقْدِيرُ اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى. أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُوًى﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ ﴿سُوًى﴾ بِضَمِّ السِّينِ والباقُونَ بِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ مِثْلُ طِوًى وطُوًى، وقُرِئَ أيْضًا مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، وذَكَرُوا في مَعْناهُ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ أبُو عَلِيٍّ مَكانًا تَسْتَوِي مَسافَتُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ. قالَ قَتادَةُ: مُنَصَّفًا بَيْنَنا.
وثانِيها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿سُوًى﴾ أيْ مُسْتَوِيًا لا يَحْجُبُ العَيْنَ ما فِيهِ مِنَ الِارْتِفاعِ والِانْخِفاضِ فَـ ”سُوًى“ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ صِفَةُ المَسافَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِفَةُ المَكانِ، والمَقْصُودُ
صفحة ٦٣
أنَّهم طَلَبُوا مَوْضِعًا مُسْتَوِيًا لا يَكُونُ فِيهِ ارْتِفاعٌ ولا انْخِفاضٌ حَتّى يُشاهِدَ كُلُّ الحاضِرِينَ كُلَّ ما يَجْرِي.
وثالِثُها: مَكانًا يَسْتَوِي حالُنا في الرِّضاءِ بِهِ.
ورابِعُها: قالَ الكَلْبِيُّ: مَكانًا سِوى هَذا المَكانِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ الآنَ.
20:59–62Page 315
قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩
[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1
فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠
So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١
Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."
فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢
So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.
قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ . اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ﴾ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ فَبَيَّنَ الوَقْتَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ القاضِي:
والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ المُطالِبُ بِالِاجْتِماعِ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعِنْدِي الأظْهَرُ أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ .
وثانِيها: وهو أنَّ تَعْيِينَ يَوْمِ الزِّينَةِ يَقْتَضِي إطْلاعَ الكُلِّ عَلى ما سَيَقَعُ فَتَعْيِينُهُ إنَّما يَلِيقُ بِالمُحِقِّ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّ اليَدَ لَهُ لا المُبْطِلُ الَّذِي يَعْرِفُ أنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلّا التَّلْبِيسُ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْجَمْعِ فَلَوْ جَعَلْناهُ مِن فِرْعَوْنَ إلى مُوسى وهارُونَ لَزِمَ إمّا حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِحالِ فِرْعَوْنَ مَعَهُما، أوْ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ وهو غَيْرُ جائِزٍ، أمّا لَوْ جَعَلْناهُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ اسْتَقامَ الكَلامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قَرَأ بَعْضُهم بِضَمِّ المِيمِ وقَرَأ الحَسَنُ بِالنَّصْبِ قالَ الزَّجّاجُ: إذا رُفِعَ فَعَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ، والمَعْنى وقْتُ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ، ومَن نَصَبَ فَعَلى الظَّرْفِ مَعْناهُ مَوْعِدُكم يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ مَعْناهُ مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ ضُحًى، فَمَوْضِعُ ”أنْ“ يَكُونُ رَفْعًا، ويَجُوزُ فِيهِ الخَفْضُ عَطْفًا عَلى الزِّينَةِ كَأنَّهُ قالَ مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ يُحْشَرُ النّاسِ ضُحًى، فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ قُلْتُمْ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أنَّ التَّقْدِيرَ: اجْعَلْ مَكانَ مَوْعِدٍ لا نُخْلِفُهُ مَكانًا سُوًى فَهَذا كَيْفَ يُطابِقُهُ الجَوابُ بِذِكْرِ الزَّمانِ ؟ قُلْنا هو مُطابِقُ مَعْنًى وإنْ لَمْ يُطابِقْ لَفْظًا لِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِن أنْ يَجْتَمِعُوا يَوْمَ الزِّينَةِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ مَشْهُودٍ بِاجْتِماعِ النّاسِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَبِذِكْرِ الزَّمانِ عُلِمَ المَكانُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في يَوْمِ الزِّينَةِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ لَهم يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: يَوْمُ النَّيْرُوزِ.
وثالِثُها: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمُ سُوقٍ لَهم.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَوْمُ عاشُوراءَ، وإنَّما قالَ ”يُحْشَرَ“ فَإنَّهم يَجْتَمِعُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ حاشِرٍ لَهم، وقُرِئَ ”وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ“ بِالياءِ والتّاءِ يُرِيدُ: وأنْ تَحْشُرَ النّاسَ يا فِرْعَوْنُ وأنْ يَحْشُرَ اليَوْمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ فِرْعَوْنَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، إمّا عَلى العادَةِ الَّتِي تُخاطَبُ بِها المُلُوكُ أوْ خاطَبَ القَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾ وجَعَلَ ضَمِيرَ ”يُحْشَرَ“ لِفِرْعَوْنَ وإنَّما أوْعَدَهم ذَلِكَ اليَوْمَ لِيَكُونَ عُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى وظُهُورُ دِينِهِ، وكَبْتُ الكافِرِ وزَهُوقُ الباطِلِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ في المَجْمَعِ العامِّ لِيَكْثُرَ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ
صفحة ٦٤
العَجِيبِ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعَ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ، قالَ القاضِي: إنَّهُ عَيَّنَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ثُمَّ عَيَّنَ مِنَ اليَوْمِ وقْتًا مُعَيَّنًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ إعْراضًا وقَدْ يَكُونُ انْصِرافًا، والظّاهِرُ هَهُنا أنَّهُ بِمَعْنى الِانْصِرافِ وهو مُفارَقَتُهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَوْعِدِ الَّذِي تَواعَدُوا لِلِاجْتِماعِ [ فِيهِ ]، قالَ مُقاتِلٌ: فَتَوَلّى أيْ أعْرَضَ وثَبَتَ عَلى إعْراضِهِ عَنِ الحَقِّ ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ السَّحَرَةُ وسائِرُ مَن يَجْتَمِعُ لِذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ الآلاتُ وسائِرُ ما أوْرَدَتْهُ السَّحَرَةُ ﴿ثُمَّ أتى﴾ دَخَلَ تَحْتَهُ ”أتى“ المَوْضِعَ بِالسَّحَرَةِ وبِالقَوْمِ وبِالآلاتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ ساحِرًا مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصا، وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ ضُرِبَتْ لِفِرْعَوْنَ قُبَّةٌ فَجَلَسَ فِيها يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وكانَ طُولُ القُبَّةِ سَبْعِينَ ذِراعًا ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدَّمَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ الوَعِيدَ والتَّحْذِيرَ مِمّا قالُوهُ وأقْدَمُوا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ تَزْعُمُوا بِأنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّهُ سِحْرٌ فَيُمْكِنُكم مُعارَضَتِي، قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ في انْتِصابِ ”ويْلَكم“ أنْ يَكُونَ المَعْنى ألْزَمَهُمُ اللَّهُ ويْلًا إنِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ويَجُوزُ عَلى النِّداءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، ﴿ياوَيْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ أيْ يُعَذِّبَكم عَذابًا مُهْلِكًا مُسْتَأْصِلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِرَفْعِ الياءِ مِنَ الإسْحاتِ والباقُونَ بِفَتْحِها مِنَ السُّحْتِ، والإسْحاتُ لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، والسُّحْتُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا حَصَلَ لَهُ أمْرانِ:
أحَدُهُما: عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا أوِ العَذابُ الشَّدِيدُ في الآخِرَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ .
والثّانِي: الخَيْبَةُ والحِرْمانُ عَنِ المَقْصُودِ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَمّا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ أعْرَضُوا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ وفي تَنازَعُوا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: تَفاوَضُوا وتَشاوَرُوا لِيَسْتَقِرُّوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ.
والثّانِي: قالَ مُقاتِلٌ: اخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَهم ثُمَّ قالَ بَعْضُهم: دَخَلَ في التَّنازُعِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلْ هُمُ السَّحَرَةُ وحْدَهم والكَلامُ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ، وذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم أسَرُّوها مِن فِرْعَوْنَ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنَّ نَجْواهم قالُوا: إنْ غَلَبَنا مُوسى اتَّبَعْناهُ.
والثّانِي: قالَ قَتادَةُ: إنْ كانَ ساحِرًا فَسَنَغْلِبُهُ، وإنْ كانَ مِنَ السَّماءِ فَلَهُ أمْرٌ.
الثّالِثُ: قالَ وهْبٌ: لَمّا قالَ: ﴿ويْلَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالُوا ما هَذا بِقَوْلِ ساحِرٍ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وفِرْعَوْنَ ونَجْواهم هو قَوْلُهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكُمْ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهم أسَرُّوا النَّجْوى مِن مُوسى وهارُونَ ومِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أيْضًا، وكانَ نَجْواهم أنَّهم كَيْفَ يَجِبُ تَدْبِيرُ أمْرِ الحِبالِ والعِصِيِّ، وعَلى أيِّ وجْهٍ يَجِبُ إظْهارُها فَيَكُونُ أوْقَعَ في القُلُوبِ وأظْهَرَ لِلْعُيُوبِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences