Ar-RaziAl‑Anbya · 21:22–30

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:22–30, continued

كَلَّفْتَ عِبادَكَ، إلّا أنَّ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ كالأصْلِ والقاعِدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ فَتَأمَّلْ في هَذِهِ الدَّقائِقِ العَجِيبَةِ لِتَقِفَ عَلى طَرَفٍ مِن أسْرارِ عِلْمِ القُرْآنِ، وأمّا الوُقُوعُ السَّمْعِيُّ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ وإنْ كانَ مُتَأكَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٩٢] وبِقَوْلِهِ: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢٤] إلّا أنَّهُ يُناقِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٣٩] والجَوابُ: أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمٌ طَوِيلٌ وفِيهِ مَقاماتٌ فَيَصْرِفُ كُلَّ واحِدٍ مِنَ السَّلْبِ والإيجابِ إلى مَقامٍ آخَرَ دَفْعًا لِلتَّناقُضِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ هو الخالِقُ لِلْحَسَنِ والقَبِيحِ لَوَجَبَ أنْ يُسْألَ عَمّا يَفْعَلُ، بَلْ كانَ يُذَمُّ بِما حَقُّهُ الذَّمُّ، كَما يُحْمَدُ بِما حَقُّهُ المَدْحُ. وثانِيها: أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ لا يُسْألَ عَنِ الأُمُورِ إذا كانَ لا فاعِلَ سِواهُ. وثالِثُها: أنَّهُ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يُسْألُوا عَنْ عَمَلِهِمْ إذْ لا عَمَلَ لَهم. ورابِعُها: أنَّ أعْمالَهم لا يُمْكِنُهم أنْ يَعْدِلُوا عَنْها مِن حَيْثُ خَلَقَها وأوْجَدَها فِيهِمْ. وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ بِأنَّهُ يَقْبَلُ حُجَّةَ العِبادِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ لَهم عَلَيْهِ الحُجَّةَ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ونَظائِرُ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تَدُلُّ عَلى أنَّ حُجَّةَ العَبْدِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وسادِسُها: قالَ ثُمامَةُ: إذا وقَفَ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ما حَمَلَكَ عَلى مَعْصِيَتِي ؟ فَيَقُولُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ: يا رَبِّ إنَّكَ خَلَقْتَنِي كافِرًا وأمَرْتَنِي بِما لا أقْدِرُ عَلَيْهِ وحُلْتَ بَيْنِي وبَيْنَهُ. ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ يَكُونُ صادِقًا، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ١١٩] فَوَجَبَ أنْ يَنْفَعَهُ هَذا الكَلامُ فَقِيلَ لَهُ: ومَن يَدَعُهُ يَقُولُ هَذا الكَلامَ أوْ يَحْتَجُّ ؟ فَقالَ ثُمامَةُ: ألَيْسَ إذا مَنَعَهُ اللَّهُ الكَلامَ والحُجَّةَ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ مَنَعَهُ مِمّا لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهُ لانْقَطَعَ في يَدِهِ، وهَذا نِهايَةُ الِانْقِطاعِ. والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّها مُعارَضَةٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ ثُمَّ بِالوُجُوهِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي بَيَّنّا فِيها أنَّهُ يَسْتَحِيلُ طَلَبُ لَمِيَّةِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ.

21:24–27Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤

Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥

And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦

And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.

لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧

They cannot precede Him in word, and they act by His command.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ اسْتِعْظامًا لِكُفْرِهِمْ، أيْ وصَفْتُمُ اللَّهَ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا فَهاتُوا بُرْهانَكم عَلى ذَلِكَ. أمّا مِن جِهَةِ العَقْلِ أوْ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ أوَّلًا وقَرَّرَ الأصْلَ الَّذِي عَلَيْهِ تَخْرُجُ شُبُهاتُ القائِلِينَ بِالتَّثْنِيَةِ ثانِيًا، أخَذَ يُطالِبُهم بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمْ ثالِثًا.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِهِ وفِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ﴾ أيْ هَذا هو الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن مَعِيَ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ أيِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مَن تَقَدَّمَنِي مِنَ الأنْبِياءِ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ والصُّحُفُ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِنها أنِّي أذِنْتُ بِأنْ تَتَّخِذُوا إلَهًا مِن دُونِي بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ كَما قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ القَفّالِ والزَّجّاجِ. والثّانِي: وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ والسُّدِّيِّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ صِفَةٌ لِلْقُرْآنِ، فَإنَّهُ كَما يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَكَذا يَشْتَمِلُ عَلى أحْوالِ الأُمَمِ

صفحة ١٣٧

الماضِيَةِ. الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ وهو أنَّ المَعْنى قُلْ لَهم: هَذا الكِتابُ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى بَيانِ أحْوالِ مَن مَعِيَ مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ وعَلى بَيانِ أحْوالِ مَن قَبْلِي مِنَ المُخالِفِينَ والمُوافِقِينَ فاخْتارُوا لِأنْفُسِكم، كَأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّهْدِيدُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ: (هَذا ذِكْرٌ مَن مَعِيَ وذِكْرٌ مَن قَبْلِي) بِالتَّنْوِينِ، ومَن مَفْعُولٌ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ [البَلَدِ: ١٤ - ١٥ ] وهو الأصْلُ والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢] وقُرِئَ: مِن مَعِي ومِن قَبْلِي، بِكَسْرِ مِيمِ مَن عَلى تَرْكِ الإضافَةِ في هَذِهِ القِراءَةِ، وإدْخالُ الجارِّ عَلى مَعَ غَرِيبٌ والعُذْرُ فِيهِ أنَّهُ اسْمٌ هو ظَرْفٌ نَحْوُ قَبْلَ وبَعْدَ فَدَخَلَ مِن عَلَيْهِ كَما يَدْخُلُ عَلى أخَواتِهِ وقُرِئَ: ذِكْرٌ مَعِيَ وذِكْرٌ قَبْلِي.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلِيلَ التَّوْحِيدِ وطالَبَهم بِالدَّلالَةِ عَلى ما ادَّعُوهُ وبَيَّنَ أنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُمُ البَتَّةَ عَلَيْهِ لا مِن جِهَةِ العَقْلِ ولا مِن جِهَةِ السَّمْعِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّ وُقُوعَهم في هَذا المَذْهَبِ الباطِلِ لَيْسَ لِأجْلِ دَلِيلٍ ساقَهم إلَيْهِ، بَلْ ذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم ما هو أصْلُ الشَّرِّ والفَسادِ كُلُّهُ وهو عَدَمُ العِلْمِ، ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلى عَدَمِ العِلْمِ الإعْراضُ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وطَلَبِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى تَوَسُّطِ التَّوْكِيدِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ، والمَعْنى أنَّ إعْراضَهم بِسَبَبِ الجَهْلِ هو الحَقُّ لا الباطِلُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (يُوحِي ونُوحِي) قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ، وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَها مِن آياتِ التَّوْحِيدِ.

21:28–29Page 324

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨

He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.

۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ الباهِرَةِ كَوْنَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ والضِّدِّ والنِّدِّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَراءَتِهِ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ فَقالَ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ نَزَلَتْ في خُزاعَةَ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ وأضافُوا إلى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى صاهَرَ الجِنَّ عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾

صفحة ١٣٨

[الصّافّاتِ: ١٥٨] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الوَلَدَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالوالِدِ فَلَوْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ لَأشْبَهَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ لا بُدَّ وأنْ يُخالِفَهُ مِن وجْهٍ آخَرَ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَيَقَعُ التَّرْكِيبُ في ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فاتِّخاذُهُ لِلْوَلَدِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُمْكِنًا غَيْرَ واجِبٍ، وذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ ويُدْخِلُهُ في حَدِّ العُبُودِيَّةِ، ولِذَلِكَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الوَلَدِ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم عِبادٌ والعُبُودِيَّةُ تُنافِي الوِلادَةَ إلّا أنَّهم مُكْرَمُونَ مُفَضَّلُونَ عَلى سائِرِ العِبادِ وقُرِئَ: (مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ) مِن سابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ أسْبِقُهُ، والمَعْنى أنَّهم يَتْبَعُونَهُ في قَوْلِهِ ولا يَقُولُونَ شَيْئًا حَتّى يَقُولَهُ فَلا يَسْبِقُ قَوْلُهم قَوْلَهُ، وكَما أنَّ قَوْلَهم تابِعٌ لِقَوْلِهِ فَعَمَلُهم أيْضًا كَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أمْرِهِ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ لِهَذِهِ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَلِمُوا كَوْنَهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ عَلِمُوا كَوْنَهُ عالِمًا بِظَواهِرِهِمْ هم وبَواطِنِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى نِهايَةِ الخُضُوعِ وكَمالِ العُبُودِيَّةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ وُجُوهًا: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْلَمُ ما قَدَّمُوا وما أخَّرُوا مِن أعْمالِهِمْ. وثانِيها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآخِرَةُ وما خَلْفَهُمُ الدُّنْيا وقِيلَ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: يَعْلَمُ ما كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم وما يَكُونُ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، وحَقِيقَةُ المَعْنى أنَّهم يَتَقَلَّبُونَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ في مَلَكُوتِهِ وهو مُحِيطٌ بِهِمْ، وإذا كانَتْ هَذِهِ حالَتَهم فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ العِبادَةَ وكَيْفَ يَتَقَدَّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيَشْفَعُونَ لِمَن لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى لَهُ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن هو عِنْدَ اللَّهِ مَرْضِيٌّ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ أيْ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنهُ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ، ومُشْفِقُونَ خائِفُونَ ولا يَأْمَنُونَ مَكْرَهُ وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ ساقِطًا كالحِلْسِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى» “ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النَّبَأِ: ٣٨] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ فالمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن يَقُولُ مِنَ المَلائِكَةِ ذَلِكَ القَوْلَ فَإنّا نُجازِي ذَلِكَ القائِلَ بِهَذا الجَزاءِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قالُوا ذَلِكَ أوْ ما قالُوهُ وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الصِّفاتُ تَدُلُّ عَلى العُبُودِيَّةِ وتُنافِي الوِلادَةَ لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهم لَمّا بالَغُوا في الطّاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَقُولُونَ قَوْلًا ولا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ فَهَذِهِ صِفاتٌ لِلْعَبِيدِ لا صِفاتُ الأوْلادِ. وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ عالِمًا بِأسْرارِ المَلائِكَةِ وهم لا يَعْلَمُونَ أسْرارَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ الإلَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ هو لا هَؤُلاءِ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ الدَّلالَةُ هي نَفْسُ ما ذَكَرَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] . وثالِثُها: أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى ومَن يَكُنْ إلَهًا أوْ ولَدًا لِلْإلَهِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. ورابِعُها: أنَّهم عَلى نِهايَةِ الإشْفاقِ والوَجَلِ وذَلِكَ لَيْسَ إلّا مِن صِفاتِ العَبِيدِ. وخامِسُها: نَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ حالَهم حالُ سائِرِ العَبِيدِ المُكَلَّفِينَ في الوَعْدِ والوَعِيدِ فَكَيْفَ يَصِحُّ كَوْنُهم آلِهَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ في الآخِرَةِ لا تَكُونُ لِأهْلِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ لا يُقالُ في أهْلِ الكَبائِرِ إنَّ اللَّهَ يَرْتَضِيهِمْ. والجَوابُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ

صفحة ١٣٩

عَنْهُما والضَّحّاكُ: ﴿إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ أيْ لِمَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا في إثْباتِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقَدِ ارْتَضاهُ تَعالى في ذَلِكَ ومَتى صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ ارْتَضاهُ اللَّهُ لِأنَّ المُرَكَّبَ مَتى صَدَقَ فَقَدْ صَدَقَ لا مَحالَةَ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ قَدِ ارْتَضاهُ وجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا عَلى ما قَرَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: أحَدُها: تَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَلائِكَةِ مُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ قالَ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ومِن حَيْثُ الوَعِيدُ. وثانِيها: تَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ . وثالِثُها: قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ظالِمٍ يَجْزِيهِ اللَّهُ جَهَنَّمَ كَما تَوَعَّدَ المَلائِكَةَ بِهِ وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ لِأهْلِ الكَبائِرِ في الآخِرَةِ، والجَوابُ: أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذا العُمُومَ مُشْعِرٌ بِالوَعِيدِ وهو مُعارَضٌ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ.

21:30Page 324

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠

Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَعَ الآنَ في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهَذِهِ الدَّلائِلُ أيْضًا دالَّةٌ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الشَّرِيكِ، لِأنَّها دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّرْتِيبِ العَجِيبِ في العالَمِ، ووُجُودُ الإلَهَيْنِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الفَسادِ. فَهَذِهِ الدَّلائِلُ تَدُلُّ مِن جِهَةٍ عَلى التَّوْحِيدِ فَتَكُونُ كالتَّوْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ، وفِيها أيْضًا رَدٌّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ مِن حَيْثُ إنَّ الإلَهَ القادِرَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشَّرِيفَةِ كَيْفَ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَعْدِلَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى عِبادَةِ حَجَرٍ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ هَهُنا سِتَّةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ألَمْ يَرَ بِغَيْرِ الواوِ والباقُونَ بِالواوِ، وإدْخالُ الواوِ يَدُلُّ عَلى العَطْفِ لِهَذا القَوْلِ عَلى أمْرٍ تَقَدَّمَهُ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ رَتَقًا بِفَتْحِ التّاءِ، وكِلاهُما في مَعْنى المَفْعُولِ كالخُلْفِ والنَّقْضِ

صفحة ١٤٠

أيْ كانَتا مَرْتُوقَتَيْنِ، فَإنْ قُلْتَ الرَّتْقَ صالِحٌ أنْ يَقَعَ مَوْقِعَ مَرْتُوقَتَيْنِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَما بالُ الرَّتْقِ ؟ قُلْتُ: هو عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ أيْ كانَتا شَيْئًا رَتْقًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إمّا الرُّؤْيَةُ، وإمّا العِلْمُ، والأوَّلُ مُشْكِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ القَوْمَ ما رَأوْهُما كَذَلِكَ البَتَّةَ، وأما ثانِيًا فَلِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكَهْفِ: ٥١]، وأمّا العِلْمُ فَمُشْكِلٌ؛ لِأنَّ الأجْسامَ قابِلَةٌ لِلْفَتْقِ والرَّتْقِ في أنْفُسِها، فالحُكْمُ عَلَيْها بِالرَّتْقِ أوَّلًا وبِالفَتْقِ ثانِيًا لا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا السَّمْعُ، والمُناظَرَةُ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الرِّسالَةَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِمِثْلِ هَذا الِاسْتِدْلالِ ؟ والجَوابُ: المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ هو العِلْمُ وما ذَكَرُوهُ مِنَ السُّؤالِ فَدْفُعُهُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنّا نُثْبِتُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ ثُمَّ نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ نَجْعَلُهُ دَلِيلًا عَلى حُصُولِ النِّظامِ في العالَمِ وانْتِفاءِ الفَسادِ عَنْهُ وذَلِكَ يُؤَكِّدُ الدَّلالَةَ المَذْكُورَةَ في التَّوْحِيدِ. وثانِيًا: أنْ يُحْمَلَ الرَّتْقُ والفَتْقُ عَلى إمْكانِ الرَّتْقِ والفَتْقِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأنَّ الأجْسامَ يَصِحُّ عَلَيْها الِاجْتِماعُ والِافْتِراقُ فاخْتِصاصُها بِالِاجْتِماعِ دُونَ الِافْتِراقِ أوْ بِالعَكْسِ يَسْتَدْعِي مُخَصِّصًا. وثالِثُها: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ فَإنَّهُ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ جَوْهَرَةً، ثُمَّ نَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها وفَتَقَ بَيْنَها، وكانَ بَيْنَ عَبَدَةِ الأوْثانِ وبَيْنَ اليَهُودِ نَوْعُ صَداقَةٍ بِسَبَبِ الِاشْتِراكِ في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاحْتَجَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ بِناءً عَلى أنَّهم يَقْبَلُونَ قَوْلَ اليَهُودِ في ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ كانَتا رَتْقًا ولَمْ يَقُلْ كُنَّ رَتْقًا لِأنَّ السَّماواتِ لَفْظُ الجَمْعِ، والمُرادُ بِهِ الواحِدُ الدّالُّ عَلى الجِنْسِ، قالَ الأخْفَشُ: السَّماواتُ نَوْعٌ والأرْضُ نَوْعٌ، ومِثْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١] ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم أصْلَحْنا بَيْنَ القَوْمَيْنِ، ومَرَّتْ بِنا غَنَمانِ أسْوَدانِ، لِأنَّ هَذا القَطِيعَ غَنَمٌ وذَلِكَ غَنَمٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الرَّتْقُ في اللُّغَةِ السَّدُّ، يُقالُ: رَتَقْتُ الشَّيْءَ فارْتَتَقَ، والفَتْقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُلْتَصِقَيْنِ. قالَ الزَّجّاجُ: الرَّتْقُ مَصْدَرٌ والمَعْنى كانَتا ذَواتَيْ رَتْقٍ، قالَ المُفَضَّلُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ كانَتا رَتْقَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨] لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ جَسَدٌ كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ كُلُّ واحِدٍ رَتْقٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنَ الرَّتْقِ والفَتْقِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ورِوايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ المَعْنى كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَهُما ورَفَعَ السَّماءَ إلى حَيْثُ هي وأقَرَّ الأرْضَ، وهَذا القَوْلُ يُوجِبُ أنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا فَصَلَ بَيْنَهُما تَرَكَ الأرْضَ حَيْثُ هي وأصْعَدَ الأجْزاءَ السَّماوِيَّةَ، قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ مُلْتَصِقَتَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا تَوَسَّطَتْهُما فَفَتَقَهُما بِها. وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ ومُجاهِدٍ أنَّ المَعْنى كانَتِ السَّماواتُ مُرْتَفِعَةً فَجُعِلَتْ سَبْعَ سَماواتٍ وكَذَلِكَ الأرَضُونَ. وثالِثُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا بِالِاسْتِواءِ والصَّلابَةِ فَفَتَقَ اللَّهُ السَّماءَ بِالمَطَرِ والأرْضَ بِالنَّباتِ والشَّجَرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطّارِقِ:١١ - ١٢] ورَجَّحُوا هَذا الوَجْهَ عَلى سائِرِ الوُجُوهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا ولِلْماءِ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَ المُرادُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: هَذا الوَجْهُ مَرْجُوحٌ لِأنَّ المَطَرَ لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماواتِ بَلْ

صفحة ١٤١

مِن سَماءٍ واحِدَةٍ وهي سَماءُ الدُّنْيا، قُلْنا: إنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الجَمْعِ لِأنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنها سَماءٌ، كَما يُقالُ: ثَوْبٌ أخْلاقٌ وبُرْمَةٌ أعْشارٌ. واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَجُوزُ حَمْلُ الرُّؤْيَةِ عَلى الإبْصارِ. ورابِعُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفَتْقِ الإيجادُ والإظْهارُ كَقَوْلِهِ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنْعامِ: ١٤] وكَقَوْلِهِ: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥٦] فَأخْبَرَ عَنِ الإيجادِ بِلَفْظِ الفَتْقِ وعَنِ الحالِ قَبْلَ الإيجادِ بِلَفْظِ الرَّتْقِ. أقُولُ: وتَحْقِيقُهُ أنَّ العَدَمَ نَفْيٌ مَحْضٌ، فَلَيْسَ فِيهِ ذَواتٌ مُمَيَّزَةٌ وأعْيانٌ مُتَبايِنَةٌ، بَلْ كَأنَّهُ أمْرٌ واحِدٌ مُتَّصِلٌ مُتَشابِهٌ، فَإذا وُجِدَتِ الحَقائِقُ فَعِنْدَ الوُجُودِ والتَّكَوُّنِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ ويَنْفَصِلُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَسُنَ جَعْلُ الرَّتْقِ مَجازًا عَنِ العَدَمِ والفَتْقِ عَنِ الوُجُودِ. وخامِسُها: أنَّ اللَّيْلَ سابِقٌ عَلى النَّهارِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] وكانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مُظْلِمَةً أوَّلًا فَفَتَقَهُما اللَّهُ تَعالى بِإظْهارِ النَّهارِ المُبْصِرِ، فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ الأقاوِيلِ ألْيَقُ بِالظّاهِرِ ؟ قُلْنا: الظّاهِرُ يَقْتَضِي أنَّ السَّماءَ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والأرْضَ عَلى ما هي عَلَيْهِ كانَتا رَتْقًا، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُما كَذَلِكَ إلّا وهُما مَوْجُودانِ، والرَّتْقُ ضِدُّ الفَتْقِ فَإذا كانَ الفَتْقُ هو المُفارَقَةَ فالرَّتْقُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو المُلازَمَةَ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صارَ الوَجْهُ الرّابِعُ والخامِسُ مَرْجُوحًا، ويَصِيرُ الوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى الوُجُوهِ ويَتْلُوهُ الوَجْهُ الثّانِي، وهو أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ رَتْقًا فَفَتَقَهُما بِأنْ جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما سَبْعًا، ويَتْلُوهُ الثّالِثُ وهو أنَّهُما كانا صُلْبَيْنِ مِن غَيْرِ فُطُورٍ وفَرْجٍ، فَفَتَقَهُما لِيَنْزِلَ المَطَرُ مِنَ السَّماءِ، ويَظْهَرَ النَّباتُ عَلى الأرْضِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: دَلالَةُ هَذِهِ الوُجُوهِ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ وعَلى وحْدانِيَّتِهِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، والأقْرَبُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُما رَتْقًا لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ لِلْمَلائِكَةِ، ثُمَّ لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ الأرْضَ أهْلَها جَعَلَهُما فَتْقًا لِما فِيهِ مِن مَنافِعِ العِبادِ.

* * *

النَّوْعُ الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: وجَعَلْنا لا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ، فَإنْ تَعَدّى إلى واحِدٍ فالمَعْنى خَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النُّورِ: ٤٥] أوْ كَأنَّما خَلَقْناهُ مِنَ الماءِ لِفَرْطِ احْتِياجِهِ إلَيْهِ وحُبِّهِ لَهُ وقِلَّةِ صَبْرِهِ عَنْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٧] وإنْ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ فالمَعْنى صَيَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بِسَبَبٍ مِنَ الماءِ لا بُدَّ لَهُ مِنهُ ومِن هَذا نَحْوُ مِن في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما أنا مِن دَدٍ ولا الدَدُ مِنِّي» “ وقُرِئَ حَيًّا وهو المَفْعُولُ الثّانِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ كَيْفَ قالَ: وخَلَقْنا مِنَ الماءِ كُلَّ حَيَوانٍ، وقَدْ قالَ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجْرِ: ٢٧] وجاءَ في الأخْبارِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ المَلائِكَةَ مِنَ النُّورِ وقالَ تَعالى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي﴾ [المائِدَةِ: ١١٠] وقالَ في حَقِّ آدَمَ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] والجَوابُ: اللَّفْظُ وإنْ كانَ عامًّا إلّا أنَّ القَرِينَةَ المُخَصِّصَةَ قائِمَةٌ، فَإنَّ الدَّلِيلَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى المَقْصُودِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ تَخْرُجُ عَنْهُ المَلائِكَةُ والجِنُّ وآدَمُ وقِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ الحَيَوانُ فَقَطْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ النَّباتُ والشَّجَرُ لِأنَّهُ مِنَ الماءِ صارَ نامِيًا وصارَ فِيهِ الرُّطُوبَةُ والخُضْرَةُ والنُّورُ والثَّمَرُ، وهَذا

صفحة ١٤٢

القَوْلُ ألْيَقُ بِالمَعْنى المَقْصُودِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فَفَتَقْنا السَّماءَ لِإنْزالِ المَطَرِ وجَعَلْنا مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ حَيًّا. حُجَّةُ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ النَّباتَ لا يُسَمّى حَيًّا، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الرُّومِ: ٥٠] أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنِبِياءِ: ٣٠] فالمُرادُ أفَلا يُؤْمِنُونَ بِأنْ يَتَدَبَّرُوا هَذِهِ الأدِلَّةَ فَيَعْلَمُوا بِها الخالِقَ الَّذِي لا يُشْبِهُ غَيْرَهُ ويَتْرُكُوا طَرِيقَةَ الشِّرْكِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском