Ar-RaziAl‑Anbya · 21:31–36

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:31–36

21:31Page 324

وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١

And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنْ تَمِيدَ بِهِمْ كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ أوْ لِئَلّا تَمِيدَ بِهِمْ، فَحَذَفَ لا واللّامَ الأُولى، وإنَّما جازَ حَذْفُ لا لِعَدَمِ الِالتِباسِ كَما تَرى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّواسِي الجِبالُ، والرّاسِي هو الدّاخِلُ في الأرْضِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ الأرْضَ بُسِطَتْ عَلى الماءِ فَكانَتْ تَنْكَفِئُ بِأهْلِها كَما تَنْكَفِئُ السَّفِينَةُ، لِأنَّها بُسِطَتْ عَلى الماءِ فَأرْساها اللَّهُ تَعالى بِالجِبالِ الثِّقالِ.

* * *

النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفَجُّ الطَّرِيقُ الواسِعُ، فَإنْ قُلْتَ في الفِجاجِ مَعْنى الوَصْفِ فَما لَها قُدِّمَتْ عَلى السُّبُلِ ولَمْ تُؤَخَّرْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نُوحٍ: ٢٠] قُلْتُ لَمْ تُقَدَّمْ وهي صِفَةٌ، ولَكِنَّها جُعِلَتْ حالًا كَقَوْلِهِ:

لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ قَدِيمُ

والفَرْقُ مِن جِهَةِ المَعْنى أنَّ قَوْلَهُ سُبُلًا فِجاجًا، إعْلامٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ فِيها طُرُقًا واسِعَةً، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِجاجًا سُبُلًا﴾ فَهو إعْلامٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ حِينَ خَلَقَها جَعَلَها عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، فَهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِما أُبْهِمَ في الآيَةِ الأُولى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿فِيها﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عائِدَةٌ إلى الجِبالِ، أيْ وجَعَلْنا في الجِبالِ الَّتِي هي رَواسِي فِجاجًا سُبُلًا، أيْ طُرُقًا واسِعَةً، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ والضَّحّاكِ ورِوايَةُ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَتِ الجِبالُ مُنْضَمَّةً فَلَمّا أغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ فَرَّقَها فِجاجًا وجَعَلَ فِيها طُرُقًا. الثّانِي: أنَّها عائِدَةٌ إلى الأرْضِ، أيْ وجَعَلْنا في الأرْضِ فِجاجًا وهي المَسالِكُ والطُّرُقُ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ مَعْناهُ لِكَيْ يَهْتَدُوا إذِ الشَّكُّ لا يَجُوزُ عَلى اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في يَهْتَدُونَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: لِيَهْتَدُوا إلى البِلادِ. والثّانِي: لِيَهْتَدُوا إلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ وهَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ الِاهْتِداءَ. والكَلامُ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ وهو أنَّ الِاهْتِداءَ إلى البِلادِ والِاهْتِداءَ إلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى يَشْتَرِكانِ في مَفْهُومٍ واحِدٍ وهو أصْلُ الِاهْتِداءِ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلى ذَلِكَ المُشْتَرِكِ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ الآيَةُ مُتَناوِلَةً لِلْأمْرَيْنِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ اللَّفْظِ المُشْتَرِكِ مُسْتَعْمَلًا في مَفْهُومَيْهِ مَعًا.

21:32–34Page 324

وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢

And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣

And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.

وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤

And We did not grant to any man before you eternity [on earth]; so if you die - would they be eternal?

النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: سَمّى السَّماءَ سَقْفًا لِأنَّها لِلْأرْضِ كالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ.

صفحة ١٤٣

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَحْفُوظِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِنَ الوُقُوعِ والسُّقُوطِ الَّذَيْنِ يَجْرِي مِثْلُهُما عَلى سائِرِ السُّقُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [الحَجِّ: ٦٥] وقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١] وقالَ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] . الثّانِي: مَحْفُوظًا مِنَ الشَّياطِينِ، قالَ تَعالى: ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحِجْرِ: ١٧] ثُمَّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالمَلائِكَةِ مِنَ الشَّياطِينِ. والثّانِي: أنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالنُّجُومِ مِنَ الشَّياطِينِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّ حَمْلَ الآياتِ عَلَيْهِ مِمّا يَزِيدُ هَذِهِ النِّعْمَةَ عِظَمًا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كالمُتَكَفِّلِ بِحِفْظِهِ وسُقُوطِهِ عَلى المُكَلَّفِينَ بِخِلافِ القَوْلِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَخافُ عَلى السَّماءِ مِنِ اسْتِراقِ سَمْعِ الجِنِّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ مَعْناهُ عَمّا وضَعَ اللَّهُ تَعالى فِيها مِنَ الأدِلَّةِ والعِبَرِ في حَرَكاتِها وكَيْفِيَّةِ حَرَكاتِها وجِهاتِ حَرَكاتِها ومَطالِعِها ومَغارِبِها واتِّصالاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ وانْفِصالاتِها عَلى الحِسابِ القَوِيمِ والتَّرْتِيبِ العَجِيبِ الدّالِّ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ عَنْ آيَتِها عَلى التَّوْحِيدِ والمُرادُ الجِنْسُ أيْ هم مُتَفَطِّنُونَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالِاسْتِضاءَةِ بِقَمَرِها والِاهْتِداءِ بِكَواكِبِها، وحَياةِ الأرْضِ بِأمْطارِها وهم عَنْ كَوْنِها آيَةً بَيِّنَةً عَلى وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ مُعْرِضُونَ.

* * *

النَّوْعُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ فَصَّلَ تِلْكَ الآياتِ هَهُنا لِأنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ ولَمْ يَخْلُقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِيَظْهَرَ بِهِما اللَّيْلُ والنَّهارُ ويَظْهَرَ بِهِما مِنَ المَنافِعِ بِتَعاقُبِ الحَرِّ والبَرْدِ لَمْ تَتَكامَلْ نِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ بَلْ إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ حَرَكاتِها في أفْلاكِها، فَلِهَذا قالَ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ بِالأرْصادِ أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةً فَمِنها حَرَكَةٌ تَشْمَلُها بِأسْرِها آخِذَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وهي حَرَكَةُ الشَّمْسِ اليَوْمِيَّةُ، ثُمَّ قالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: وهَهُنا حَرَكَةٌ أُخْرى مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ قالُوا وهي ظاهِرَةٌ في السَّبْعَةِ السَّيّارَةِ خَفِيَّةٌ في الثّابِتَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْها بِأنّا وجَدْنا الكَواكِبَ السَّيّارَةَ كُلَّما كانَ مِنها أسْرَعُ حَرَكَةً إذا قارَنَ ما هو أبْطَأُ حَرَكَةً فَإنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُهُ نَحْوَ المَشْرِقِ وهَذا في القَمَرِ ظاهِرٌ جِدًّا فَإنَّهُ يَظْهَرُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ عَلى بُعْدٍ مِنَ الشَّمْسِ ثُمَّ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ بُعْدًا مِنها إلى أنْ يُقابِلَها عَلى قَرِيبٍ مِن نِصْفِ الشَّهْرِ، وكُلُّ كَوْكَبٍ كانَ شَرْقِيًّا مِنهُ عَلى طَرِيقَتِهِ في مَمَرِّ البُرُوجِ يَزْدادُ كُلَّ لَيْلَةٍ قُرْبًا مِنهُ، ثُمَّ إذا أدْرَكَهُ سَتَرَهُ بِطَرَفِهِ الشَّرْقِيِّ وتَنْكَسِفُ تِلْكَ الكَواكِبُ عَنْهُ بِطَرَفِهِ الغَرْبِيِّ فَعَرَفْنا أنَّ لِهَذِهِ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وكَذَلِكَ وجَدْنا لِلْكَواكِبِ الثّابِتَةِ حَرَكَةً بَطِيئَةً عَلى تَوالِي البُرُوجِ فَعَرَفْنا أنَّ لَها حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ. هَذا ما قالُوهُ ونَحْنُ خالَفْناهم فِيهِ، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الشَّمْسَ مَثَلًا لَوْ كانَتْ مُتَحَرِّكَةً بِذاتِها مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ حَرَكَةً بَطِيئَةً ولا شَكَّ أنَّها مُتَحَرِّكَةٌ بِسَبَبِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لَزِمَ كَوْنُ الجِرْمِ الواحِدِ مُتَحَرِّكًا حَرَكَتَيْنِ إلى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ دَفْعَةً واحِدَةً وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ الحَرَكَةَ إلى الجِهَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ

صفحة ١٤٤

المُتَحَرِّكِ في الجِهَةِ المُنْتَقِلِ إلَيْها فَلَوْ تَحَرَّكَ الجِسْمُ الواحِدُ دَفْعَةً واحِدَةً إلى جِهَتَيْنِ لَزِمَ حُصُولُهُ دَفْعَةً واحِدَةً في مَكانَيْنِ وهو مُحالٌ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الشَّمْسُ حالَ حَرَكَتِها إلى الجانِبِ الشَّرْقِيِّ تَنْقَطِعُ حَرَكَتُها إلى الجانِبِ الغَرْبِيِّ وبِالعَكْسِ، وأيْضًا فَما ذَكَرْتُمُوهُ يَنْتَقِضُ بِحَرَكَةِ الرَّحى إلى جانِبٍ والنَّمْلَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ ذَلِكَ الجانِبِ، قُلْنا: أمّا الأوَّلُ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلى أُصُولِكم لِأنَّ حَرَكاتِ الأفْلاكِ مَصُونَةٌ عَنِ الِانْقِطاعِ عِنْدَكم، وأمّا الثّانِي فَهو مِثالٌ مُحْتَمَلٌ وما ذَكَرْناهُ بُرْهانٌ قاطِعٌ فَلا يَتَعارَضانِ، أمّا الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ عَلى أنَّ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةً مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ فَهو ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ يُقالُ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مُتَحَرِّكَةٌ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ إلّا أنَّ بَعْضَها أبْطَأُ مِنَ البَعْضِ فَيَتَخَلَّفُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّخَلُّفِ فَيُظَنُّ أنَّها تَتَحَرَّكُ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ، مَثَلًا الفَلَكُ الأعْظَمُ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ، وفَلَكُ الثَّوابِتِ اسْتِدارَتُهُ مِن أوَّلِ اليَوْمِ الأوَّلِ إلى أوَّلِ اليَوْمِ الثّانِي دَوْرَةٌ تامَّةٌ إلّا مِقْدارَ ثانِيَةٍ فَيُظَنُّ أنَّ فَلَكَ الثَّوابِتِ تَحَرَّكَ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى مِقْدارَ ثانِيَةٍ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَخَلَّفَ بِمِقْدارِ ثانِيَةٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَجَمِيعُ الجِهاتِ شَرْقِيَّةٌ وأسْرَعُها الحَرَكَةُ اليَوْمِيَّةِ، ثُمَّ يَلِيها في السُّرْعَةِ فَلَكُ الثَّوابِتِ ثُمَّ يَلِيها زُحَلُ وهَكَذا إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى فَلَكِ القَمَرِ فَهو أبْطَأُ الأفْلاكِ حَرَكَةً، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ مَعَ ما يَشْهَدُ لَهُ البُرْهانُ المَذْكُورُ فَهو أقْرَبُ إلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، فَإنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ نِهايَةُ الحَرَكَةِ الفَلَكَ المُحِيطَ وهو الفَلَكُ الأعْظَمُ ونِهايَةُ السُّكُونِ الجِرْمَ الَّذِي هو في غايَةِ البُعْدِ وهو الأرْضُ، ثُمَّ إنَّ كُلَّ ما كانَ أقْرَبَ إلى الفَلَكِ المُحِيطِ كانَ أسْرَعَ حَرَكَةً وما كانَ مِنهُ أبْعَدَ كانَ أبْطَأ فَهَذا ما نَقُولُهُ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ في أطْوالِها وأمّا حَرَكاتُها في عُرُوضِها فَظاهِرَةٌ وذَلِكَ بِسَبَبِ اخْتِلافِ مُيُولِها إلى الشَّمالِ والجَنُوبِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَواكِبِ حَرَكَةٌ في المَيْلِ لَكانَ التَّأْثِيرُ مَخْصُوصًا بِبُقْعَةٍ واحِدَةٍ، فَكانَ سائِرُ الجَوانِبُ تَخْلُو عَنِ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُ، وكانَ الَّذِي يَقْرُبُ مِنهُ مُتَشابِهُ الأحْوالِ وكانَتِ القُوَّةُ هُناكَ لِكَيْفِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَإنْ كانَتْ حارَّةً أفْنَتِ الرُّطُوباتِ فَأحالَتْها كُلَّها إلى النّارِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ فَيَكُونُ المَوْضِعُ المُحاذِي لِمَمَرِّ الكَواكِبِ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وخَطُّ ما لا يُحاذِيهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى، وخَطُّ المُتَوَسِّطِ بَيْنَهُما عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى فَيَكُونُ في مَوْضِعٍ شِتاءٌ دائِمٌ ويَكُونُ فِيهِ الهَواءُ والعَجاجَةُ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ صَيْفٌ دائِمٌ يُوجِبُ الِاحْتِراقَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ رَبِيعٌ أوْ خَرِيفٌ لا يَتِمُّ فِيهِ النُّضْجُ ولَوْ لَمْ تَكُنْ عَوْداتٍ مُتَتالِيَةً، وكانَ الكَوْكَبُ يَتَحَرَّكُ بَطِيئًا لَكانَ المَيْلُ قَلِيلَ المَنفَعَةِ والتَّأْثِيرُ شَدِيدَ الإفْراطِ، وكانَ يَعْرِضُ قَرِيبًا مِمّا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَيْلٌ، ولَوْ كانَتِ الكَواكِبُ أسْرَعَ حَرَكَةً مِن هَذِهِ لَما كَمُلَتِ المَنافِعُ وما تَمَّتْ، وأمّا إذا كانَ هُناكَ مَيْلٌ يَحْفَظُ الحَرَكَةَ في جِهَةٍ مُدَّةً ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى جِهَةٍ أُخْرى بِمِقْدارِ الحاجَةِ ويَبْقى في كُلِّ جِهَةٍ بُرْهَةً تَمَّ بِذَلِكَ تَأْثِيرُهُ بِحَيْثُ يَبْقى مَصُونًا عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. وبِالجُمْلَةِ فالعُقُولُ لا تَقِفُ إلّا عَلى القَلِيلِ مِن أسْرارِ المَخْلُوقاتِ فَسُبْحانَ الخالِقِ المُدَبِّرِ بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ والقُدْرَةِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ إلّا ويَدْخُلُ في الكَلامِ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ النُّجُومُ لِيُثْبِتَ مَعْنى الجَمْعِ ومَعْنى الكُلِّ فَصارَتِ النُّجُومُ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً أوَّلًا فَإنَّها مَذْكُورَةٌ لِعَوْدِ هَذا الضَّمِيرِ إلَيْها، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفَلَكُ في كَلامِ العَرَبِ كُلُّ شَيْءٍ دائِرٍ وجَمْعُهُ أفْلاكٌ، واخْتَلَفَ العُقَلاءُ فِيهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وإنَّما هو مَدارُ هَذِهِ النُّجُومِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: بَلْ هي أجْسامٌ تَدُورُ النُّجُومُ

صفحة ١٤٥

عَلَيْها، وهَذا أقْرَبُ إلى ظاهِرِ القُرْآنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ فَقالَ بَعْضُهم: الفَلَكُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ تَجْرِي الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ فِيهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ماءٌ مَجْمُوعٌ تَجْرِي فِيهِ الكَواكِبُ، واحْتَجَّ بِأنَّ السِّباحَةَ لا تَكُونُ إلّا في الماءِ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ فَإنَّهُ يُقالُ في الفَرَسِ الَّذِي يَمُدُّ يَدَيْهِ في الجَرْيِ سابِحٌ، وقالَ جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ وأصْحابُ الهَيْئَةِ: إنَّها أجْرامٌ صُلْبَةٌ لا ثَقِيلَةٌ ولا خَفِيفَةٌ، غَيْرُ قابِلَةٍ لِلْخَرْقِ والِالتِئامِ والنُّمُوِّ والذُّبُولِ، فَأمّا الكَلامُ عَلى الفَلاسِفَةِ فَهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ اللّائِقَةِ بِهِ، والحَقُّ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ صِفاتِ السَّماواتِ إلّا بِالخَبَرِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في حَرَكاتِ الكَواكِبِ، والوُجُوهُ المُمْكِنَةُ فِيها ثَلاثَةٌ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ ساكِنًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ كَحَرَكَةِ السَّمَكِ في الماءِ الرّاكِدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَواكِبُ تَتَحَرَّكُ فِيهِ أيْضًا إمّا مُخالِفًا لِجِهَةِ حَرَكَتِهِ أوْ مُوافِقًا لِجِهَتِهِ إمّا بِحَرَكَةٍ مُساوِيَةٍ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ في السُّرْعَةِ والبُطْءِ أوْ مُخالِفَةٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا والكَوْكَبُ ساكِنًا، أمّا الرَّأْيُ الأوَّلُ فَقالَتِ الفَلاسِفَةُ: إنَّهُ باطِلٌ لِأنَّهُ يُوجِبُ خَرْقَ الأفْلاكِ وهو مُحالٌ، وأمّا الرَّأْيُ الثّانِي فَحَرَكَةُ الكَواكِبِ إنْ فُرِضَتْ مُخالِفَةٌ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ فَذاكَ أيْضًا يُوجِبُ الخَرْقَ، وإنْ كانَتْ حَرَكَتُها إلى جِهَةِ الفَلَكِ فَإنْ كانَتْ مُخالِفَةً لَها في السُّرْعَةِ والبُطْءِ لَزِمَ الِانْخِراقُ، وإنِ اسْتَوَيا في الجِهَةِ والسُّرْعَةِ والبُطْءِ فالخَرْقُ أيْضًا لازِمٌ؛ لِأنَّ الكَواكِبَ تَتَحَرَّكُ بِالعَرْضِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ فَتَبْقى حَرَكَتُهُ الذّاتِيَّةُ زائِدَةٌ فَيَلْزَمُ الخَرْقُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا القِسْمُ الثّالِثُ وهو أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَغْرُوزًا في الفَلَكِ واقِفًا فِيهِ والفَلَكُ يَتَحَرَّكُ فَيَتَحَرَّكُ الكَوْكَبُ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا الكَلامِ عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى الأفْلاكِ وهو باطِلٌ بَلِ الحَقُّ أنَّ الأقْسامَ الثَّلاثَةَ مُمْكِنَةٌ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ الأفْلاكُ واقِفَةً والكَواكِبُ تَكُونُ جارِيَةً فِيها كَما تَسْبَحُ السَّمَكَةُ في الماءِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: (كُلٌّ) التَّنْوِينُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ كُلُّهم في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجَّ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا عَلى كَوْنِ الكَواكِبِ أحْياءً ناطِقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ قالَ: والجَمْعُ بِالواوِ والنُّونِ لا يَكُونُ إلّا لِلْعُقَلاءِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٤]، والجَوابُ: إنَّما جَعَلَ واوَ الضَّمِيرِ لِلْعُقَلاءِ لِلْوَصْفِ بِفِعْلِهِمْ وهو السِّباحَةُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: الجُمْلَةُ ما مَحَلُّها ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ أوْ لا مَحَلَّ لَها لِاسْتِئْنافِها، فَإنْ قُلْتَ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَمَرَيْنِ فَلَكٌ عَلى حِدَةٍ فَكَيْفَ قِيلَ جَمِيعُهم يَسْبَحُونَ في فَلَكٍ ؟ قُلْتُ: هَذا كَقَوْلِهِمْ كَساهُمُ الأمِيرُ حُلَّةً وقَلَّدَهم سَيْفًا أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهم.

21:35–36Page 324

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥

Every soul will taste death. And We test you with evil and with good as trial; and to Us you will be returned.

وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٦

And when those who disbelieve see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one who mentions [i.e., insults] your gods?" And they are, at the mention of the Most Merciful, disbelievers.

صفحة ١٤٦

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِالأشْياءِ السِّتَّةِ الَّتِي شَرَحْناها في الفَصْلِ المُتَقَدِّمِ وكانَتْ تِلْكَ الأشْياءُ مِن أُصُولِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ أتْبَعَهُ بِما نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ هَذِهِ الدُّنْيا جَعَلَها كَذَلِكَ لا لِتَبْقى وتَدُومَ أوْ يَبْقى فِيها مَن خُلِقَتِ الدُّنْيا لَهُ، بَلْ خَلَقَها سُبْحانَهُ وتَعالى لِلِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، ولِكَيْ يُتَوَصَّلَ بِها إلى الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الخُلُودِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالَ مُقاتِلٌ: أنَّ أُناسًا كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لا يَمُوتُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وثانِيها: كانُوا يُقَدِّرُونَ أنَّهُ سَيَمُوتُ فَيَشْمَتُونَ بِمَوْتِهِ فَنَفى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشَّماتَةَ بِهَذا أيْ قَضى اللَّهُ تَعالى أنْ لا يُخَلِّدَ في الدُّنْيا بَشَرًا فَلا أنْتَ ولا هم إلّا عُرْضَةٌ لِلْمَوْتِ أفَإنْ مِتَّ أنْتَ أيَبْقى هَؤُلاءِ ؟ لا، وفي مَعْناهُ قَوْلُ القائِلِ:

فَقُلْ لِلشّامِتِينَ بِنا أفِيقُوا سَيَلْقى الشّامِتُونَ كَما لَقِينا

وثالِثُها: يَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاتَمُ الأنْبِياءِ جازَ أنْ يُقَدِّرَ مُقَدِّرٌ أنَّهُ لا يَمُوتُ إذْ لَوْ ماتَ لَتَغَيَّرَ شَرْعُهُ، فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ حالَهُ كَحالِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في المَوْتِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا العُمُومَ مَخْصُوصٌ فَإنَّهُ تَعالى نَفْسٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائِدَةِ: ١١٦] مَعَ أنَّ المَوْتَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ وكَذا الجَماداتِ لَها نُفُوسٌ وهي لا تَمُوتُ، والعامُّ المَخْصُوصُ حُجَّةٌ فَيَبْقى مَعْمُولًا بِهِ فِيما عَدا هَذِهِ الأشْياءِ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ الفَلاسِفَةِ في أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ والعُقُولَ المُفارِقَةَ والنُّفُوسَ الفَلَكِيَّةَ لا تَمُوتُ. والثّانِي: الذَّوْقُ هَهُنا لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ المَوْتَ لَيْسَ مِن جِنْسِ المَطْعُومِ حَتّى يُذاقَ بَلِ الذَّوْقُ إدْراكٌ خاصٌّ فَيَجُوزُ جَعْلُهُ مَجازًا عَنْ أصْلِ الإدْراكِ، وأمّا المَوْتُ فالمُرادُ مِنهُ هَهُنا مُقَدِّماتُهُ مِنَ الآلامِ العَظِيمَةِ لِأنَّ المَوْتَ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ يَمْتَنِعُ إدْراكُهُ وحالَ وُجُودِهِ يَصِيرُ الشَّخْصُ مَيِّتًا والمَيِّتُ لا يُدْرِكُ شَيْئًا. والثّالِثُ: الإضافَةُ في ذائِقَةِ المَوْتِ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ لِأنَّهُ لِما يُسْتَقْبَلُ كَقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائِدَةِ: ١]، و﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائِدَةِ: ٩٥] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الِابْتِلاءُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مَعَ التَّكْلِيفِ، فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ التَّكْلِيفِ وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَقْتَصِرْ بِالمُكَلَّفِ عَلى ما أمَرَ ونَهى وإنْ كانَ فِيهِ صُعُوبَةٌ بَلِ ابْتَلاهُ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: ما سَمّاهُ خَيْرًا وهو نِعَمُ الدُّنْيا مِنَ الصِّحَّةِ واللَّذَّةِ والسُّرُورِ والتَّمْكِينِ مِنَ المُراداتِ. والثّانِي: ما سَمّاهُ شَرًّا وهو المَضارُّ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الفَقْرِ والآلامِ وسائِرِ الشَّدائِدِ النّازِلَةِ بِالمُكَلَّفِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ العَبْدَ مَعَ التَّكْلِيفِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، لِكَيْ يَشْكُرَ عَلى المِنَحِ ويَصْبِرَ في المِحَنِ، فَيَعْظُمَ ثَوابُهُ إذا قامَ بِما يَلْزَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما سَمّى ذَلِكَ ابْتِلاءً وهو عالِمٌ بِما سَيَكُونُ مِن أعْمالِ العالَمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِمْ لِأنَّهُ في

صفحة ١٤٧

صُورَةِ الِاخْتِبارِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿فِتْنَةً﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَبْلُوكم مِن غَيْرِ لَفْظِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّتِ التَّناسُخِيَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ فَإنَّ الرُّجُوعَ إلى مَوْضِعٍ مَسْبُوقٍ بِالكَوْنِ فِيهِ. والجَوابُ: أنَّهُ مَذْكُورٌ مَجازًا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أنَّهم يُرْجَعُونَ إلى حُكْمِهِ ومُحاسَبَتِهِ ومُجازاتِهِ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ في نَفْيِ البَعْثِ والمَعادِ، واسْتَدَلَّتِ التَّناسُخِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ الرُّجُوعَ إلى مَوْضِعٍ مَسْبُوقٍ بِالكَوْنِ فِيهِ، وقَدْ كُنّا مَوْجُودِينَ قَبْلَ دُخُولِنا في هَذا العالَمِ، واسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِأنّا أجْسامٌ، فَرُجُوعُنا إلى اللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي كَوْنَ اللَّهِ تَعالى جِسْمًا. والجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ قالَ السُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ، مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وكانَ أبُو سُفْيانَ مَعَ أبِي جَهْلٍ، «فَقالَ أبُو جَهْلٍ لِأبِي سُفْيانَ: هَذا نَبِيُّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: وما تُنْكِرُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا في بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ! فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُما فَقالَ لِأبِي جَهْلٍ: ما أراكَ تَنْتَهِي حَتّى يَنْزِلَ بِكَ ما نَزَلَ بِعَمِّكَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأمّا أنْتَ يا أبا سُفْيانَ: فَإنَّما قُلْتَ ما قُلْتَ حَمِيَّةً»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ثُمَّ فَسَّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ والذِّكْرُ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِخِلافِهِ، فَإذا دَلَّتِ الحالُ عَلى أحَدِهِما أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ سَمِعْتُ فُلانًا يَذْكُرُكَ، فَإنْ كانَ الذّاكِرُ صَدِيقًا فَهو ثَناءٌ، وإنْ كانَ عَدُوًّا فَهو ذَمٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٠] والمَعْنى أنَّهُ يُبْطِلُ كَوْنَها مَعْبُودَةً ويُقَبِّحُ عِبادَتَها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّهم يَعِيبُونَ عَلَيْهِ ذِكْرَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِالسُّوءِ، مَعَ أنَّهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي هو المُنْعِمُ الخالِقُ المُحْيِي المُمِيتُ ﴿كافِرُونَ﴾ ولا فِعْلَ أقْبَحُ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ الهُزُؤُ واللَّعِبُ والذَّمُّ عَلَيْهِمْ يَعُودُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ القُرْآنُ والكُتُبُ، والمَعْنى في إعادَتِهِمْ أنَّ الأُولى إشارَةٌ إلى القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ الفِعْلَ، والثّانِيَةَ إبانَةٌ لِاخْتِصاصِهِمْ بِهِ، وأيْضًا فَإنَّ في إعادَتِها تَأْكِيدًا وتَعْظِيمًا لِفِعْلِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском