Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:30–37
22:30–32Page 335
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ .
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ”ذَلِكَ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ والشَّأْنُ ذَلِكَ، كَما يُقَدِّمُ الكاتِبُ جُمْلَةً مِن كَلامِهِ في بَعْضِ المَعانِي، فَإذا أرادَ الخَوْضَ في مَعْنًى آخَرَ قالَ: هَذا وقَدْ كانَ كَذا، والحُرْمَةُ ما لا يَحِلُّ هَتْكُهُ، وجَمِيعُ ما كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وغَيْرِها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عامًّا في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خاصًّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالحَجِّ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: الحُرُماتُ خَمْسٌ: الكَعْبَةُ الحَرامُ والمَسْجِدُ الحَرامُ والبَلَدُ الحَرامُ والشَّهْرُ الحَرامُ والمَشْعَرُ الحَرامُ، وقالَ المُتَكَلِّمُونَ: ولا تَدْخُلُ النَّوافِلُ في حُرُماتِ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ يَجِبُ القِيامُ بِمُراعاتِها وحِفْظِها، وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى الثَّوابِ المُدَّخَرِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ عِنْدَ رَبِّهِ فِيما قَدْ حَصَلَ مِنَ الخَيْراتِ، قالَ الأصَمُّ: فَهو خَيْرٌ لَهُ مِنَ التَّهاوُنِ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى بَيانِ حُكْمِ الحَجِّ فَقالَ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّ الإحْرامَ إذا حَرَّمَ الصَّيْدَ وغَيْرَهُ فالأنْعامُ أيْضًا تُحَرَّمُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الإحْرامَ لا يُؤَثِّرُ فِيها فَهي مُحَلَّلَةٌ، واسْتَثْنى مِنهُ ما يُتْلى في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُحَرَّماتِ مِنَ النَّعَمِ وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ المائِدَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَثَّ عَلى تَعْظِيمِ حُرُماتِهِ وحَمِدَ مَن يُعَظِّمُها أتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِاجْتِنابِ الأوْثانِ وقَوْلِ الزُّورِ؛ لِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى وصِدْقَ القَوْلِ أعْظَمُ الخَيْراتِ، وإنَّما جَمَعَ الشِّرْكَ وقَوْلَ الزُّورِ في سِلْكٍ واحِدٍ لِأنَّ الشِّرْكَ مِن بابِ الزُّورِ، لِأنَّ المُشْرِكَ زاعِمٌ أنَّ الوَثَنَ تَحِقُّ لَهُ العِبادَةُ فَكَأنَّهُ قالَ: فاجْتَنِبُوا عِبادَةَ الأوْثانِ الَّتِي هي رَأْسُ الزُّورِ، واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ كُلَّهُ، ولا تَقْرَبُوا مِنهُ شَيْئًا لِتَمادِيهِ في القُبْحِ والسَّماجَةِ، وما ظَنُّكَ بِشَيْءٍ مِن قَبِيلِهِ عِبادَةُ الأوْثانِ ؟ وسَمّى الأوْثانَ رِجْسًا لا لِلنَّجاسَةِ، لَكِنْ لِأنَّ وُجُوبَ تَجَنُّبِها أوْكَدُ مِن وُجُوبِ تَجَنُّبِ الرِّجْسِ، ولِأنَّ عِبادَتَها أعْظَمُ مِنَ التَّلَوُّثِ بِالنَّجاساتِ. ثم قال الأصَمُّ: إنَّما وصَفَها بِذَلِكَ لِأنَّ عادَتَهم في المُتَقَرَّباتِ أنْ يَتَعَمَّدُوا سُقُوطَ الدِّماءِ عَلَيْها، وهَذا بَعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما وصَفَها بِذَلِكَ اسْتِحْقارًا واسْتِخْفافًا وهَذا أقْرَبُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ بَيانٌ لِلرِّجْسِ وتَمْيِيزٌ لَهُ كَقَوْلِهِ: عِنْدِي عِشْرُونَ مِنَ الدَّراهِمِ، لِأنَّ الرِّجْسَ لِما فِيهِ مِنَ الإيهامِ يَتَناوَلُ كُلَّ شَيْءٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ بَعْضَها لَيْسَ كَذَلِكَ، والزُّورُ مِنَ الزُّورِ والِازْوِرارِ وهو الِانْحِرافُ، كَما أنَّ الإفْكَ مِن أفِكَهُ إذا صَرَفَهُ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في قَوْلِ
صفحة ٢٩
الزُّورِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُهم: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنِ افْتِرائِهِمْ، وثانِيها: شَهادَةُ الزُّورِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ صَلّى الصُّبْحَ فَلَمّا سَلَّمَ قامَ قائِمًا واسْتَقْبَلَ النّاسَ بِوَجْهِهِ، وقالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ»، وثالِثُها: الكَذِبُ والبُهْتانُ. ورابِعُها: قَوْلُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَفْسِيرِ ذَلِكَ وأنَّهُ الِاسْتِقامَةُ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، والمَيْلُ إلى الحَقِّ عَلى قَوْلِ البَعْضِ، والمُرادُ في هَذا المَوْضِعِ ما قِيلَ مِن أنَّهُ الإخْلاصُ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أمَرْتُ ونَهَيْتُ عَلى وجْهِ العِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ لا عَلى وجْهِ إشْراكِ غَيْرِ اللَّهِ بِهِ. ولِذَلِكَ قالَ: غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَنْوِيَ بِما يَأْتِيهِ مِنَ العِبادَةِ الإخْلاصَ، فَبَيَّنَ تَعالى مَثَلَيْنِ لِلْكُفْرِ لا مَزِيدَ عَلَيْهِما في بَيانِ أنَّ الكافِرَ ضارٌّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِها. وهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ كانَ هَذا تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ وراءَهُ هَلاكٌ، بِأنْ صَوَّرَ حالَهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ، فَتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ في حَواصِلِها أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهالِكِ البَعِيدَةِ. وإنْ كانَ تَشْبِيهًا مُفَرَّقًا فَقَدْ شَبَّهَ الإيمانَ في عُلُوِّهِ بِالسَّماءِ، والَّذِي تَرَكَ الإيمانَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ كالسّاقِطِ مِنَ السَّماءِ، والأهْواءَ الَّتِي تَتَوَزَّعُ أفْكارُهُ بِالطَّيْرِ المُخْتَطِفَةِ، والشَّيْطانَ الَّذِي يَطْرَحُهُ في وادِي الضَّلالَةِ بِالرِّيحِ الَّتِي تَهْوِي بِما عَصَفَتْ بِهِ في بَعْضِ المَهاوِي المُخْتَلِفَةِ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ وبِكَسْرِ الفاءِ مَعَ كَسْرِهِما، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأصْلُها تَخْتَطِفُهُ، وقُرِئَ ”الرِّياحُ“، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أكَّدَ ما تَقَدَّمَ فَقالَ ذَلِكَ: ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ. واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ عِبادَةٍ. وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المَناسِكُ في الحَجِّ. وقالَ بَعْضُهم: بَلِ المُرادُ الهَدْيُ خاصَّةً، والأصْلُ في الشَّعائِرِ الأعْلامُ الَّتِي بِها يُعْرَفُ الشَّيْءُ، فَإذا فَسَّرْنا الشَّعائِرَ بِالهَدايا فَتَعْظِيمُها عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَخْتارَها عِظامَ الأجْسامِ حِسانًا جِسامًا سِمانًا غالِيَةَ الأثْمانِ ويَتْرُكَ المِكاسَ في شِرائِها، فَقَدْ كانُوا يَتَغالَوْنَ في ثَلاثَةٍ ويَكْرَهُونَ المِكاسَ فِيهِنَّ: الهَدْيِ والأُضْحِيَةِ والرَّقَبَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ أبِيهِ: «أنَّهُ أهْدى نَجِيبَةً طُلِبَتْ مِنهُ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ، فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبِيعَها ويَشْتَرِيَ بِثَمَنِها بُدْنًا فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ بَلْ أهْدِها»، «وأهْدى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جَمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَةٌ مِن ذَهَبٍ»
والوجه الثّانِي: في تَعْظِيمِ شَعائِرِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى في التَّقَرُّبِ بِها وإهْدائِها إلى بَيْتِهِ المُعَظَّمِ أمْرٌ عَظِيمٌ لا بُدَّ وأنْ يُحْتَفَلَ بِهِ ويُتَسارَعَ فِيهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ أيْ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ، ولا يَسْتَقِيمُ المَعْنى إلّا بِتَقْدِيرِها؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن راجِعٍ مِنَ الجَزاءِ إلى مَنِ ارْتَبَطَ بِهِ، وإنَّما ذُكِرَتِ القُلُوبُ لِأنَّ المُنافِقَ قَدْ يُظْهِرُ التَّقْوى مِن نَفْسِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ قَلْبُهُ خالِيًا عَنْها لا جَرَمَ لا يَكُونُ مُجِدًّا في أداءِ الطّاعاتِ، أمّا المُخْلِصُ الَّذِي تَكُونُ التَّقْوى مُتَمَكِّنَةً في قَلْبِهِ فَإنَّهُ يُبالِغُ في أداءِ الطّاعاتِ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في تَعْظِيمِ ذَبْحِ الحَيَواناتِ هَذِهِ المُبالَغَةَ ؟ فالجَوابُ:
22:33Page 336
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
صفحة ٣٠
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِأنْ تُحْمَلَ الشَّعائِرُ عَلى الهَدْيِ الَّذِي فِيهِ مَنافِعُ إلى وقْتِ النَّحْرِ، ومَن يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى سائِرِ الواجِباتِ يَقُولُ: لَكم فِيها، أيْ في التَّمَسُّكِ بِها مَنافِعُ إلى أجَلٍ يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ عِنْدَهُ، والأوَّلُ هو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، ولا شَكَّ أنَّهُ أقْرَبُ. وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَنافِعُ مُفَسَّرَةٌ بِالدَّرِّ والنَّسْلِ والأوْبارِ ورُكُوبِ ظُهُورِها، فَأمّا قَوْلُهُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ لَكم أنْ تَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ البَهائِمِ إلى أنْ تُسَمُّوها ضَحِيَّةً وهَدْيًا، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَكم أنْ تَنْتَفِعُوا بِها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وقالَ آخَرُونَ: لَكم فِيها - أيْ في البُدْنِ - مَنافِعُ مَعَ تَسْمِيَتِها هَدْيًا بِأنْ تَرْكَبُوها إنِ احْتَجْتُمْ إلَيْها، وأنْ تَشْرَبُوا ألْبانَها إذا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْها إلى أجَلٍ مُسَمًّى. يَعْنِي إلى أنْ تَنْحَرُوها، هَذِهِ هي الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وهو اخْتِيارُ الشّافِعِيِّ، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ، ولا تُسَمّى شَعائِرَ قَبْلَ أنْ تُسَمّى هَدْيًا، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَرَّ بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً وهو في جُهْدٍ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ارْكَبْها. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها هَدْيٌ. فَقالَ: ارْكَبْها ويْلَكَ»، ورَوى جابِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ارْكَبُوا الهَدْيَ بِالمَعْرُوفِ حَتّى تَجِدُوا ظَهْرًا» واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ مَنافِعَها بِأنْ لا يَجُوزَ لَهُ أنْ يُؤَجِّرَها لِلرُّكُوبِ، فَلَوْ كانَ مالِكًا لِمَنافِعِها لِمِلْكِ عَقْدِ الإجارَةِ عَلَيْها كَمَنافِعِ سائِرِ المَمْلُوكاتِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أُمَّ الوَلَدِ لا يُمْكِنُهُ بَيْعُها، ويُمْكِنُهُ الِانْتِفاعُ بِها فَكَذا هاهُنا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ فالمَعْنى أنَّ لَكم في الهَدايا مَنافِعَ كَثِيرَةً في دُنْياكم ودِينِكم، وأعْظَمُ هَذِهِ المَنافِعِ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ أيْ وُجُوبُ نَحْرِها أوْ وقْتُ وُجُوبِ نَحْرِها مُنْتَهِيَةٌ إلى البَيْتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿مَحِلُّها﴾ يَعْنِي حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُها، وأمّا البَيْتُ العَتِيقُ فالمُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] أيِ الحَرَمَ كُلَّهُ فالمَنحَرُ عَلى هَذا القَوْلِ كُلُّ مَكَّةَ، ولَكِنَّها تَنَزَّهَتْ عَنِ الدِّماءِ إلى مِنًى ومِنًى مِن مَكَّةَ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «كُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنحَرٌ وكُلُّ فِجاجِ مِنًى مَنحَرٌ» قالَ القَفّالُ: هَذا إنَّما يَخْتَصُّ بِالهَدايا الَّتِي بَلَغَتْ مِنًى، فَأمّا الهَدْيُ المُتَطَوَّعُ بِهِ إذا عَطَبَ قَبْلَ بُلُوغِ مَكَّةَ فَإنَّ مَحِلَّهُ مَوْضِعُهُ.
22:34–35Page 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ فالمَعْنى شَرَعْنا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَن بَعْدَهُ ضَرْبًا مِنَ القُرْبانِ، وجَعَلَ العِلَّةَ في ذَلِكَ أنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَقَدَّسَتْ أسْماؤُهُ عَلى المَناسِكِ، وما كانَتِ العَرَبُ تَذْبَحُهُ لِلصَّنَمِ يُسَمّى العَتْرَ والعَتِيرَةَ كالذَّبْحِ والذَّبِيحَةِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا: ”مَنسِكًا“ بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى النُّسُكِ، والمَكْسُورُ بِمَعْنى المَوْضِعِ.
صفحة ٣١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَفي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الإلَهَ واحِدٌ وإنَّما اخْتَلَفَتِ التَّكالِيفُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأشْخاصِ لِاخْتِلافِ المَصالِحِ.
الثّانِي: ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَلا تَذْكُرُوا عَلى ذَبائِحِكم غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ ﴿فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ أيْ أخْلِصُوا لَهُ الذِّكْرَ خاصَّةً بِحَيْثُ لا يَشُوبُهُ إشْراكٌ البَتَّةَ، والمُرادُ الِانْقِيادُ لِلَّهِ تَعالى في جَمِيعِ تَكالِيفِهِ، ومَنِ انْقادَ لَهُ كانَ مُخْبِتًا، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الخاشِعُ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حَقِيقَةُ المُخْبِتِ مَن صارَ في خَبْتٍ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ: أخْبَتَ الرَّجُلُ إذا صارَ في الخَبْتِ. كَما يُقالُ: أنْجَدَ وأشْأمَ وأتْهَمَ، والخَبْتُ هو المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ عِباراتٌ، أحَدُها: المُخْبِتِينَ المُتَواضِعِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ. وثانِيها: المُجْتَهِدِينَ في العِبادَةِ عَنِ الكَلْبِيِّ. وثالِثُها: المُخْلِصِينَ عَنْ مُقاتِلٍ. ورابِعُها: المُطْمَئِنِّينَ إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والصّالِحِينَ عَنْ مُجاهِدٍ. وخامِسُها: هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا عَنْ عَمْرِو بْنِ أوْسٍ.
ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَيَظْهَرُ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى والخُشُوعُ والتَّواضُعُ لِلَّهِ، ثُمَّ لِذَلِكَ الوَجَلِ أثَرانِ أحَدُهُما: الصَّبْرُ عَلى المَكارِهِ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهُمْ﴾ وعَلى ما يَكُونُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ كالأمْراضِ والمِحَنِ والمَصائِبِ. فَأمّا ما يُصِيبُهم مِن قِبَلِ الظَّلَمَةِ فالصَّبْرُ عَلَيْهِ غَيْرُ واجِبٍ بَلْ إنْ أمْكَنَهُ دَفْعُ ذَلِكَ لَزِمَهُ الدَّفْعُ ولَوْ بِالمُقاتَلَةِ. والثّانِي: الِاشْتِغالُ بِالخِدْمَةِ وأعَزُّ الأشْياءِ عِنْدَ الإنْسانِ نَفْسُهُ ومالُهُ. أمّا الخِدْمَةُ بِالنَّفْسِ فَهي الصَّلاةُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ وأمّا الخِدْمَةُ بِالمالِ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: ”والمُقِيمِي الصَّلاةِ“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ عَلى الأصْلِ.
22:36Page 336
وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦
And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: البُدْنُ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَخُشْبٍ وخَشَبَةٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ إذا أُهْدِيَتْ لِلْحَرَمِ لِعِظَمِ بَدَنِها وهي الإبِلُ خاصَّةً، ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ألْحَقَ البَقَرَ بِالإبِلِ حِينَ قالَ: «البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ» ولِأنَّهُ قالَ:
صفحة ٣٢
﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ وهَذا يَخْتَصُّ بِالإبِلِ فَإنَّها تُنْحَرُ قائِمَةً دُونَ البَقَرِ، وقالَ قَوْمٌ: البُدْنُ الإبِلُ والبَقَرُ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ تَعالى في الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعِظَمِ البَدَنِ فالأوْلى دُخُولُها فِيهِ، أمّا الشّاةُ فَلا تَدْخُلُ وإنْ كانَتْ تَجُوزُ في النُّسُكِ؛ لِأنَّها صَغِيرَةُ الجِسْمِ فَلا تُسَمّى بَدَنَةً.
المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: والبُدُنَ بِضَمَّتَيْنِ كَثُمُرٍ في جَمْعِ ثَمَرَةٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالضَّمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى لَفْظِ الوَقْفِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩] واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: إذا قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ نَحْرُها في غَيْرِ مَكَّةَ ؟ قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ رَحِمَهُما اللَّهُ: يَجُوزُ. وقالَ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجُوزُ إلّا بِمَكَّةَ. واتَّفَقُوا فِيمَن نَذَرَ هَدْيًا أنَّ عَلَيْهِ ذَبْحَهُ بِمَكَّةَ، ولَوْ قالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ، أنَّهُ يَذْبَحُهُ حَيْثُ شاءَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: البَدَنَةُ بِمَنزِلَةِ الجَزُورِ فَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ لَهُ نَحْرُها حَيْثُ يَشاءُ بِخِلافِ الهَدْيِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَجَعَلَ بُلُوغَ الكَعْبَةِ مِن صِفَةِ الهَدْيِ، واحْتَجَّ أبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ فَكانَ اسْمُ البَدَنَةِ يُفِيدُ كَوْنَها قُرْبَةً فَكانَ كاسْمِ الهَدْيِ، أجابَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ ذَبْحُهُ قُرْبَةً اخْتَصَّ بِالحَرَمِ فَإنَّ الأُضْحِيَةَ قُرْبَةٌ وهي جائِزَةٌ في سائِرِ الأماكِنِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْناها لَكُمْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خَلَقَ البُدْنَ وأوْجَبَ أنْ تُهْدى في الحَجِّ جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ فالكَلامُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ [الحج: ٣٣] وإذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ كالتَّرْغِيبِ فالأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ الثَّوابُ في الآخِرَةِ، وما أخْلَقَ العاقِلَ بِالحِرْصِ عَلى شَيْءٍ شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ فِيهِ خَيْرًا وبِأنَّ فِيهِ مَنافِعَ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ فَفِيهِ حَذْفٌ أيِ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى نَحْرِها، قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أنْ يُقالَ عِنْدَ النَّحْرِ أوِ الذَّبْحِ: بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنكَ وإلَيْكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿صَوافَّ﴾، فالمَعْنى قائِماتٍ قَدْ صَفَفْنَ أيْدِيَهُنَّ وأرْجُلَهُنَّ، وقُرِئَ ”صَوافِنَ“ مِن صُفُونِ الفَرَسِ، وهو أنْ تَقُومَ عَلى ثَلاثٍ وتَنْصِبَ الرّابِعَةَ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِهِ؛ لِأنَّ البَدَنَةَ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْها فَتَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، وقُرِئَ ”صَوافِيَ“ أيْ خَوالِصَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا كَما كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: ”صَوافِيًا“ بِالتَّنْوِينِ عِوَضًا عَنْ حَرْفِ الإطْلاقِ عِنْدَ الوَقْفِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: ”صَوافِيَ“ نَحْوُ قَوْلِ العَرَبِ: أعْطِ القَوْسَ بارِيَها. ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ في إصْفافِها ظُهُورَ كَثْرَتِها لِلنّاظِرِينَ فَتَقْوى نُفُوسُ المُحْتاجِينَ، ويَكُونُ التَّقَرُّبُ بِنَحْرِها عِنْدَ ذَلِكَ أعْظَمَ أجْرًا وأقْرَبَ إلى ظُهُورِ التَّكْبِيرِ وإعْلاءِ اسْمِ اللَّهِ وشَعائِرِ دِينِهِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ فاعْلَمْ أنَّ وُجُوبَ الجُنُوبِ وُقُوعُها عَلى الأرْضِ مِن وجَبَ الحائِطُ وجْبَةً إذا سَقَطَ، ووَجَبَتِ الشَّمْسُ وجْبَةً إذا غَرَبَتْ، والمَعْنى إذا سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنها ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ العُلَماءِ فِيما يَجُوزُ أكْلُهُ مِنها ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ القانِعُ السّائِلُ، يُقالُ: قَنِعَ يَقْنَعُ قُنُوعًا إذا سَألَ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ القَوْمِ يَطْلُبُ فَضْلَهم ويَسْألُ مَعْرُوفَهم ونَحْوَهُ، قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى الثّانِي القانِعُ هو الَّذِي لا يَسْألُ مِنَ القَناعَةِ يُقالُ: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً إذا رَضِيَ بِما قُسِمَ لَهُ وتَرَكَ السُّؤالَ، أمّا المُعْتَرُّ فَقِيلَ: إنَّهُ المُتَعَرِّضُ بِغَيْرِ سُؤالٍ، وقِيلَ: إنَّهُ المُتَعَرِّضُ بِالسُّؤالِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: قالَ
صفحة ٣٣
ابْنُ الأعْرابِيِّ يُقالُ: عَرَوْتَ فُلانًا وأعْرَرْتَهُ وعَرَوْتَهُ واعْتَرَيْتَهُ إذا أتَيْتَهُ تَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ ونَحْوَهُ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والأقْرَبُ أنَّ القانِعَ هو الرّاضِي بِما يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ سُؤالٍ وإلْحاحٍ، والمُعْتَرُّ هو الَّذِي يَتَعَرَّضُ ويَطْلُبُ ويَعْتَرِيهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ، فَيَفْعَلُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقْنَعُ بِما يُدْفَعُ إلَيْهِ أبَدًا، وقَرَأ الحَسَنُ: ”والمُعْتَرِي“ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: ”القَنِعَ“ وهو الرّاضِي لا غَيْرُ، يُقالُ: قَنِعَ فَهو قَنِعٌ وقانِعٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ فالمَعْنى أنَّها أجْسَمُ وأعْظَمُ وأقْوى مِنَ السِّباعِ وغَيْرِها مِمّا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا التَّمَكُّنُ مِنهُ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ الإبِلَ والبَقَرَ بِالصِّفَةِ الَّتِي يُمْكِنُنا تَصْرِيفُها عَلى ما نُرِيدُ، وذَلِكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الدِّينِ والدُّنْيا، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ والمُرادُ لِكَيْ تَشْكُرُوا. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ مِن جَمِيعِهِمْ أنْ يَشْكُرُوا فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يُرِيدُ كُلَّ ما أمَرَ بِهِ مِمَّنْ أطاعَ وعَصى، لا كَما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ مِن أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ إلّا مِنَ المَعْلُومِ أنْ يُطِيعَ، والكَلامُ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
22:37Page 336
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧
Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: لَمّا كانَتْ عادَةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى ما رُوِيَ في القُرْبانِ أنَّهم يُلَوِّثُونَ بِدِمائِها ولُحُومِها الوَثَنَ وحِيطانَ الكَعْبَةِ بَيَّنَ تَعالى ما هو القَصْدُ مِنَ النَّحْرِ فَقالَ: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ تَعالى ويَرْتَفِعُ إلَيْهِ مِن صُنْعِ المَهْدِيِّ مِن قَوْلِهِ ونَحْرِهِ وما شاكَلَهُ مِن فَرائِضِهِ هو تَقْوى اللَّهِ دُونَ نَفْسِ اللَّحْمِ والدَّمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ يَنالُهُ سُبْحانَهُ، فالمُرادُ وصُولُ ذَلِكَ إلى حَيْثُ يُكْتَبُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ المَرْءُ فِعْلُهُ دُونَ الجِسْمِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِنَحْرِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ أنْ يَجْتَهِدَ العَبْدُ في امْتِثالِ أوامِرِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِالأجْسامِ الَّتِي هي اللُّحُومُ والدِّماءُ وانْتَفَعَ بِتَقْواهُ وجَبَ أنْ تَكُونَ تَقْواهُ فِعْلًا وإلّا لَكانَتْ تَقْواهُ بِمَنزِلَةِ اللُّحُومِ.
ورابِعُها: أنَّهُ لَمّا شَرَطَ القَبُولَ بِالتَّقْوى وصاحِبُ الكَبِيرَةِ غَيْرُ مُتَّقٍ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ عَمَلُهُ مَقْبُولًا وأنَّهُ لا ثَوابَ لَهُ، والجَوابُ: أمّا الأوَّلانِ فَحَقّانِ، وأمّا الثّالِثُ: فَمُعارَضٌ بِالدّاعِي والعِلْمِ، وأمّا الرّابِعُ: فَصاحِبُ الكَبِيرَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا مُطْلَقًا، ولَكِنَّهُ مُتَّقٍ فِيما أتى بِهِ مِنَ الطّاعَةِ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ طاعَتُهُ مَقْبُولَةً وعِنْدَ هَذا تَنْقَلِبُ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.
المسألة الثّالِثَةُ: كُلُّهم قَرَؤُوا ”يَنالَ اللَّهَ، ويَنالُهُ“ بِالياءِ إلّا يَعْقُوبَ فَإنَّهُ قَرَأ بِالتّاءِ في الحَرْفَيْنِ، فَمَن أنَّثَ فَقَدْ رَدَّهُ إلى اللَّفْظِ، ومَن ذَكَّرَ فَلِلْحائِلِ بَيْنَ الِاسْمِ والفِعْلِ، ثم قال: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ والمُرادُ أنَّهُ إنَّما سَخَّرَها كَذَلِكَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ وهو التَّعْظِيمُ، بِما نَفْعَلُهُ عِنْدَ النَّحْرِ وقَبْلَهُ وبَعْدَهُ، عَلى ما هَدانا ودَلَّنا عَلَيْهِ وبَيَّنَهُ لَنا، ثم قال بَعْدَهُ عَلى وجْهِ الوَعْدِ لِمَنِ امْتَثَلَ أمْرَهُ ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ كَما قالَ مِن قَبْلُ ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ والمُحْسِنُ هو الَّذِي يَفْعَلُ الحَسَنَ مِنَ الأعْمالِ ويَتَمَسَّكُ بِهِ فَيَصِيرُ مُحْسِنًا إلى نَفْسِهِ بِتَوْفِيرِ الثَّوابِ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences