Ar-RaziAl‑Hajj · 22:47–51

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:47–51

22:47–49Page 338

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩

Say, "O people, I am only to you a clear warner."

صفحة ٤١

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى مِن عِظَمِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِاسْتِعْجالِ العَذابِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُخَوِّفُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، ولِأنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ لِأنَّ الوَعْدَ بِالعَذابِ إذا كانَ في الآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيا فاسْتِعْجالُهُ يَكُونُ كالخُلْفِ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ العاقِلَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ وشِدَّتِهِ ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ لَوْ بَقِيَ وعُذِّبَ في كَثْرَةِ الآلامِ وشِدَّتِها، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ عَرَفُوا حالَ عَذابِ الآخِرَةِ وأنَّهُ بِهَذا الوَصْفِ لَما اسْتَعْجَلُوهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ وهو أوْلى الوُجُوهِ.

الوجه الثّانِي: أنَّ المُرادَ طُولُ أيّامِ الآخِرَةِ في المُحاسَبَةِ ويَرْجِعُ مَعْناهُ إلى قَرِيبٍ مِمّا تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّ الأيّامَ القَصِيرَةَ إذا مَرَّتْ في الشِّدَّةِ كانَتْ مُسْتَطِيلَةً، فَكَيْفَ تَكُونُ الأيّامُ المُسْتَطِيلَةُ إذا مَرَّتْ في الشِّدَّةِ ؟ ثُمَّ إنَّ العَذابَ الَّذِي يَكُونُ طُولُ أيّامِها إلى هَذا الحَدِّ لا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَسْتَعْجِلَهُ.

والوجه الثّالِثُ: أنَّ اليَوْمَ الواحِدَ وألْفَ سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ؛ لِأنَّهُ القادِرُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، فَإذا لَمْ يَسْتَبْعِدُوا إمْهالَ يَوْمٍ فَلا يَسْتَبْعِدُوا أيْضًا إمْهالَ ألْفِ سَنَةٍ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ﴾ فالمُرادُ وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أخَّرْتُ إهْلاكَهم مَعَ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ فاغْتَرُّوا بِذَلِكَ التَّأْخِيرِ ثُمَّ أخَذْتُهم بِأنْ أنْزَلْتُ العَذابَ بِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ فَعَذابُهم مُدَّخَرٌ إذا صارُوا إلَيَّ، وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ فِيما قَبْلُ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها﴾ الأُولى بِالفاءِ وهَذِهِ بِالواوِ ؟ قُلْنا: الأُولى وقَعَتْ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ وأمّا هَذِهِ فَحُكْمُها حُكْمُ ما تَقَدَّمَها مِنَ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ بِالواوِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُدِيمَ لَهُمُ التَّخْوِيفَ والإنْذارَ، وأنْ لا يَصُدَّهُ ما يَكُونُ مِنهم مَنَ الِاسْتِعْجالِ لِلْعَذابِ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ عَنْ إدامَةِ التَّخْوِيفِ والإنْذارِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: إنَّما بُعِثْتُ لِلْإنْذارِ فاسْتِهْزاؤُكم بِذَلِكَ لا يَمْنَعُنِي مِنهُ.

22:50–51Page 338

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠

And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١

But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَقُولَ لَهم: أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِوَعْدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يَكُونُ مُنْذِرًا بِذِكْرِ الوَعْدِ لِلْمُطِيعِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ. فَقالَ: والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَجَمَعَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ وبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ

صفحة ٤٢

المُعْتَزِلَةِ، ويَدْخُلُ في الإيمانِ كُلُّ ما يَجِبُ مِنَ الِاعْتِقادِ بِالقَلْبِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، ويَدْخُلُ في العَمَلِ الصّالِحِ أداءُ كُلِّ واجِبٍ وتَرْكُ كُلِّ مَحْظُورٍ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن جَمَعَ بَيْنَهُما فاللَّهُ تَعالى يَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ المَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ. أمّا المَغْفِرَةُ فَإمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنْ غُفْرانِ الصَّغائِرِ، أوْ عَنْ غُفْرانِ الكَبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، أوْ عَنْ غُفْرانِها قَبْلَ التَّوْبَةِ، والأوَّلانِ واجِبانِ عِنْدَ الخَصْمِ، وأداءُ الواجِبِ لا يُسَمّى غُفْرانًا، فَبَقِيَ الثّالِثُ: وهو دَلالَتُهُ عَلى العَفْوِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ. وأمّا الرِّزْقُ الكَرِيمُ فَهو إشارَةٌ إلى الثَّوابِ، وكَرَمُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وهو أنَّ الإنْسانَ هُناكَ يَسْتَغْنِي عَنِ المَكاسِبِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ والذُّلِّ فِيها وارْتِكابِ المَآثِمِ والدَّناءَةِ بِسَبَبِها، وأنْ يَكُونَ لِلصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ، وهو أنْ يَكُونَ رِزْقًا كَثِيرًا دائِمًا خالِصًا عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ والتَّبْجِيلِ. والأوْلى جَعْلُ الكَرِيمِ دالًّا عَلى كُلِّ هَذِهِ الصِّفاتِ، فَهَذا شَرْحُ حالِ المُؤْمِنِينَ. وأمّا حالُ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ والمُرادُ اجْتَهَدُوا في رَدِّها والتَّكْذِيبِ بِها حَيْثُ سَمَّوْها سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ الأوَّلِينَ، ويُقالُ لِمَن بَذَلَ جُهْدَهُ في أمْرٍ: إنَّهُ سَعى فِيهِ تَوَسُّعًا مِن حَيْثُ بَلَغَ في بَذْلِ الجُهْدِ النِّهايَةَ، كَما إذا بَلَغَ الماشِي نِهايَةَ طاقَتِهِ فَيُقالُ لَهُ: سَعى، وذَكَرَ الآياتِ وأرادَ التَّكْذِيبَ بِها مَجازًا. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يُقالُ سَعى في أمْرِ فُلانٍ إذا أصْلَحَهُ أوْ أفْسَدَهُ بِسَعْيِهِ، أمّا المُعاجِزُ فَيُقالُ: عاجَزْتُهُ، أيْ طَمِعْتُ في إعْجازِهِ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ، هَلْ مُعاجِزِينَ لِلَّهِ أوْ لِلرَّسُولِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ؟ والأقْرَبُ هو الثّانِي؛ لِأنَّهم إنْ أنْكَرُوا اللَّهَ اسْتَحالَ مِنهم أنْ يَطْمَعُوا في إعْجازِهِ وإنْ أثْبَتُوهُ فَيَبْعُدُ أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّهم يُعْجِزُونَهُ ويَغْلِبُونَهُ، ويَصِحُّ مِنهم أنْ يَظُنُّوا ذَلِكَ في الرَّسُولِ بِالحِيَلِ والمَكايِدِ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: المُرادُ مُعاجِزِينَ لِلَّهِ، فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: المُرادُ بِمُعاجِزِينَ مُغالِبِينَ مُفَوِّتِينَ لِرَبِّهِمْ مِن عَذابِهِمْ وحِسابِهِمْ حَيْثُ جَحَدُوا البَعْثَ. وثانِيها: أنَّهم يُثَبِّطُونَ غَيْرَهم عَنِ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ ويُثَبِّطُونَهم بِسَبَبِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. وثالِثُها: يُعْجِزُونَ اللَّهَ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ النّاسِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ مَن جَحَدَ أصْلَ الشَّيْءِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مُغالِبٌ لِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، ومَن تَأوَّلَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّهم ظَنُّوا مُغالَبَةَ الرَّسُولِ ﷺ فِيما كانَ يَقُولُهُ مِن أمْرِ الحَشْرِ والنَّشْرِ. والجَوابُ عَنِ الثّانِي والثّالِثِ: أنَّ المُغالَبَةَ في الحَقِيقَةِ تَرْجِعُ إلى الرَّسُولِ والأُمَّةِ، لا إلى اللَّهِ تَعالى.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ فالمُرادُ أنَّهم يَدُومُونَ فِيها وشَبَّهَهم مِن حَيْثُ الدَّوامِ بِالصّاحِبِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ أوَّلًا وأنْذَرَ الكافِرِينَ ثانِيًا، فَكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، قُلْنا: الكَلامُ مَسُوقٌ إلى المُشْرِكِينَ، ويا أيُّها النّاسُ نِداءٌ لَهم، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] ووُصِفُوا بِالِاسْتِعْجالِ، وإنَّما ألْقى ذِكْرَ المُؤْمِنِينَ وثَوابِهِمْ في البَيْنِ زِيادَةً لِغَيْظِهِمْ وإيذائِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском