Ar-RaziAl‑Hajj · 22:6–14

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:6–14

22:6–7Page 333

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦

That is because Allāh is the True Reality and because He gives life to the dead and because He is over all things competent

وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ ٧

And [that they may know] that the Hour is coming - no doubt about it - and that Allāh will resurrect those in the graves.

ثُمَّ إنَّهُ

صفحة ١٠

سُبْحانَهُ لَمّا قَرَّرَ هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ رَتَّبَ عَلَيْهِما ما هو المَطْلُوبُ والنَّتِيجَةُ وذَكَرَ أُمُورًا خَمْسَةً:

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ والحَقُّ هو المَوْجُودُ الثّابِتُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحاصِلُها راجِعٌ إلى أنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الأمْراضِ المُتَنافِيَةِ وتَوارُدَها عَلى الأجْسامِ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ فَهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمّا لَمْ يُسْتَبْعَدْ مِنَ الإلَهِ إيجادُ هَذِهِ الأشْياءِ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مِنهُ إعادَةُ الأمْواتِ ؟

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ إيجادُ هَذِهِ الأشْياءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبَ الإنْصافِ لِذاتِهِ بِالقُدْرَةِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ.

ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لَمّا أقامَ الدَّلائِلَ عَلى أنَّ الإعادَةَ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإعادَةِ في نَفْسِها وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ والصّادِقُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِوُقُوعِهِ، واعْلَمْ أنَّ تَحْرِيرَ هَذِهِ الدَّلالَةِ عَلى الوجه النَّظَرِيِّ أنْ يُقالَ: الإعادَةُ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ، والصّادِقُ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِها فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِوُقُوعِها، أمّا بَيانُ الإمْكانِ فالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ الأجْسامَ بَعْدَ تَفَرُّقِها قابِلَةٌ لِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي كانَتْ قائِمَةً بِها حالَ كَوْنِها حَيَّةً عاقِلَةً، والبارِئُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ المُمْكِنَةِ وذَلِكَ يَقْتَضِي القَطْعَ بِإمْكانِ الإعادَةِ لِما قُلْنا: إنَّ تِلْكَ الأجْسامَ بَعْدَ تَفَرُّقِها قابِلَةٌ لِتِلْكَ الصِّفاتِ؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ قابِلَةً لَها في وقْتٍ لَما كانَتْ قابِلَةً لَها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لِأنَّ الأُمُورَ الذّاتِيَّةَ لا تَزُولُ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ قابِلَةً لَها في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لَما كانَتْ حَيَّةً عاقِلَةً في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ، لَكِنَّها كانَتْ حَيَّةً عاقِلَةً فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ قابِلَةً أبَدًا لِهَذِهِ الصِّفاتِ. وأمّا أنَّ البارِئَ سُبْحانَهُ يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المُمْكِنِ فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَيَكُونُ عالِمًا بِأجْزاءِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلى التَّعْيِينِ وقادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَيَكُونُ قادِرًا عَلى إيجادِ تِلْكَ الصِّفاتِ في تِلْكَ الذَّواتِ. فَثَبَتَ أنَّ الإعادَةَ في نَفْسِها مُمْكِنَةٌ وأنَّهُ سُبْحانَهُ يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ المُمْكِنِ. فَثَبَتَ أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ في نَفْسِها. فَإذا أخْبَرَ الصّادِقُ عَنْ وُقُوعِها فَلا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِوُقُوعِها، فَهَذا هو الكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا الأصْلِ. فَإنْ قِيلَ: فَأيُّ مَنفَعَةٍ لِذِكْرِ مَراتِبِ خِلْقَةِ الحَيَواناتِ وخِلْقَةِ النَّباتِ في هَذِهِ الدَّلالَةِ ؟ قُلْنا: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وعالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ومَتى صَحَّ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ كَوْنُ الإعادَةِ مُمْكِنَةً، فَإنَّ الخَصْمَ لا يُنْكِرُ المَعادَ إلّا بِناءً عَلى إنْكارِ أحَدِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى البَعْثِ في كِتابِهِ ذَكَرَ مَعَهُ كَوْنَهُ قادِرًا عالِمًا كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها﴾ بَيانٌ لِلْقُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ بَيانٌ لِلْعِلْمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

22:8–10Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening book [from Him],

ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩

Twisting his neck [in arrogance] to mislead [people] from the way of Allāh. For him in the world is disgrace, and We will make him taste on the Day of Resurrection the punishment of the Burning Fire [while it is said],

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠

"That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ﴾

صفحة ١١

﴿سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

القِراءَةُ: ”ثانِيَ عِطْفِهِ“ بِكَسْرِ العَيْنِ، الحَسَنُ وحْدَهُ بِفَتْحِ العَيْنِ، ”لِيُضِلَّ“ قُرِئَ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِها. القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ: ”ونُذِيقُهُ“ بِالنُّونِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”أُذِيقُهُ“، المَعانِي.

* * *

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] مَن هم ؟ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الآيَةُ الأُولى وهي قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ وارِدَةٌ في الأتْباعِ المُقَلِّدِينَ وهَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في المَتْبُوعِينَ المُقَلِّدِينَ، فَإنَّ كِلا المُجادِلَيْنِ جادَلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وإنْ كانَ أحَدُهُما تَبَعًا والآخَرُ مَتْبُوعًا وبَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقالُ في المُقَلِّدِ، وإنَّما يُقالُ فِيمَن يُخاصِمُ بِناءً عَلى شُبْهَةٍ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ ما قُلْتُمْ والمُقَلِّدُ لا يَكُونُ مُجادِلًا ؟ قُلْنا: قَدْ يُجادِلُ تَصْوِيبًا لِتَقْلِيدِهِ وقَدْ يُورِدُ الشُّبْهَةَ الظّاهِرَةَ إذا تَمَكَّنَ مِنها وإنْ كانَ مُعْتَمَدُهُ الأصْلِيُّ هو التَّقْلِيدَ.

وثانِيها: أنَّ الآيَةَ الأُولى نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وهَذِهِ الآيَةُ في أبِي جَهْلٍ.

وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ أيْضًا في النَّضْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ المُبالَغَةُ في الذَّمِّ، وأيْضًا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى اتِّباعَهُ لِلشَّيْطانِ تَقْلِيدًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وفي الثّانِيَةِ مُجادَلَتَهُ في الدِّينِ وإضْلالَهُ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، والوجه الأوَّلُ أقْرَبُ لِما تَقَدَّمَ.

المسألة الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الجِدالَ مَعَ العِلْمِ والهُدى والكِتابِ المُنِيرِ حَقٌّ حَسَنٌ عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ.

المسألة الثّالِثَةُ: المُرادُ بِالعِلْمِ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى الِاسْتِدْلالُ والنَّظَرُ لِأنَّهُ يَهْدِي إلى المَعْرِفَةِ، وبِالكِتابِ المُنِيرِ الوَحْيُ، والمَعْنى أنَّهُ يُجادِلُ مِن غَيْرِ مُقَدِّمَةٍ ضَرُورِيَّةٍ ولا نَظَرِيَّةٍ ولا سَمْعِيَّةٍ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ [الحج: ٧١] وقَوْلِهِ: ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [الأحقاف: ٤] أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ ثَنْيَ العِطْفِ عِبارَةٌ عَنِ الكِبْرِ والخُيَلاءِ كَتَصْعِيرِ الخَدِّ ولَيِّ الجِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَأمّا القِراءَةُ بِضَمِّ الياءِ فَدَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا المُجادِلَ فَعَلَ الجِدالَ وأظْهَرَ التَّكَبُّرَ لِكَيْ يَتَّبِعَهُ غَيْرُهُ فَيُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والكُفْرِ وإضْلالِ الغَيْرِ. وأمّا القِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا أدّى جِدالُهُ إلى الضَّلالِ جُعِلَ كَأنَّهُ غَرَضُهُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرَحَ حالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. أمّا في الدُّنْيا فَيَوْمُ بَدْرٍ، رُوِّينا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يُخَصِّصُوا هَذِهِ الآيَةَ بِواحِدٍ مُعَيَّنٍ قالُوا: المُرادُ بِالخِزْيِ في الدُّنْيا ما أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِذَمِّهِ ولَعْنِهِ ومُجاهَدَتِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الخِزْيَ المُعَجَّلَ وذَلِكَ العِقابَ المُؤَجَّلَ لِأجْلِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى مَطالِبَ:

الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إنَّما وقَعَ في ذَلِكَ العِقابِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ وفِعْلِهِ فَلَوْ كانَ فِعْلُهُ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَكانَ حِينَما خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى اسْتَحالَ مِنهُ أنْ يَنْفَكَّ عَنْهُ، وحِينَما لا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَحالَ مِنهُ أنْ

صفحة ١٢

يَتَّصِفَ بِهِ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ فَإذا عاقَبَهُ عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ مَحْضَ الظُّلْمِ وذَلِكَ عَلى خِلافِ النَّصِّ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما لَمْ يَكُنْ ظالِمًا بِفِعْلِ ذَلِكَ العَذابِ لِأجْلِ أنَّ المُكَلَّفَ فَعَلَ فِعْلًا اسْتَحَقَّ بِهِ ذَلِكَ العِقابَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ عاقَبَهُ لا بِسَبَبِ فِعْلٍ يَصْدُرُ مِن جِهَتِهِ لَكانَ ظالِمًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَعْذِيبُ الأطْفالِ بِكُفْرِ آبائِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ خِلافَ ما يَقُولُهُ النَّظّامُ، وأنْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنهُ خِلافَ ما يَقُولُهُ أهْلُ السُّنَّةِ.

الرّابِعُ: وهو أنْ لا يَجُوزَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَظْلِمُ؛ لِأنَّ عِنْدَهم صِحَّةَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْقُوفَةٌ عَلى نَفْيِ الظُّلْمِ، فَلَوْ أثْبَتْنا ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لَزِمَ الدَّوْرُ، والجَوابُ عَنِ الكُلِّ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.

22:11–12Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١١

And of the people is he who worships Allāh on an edge.1 If he is touched by good, he is reassured by it; but if he is struck by trial, he turns on his face [to unbelief]. He has lost [this] world and the Hereafter. That is what is the manifest loss.

يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٢

He invokes instead of Allāh that which neither harms him nor benefits him. That is what is the extreme error.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾

القِراءَةُ: قُرِئَ ”خاسِرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ“ بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ، فالنَّصْبُ عَلى الحالِ والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”مَن ضَرُّهُ“ بِغَيْرِ لامٍ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُظْهِرِينَ لِلشِّرْكِ المُجادِلِينَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرْنا عَقِبَهُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ وفي تَفْسِيرِ الحَرْفِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: ما قالَهُ الحَسَنُ، وهو أنَّ المَرْءَ في بابِ الدِّينِ مُعْتَمَدُهُ القَلْبُ واللِّسانُ فَهُما حَرْفا الدِّينِ، فَإذا وافَقَ أحَدُهُما الآخَرَ فَقَدْ تَكامَلَ في الدِّينِ وإذا أظْهَرَ بِلِسانِهِ الدِّينَ لِبَعْضِ الأغْراضِ وفي قَلْبِهِ النِّفاقُ جازَ أنْ يُقالَ فِيهِ عَلى وجْهِ الذَّمِّ: يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿عَلى حَرْفٍ﴾ أيْ عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لا في وسَطِهِ وقَلْبِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِكَوْنِهِمْ عَلى قَلَقٍ واضْطِرابٍ في دِينِهِمْ لا عَلى سُكُونِ طُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي يَكُونُ عَلى طَرَفٍ مِنَ العَسْكَرِ فَإنْ أحَسَّ بِغَنِيمَةٍ قَرَّ واطْمَأنَّ وإلّا فَرَّ وطارَ عَلى وجْهِهِ. وهَذا هو المُرادُ ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ لِأنَّ الثَّباتَ في الدِّينِ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَ الغَرَضُ مِنهُ إصابَةَ الحَقِّ وطاعَةَ اللَّهِ والخَوْفَ مِن عِقابِهِ، فَأمّا إذا كانَ غَرَضُهُ الخَيْرَ المُعَجَّلَ فَإنَّهُ يُظْهِرُ الدِّينَ عِنْدَ السَّرّاءِ ويَرْجِعُ عَنْهُ عِنْدَ الضَّرّاءِ فَلا يَكُونُ إلّا مُنافِقًا مَذْمُومًا وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٤٣] وكَقَوْلِهِ:

صفحة ١٣

﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] .

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أعْرابٍ كانُوا يَقْدَمُونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مُهاجِرِينَ مِن بادِيَتِهِمْ، فَكانَ أحَدُهم إذا صَحَّ بِها جِسْمُهُ ونَتَجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وكَثُرَ مالُهُ وماشِيَتُهُ رَضِيَ بِهِ واطْمَأنَّ إلَيْهِ، وإنْ أصابَهُ وجَعٌ ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ جارِيَةً أوْ أُجْهِضَتْ رَماكُهُ وذَهَبَ مالُهُ وتَأخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ أتاهُ الشَّيْطانُ وقالَ لَهُ: ما جاءَتْكَ هَذِهِ الشُّرُورُ إلّا بِسَبَبِ هَذا الدِّينِ فَيَنْقَلِبُ عَنْ دِينِهِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ. وثانِيها: وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ نَزَلَتْ في المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، مِنهم عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ والعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَدْخُلُ في دِينِ مُحَمَّدٍ فَإنْ أصَبْنا خَيْرًا عَرَفْنا أنَّهُ حَقٌّ، وإنْ أصَبْنا غَيْرَ ذَلِكَ عَرَفْنا أنَّهُ باطِلٌ. وثالِثُها: قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقِلْنِي فَإنِّي لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا، ذَهَبَ بَصَرِي ووَلَدِي ومالِي. فَقالَ ﷺ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، إنَّ الإسْلامَ لَيَسْبِكُ كَما تَسْبِكُ النّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ: الأوَّلُ: كَيْفَ قالَ: ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ والخَيْرُ أيْضًا فِتْنَةٌ لِأنَّهُ امْتِحانٌ، وقالَ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾، والجَوابُ: مِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في اللُّغَةِ لِأنَّ النِّعْمَةَ بَلاءٌ وابْتِلاءٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] ولَكِنْ إنَّما يُطْلَقُ اسْمُ البَلاءِ عَلى ما يَثْقُلُ عَلى الطَّبْعِ، والمُنافِقُ لَيْسَ عِنْدَهُ الخَيْرُ إلّا الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ، ولَيْسَ عِنْدَهُ الشَّرُّ إلّا الشَّرُّ الدُّنْيَوِيُّ، لِأنَّهُ لا دِينَ لَهُ. فَلِذَلِكَ ورَدَتِ الآيَةُ عَلى ما يَعْتَقِدُونَهُ، وإنْ كانَ الخَيْرُ كُلُّهُ فِتْنَةً، لَكِنَّ أكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما يَشْتَدُّ ويَثْقُ.

السُّؤالُ الثّانِي: إذا كانَتِ الآيَةُ في المُنافِقِ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ وهو في الحَقِيقَةِ لَمْ يُسْلِمْ حَتّى يَنْقَلِبَ ويَرْتَدَّ ؟ والجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ أظْهَرَ بِلِسانِهِ خِلافَ ما كانَ أظْهَرَهُ فَصارَ يَذُمُّ الدِّينَ عِنْدَ الشِّدَّةِ وكانَ مِن قَبْلُ يَمْدَحُهُ وذَلِكَ انْقِلابٌ في الحَقِيقَةِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: الخَيْرُ هو ضِدُّ الشَّرِّ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ: وإنْ أصابَهُ شَرٌّ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ. الجَوابُ: لَمّا كانَتِ الشِّدَّةُ لَيْسَتْ بِقَبِيحَةٍ لَمْ يَقُلْ تَعالى: وإنْ أصابَهُ شَرٌّ بَلْ وصَفَهُ بِما لا يُفِيدُ فِيهِ القُبْحَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ فَذَلِكَ لِأنَّهُ يَخْسَرُ في الدُّنْيا العِزَّةَ والكَرامَةَ وإصابَةَ الغَنِيمَةِ وأهْلِيَّةَ الشَّهادَةِ والإمامَةِ والقَضاءِ ولا يَبْقى مالُهُ ودَمُهُ مَصُونًا، وأمّا في الآخِرَةِ فَيَفُوتُهُ الثَّوابُ الدّائِمُ ويَحْصُلُ لَهُ العِقابُ الدّائِمُ: ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ فالأقْرَبُ أنَّهُ المُشْرِكُ الَّذِي يَعْبُدُ الأوْثانَ وهَذا كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ الآيَةَ لَمْ تَرِدْ في اليَهُودِيِّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ الأصْنامَ، والأقْرَبُ أنَّها وارِدَةٌ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ انْقَطَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى وجْهِ النِّفاقِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّ: ﴿ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ﴾، وأرادَ بِهِ عِظَمَ ضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْنِيَ بِذَلِكَ بُعْدَ ضَلالِهِمْ عَنِ الصَّوابِ لِأنَّ جَمِيعَهُ وإنْ كانَ

صفحة ١٤

يَشْتَرِكُ في أنَّهُ خَطَأٌ فَبَعْضُهُ أبْعَدُ مِنَ الحَقِّ مِنَ البَعْضِ، واسْتُعِيرَ الضَّلالُ البَعِيدُ مِن ضَلالِ مَن أُبْعِدَ مِنَ التِّيهِ ضالًّا وطالَتْ وبَعُدَتْ مَسافَةُ ضَلالِهِ.

22:13Page 333

يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ ١٣

He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ رُؤَساؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَفْزَعُونَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَصِحُّ مِنهم أنْ يَضُرُّوا، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّ الأوْثانَ لا تَضُرُّهم ولا تَنْفَعُهم، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي كَوْنَ المَذْكُورِ فِيها ضارًّا نافِعًا، فَلَوْ كانَ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأوْثانَ لَزِمَ التَّناقُضُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ الوَثَنُ وأجابُوا عَنِ التَّناقُضِ بِأُمُورٍ: أحَدُها: أنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِأنْفُسِها ولَكِنَّ عِبادَتَها سَبَبُ الضَّرَرِ وذَلِكَ يَكْفِي في إضافَةِ الضَّرَرِ إلَيْها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] فَأضافَ الإضْلالَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانُوا سَبَبًا لِلضَّلالِ، فَكَذا هاهُنا نَفى الضَّرَرَ عَنْهم في الآيَةِ الأُولى بِمَعْنى كَوْنِها فاعِلَةً وأضافَ الضَّرَرَ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أنَّ عِبادَتَها سَبَبُ الضَّرَرِ. وثانِيها: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّها في الحَقِيقَةِ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ثم قال في الآيَةِ الثّانِيَةِ: لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَها ضارَّةً نافِعَةً لَكِنَّ ضَرَرَها أكْثَرُ مِن نَفْعِها. وثالِثُها: كانَ الكُفّارُ إذا أنْصَفُوا عَلِمُوا أنَّهُ لا يَحْصُلُ مِنها نَفْعٌ ولا ضَرَرٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهم في الآخِرَةِ يُشاهِدُونَ العَذابَ العَظِيمَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، فَكَأنَّهم يَقُولُونَ لَها في الآخِرَةِ: إنَّ ضَرَرَكم أعْظَمُ مِن نَفْعِكم.

المسألة الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في إعْرابِ قَوْلِهِ: ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ فالمَوْلى: هو الوَلِيُّ والنّاصِرُ، والعَشِيرُ: الصّاحِبُ والمُعاشِرُ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الوَصْفَ بِالرُّؤَساءِ ألْيَقُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ في الأوْثانِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَعْدِلُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَجْمَعُ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ وإلى طاعَةِ الرُّؤَساءِ، ثُمَّ ذَمَّ الرُّؤَساءَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ والمُرادُ ذَمُّ مَنِ انْتَصَرَ بِهِمْ والتَجَأ إلَيْهِمْ.

22:14Page 333

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ١٤

Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. Indeed, Allāh does what He intends.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ حالَ عِبادَةِ المُنافِقِينَ وحالَ مَعْبُودِهِمْ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ صِفَةَ عِبادَةِ المُؤْمِنِينَ وصِفَةَ مَعْبُودِهِمْ، أمّا عِبادَتُهم فَقَدْ كانَتْ عَلى الطَّرِيقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ صَوابُهُ، وأمّا مَعْبُودُهم

صفحة ١٥

فَلا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ. وأمّا المُؤْمِنُونَ فَعِبادَتُهم حَقِيقِيَّةٌ ومَعْبُودُهم يُعْطِيهِمْ أعْظَمَ المَنافِعِ وهو الجَنَّةُ، ثُمَّ بَيَّنَ كَمالَ الجَنَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ وأنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ بِهِمْ مِن أنْواعِ الفَضْلِ والإحْسانِ زِيادَةً عَلى أُجُورِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣] واحْتَجَّ أصْحابُنا في خَلْقِ الأفْعالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ قالُوا: أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرِيدُ الإيمانَ ولَفْظَةُ ما لِلْعُمُومِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلْإيمانِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ لا ما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ غَيْرُهُ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ما يُرِيدُ أعَمُّ مِن قَوْلِنا: ما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ، ومِن قَوْلِنا: ما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ غَيْرُهُ، فالتَّقْيِيدُ خِلافُ النَّصِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском