Ar-RaziAl‑Hajj · 22:66–74

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:66–74

22:66Page 340

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦

And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ مِن قَبْلُ بِما ذَكَرَهُ مِن وُلُوجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ ونَبَّهَ بِهِ عَلى نِعَمِهِ، أتْبَعَهُ بِأنْواعٍ أُخَرَ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ ونِعْمَتِهِ وهي سِتَّةٌ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وُجُوهًا ثَلاثَةً:

أحَدُها: أنَّ المُرادَ هو الرُّؤْيَةُ الحَقِيقِيَّةُ، قالُوا: لِأنَّ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ يُرى بِالعَيْنِ واخْضِرارُ النَّباتِ عَلى الأرْضِ مَرْئِيٌّ، وإذا أُمْكِنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَهو أوْلى. وثانِيها: أنَّ المُرادَ ألَمْ تُخْبَرْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ. وثالِثُها: المُرادُ ألَمْ تَعْلَمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ ضَعِيفٌ لِأنَّ الماءَ وإنْ كانَ مَرْئِيًّا إلّا أنَّ كَوْنَ اللَّهِ مُنْزِلًا لَهُ مِنَ السَّماءِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، إذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن تِلْكَ الرُّؤْيَةِ هو العِلْمُ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِها العِلْمُ كانَتْ كَأنَّها لَمْ تَحْصُلْ.

المسألة الثّانِيَةُ: قُرِئَ ”مَخْضَرَةً“ كَمَبْقَلَةٍ ومَسْبَعَةٍ أيْ ذاتَ خُضْرَةٍ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:

صفحة ٥٥

السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ: ﴿فَتُصْبِحُ﴾ الأرْضُ ولَمْ يَقُلْ: فَأصْبَحَتْ ؟ الجَوابُ: لِنُكْتَةٍ فِيهِ وهي إفادَةُ بَقاءِ أثَرِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ، كَما تَقُولُ: أنْعَمَ عَلَيَّ فُلانٌ عامَ كَذا فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ، ولَوْ قُلْتَ: فَرِحْتُ وغَدَوْتُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَوْقِعَ.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ رُفِعَ ولَمْ يُنْصَبْ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ ؟ والجَوابُ: لَوْ نُصِبَ لَأعْطى عَكْسَ ما هو الغَرَضُ؛ لِأنَّ مَعْناهُ إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ، مِثالُهُ أنْ تَقُولَ لِصاحِبِكَ: ألَمْ تَرَ أنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرُ ؟ وإنْ نَصَبْتَهُ فَأنْتَ نافٍ لِشُكْرِهِ شاكٍ لِتَفْرِيطِهِ، وإنْ رَفَعْتَهُ فَأنْتَ مُثْبِتٌ لِلشُّكْرِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ أوْرَدَ تَعالى ذَلِكَ دَلالَةً عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الإعادَةِ ؟ كَما قالَ أبُو مُسْلِمٍ. الجَوابُ: يُحْتَمَلُ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وواسِعِ نِعَمِهِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: ما تَعَلُّقُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ بِما تَقَدَّمَ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أرادَ أنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ ولِرَحْمَتِهِ فَعَلَ ذَلِكَ حَتّى عَظُمَ انْتِفاعُهم بِهِ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذا أصْبَحَتْ مُخْضَرَّةً والسَّماءَ إذا أمْطَرَتْ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعَيْشِ الحَيَواناتِ عَلى اخْتِلافِها أجْمَعَ. ومَعْنى ﴿خَبِيرٌ﴾ أنَّهُ عالِمٌ بِمَقادِيرِ مَصالِحِهِمْ فَيَفْعَلُ عَلى قَدْرِ ذَلِكَ مِن دُونِ زِيادَةٍ ونُقْصانٍ. وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿لَطِيفٌ﴾ بِأرْزاقِ عِبادِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ القُنُوطِ. وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿لَطِيفٌ﴾ في أفْعالِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِأعْمالِ خَلْقِهِ. ورابِعُها: قالَ مُقاتِلٌ: ﴿لَطِيفٌ﴾ بِاسْتِخْراجِ النَّبْتِ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ.

الدَّلالَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُنْقادٌ لَهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وهو غَنِيٌّ عَنِ الأشْياءِ كُلِّها وعَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ في كُلِّ الأُمُورِ، ولَكِنَّهُ لَمّا خَلَقَ الحَيَوانَ فَلا بُدَّ في الحِكْمَةِ مِن قَطْرٍ ونَباتٍ فَخَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ رَحْمَةً لِلْحَيَواناتِ وإنْعامًا عَلَيْهِمْ لا لِحاجَةٍ بِهِ إلى ذَلِكَ. وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إنْعامُهُ خالِيًا عَنْ غَرَضٍ عائِدٍ إلَيْهِ فَكانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ. فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّهُ لِكَوْنِهِ غَنِيًّا لَمْ يَفْعَلْ ما فَعَلَهُ إلّا لِلْإحْسانِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَمِيدًا. فَلِهَذا قالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ .

الدَّلالَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلَّلَ لَكم ما فِيها فَلا أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ ولا أحَدَّ مِنَ الحَدِيدِ ولا أكْثَرَ هَيْبَةً مِنَ النّارِ، وقَدْ سَخَّرَها لَكم وسَخَّرَ الحَيَواناتِ أيْضًا حَتّى يُنْتَفَعَ بِها مِن حَيْثُ الأكْلِ والرُّكُوبِ والحَمْلِ عَلَيْها والِانْتِفاعِ بِالنَّظَرِ إلَيْها، فَلَوْلا أنْ سَخَّرَ اللَّهُ تَعالى الإبِلَ والبَقَرَ مَعَ قُوَّتِهِما حَتّى يُذَلِّلَهُما الضَّعِيفُ مِنَ النّاسِ ويَتَمَكَّنَ مِنهُما لَما كانَ ذَلِكَ نِعْمَةً.

الدَّلالَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ: وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ، وكَيْفِيَّةُ تَسْخِيرِهِ الفُلْكَ هو مِن حَيْثُ سَخَّرَ الماءَ والرِّياحَ لِجَرْيِها، فَلَوْلا صِفَتُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ لَما جَرَتْ بَلْ كانَتْ تَغُوصُ أوْ تَقِفُ أوْ تَعْطَبُ. فَنَبَّهَ تَعالى عَلى نِعَمِهِ بِذَلِكَ، وبِأنْ خَلَقَ ما تُعْمَلُ مِنهُ السُّفُنُ، وبِأنْ بَيَّنَ كَيْفَ تَعْمَلُ، وإنَّما قالَ: بِأمْرِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ المُجْرِيَ لَها بِالرِّياحِ نَسَبَ ذَلِكَ إلى أمْرِهِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ تَعْظِيمَهُ بِأكْثَرَ مِمّا يُفِيدُ لَوْ أضافَهُ إلى فِعْلٍ بِناءً عَلى عادَةِ المُلُوكِ في مِثْلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ.

الدَّلالَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ﴾

صفحة ٥٦

﴿رَحِيمٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ النِّعَمَ المُتَقَدِّمَةَ لا تَكْمُلُ إلّا بِهَذِهِ؛ لِأنَّ السَّماءَ مَسْكَنُ المَلائِكَةِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صُلْبًا، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ ثَقِيلًا، وما كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ [ لَهُ ] مِنَ الهُوِيِّ لَوْلا مانِعٌ يَمْنَعُ مِنهُ، وهَذِهِ الحجة مَبْنِيَّةٌ عَلى ظاهِرِ الأوْهامِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقَعَ﴾ قالَ الكُوفِيُّونَ: كَيْ لا تَقَعَ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: كَراهِيَةَ أنْ تَقَعَ، وهَذا بِناءٌ عَلى مَسْألَةٍ كَلامِيَّةٍ وهي أنَّ الإراداتِ والكَراهاتِ هَلْ تَتَعَلَّقُ بِالعَدَمِ ؟ فَمَن مَنَعَ مِن ذَلِكَ صارَ إلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، والمَعْنى أنَّهُ أمْسَكَها لِكَيْ لا تَقَعَ فَتَبْطُلَ النِّعَمُ الَّتِي أنْعَمَ بِها.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فالمَعْنى أنَّ المُنْعِمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجامِعَةِ لِمَنافِعِ الدُّنْيا والدِّينِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في الإحْسانِ والإنْعامِ، فَهو إذَنْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

الدَّلالَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ والمَعْنى أنَّ مَن سَخَّرَ لَهُ هَذِهِ الأُمُورَ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ بِها فَهو الَّذِي أحْياهُ فَنَبَّهَ بِالإحْياءِ الأوَّلِ عَلى إنْعامِ الدُّنْيا عَلَيْنا بِكُلِّ ما تَقَدَّمَ. ونَبَّهَ بِالإماتَةِ والإحْياءِ الثّانِي عَلى نِعَمِ الدِّينِ عَلَيْنا، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الدُّنْيا بِسائِرِ أحْوالِها لِلْآخِرَةِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلنِّعَمِ عَلى هَذا الوجه مَعْنًى. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْلا أمْرُ الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِلزِّراعاتِ وتَكَلُّفِها ولا لِرُكُوبِ الحَيَواناتِ وذَبْحِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مَعْنًى، بَلْ كانَ تَعالى يَخْلُقُهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ الزَّرْعِ والسَّقْيِ، وإنَّما أجْرى اللَّهُ العادَةَ بِذَلِكَ لِيُعْتَبَرَ بِهِ في بابِ الدِّينِ، ولَمّا فَصَلَ تَعالى هَذِهِ النِّعَمَ قالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ وهَذا كَما قَدْ يُعَدِّدُ المَرْءُ نِعَمَهُ عَلى ولَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنَّ الوَلَدَ لَكَفُورٌ لِنِعَمِ الوالِدِ زَجْرًا لَهُ عَنِ الكُفْرانِ وبَعْثًا لَهُ عَلى الشُّكْرِ، فَلِذَلِكَ أوْرَدَ تَعالى ذَلِكَ في الكُفّارِ، فَبَيَّنَ أنَّهم دَفَعُوا هَذِهِ النِّعَمَ وكَفَرُوا بِها وجَهِلُوا خالِقَها مَعَ وُضُوحِ أمْرِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الإنْسانُ هاهُنا هو الكافِرُ، وقالَ أيْضًا هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ وأبُو جَهْلٍ والعاصِ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، والأوْلى تَعْمِيمُهُ في كُلِّ المُنْكِرِينَ.

22:67–70Page 340

لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧

For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.

وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨

And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.

ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩

Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠

Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ نِعَمِهِ وبَيَّنَ أنَّهُ رَءُوفٌ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ وإنْ كانَ مِنهم مَن يَكْفُرُ ولا يَشْكُرُ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمِهِ بِما كَلَّفَ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: إنَّما حَذَفَ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، فَلا جَرَمَ حَذَفَ العاطِفَ.

المسألة الثّانِيَةُ: في المَنسَكِ أقْوالٌ: أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عِيدً[ا] يَذْبَحُونَ فِيهِ. وثانِيها: قُرْبانًا ولَفْظُ

صفحة ٥٧

المَنسَكِ مُخْتَصٌّ بِالذَّبائِحِ عَنْ مُجاهِدٍ. وثالِثُها: مَأْلَفًا يَأْلَفُونَهُ إمّا مَكانًا مُعَيَّنًا أوْ زَمانًا مُعَيَّنًا لِأداءِ الطّاعاتِ. ورابِعُها: المَنسَكُ هو الشَّرِيعَةُ والمِنهاجُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ واخْتِيارُ القَفّالِ وهو الأقْرَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولِأنَّ المَنسَكَ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّسُكِ وهو العِبادَةُ، وإذا وقَعَ الِاسْمُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى الذَّبْحِ لِأنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ لا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا الذَّبْحُ ؟ وهَلّا حَمَلْتُمُوهُ عَلى مَوْضِعِ العِبادَةِ أوْ عَلى وقْتِها ؟ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المَنسَكَ في العُرْفِ مَخْصُوصٌ بِالذَّبْحِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ سائِرَ ما يُفْعَلُ في الحَجِّ يُوصَفُ بِأنَّهُ مَناسِكُ ولِأجْلِهِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم»، وعَنِ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ ألْيَقُ بِالعِبادَةِ مِنهُ بِالوَقْتِ والمَكانِ.

المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ مَن كانَ في زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ مُتَمَسِّكًا بِشَرْعٍ كاليَهُودِ والنَّصارى، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ كُلَّ مَن تَعَبَّدَ مِنَ الأُمَمِ سَواءٌ بَقِيَتْ آثارُهم أوْ لَمْ تَبْقَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ كالوَصْفِ لِلْأُمَمِ وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا في الحالِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ فَقُرِئَ ”فَلا يَنْزِعُنَّكَ“ أيِ اثْبُتْ في دِينِكَ ثَباتًا لا يَطْمَعُونَ أنْ يَخْدَعُوكَ لِيُزِيلُوكَ عَنْهُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: أنَّهُ نُهِيَ لَهم عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، كَما تَقُولُ لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ أيْ لا تُضارِبْهُ. والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّ عَلَيْهِمُ اتِّباعَكَ وتَرْكَ مُخالَفَتِكَ، وقَدِ اسْتَقَرَّ الأمْرُ الآنَ عَلى شَرْعِكَ وعَلى أنَّهُ ناسِخٌ لِكُلِّ ما عَداهُ. فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى كُلَّ أُمَّةٍ بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ أنْ تَسْتَمِرَّ عَلى تِلْكَ العادَةِ، وألْزَمَها أنْ تَتَحَوَّلَ إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ لا تَخُصَّ بِالدُّعاءِ أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ فَكُلُّهم أُمَّتُكَ فادْعُهم إلى شَرِيعَتِكَ فَإنَّكَ عَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، والهُدى يَحْتَمِلُ نَفْسَ الدِّينِ ويَحْتَمِلُ أدِلَّةَ الدِّينِ وهو أوْلى. كَأنَّهُ قالَ: ادْعُهم إلى هَذا الدِّينِ فَإنَّكَ مِن حَيْثُ الدَّلالَةِ عَلى طَرِيقَةٍ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ: ﴿وإنْ جادَلُوكَ﴾ والمَعْنى فَإنْ عَدَلُوا عَنِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأدِلَّةِ إلى طَرِيقَةِ المِراءِ والتَّمَسُّكِ بِالعادَةِ فَقَدْ بَيَّنْتَ وأظْهَرْتَ ما يَلْزَمُكَ ﴿فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ إيضاحِ الأدِلَّةِ إلّا هَذا الجِنْسُ الَّذِي يَجْرِي مَجْرى الوَعِيدِ والتَّحْذِيرِ مِن حُكْمِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بَيْنَ جَنَّةٍ وثَوابٍ لِمَن قَبِلَ، وبَيْنَ نارٍ وعِقابٍ لِمَن رَدَّ وأنْكَرَ. فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فَتَعْرِفُونَ حِينَئِذٍ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ واللَّهُ أعْلَمُ.

22:71–72Page 340

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١

And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢

And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."

صفحة ٥٨

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أتْبَعَهُ بِما بِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم، فَيَقَعُ الحُكْمُ مِنهُ بَيْنَهم بِالعَدْلِ لا بِالجَوْرِ فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾ هو عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ لَكِنَّ مَعْناهُ تَقْوِيَةُ قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ والوَعْدُ لَهُ وإيعادُ الكافِرِينَ بِأنَّ كُلَّ فِعْلِهِمْ مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَضِلُّ عَنْهُ ولا يَنْسى.

المسألة الثّانِيَةُ: الخِطابُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ والمُرادُ سائِرُ العِبادِ ولِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَثْبُتُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ إذْ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَشْتَبِهَ عَلَيْهِ الكاذِبُ بِالصّادِقِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ إظْهارُ المُعْجِزِ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ لا يَكُونَ الرَّسُولُ عالِمًا بِذَلِكَ. فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ خِطابًا مَعَ الغَيْرِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ مَعْنى الكِتابِ الحِفْظُ والضَّبْطُ والشَّدُّ يُقالُ: كَتَبْتُ المَزادَةَ أكْتُبُها إذا خَرَزْتُها فَحَفِظْتُ بِذَلِكَ ما فِيها، ومَعْناهُ ومَعْنى الكِتابِ بَيْنَ النّاسِ: حِفْظُ ما يَتَعامَلُونَ بِهِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ أنَّهُ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ. والتّالِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّ كُلَّ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ فَقَدْ كَتَبَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالُوا: وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ القَوْلَ الأوَّلَ وإنْ كانَ صَحِيحًا نَظَرًا إلى الِاشْتِقاقِ لَكِنَّ الواجِبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المُتَعارَفِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكِتابَ هو ما تُكْتَبُ فِيهِ الأُمُورُ فَكانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أوْلى. فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ يُوهِمُ ذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الكِتابِ وأيْضًا فَأيُّ فائِدَةٍ في ذَلِكَ الكِتابِ ؟ والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كَتْبَهُ تِلْكَ الأشْياءَ في ذَلِكَ الكِتابِ مَعَ كَوْنِها مُطابِقَةً لِلْمَوْجُوداتِ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ في عِلْمِهِ عَنْ ذَلِكَ الكِتابِ وعَنِ الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ يَنْظُرُونَ فِيهِ ثُمَّ يَرَوْنَ الحَوادِثَ داخِلَةً في الوُجُودِ عَلى وفْقِهِ فَصارَ ذَلِكَ دَلِيلًا لَهم زائِدًا عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ كَتْبَهُ جُمْلَةَ الحَوادِثِ مَعَ أنَّها مِنَ الغَيْبِ مِمّا يَتَعَذَّرُ عَلى الخَلْقِ لَكِنَّها بِحَيْثُ مَتى أرادَها اللَّهُ تَعالى كانَتْ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَسِيرٌ، وإنْ كانَ هَذا الوَصْفُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِينا مِن حَيْثُ تَسْهُلُ وتَصْعُبُ عَلَيْنا الأُمُورُ، وتَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يُقْدِمُ الكُفّارُ عَلَيْهِ مَعَ عَظِيمِ نِعَمِهِ، ووُضُوحِ دَلائِلِهِ. فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ عِبادَتَهم لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً عَنْ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ولا عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ وإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو عَنْ تَقْلِيدٍ أوْ جَهْلٍ أوْ شُبْهَةٍ، فَوَجَبَ في كُلِّ قَوْلٍ - هَذا شَأْنُهُ - أنْ يَكُونَ باطِلًا، فَمِن هَذا الوجه يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ قَدْ يَكُونُ كافِرًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ كافِرًا، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْتَصِرُ لَهم مِنَ اللَّهِ كَما

صفحة ٥٩

قَدْ تَتَّفِقُ النُّصْرَةُ في الدُّنْيا.

والثّانِي: ما لَهم في كُفْرِهِمْ ناصِرٌ بِالحجة، فَإنَّ الحجة لَيْسَتْ إلّا لِلْحَقِّ، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ الشَّفاعَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهَذِهِ الآياتُ هي القُرْآنُ، ووَصَفَها بِأنَّها بَيِّناتٌ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِلدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ وبَيانِ الأحْكامِ، فَبَيَّنَ أنَّهم مَعَ جَهْلِهِمْ إذا نُبِّهُوا عَلى الأدِلَّةِ وعُرِضَتْ عَلَيْهِمُ المُعْجِزَةُ ظَهَرَ في وُجُوهِهِمُ المُنْكَرُ، والمُرادُ دَلالَةُ الغَيْظِ والغَضَبِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُنْكَرُ الفَظِيعُ مِنَ التَّهَجُّمِ والفُجُورِ والنُّشُوزِ والإنْكارِ، كالمُكْرَمِ بِمَعْنى الإكْرامِ وقُرِئَ ”تُعْرَفُ“ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُنْكَرِ عِباراتٌ: أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمُ الكَراهِيَةَ لِلْقُرْآنِ. ثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: التَّجَبُّرَ والتَّرَفُّعَ. وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ فَقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ: السَّطْوُ شِدَّةُ البَطْشِ والوُثُوبِ، والمَعْنى يَهُمُّونَ بِالبَطْشِ والوُثُوبِ تَعْظِيمًا لِإنْكارِ ما خُوطِبُوا بِهِ، فَحَكى تَعالى عَظِيمَ تَمَرُّدِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُقابِلَهم بِالوَعِيدِ فَقالَ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿مِن ذَلِكُمُ﴾ أيْ مِن غَيْظِكم عَلى النّاسِ وسَطْوِكم عَلَيْهِمْ أوْ مِمّا أصابَكم مِنَ الكَراهَةِ والضَّجَرِ بِسَبَبِ ما تُلِيَ عَلَيْكم، فَقَوْلُهُ: (﴿مِن ذَلِكُمُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ أنَّ الَّذِي يَنالُكم مِنَ النّارِ الَّتِي تَكادُونَ تَقْتَحِمُونَها بِسُوءِ فِعالِكم أعْظَمُ مِمّا يَنالُكم عِنْدَ تِلاوَةِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ الغَضَبِ ومِن هَذا الغَمِّ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ ما تَهُمُّونَ بِهِ فِيمَن يُحاجُّكم، فَإنَّ أكْبَرَ ما يُمْكِنُكم فِيهِ الإهْلاكُ ثُمَّ بَعْدَهُ مَصِيرُهم إلى الجَنَّةِ وأنْتُمْ تَصِيرُونَ إلى النّارِ الدّائِمَةِ الَّتِي لا فَرَجَ لَكم عَنْها، وأمّا ﴿النّارُ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”النّارُ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: ما شَرٌّ مِن ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: النّارُ. أيْ هو النّارُ. وبِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِن شَرٍّ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ وعَدَها الَّذِينَ كَفَرُوا إذا ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ وهو بِئْسَ المَصِيرُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿وعَدَها اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافُ كَلامٍ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ مُبْتَدَأً و﴿وعَدَها﴾ خَبَرًا.

22:73Page 341

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣

O people, an example is presented, so listen to it. Indeed, those you invoke besides Allāh will never create [as much as] a fly, even if they gathered together for it [i.e., that purpose]. And if the fly should steal from them a [tiny] thing, they could not recover it from him. Weak are the pursuer and pursued.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ أنَّهم يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ ولا عِلْمَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ.

صفحة ٦٠

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: الَّذِي جاءَ بِهِ لَيْسَ بِمَثَلٍ فَكَيْفَ سَمّاهُ مَثَلًا ؟ والجَوابُ: لَمّا كانَ المَثَلُ في الأكْثَرِ نُكْتَةً عَجِيبَةً غَرِيبَةً جازَ أنْ يُسَمّى كُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ مَثَلًا.

السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ضُرِبَ﴾ يُفِيدُ فِيما مَضى واللَّهُ تَعالى هو المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ ابْتِداءً ؟ الجَوابُ: إذا كانَ ما يُورِدُ مِنَ الوَصْفِ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ جازَ ذَلِكَ فِيهِ، ويَكُونُ ذِكْرُهُ بِمَنزِلَةِ إعادَةِ أمْرٍ قَدْ تَقَدَّمَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أيْ تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ؛ لِأنَّ نَفْسَ السَّماعِ لا يَنْفَعُ، وإنَّما يَنْفَعُ التَّدَبُّرُ. واعْلَمْ أنَّ الذُّبابَ لَمّا كانَ في غايَةِ الضَّعْفِ احْتَجَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ قُرِئَ ”يَدْعُونَ“ بِالياءِ والتّاءِ، ويُدْعَوْنَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ”ولَنْ“ أصْلٌ في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ إلّا أنَّهُ يَنْفِيهِ نَفْيًا مُؤَكَّدًا، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ وإنِ اجْتَمَعَتْ لَنْ تَقْدِرَ عَلى خَلْقِ ذُبابَةٍ عَلى ضَعْفِها، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ جَعْلُها مَعْبُودًا، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: يَسْتَحِيلُ أنْ يَخْلُقُوا الذُّبابَ حالَ اجْتِماعِهِمْ فَكَيْفَ حالُ انْفِرادِهِمْ ؟

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أتْرُكُ أمْرَ الخَلْقِ والإيجادِ وأتَكَلَّمُ فِيما هو أسْهَلُ مِنهُ، فَإنَّ الذُّبابَ إنْ سَلَبَ مِنها شَيْئًا، فَهي لا تَقْدِرُ عَلى اسْتِنْقاذِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الذُّبابِ، واعْلَمْ أنَّ الدَّلالَةَ الأُولى صالِحَةٌ لِأنْ يُتَمَسَّكَ بِها في نَفْيِ كَوْنِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ آلِهَةً، أمّا الثّانِيَةُ فَلا، فَإنْ قِيلَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ إمّا أنْ يَكُونَ لِنَفْيِ كَوْنِ الأوْثانِ خالِقَةً عالِمَةً حَيَّةً مُدَبِّرَةً، أوْ لِنَفْيِ كَوْنِها مُسْتَحِقَّةً لِلتَّعْظِيمِ، والأوَّلُ فاسِدٌ؛ لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِها كَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ ؟ وأمّا الثّانِي: فَهَذِهِ الدَّلالَةُ لا تُفِيدُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ كَوْنِها حَيَّةً أنْ لا تَكُونَ مُعَظَّمَةً، فَإنَّ جِهاتِ التَّعْظِيمِ مُخْتَلِفَةٌ، فالقَوْمُ كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيها أنَّها طَلْسَماتٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى صُورَةِ الكَواكِبِ، أوْ أنَّها تَماثِيلُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وكانُوا يُعَظِّمُونَها عَلى أنَّ تَعْظِيمَها يُوجِبُ تَعْظِيمَ المَلائِكَةِ وأُولَئِكَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ. والجَوابُ: أمّا كَوْنُها طَلْسَماتٍ مَوْضُوعَةً عَلى الكَواكِبِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنها الإضْرارُ والِانْتِفاعُ، فَهو يَبْطُلُ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ، فَإنَّها لَمّا لَمْ تَنْفَعْ نَفْسَها في هَذا القَدْرِ وهو تَخْلِيصُ النَّفْسِ عَنِ الذُّبابَةِ فَلِأنْ لا تَنْفَعَ غَيْرَها أوْلى، وأمّا أنَّها تَماثِيلُ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَقَدْ تَقَرَّرَ في العَقْلِ أنَّ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أقَلَّ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْمُ كانُوا يُعَظِّمُونَها غايَةَ التَّعْظِيمِ، وحِينَئِذٍ كانَ يَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الخالِقِ سُبْحانَهُ في التَّعْظِيمِ، فَمِن هاهُنا صارُوا مُسْتَوْجِبِينَ لِلذَّمِّ والمَلامِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُرادُ مِنهُ الصَّنَمُ والذُّبابُ فالصَّنَمُ كالطّالِبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَوْ طَلَبَ أنْ يَخْلُقَهُ ويَسْتَنْقِذَ مِنهُ ما اسْتَلَبَهُ لَعَجَزَ عَنْهُ والذُّبابُ بِمَنزِلَةِ المَطْلُوبِ. الثّانِي: أنَّ الطّالِبَ مَن عَبَدَ الصَّنَمَ، والمَطْلُوبَ نَفْسُ الصَّنَمِ أوْ عِبادَتُها. وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّ كَوْنَ الصَّنَمِ طالِبًا لَيْسَ حَقِيقَةً بَلْ هو عَلى سَبِيلِ التَّقْدِيرِ، أمّا هاهُنا فَعَلى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ لَكِنَّ المَجازَ فِيهِ حاصِلٌ؛ لِأنَّ الوَثَنَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا؛ لِأنَّ الضَّعْفَ لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَن يَصِحُّ أنْ يَقْوى، وهاهُنا وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ضَعُفَ﴾ لا مِن حَيْثُ القُوَّةِ ولَكِنْ لِظُهُورِ قُبْحِ هَذا المَذْهَبِ، كَما يُقالُ لِلْمَرْءِ عِنْدَ المُناظَرَةِ: ما أضْعَفَ هَذا المَذْهَبَ وما أضْعَفَ هَذا الوجه.

22:74Page 341

مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤

They have not appraised Allāh with true appraisal.1 Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

صفحة ٦١

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ ما عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، حَيْثُ جَعَلُوا هَذِهِ الأصْنامَ عَلى نِهايَةِ خَساسَتِها شَرِيكَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ مُفَسَّرَةٌ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو ”قَوِيٌّ“ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ و”عَزِيزٌ“ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُغالَبَتِهِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِالشَّرِيكِ. قالَ الكَلْبِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها في سُورَةِ الأنْعامِ: إنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ وهم مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ وغَيْرُهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ، حَيْثُ قالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ أعْيا مِن خَلْقِها فاسْتَلْقى واسْتَراحَ ووَضَعَ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَكْذِيبًا لَهم ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] . واعْلَمْ أنَّ مَنشَأ هَذِهِ الشُّبُهاتِ هو القَوْلُ بِالتَّشْبِيهِ فَيَجِبُ تَنْزِيهُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ مُشابَهَةِ سائِرِ الذَّواتِ خِلافَ ما يَقُولُهُ المُشَبِّهَةُ، وتَنْزِيهُ صِفاتِهِ عَنْ مُشابَهَةِ سائِرِ الصِّفاتِ خِلافَ ما يَقُولُهُ الكَرّامِيَّةُ، وتَنْزِيهُ أفْعالِهِ عَنْ مُشابَهَةِ سائِرِ الأفْعالِ، أعْنِي الغَرَضَ والدّاعِيَ واسْتِحْقاقَ المَدْحِ والذَّمِّ خِلافَ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَهو سُبْحانَهُ جَبّارُ النَّعْتِ عَزِيزُ الوَصْفِ فالأوْهامُ لا تُصَوِّرُهُ والأفْكارُ لا تُقَدِّرُهُ والعُقُولُ لا تُمَثِّلُهُ والأزْمِنَةُ لا تُدْرِكُهُ والجِهاتُ لا تَحْوِيهِ ولا تَحُدُّهُ، صَمَدِيُّ الذّاتِ سَرْمَدِيُّ الصِّفاتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском