Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:106–118
23:106–111Page 349
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠
But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.
إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١
Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ذَكَرُوا ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْهُ، وهو مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ قَوْلُهُمْ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: غَلَبَتْ عَلَيْنا: مَلَكَتْنا، مِن قَوْلِكَ: غَلَبَنِي فُلانٌ عَلى كَذا: إذا أخَذَهُ مِنكَ، والشَّقاوَةُ: سُوءُ العاقِبَةِ، قُرِئَ: ”شِقْوَتُنا“ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها فِيهِما، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الشِّقْوَةُ مِنَ الشَّقاءِ كَجِرْيَةِ الماءِ، والمَصْدَرُ الجَرْيُ، وقَدْ يَجِيءُ لَفْظُ فِعْلَةٍ، والمُرادُ بِهِ الهَيْئَةُ والحالُ، فَيَقُولُ: جِلْسَةٌ حَسَنَةٌ ورِكْبَةٌ وقِعْدَةٌ، وذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ، وتَقُولُ: عاشَ فُلانٌ عِيشَةً طَيِّبَةً وماتَ مِيتَةً كَرِيمَةً، وهَذا هو الحالُ والهَيْئَةُ، فَعَلى هَذا، المُرادُ مِنَ الشِّقْوَةِ حالُ الشَّقاءِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ أنَّ طَلَبَنا اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةَ وحِرْصَنا عَلى العَمَلِ القَبِيحِ ساقَنا إلى هَذِهِ الشَّقاوَةِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا بِاعْتِذارٍ مِنهم لِعِلْمِهِمْ بِأنْ لا عُذْرَ لَهم فِيهِ، ولَكِنَّهُ اعْتِرافٌ بِقِيامِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في سُوءِ صَنِيعِهِمْ. قُلْنا: إنَّكَ حَمَلْتَ الشَّقاوَةَ عَلى طَلَبِ تِلْكَ اللَّذّاتِ المُحَرَّمَةِ، وطَلَبُ تِلْكَ اللَّذّاتِ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ أوْ لا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإنْ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِمْ فَذَلِكَ الِاخْتِيارُ مُحْدَثٌ، فَإنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في كُلِّ الحَوادِثِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ عَلَيْكَ بابُ إثْباتِ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُحْدِثٍ، فَمُحْدِثُهُ إمّا العَبْدُ أوِ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنْ كانَ هو العَبْدَ فَذَلِكَ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإنْ تَوَقَّفَ صُدُورُ تِلْكَ الإرادَةِ عَنْها إلى مُرَجِّحٍ آخَرَ، عادَ الكَلامُ فِيهِ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى المُرَجِّحِ فَقَدْ جَوَّزْتَ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ لا لِمُرَجِّحٍ، وذَلِكَ يَسُدُّ بابَ إثْباتِ الصّانِعِ.
وثانِيها: أنَّ العَبْدَ لا يَعْلَمُ كَمِّيَّةَ تِلْكَ الأفْعالِ ولا كَيْفِيَّتَها، والجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ مُحْدِثًا لَهُ، وإلّا لَبَطَلَتْ دَلالَةُ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى العِلْمِ.
والثّانِي: أنَّ أحَدًا في الدُّنْيا لا يَرْضى بِأنْ يَخْتارَ الجَهْلَ، بَلْ لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فالكافِرُ ما قَصَدَ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ، فَإنْ كانَ المُوجِدُ لِفِعْلِهِ هو فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ إلّا ما قَصَدَ إيقاعَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلّا العِلْمَ، فَكَيْفَ حَصَلَ الجَهْلُ؟ فَثَبَتَ أنَّ المُوجِدَ لِلدَّواعِي والبَواعِثِ هو اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الدّاعِيَةَ إنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الخَيْرِ كانَتْ سَعادَةً، وإنْ كانَتْ سائِقَةً إلى الشَّرِّ كانَتْ شَقاوَةً.
الوجه الثّانِي لَهم في الجَوابِ: قَوْلُهُمْ: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ وهَذا الضَّلالُ الَّذِي جَعَلُوهُ كالعِلَّةِ في إقْدامِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ إنْ كانَ هو نَفْسَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ لَزِمَ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضَّلالُ عِبارَةً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِعْلُهم، وما ذاكَ إلّا
صفحة ١٠٩
خَلْقُ الدّاعِي إلى الضَّلالِ. ثُمَّ إنَّ القَوْمَ لَمّا أوْرَدُوا هَذَيْنِ العُذْرَيْنِ، قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وهَذا هو صَرِيحُ قَوْلِنا في أنَّ المُناظَرَةَ مَعَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ جائِزَةٍ، بَلْ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. قالَ القاضِي: في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ لَهم إلّا الِاعْتِرافُ، فَلَوْ كانَ كُفْرُهم مِن خَلْقِهِ تَعالى وبِإرادَتِهِ، وعَلِمُوا ذَلِكَ لَكانُوا بِأنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ أجْدَرَ وإلى العُذْرِ أقْرَبَ، فَنَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، ولَكِنَّهم مُقِرُّونَ أنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَلا جَرَمَ قالَ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فالمَعْنى: أخْرِجْنا مِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ الدُّنْيا، فَإنْ عُدْنا إلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ فَإنّا ظالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ عِقابَهم دائِمٌ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يَلْحَقَهُمُ السَّهْوُ عَنْ ذَلِكَ في أحْوالِ شِدَّةِ العَذابِ فَيَسْألُونَ الرَّجْعَةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ يَسْألُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الغَوْثِ والِاسْتِرْواحِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ فالمَعْنى ذِلُّوا فِيها وانْزَجِرُوا كَما يُزْجَرُ الكِلابُ إذا زُجِرَتْ، يُقالُ: خَسَأ الكَلْبُ وخَسَأ بِنَفْسِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ فَلَيْسَ هَذا نَهْيًا لِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ في الآخِرَةِ، بَلِ المُرادُ لا تُكَلِّمُونِ في رَفْعِ العَذابِ فَإنَّهُ لا يُرْفَعُ ولا يُخَفَّفُ، قِيلَ: هو آخِرُ كَلامٍ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ ثُمَّ لا كَلامَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا الشَّهِيقُ والزَّفِيرُ، والعُواءُ كَعُواءِ الكِلابِ، لا يُفْهِمُونَ ولا يُفْهَمُونَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ لَهم سِتَّ دَعَواتٍ، إذا دَخَلُوا النّارَ قالُوا ألْفَ سَنَةٍ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ [السَّجْدَةِ: ١٢] فَيُجابُونَ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ [السَّجْدَةِ: ١٣] فَيُنادُونَ ألْفَ سَنَةٍ ثانِيَةٍ ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافِرٍ: ١١] فَيُجابُونَ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافِرٍ: ١٢] فَيُنادُونَ ألْفًا ثالِثَةً ﴿يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُجابُونَ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٧] فَيُنادُونَ ألْفًا رابِعَةً ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبْراهِيمَ: ٤٤] فَيُنادُونَ ألْفًا خامِسَةً ﴿أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطِرٍ: ٣٧] فَيُنادُونَ ألْفًا سادِسَةً ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩٩] فَيُجابُونَ ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنَّ فَزَعَهم بِأمْرٍ يَتَّصِلُ بِالمُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٠] فَوَصَفَ تَعالى أحَدَ ما لِأجْلِهِ عُذِّبُوا وبُعِدُوا مِنَ الخَيْرِ، وهو ما عامَلُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ.
وفِي حَرْفِ أُبَيٍّ ”أنَّهُ كانَ فَرِيقٌ“ بِالفَتْحِ، بِمَعْنى لِأنَّهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الكُوفَةِ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالكَسْرِ هاهُنا، وفي ص قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: هُما لُغَتانِ كَدُرِّيٍّ ودِرِّيٍّ. وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: الكَسْرُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ بِالقَوْلِ، والضَّمُّ بِمَعْنى السُّخْرِيَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وعُتْبَةَ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَضْحَكُونَ بِالفُقَراءِ مِنهم مِثْلِ بِلالٍ وخَبّابٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، والمَعْنى اتَّخَذْتُمُوهم هُزُوًا حَتّى أنْسَوْكم بِتَشاغُلِكم بِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ذِكْرِي، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما يَقْتَضِي فِيهِمُ الأسَفَ والحَسْرَةَ بِأنْ وصَفَ ما جازى بِهِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إنَّهُمْ“ بِالكَسْرِ والباقُونَ بِالفَتْحِ، فالكَسْرُ اسْتِئْنافٌ؛ أيْ: قَدْ فازُوا حَيْثُ صَبَرُوا فَجُوزُوا بِصَبْرِهِمْ أحْسَنَ الجَزاءِ، والفَتْحُ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي مِن جَزَيْتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ الخافِضِ؛ أيْ: جَزَيْتُهُمُ الجَزاءَ الوافِرَ؛ لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ.
23:112–116Page 349
قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢
[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"
قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣
They will say, "We remained a day or part of a day; ask those who enumerate."
قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤
He will say, "You stayed not but a little - if only you had known.
أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥
Then did you think that We created you uselessly and that to Us you would not be returned?"
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦
So exalted is Allāh, the Sovereign,1 the Truth;2 there is no deity except Him, Lord of the Noble Throne.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الكُوفَةِ: ”قالَ“ وهو ضَمِيرُ (اللَّهِ) أوِ المَأْمُورِ بِسُؤالِهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، و”قُلْ“ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ والشّامِ، وهو ضَمِيرُ المَلَكِ أوْ بَعْضِ رُؤَساءِ أهْلِ النّارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: الغَرَضُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّبْكِيتُ والتَّوْبِيخُ، فَقَدْ كانُوا يُنْكِرُونَ اللُّبْثَ في الآخِرَةِ أصْلًا ولا يَعُدُّونَ اللُّبْثَ إلّا في دارِ الدُّنْيا، ويَظُنُّونَ أنَّ بَعْدَ المَوْتِ يَدُومُ الفَناءُ ولا إعادَةَ، فَلَمّا حَصَلُوا في النّارِ وأيْقَنُوا أنَّها دائِمَةٌ وهم فِيها مُخَلَّدُونَ سَألَهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ ما ظَنُّوهُ دائِمًا طَوِيلًا فَهو يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى ما أنْكَرُوهُ، فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ لَهُمُ الحَسْرَةُ عَلى ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ أيْقَنُوا خِلافَهُ، فَلَيْسَ الغَرَضُ السُّؤالُ بَلِ الغَرَضُ ما ذَكَرْنا. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ في جَوابِهِمْ أنْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يَقَعُ مِن أهْلِ النّارِ الكَذِبُ؟ قُلْنا: لَعَلَّهم نَسُوا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ ما هم فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِهَذا النِّسْيانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنْساهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: مُرادُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تَصْغِيرُ لُبْثِهِمْ وتَحْقِيرُهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقَعُوا فِيهِ وعَرَفُوهُ مِن ألِيمِ العَذابِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ السُّؤالَ عَنْ أيِّ لُبْثٍ وقَعَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لُبْثُهم: إحْياؤُهم في الدُّنْيا، ويَكُونُ المُرادُ أنَّهم أُمْهِلُوا حَتّى تَمْكَّنُوا مِنَ العِلْمِ والعَمَلِ، فَأجابُوا بِأنَّ قَدْرَ لُبْثِهِمْ كانَ يَسِيرًا بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الدُّنْيا مَتاعٌ قَلِيلٌ، وأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ، وهَذا القائِلُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنْ لا حَياةَ سِواها، فَلَمّا أحْياهُمُ اللَّهُ تَعالى في النّارِ وعُذِّبُوا سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا؛ لِأنَّهُ إلى التَّوْبِيخِ أقْرَبُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ اللُّبْثُ في حالِ المَوْتِ، واحْتَجُّوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأمْرَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ في الأرْضِ يُفِيدُ الكَوْنَ في القَبْرِ، ومَن كانَ حَيًّا فالأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلى الأرْضِ، وهَذا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٦]. الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم كَذَبُوا في ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلَهُمْ: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الرُّومِ: ٥٦].
صفحة ١١١
المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ مَن أنْكَرَ عَذابَ القَبْرِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَتَناوَلُ زَمانَ كَوْنِهِمْ أحْياءً فَوْقَ الأرْضِ، وزَمانَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا في بَطْنِ الأرْضِ، فَلَوْ كانُوا مُعَذَّبِينَ في القَبْرِ لَعَلِمُوا أنَّ مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ طَوِيلَةٌ، فَما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِحَسَبِ السُّؤالِ، وإنَّما سُئلُوا عَنْ مَوْتٍ لا حَياةَ بَعْدَهُ إلّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ عَذابِ القَبْرِ.
والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا سُئلُوا عَنْ قَدْرِ اللُّبْثِ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ، فَلا يَدْخُلُ في ذَلِكَ تَقَدُّمُ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلى البَعْضِ، فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابُهم ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عِنْدَ أنْفُسِنا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ بِهِمُ الحَفَظَةُ، وأنَّهم كانُوا يُحْصُونَ الأعْمالَ وأوْقاتَ الحَياةِ، ويَحْسِبُونَ أوْقاتَ مَوْتِهِمْ وتَقَدُّمَ مَن تَقَدَّمَ وتَأخُّرَ مَن تَأخَّرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ: فاسْألِ العادِّينَ؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْسِبُونَ.
وثانِيها: فاسْألِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أيّامَ الدُّنْيا وساعاتِها.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى سَلْ مَن يَعْرِفُ عَدَدَ ذَلِكَ فَإنّا قَدْ نَسِيناهُ.
ورابِعُها: قُرِئَ ”العادِينَ“ بِالتَّخْفِيفِ؛ أيْ: الظَّلَمَةَ فَإنَّهم يَقُولُونَ مِثْلَ ما قُلْنا.
وخامِسُها: قُرِئَ ”العادِيِّينَ“ أيْ: القُدَماءِ المُعَمِّرِينَ، فَإنَّهم يَسْتَقْصِرُونَها فَكَيْفَ بِمَن دُونَهُمْ؟
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فالمَعْنى أنَّهم قالُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عَلى مَعْنى أنّا لَبِثْنا في الدُّنْيا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ ما لَبِثْتُمْ فِيها إلّا قَلِيلًا إلّا أنَّها انْقَضَتْ ومَضَتْ، فَظَهَرَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُ قِلَّةِ أيّامِ الدُّنْيا في مُقابَلَةِ أيّامِ الآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ في هَذا الوجه أنَّهُ أرادَ أنَّهُ قَلِيلٌ لَوْ عَلِمْتُمُ البَعْثَ والحَشْرَ، لَكِنَّكم لَمّا أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ تُعِدُّونَهُ طَوِيلًا.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما هو في التَّوْبِيخِ أعْظَمُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿عَبَثًا﴾ حالٌ؛ أيْ: عابِثِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] أوْ مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: ما خَلَقْناكم لِلْعَبَثِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ القِيامَةِ خَتَمَ الكَلامَ فِيها بِإقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِها، وهي أنَّهُ لَوْلا القِيامَةُ لَما تَمَيَّزَ المُطِيعُ مِنَ العاصِي والصِّدِّيقُ مِنَ الزِّنْدِيقِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ خَلْقُ هَذا العالَمِ عَبَثًا، وأمّا الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى فالمُرادُ إلى حَيْثُ لا مالِكَ ولا حاكِمَ سِواهُ، لا أنَّهُ رُجُوعٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ العَبَثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ والمَلِكُ هو المالِكُ لِلْأشْياءِ الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ وقُدْرَتُهُ، وأمّا الحَقُّ فَهو الَّذِي يَحِقُّ لَهُ المُلْكُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ وإلَيْهِ، وهو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ ولا يَزُولُ مُلْكُهُ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا إلَهَ سِواهُ وأنَّ ما عَداهُ فَمَصِيرُهُ إلى الفَناءِ، وما يَفْنى لا يَكُونُ إلَهًا، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى: ﴿رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والعَرْشُ هاهُنا السَّماواتُ بِما فِيها مِنَ العَرْشِ الَّذِي تَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْنِيَ بِهِ المُلْكَ العَظِيمَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ هو العَرْشُ حَقِيقَةً، وإنَّما وصَفَهُ بِالكَرِيمِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ، والخَيْرُ والبَرَكَةُ، ولِنِسْبَتِهِ إلى أكْرَمَ الأكْرَمِينَ، كَما يُقالُ: بَيْتٌ كَرِيمٌ: إذا كانَ ساكِنُوهُ كِرامًا، وقُرِئَ ”الكَرِيمُ“ بِالرَّفْعِ، ونَحْوُهُ (ذُو العَرْشِ المَجِيدُ).
23:117–118Page 349
وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧
And whoever invokes besides Allāh another deity for which he has no proof - then his account is only with his Lord. Indeed, the disbelievers will not succeed.
وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨
And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ هو المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو، أتْبَعُهُ بِأنَّ مَنِ ادَّعى إلَهًا آخَرَ فَقَدِ ادَّعى باطِلًا مِن حَيْثُ لا بُرْهانَ لَهم فِيهِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ ما لا بُرْهانَ فِيهِ لا يَجُوزُ إثْباتُهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ النَّظَرِ وفَسادَ التَّقْلِيدِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن قالَ بِذَلِكَ فَجَزاؤُهُ العِقابُ العَظِيمُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ كَأنَّهُ قالَ: إنَّ عِقابَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى حِسابِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ (أنَّهُ لا يُفْلِحُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ومَعْناهُ حِسابُهُ عَدَمُ الفَلاحِ. جَعَلَ فاتِحَةَ السُّورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١] وخاتِمَتَها ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ فَشَتّانَ ما بَيْنَ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ.
ثُمَّ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأنَّهُ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَيْرُ الرّاحِمِينَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَتَّصِلُ هَذِهِ الخاتِمَةُ بِما قَبْلَها؟ قُلْنا: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ أحْوالَ الكُفّارِ في جَهْلِهِمْ في الدُّنْيا وعَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أمَرَ بِالِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلى دَلائِلِ غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ، فَإنَّهُما هُما العاصِمانِ عَنْ كُلِّ الآفاتِ والمَخافاتِ، ورُوِيَ أنَّ أوَّلَ سُورَةِ ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ وآخِرَها مِن كُنُوزِ العَرْشِ، مَن عَمِلَ بِثَلاثِ آياتٍ مِن أوَّلِها واتَّعَظَ بِأرْبَعٍ مِن آخِرِها، فَقَدْ نَجا وأفْلَحَ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وصَلاتُهُ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وأصْحابِهِ وأزْواجِهِ وعِتْرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences