Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:1–22, continued
السُّؤالُ السّادِسُ: رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَنَّةَ عَدْنٍ قالَ لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ» “ وقالَ كَعْبٌ: ”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ وغَرَسَ شَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ، ثم قال لَها: تَكَلَّمِي. فَقالَتْ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ“، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«إذا أحْسَنَ العَبْدُ الوُضُوءَ وصَلّى الصَّلاةَ لِوَقْتِها وحافَظَ عَلى رُكُوعِها وسُجُودِها ومَواقِيتِها قالَتْ: حَفِظَكَ اللَّهُ كَما حافَظْتَ عَلَيَّ، وشَفَعَتْ لِصاحِبِها، وإذا أضاعَها قالَتْ: أضاعَكَ اللَّهُ كَما ضَيَّعْتَنِي، وتُلَفُّ كَما يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ فَيُضْرَبُ بِها وجْهُ صاحِبِها» “ الجَوابُ: أمّا كَلامُ الجَنَّةِ فالمُرادُ بِهِ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَصارَ ذَلِكَ كالقَوْلِ مِنها، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وأمّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ، فالمُرادُ تَوَلّى خَلْقَها لا أنَّهُ وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ، وأمّا أنَّ الصَّلاةَ تُثْنِي عَلى مَن قامَ بِحَقِّها فَهو في الجَوازِ أبْعَدُ مِن كَلامِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ حَرَكاتٌ وسَكَناتٌ ولا يَصِحُّ عَلَيْها أنْ تَتَصَوَّرَ وتَتَكَلَّمَ، فالمُرادُ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمُنْعِمِ: إنَّ إحْسانَكَ إلَيَّ يَنْطِقُ بِالشُّكْرِ.
السُّؤالُ السّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الفِرْدَوْسَ مَخْلُوقَةٌ؟ الجَوابُ: قالَ القاضِي: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٥] عَلى أنَّها غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْلُقُ اللَّهُ الجَنَّةَ مِيراثًا لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ: وإذا خَلَقَها تَقُولُ، عَلى مِثالِ ما تَأوَّلْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ: ٥٠] وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ إضْمارُ ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن أنْ يُضْمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ ثُمَّ إنَّ أُكُلَها دائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، وإذا تَعارَضَ هَذانِ الظّاهِرانِ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣].
23:12–16Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢
And certainly did We create man from an extract of clay.
ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣
Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤
Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1
ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥
Then indeed, after that you are to die.
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦
Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾
صفحة ٧٤
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالعِباداتِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ اللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الإلَهِ الخالِقِ، لا جَرَمَ عَقَّبَها بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والوَحْدانِيَّةِ فَذَكَرَ مِنَ الدَّلائِلِ أنْواعًا:
النوع الأوَّلُ: الِاسْتِدْلالُ بِتَقَلُّبِ الإنْسانِ في أدْوارِ الخِلْقَةِ وأكْوانِ الفِطْرَةِ وهي تِسْعَةٌ:
المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ والسُّلالَةُ: الخُلاصَةُ؛ لِأنَّها تُسَلُّ مِن بَيْنِ الكَدَرِ، فُعالَةٌ، وهو بِناءٌ يَدُلُّ عَلى القِلَّةِ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في ﴿الإنْسانَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ: المُرادُ مِنهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَآدَمُ سُلَّ مِنَ الطِّينِ، وخُلِقَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن ماءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنا الكِنايَةَ راجِعَةً إلى الإنْسانِ الَّذِي هو ولَدُ آدَمَ، والإنْسانُ شامِلٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِوَلَدِهِ، وقالَ آخَرُونَ: الإنْسانُ هاهُنا ولَدُ آدَمَ، والطِّينُ هاهُنا اسْمُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والسُّلالَةُ هي الأجْزاءُ الطِّينِيَّةُ المَبْثُوثَةُ في أعْضائِهِ الَّتِي لَمّا اجْتَمَعَتْ وحَصَلَتْ في أوْعِيَةِ المَنِيِّ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّفْسِيرُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٧، ٨ ] وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطْفَةِ وهي إنَّما تَتَوَلَّدُ مِن فَضْلِ الهَضْمِ الرّابِعِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الأغْذِيَةِ، وهي إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، والحَيَوانِيَّةُ تَنْتَهِي إلى النَّباتِيَّةِ، والنَّباتُ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِن صَفْوِ الأرْضِ والماءِ، فالإنْسانُ بِالحَقِيقَةِ يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ السُّلالَةَ بَعْدَ أنْ تَوارَدَتْ عَلى أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ صارَتْ مَنِيًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ مُطابِقٌ لِلَّفْظِ ولا يُحْتاجُ فِيهِ إلى التَّكَلُّفاتِ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ومَعْنى جَعْلِ الإنْسانِ نُطْفَةً أنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإنْسانِ أوَّلًا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً في أصْلابِ الآباءِ فَقَذَفَهُ الصُّلْبُ بِالجِماعِ إلى رَحِمِ المَرْأةِ فَصارَ الرَّحِمُ قَرارًا مَكِينًا لِهَذِهِ النُّطْفَةِ، والمُرادُ بِالقَرارِ مَوْضِعُ القَرارِ وهو المُسْتَقَرُّ، فَسَمّاهُ بِالمَصْدَرِ ثُمَّ وصَفَ الرَّحِمَ بِالمَكانَةِ الَّتِي هي صِفَةُ المُسْتَقِرِّ فِيها؛ كَقَوْلِكَ: طَرِيقٌ سائِرٌ، أوْ لِمَكانَتِها في نَفْسِها؛ لِأنَّها تَمَكَّنَتْ مِن حَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: حَوَّلْنا النُّطْفَةَ عَنْ صِفاتِها إلى صِفاتِ العَلَقَةِ وهي الدَّمُ الجامِدُ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ الدَّمَ الجامِدَ مُضْغَةً؛ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ كَأنَّها مِقْدارُ ما يُمْضَغُ كالغُرْفَةِ وهي مِقْدارُ ما يُغْتَرَفُ، وسُمِّيَ التَّحْوِيلُ خَلْقًا؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُفْنِي بَعْضَ أعْراضِها ويَخْلُقُ أعْراضًا غَيْرَها، فَسَمّى خَلْقَ الأعْراضِ خَلْقًا وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَخْلُقُ فِيها أجْزاءً زائِدَةً.
المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ أيْ: صَيَّرْناها كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (عَظْمًا) والمُرادُ مِنهُ الجَمْعُ كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْرِ: ٢٢].
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّحْمَ يَسْتُرُ العَظْمَ فَجَعَلَهُ كالكِسْوَةِ لَها.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ: خَلْقًا مُبايِنًا لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مُبايَنَةً ما أبْعَدَها، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوانًا وكانَ جَمادًا، وناطِقًا وكانَ أبْكَمَ، وسَمِيعًا وكانَ أصَمَّ، وبَصِيرًا وكانَ أكْمَهَ، وأوْدَعَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ
صفحة ٧٥
بَلْ كُلَّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ وكُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ عَجائِبَ فِطْرَةٍ وغَرائِبَ حِكْمَةٍ لا يُحِيطُ بِها وصْفُ الواصِفِينَ، ولا شَرْحُ الشّارِحِينَ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: هو تَصْرِيفُ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ الوِلادَةِ في أطْوارِهِ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ وما بَعْدَها إلى اسْتِواءِ الشَّبابِ، وخَلْقِ الفَهْمِ والعَقْلِ وما بَعْدَهُ إلى أنْ يَمُوتَ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وإنَّما قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ﴾ لِأنَّهُ جَعَلَ إنْشاءَ الرُّوحِ فِيهِ، وإتْمامَ خَلْقِهِ إنْشاءً لَهُ. قالُوا: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ النَّظّامِ في أنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ هو المُرَكَّبُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ، وفِيها دَلالَةٌ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ، وإنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ أيْ: فَتَعالى اللَّهُ؛ فَإنَّ البَرَكَةَ يَرْجِعُ مَعْناها إلى الِامْتِدادِ والزِّيادَةِ، وكُلُّ ما زادَ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ عَلاهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والبَرَكاتُ والخَيْراتُ كُلُّها مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ البُرُوكِ وهو الثَّباتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: والبَقاءُ والدَّوامُ والبَرَكاتُ كُلُّها مِنهُ فَهو المُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ والثَّناءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيْ: أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ المُمَيَّزِ لِدَلالَةِ ﴿الخالِقِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَكُونُ خالِقًا لِفِعْلِهِ إذا قَدَّرَهُ لَما جازَ القَوْلُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، كَما لَوْ لَمْ يَكُنْ في عِبادِهِ مَن يَحْكُمُ ويَرْحَمُ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ فِيهِ: أحْكَمُ الحاكِمِينَ وأرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والخَلْقُ في اللُّغَةِ هو كُلُّ فِعْلٍ وُجِدَ مِن فاعِلِهِ مُقَدَّرًا لا عَلى سَهْوٍ وغَفْلَةٍ، والعِبادُ قَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، قالَ الكَعْبِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى أنَّ العَبْدَ خالِقٌ إلّا أنَّ اسْمَ الخالِقِ لا يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ إلّا مَعَ القَيْدِ، كَما أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبُّ الدّارِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: رَبٌّ، بِلا إضافَةٍ، ولا يَقُولُ العَبْدُ لِسَيِّدِهِ: هو رَبِّي، ولا يُقالُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ؛ لِأنّا نُجِيبُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الَّذِينَ هم جَمْعٌ فَحَمْلُهُ عَلى عِيسى خاصَّةً لا يَصِحُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا صَحَّ وصْفُ عِيسى بِأنَّهُ يَخْلُقُ صَحَّ وصْفُ غَيْرِهِ مِنَ المُصَوِّرِينَ أيْضًا بِأنَّهُ يَخْلُقُ، وأجابَ أصْحابُنا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُعارَضَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [ الرَّعْدِ: ١٦ ] فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم وظَنِّكُمْ، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] أيْ: هو أهْوَنُ عَلَيْهِ في اعْتِقادِكم وظَنِّكم. والجَوابُ الثّانِي: هو أنَّ الخالِقَ هو المُقَدِّرُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، والتَّقْدِيرُ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى الظَّنِّ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ العَبْدِ خالِقًا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقَدِّرًا، لَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأنَّهُ خالِقٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مُوجِدًا؟!
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما خَلَقَهُ حَسَنٌ وحِكْمَةٌ وصَوابٌ وإلّا لَما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ العَبْدُ هو المُوجِدَ لَهُما. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الحَسَنَ عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ في التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلْناهُ عَلى ما قالُوهُ فَعِنْدَنا أنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وناهٍ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ مانِعًا لَهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ كانَ
صفحة ٧٦
يَكْتُبُ هَذِهِ الآياتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ عَجِبَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اكْتُبْ، فَهَكَذا نَزَلَتْ“ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فِيما يَقُولُ فَإنَّهُ يُوحى إلَيَّ كَما يُوحى إلَيْهِ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَلا خَيْرَ في دِينِهِ، فَهَرَبَ إلى مَكَّةَ»، فَقِيلَ: إنَّهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَكَذا نَزَلَتْ يا عُمَرُ» . وكانَ عُمَرُ يَقُولُ: وافَقَنِي رَبِّي في أرْبَعٍ: في الصَّلاةِ خَلْفَ المَقامِ، وفي ضَرْبِ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ: لَتَنْتَهُنَّ أوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] والرّابِعُ قُلْتُ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ: هَكَذا نَزَلَتْ. قالَ العارِفُونَ: هَذِهِ الواقِعَةُ كانَتْ سَبَبَ السَّعادَةِ لِعُمَرَ، وسَبَبَ الشَّقاوَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى كُلِّ الرِّواياتِ قَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القُرْآنِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ. والجَوابُ: هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ إذا كانَ قَدْرُهُ القَدْرَ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْجازُ، فَسَقَطَتْ شُبْهَةُ عَبْدِ اللَّهِ.
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَمائِتُونَ) والفَرْقُ بَيْنَ المَيِّتِ والمائِتِ، أنَّ المَيِّتَ كالحَيِّ صِفَةٌ ثابِتَةٌ، وأمّا المائِتُ فَيَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ، تَقُولُ: زَيْدٌ مَيِّتٌ الآنَ ومائِتٌ غَدًا، وكَقَوْلِكَ: يَمُوتُ، ونَحْوُهُما ضَيِّقٌ وضائِقٌ في قَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هُودٍ: ١٢].
المَرْتَبَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فاللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الإماتَةَ الَّتِي هي إعْدامُ الحَياةِ والبَعْثَ الَّذِي هو إعادَةُ ما يُفْنِيهِ ويُعْدِمُهُ دَلِيلَيْنِ أيْضًا عَلى اقْتِدارٍ عَظِيمٍ بَعْدَ الإنْشاءِ والِاخْتِراعِ.
* * *
وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في المَوْتِ؟ وهَلّا وصَلَ نَعِيمَ الآخِرَةِ وثَوابَها بِنَعِيمِ الدُّنْيا فَيَكُونَ ذَلِكَ في الإنْعامِ أبْلَغَ؟ والجَوابُ: هَذا كالمَفْسَدَةِ في حَقِّ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّهُ مَتى عُجِّلَ لِلْمَرْءِ الثَّوابُ فِيما يَتَحَمَّلُهُ مِنَ المَشَقَّةِ في الطّاعاتِ صارَ إتْيانُهُ بِالطّاعاتِ لِأجْلِ تِلْكَ المَنافِعِ لا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَن يُصَلِّي ويَصُومُ: إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ أدْخَلْناكَ الجَنَّةَ في الحالِ، فَإنَّهُ لا يَأْتِي بِذَلِكَ الفِعْلِ إلّا لِطَلَبِ الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ أخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى وبَعَّدَهُ بِالإماتَةِ ثُمَّ الإعادَةِ؛ لِيُكُونَ العَبْدُ عابِدًا لِرَبِّهِ بِطاعَتِهِ لا لِطَلَبِ الِانْتِفاعِ.
السُّؤالُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ عَذابِ القَبْرِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الإحْياءَ في القَبْرِ والإماتَةَ. والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ في ذِكْرِ الحَياتَيْنِ نَفْيُ الثّالِثِ.
والثّانِي: أنَّ الغَرَضَ ذِكْرُ الأجْناسِ الثَّلاثَةِ: الإنْشاءُ والإماتَةُ والإعادَةُ، والَّذِي تُرِكَ ذِكْرُهُ فَهو جِنْسُ الإعادَةِ.
23:17Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧
And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.
النوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ: الِاسْتِدْلالُ بِخِلْقَةِ السَّماواتِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ أيْ: سَبْعَ سَماواتٍ، وإنَّما قِيلَ لَها: طَرائِقُ، لِتَطارُقِها، بِمَعْنى كَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ
صفحة ٧٧
يُقالُ: طارَقَ الرَّجُلُ نَعْلَيْهِ: إذا أطْبَقَ نَعْلًا عَلى نَعْلٍ، وطارَقَ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ: إذا لَبِسَ ثَوْبًا فَوْقَ ثَوْبٍ؛ هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ والزَّجّاجِ والفَرّاءِ، قالَ الزَّجّاجُ: هو كَقَوْلِهِ: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [المُلْكِ: ٣] وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها طَرائِقُ لِلْمَلائِكَةِ في العُرُوجِ والهُبُوطِ والطَّيَرانِ، وقالَ آخَرُونَ: لِأنَّها طَرائِقُ الكَواكِبِ فِيها مَسِيرُها. والوجه في إنْعامِهِ عَلَيْنا بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَها مَوْضِعًا لِأرْزاقِنا بِإنْزالِ الماءِ مِنها، وجَعَلَها مَقَرًّا لِلْمَلائِكَةِ، ولِأنَّها مَوْضِعُ الثَّوابِ، ولِأنَّها مَكانُ إرْسالِ الأنْبِياءِ ونُزُولِ الوَحْيِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: ما كُنّا غافِلِينَ بَلْ كُنّا لِلْخَلْقِ حافِظِينَ مِن أنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمُ الطَّرائِقُ السَّبْعُ فَتُهْلِكَهم، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطِرٍ: ٤١].
وثانِيها: إنَّما خَلَقْناها فَوْقَهم لِنُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الأرْزاقَ والبَرَكاتِ مِنها، عَنِ الحَسَنِ.
وثالِثُها: أنّا خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ فَدَلَّ خَلْقُنا لَها عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا، ثُمَّ بَيَّنَ كَمالَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ يَعْنِي عَنْ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ وضَمائِرِهِمْ، وذَلِكَ يُفِيدُ نِهايَةَ الزَّجْرِ. ورابِعُها: وما كُنّا عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ غافِلِينَ بَلْ نَحْنُ لَها حافِظُونَ؛ لِئَلّا تَخْرُجَ عَنِ التَّقْدِيرِ الَّذِي أرَدْنا كَوْنَها عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [المُلْكِ: ٣].
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَسائِلِ، إحْداها: أنَّها دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ؛ فَإنَّ انْقِلابَ هَذِهِ الأجْسامِ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى تُضادُّ الأُولى مَعَ إمْكانِ بَقائِها عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُحَوِّلٍ ومُغَيِّرٍ. وثانِيَتُها: أنَّها تَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ، فَإنَّ شَيْئًا مِن تِلْكَ الصِّفاتِ لَوْ حَصَلَ بِالطَّبِيعَةِ لَوَجَبَ بَقاؤُها وعَدَمُ تَغَيُّرِها، ولَوْ قُلْتَ: إنَّما تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ لِتَغَيُّرِ تِلْكَ الطَّبِيعَةِ، افْتَقَرَتْ تِلْكَ الطَّبِيعَةُ إلى خالِقٍ ومُوجِدٍ. وثالِثَتُها: تَدُلُّ عَلى أنَّ المُدَبِّرَ قادِرٌ عالِمٌ؛ لِأنَّ المُوجِبَ والجاهِلَ لا يَصْدُرُ عَنْهُ هَذِهِ الأفْعالُ العَجِيبَةُ. ورابِعَتُها: تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ. وخامِسَتُها: تَدُلُّ عَلى جَوازِ الحَشْرِ والنَّشْرِ؛ نَظَرًا إلى صَرِيحِ الآيَةِ ونَظَرًا إلى أنَّ الفاعِلَ لَمّا كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّرْكِيبِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ كَما كانَتْ. وسادِسَتُها: أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ اسْتِدْلالِيَّةً لا تَقْلِيدِيَّةً وإلّا لَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الدَّلائِلِ عَبَثًا.
النوع الثّالِثُ: الِاسْتِدْلالُ بِنُزُولِ الأمْطارِ وكَيْفِيَّةِ تَأْثِيراتِها في النَّباتِ.
23:18–20Page 343
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨
And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.
فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩
And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.
وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠
And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾
صفحة ٧٨
اعْلَمْ أنَّ الماءَ في نَفْسِهِ نِعْمَةٌ وأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ سَبَبٌ لِحُصُولِ النِّعَمِ فَلا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ ما يَحْصُلُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ ثانِيًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في السَّماءِ فَقالَ الأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ تَعالى يُنْزِلُ الماءَ في الحَقِيقَةِ مِنَ السَّماءِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذّارِياتِ: ٢٢] وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ السَّحابُ وسَمّاهُ سَماءً لِعُلُوِّهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أصْعَدَ الأجْزاءَ المائِيَّةَ مِن قَعْرِ الأرْضِ إلى البِحارِ، ومِنِ البِحارِ إلى السَّماءِ حَتّى صارَتْ عَذْبَةً صافِيَةً بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّصْعِيدِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الذَّرّاتِ تَأْتَلِفُ وتَتَكَوَّنُ ثُمَّ يُنْزِلُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى قَدْرِ الحاجَةِ إلَيْهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِتِلْكَ المِياهِ لِتَفَرُّقِها في قَعْرِ الأرْضِ ولا بِماءِ البِحارِ لِمُلُوحَتِهِ، ولِأنَّهُ لا حِيلَةَ في إجْراءِ مِياهِ البِحارِ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّ البِحارَ هي الغايَةُ في العُمْقِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ إنَّما يَتَمَحَّلُها مَن يُنْكِرُ الفاعِلَ المُخْتارَ، فَأمّا مَن أقَرَّ بِهِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى شَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فَمَعْناهُ بِتَقْدِيرٍ يَسْلَمُونَ مَعَهُ مِنَ المَضَرَّةِ ويَصِلُونَ إلى المَنفَعَةِ في الزَّرْعِ والغَرْسِ والشُّرْبِ، أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْناهُ مِن حاجاتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: جَعَلْناهُ ثابِتًا في الأرْضِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ خَمْسَةَ أنْهارٍ: سَيْحُونَ وجَيْحُونَ ودِجْلَةَ والفُراتَ والنِّيلَ، ثُمَّ يَرْفَعُها عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ويَرْفَعُ أيْضًا القُرْآنَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ أيْ: كَما قَدَرْنا عَلى إنْزالِهِ فَكَذَلِكَ نَقْدِرُ عَلى رَفْعِهِ وإزالَتِهِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقَوْلُهُ: ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ مَن أوْقَعَ النَّكِراتِ وأخَّرَها لِلْفَصْلِ. والمَعْنى عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الذَّهابِ بِهِ وطَرِيقٍ مِن طُرُقِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ اقْتِدارِ المُذْهِبِ، وأنَّهُ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وهو أبْلَغُ في الإيعادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [المُلْكِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا نَبَّهَ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ بِخَلْقِ الماءِ ذَكَرَ بَعْدَهُ النِّعَمَ الحاصِلَةَ مِنَ الماءِ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ وإنَّما ذَكَرَ تَعالى النَّخِيلَ والأعْنابَ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِما؛ فَإنَّهُما يَقُومانِ مَقامَ الطَّعامِ ومَقامَ الإدامِ ومَقامَ الفَواكِهِ رَطْبًا ويابِسًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أيْ: في الجَنّاتِ، فَكَما أنَّ فِيها النَّخِيلَ والأعْنابَ، فَفِيها الفَواكِهُ الكَثِيرَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَةٍ يَحْتَرِفُها ومِن صَنْعَةٍ يَعْمَلُها، يَعْنُونَ أنَّها طُعْمَتُهُ وجِهَتُهُ الَّتِي مِنها يُحَصِّلُ رِزْقَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وهَذِهِ الجَنّاتُ وُجُوهُ أرْزاقِكم ومَعايِشِكم مِنها تَتَعَيَّشُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ فَهو عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ) وقُرِئَتْ مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ، أيْ: ومِمّا أنْشَأْنا لَكم شَجَرَةٌ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طُورُ سَيْناءَ وطُورُ سِينِينَ، لا يَخْلُو إمّا أنْ يُضافَ فِيهِ الطُّورُ إلى بُقْعَةٍ اسْمُها سَيْناءُ وسِينُونُ، وإمّا أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْجَبَلِ مُرَكَّبًا مِن مُضافٍ ومُضافٍ إلَيْهِ كامْرِئِ القَيْسِ وبَعْلَبَكَّ فِيمَن أضافَ، فَمَن كَسَرَ سِينَ سَيْناءَ فَقَدْ مَنَعَ الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ أوِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها بُقْعَةٌ، وفَعْلاءُ لا يَكُونُ
صفحة ٧٩
ألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ كَعَلْباءَ وحَرْباءَ، ومَن فَتَحَ لَمْ يَصْرِفْهُ؛ لِأنَّ ألِفَهُ لِلتَّأْنِيثِ كَصَحْراءَ، وقِيلَ: هو جَبَلُ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ، ومِنهُ نُودِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَرَأ الأعْمَشُ (سِينا) عَلى القَصْرِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تَنْبُتُ وفِيها الدُّهْنُ، كَما يُقالُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِجُنْدِهِ، أيْ: ومَعَهُ الجُنْدُ، وقُرِئَ (تُنْبِتُ) وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ، قالَ زُهَيْرٌ:
رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ قَطِينًا بِها حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
والثّانِي: أنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تُنْبِتُ زَيْتُونَها وفِيهِ الزَّيْتُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما أضافَها اللَّهُ تَعالى إلى هَذا الجَبَلِ؛ لِأنَّ مِنها تَشَعَّبَتْ في البِلادِ وانْتَشَرَتْ، ولِأنَّ مُعْظَمَها هُناكَ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ فَعُطِفَ عَلى الدُّهْنِ، أيْ: إدامٍ لِلْآكِلِينَ، والصِّبْغُ والصِّباغُ ما يُصْطَبَغُ بِهِ، أيْ: يُصْبَغُ بِهِ الخُبْزُ، وجُمْلَةُ القَوْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبَّهَ عَلى إحْسانِهِ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ لِأنَّها تُخْرِجُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ الَّتِي يَكْثُرُ بِها الِانْتِفاعُ وهي طَرِيَّةٌ ومُدَّخَرَةُ، وبِأنْ تُعْصَرَ فَيَظْهَرُ الزَّيْتُ مِنها ويَعْظُمُ وُجُوهُ الِانْتِفاعِ بِهِ.
23:21–22Page 343
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١
And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.
وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢
And upon them and on ships you are carried.
النوع الرّابِعُ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الحَيَواناتِ.
﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنَّ فِيها عِبْرَةً مُجْمَلًا ثُمَّ أرْدَفَهُ بِالتَّفْصِيلِ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ والمُرادُ مِنهُ جَمِيعُ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِألْبانِها، ووَجْهُ الِاعْتِبارِ فِيهِ أنَّها تَجْتَمِعُ في الضُّرُوعِ وتَتَخَلَّصُ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَتَسْتَحِيلُ إلى طَهارَةٍ وإلى لَوْنٍ وطَعْمٍ مُوافِقٍ لِلشَّهْوَةِ وتَصِيرُ غِذاءً، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ كانَ ذَلِكَ مَعْدُودًا في النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ، ومَنِ انْتَفَعَ بِهِ فَهو في نِعْمَةِ الدُّنْيا، وأيْضًا فَهَذِهِ الألْبانُ الَّتِي تَخْرُجُ مِن بُطُونِها إلى ضُرُوعِها تَجِدُها شَرابًا طَيِّبًا، وإذا ذَبَحْتَها لَمْ تَجِدْ لَها أثَرًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”تَسْقِيكُمْ“ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ، أيْ: تَسْقِيكُمِ الأنْعامُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وذَلِكَ بِبَيْعِها والِانْتِفاعِ بِأثْمانِها وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ يَعْنِي كَما تَنْتَفِعُونَ بِها وهي حَيَّةٌ تَنْتَفِعُونَ بِها بَعْدَ الذَّبْحِ أيْضًا بِالأكْلِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ لِأنَّ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِالإبِلِ في المَحْمُولاتِ عَلى البَرِّ بِمَنزِلَةِ الِانْتِفاعِ بِالفُلْكِ في البَحْرِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ في إنْعامِهِ لِكَيْ يُشْكَرَ عَلى ذَلِكَ ويُسْتَدَلَّ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences