Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:66–90
23:66–72Page 346
قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦
My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels
مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧
In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.
أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢
Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ أنَّهُ لا يَنْصُرُ أُولَئِكَ الكُفّارَ أتْبَعَهُ بِعِلَّةِ ذَلِكَ، وهي أنَّهُ مَتى تُلِيَتْ آياتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَنْكِصُونَ، وهَذا مَثَلٌ يُضْرَبُ فِيمَن تَباعَدَ عَنِ الحَقِّ كُلَّ
صفحة ٩٧
التَّباعُدِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ أيْ: تَنْفِرُونَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ وعَمَّنْ يَتْلُوها، كَما يَذْهَبُ النّاكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ بِالرُّجُوعِ إلى ورائِهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ والهاءُ في (بِهِ) إلى ماذا تَعُودُ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.
أوَّلُها: إلى البَيْتِ العَتِيقِ أوِ الحَرَمِ، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَظْهَرُ عَلَيْنا أحَدٌ؛ لِأنّا أهْلُ الحَرَمِ. والَّذِي يُسَوِّغُ هَذا الإضْمارَ شُهْرَتُهم بِالِاسْتِكْبارِ بِالبَيْتِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَفْخَرَةٌ إلّا أنَّهم وُلاتُهُ والقائِمُونَ بِهِ.
وثانِيها: المُرادُ مُسْتَكْبِرِينَ بِهَذا التَّراجُعِ والتَّباعُدِ.
وثالِثُها: أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ (سامِرًا) أيْ يَسْمُرُونَ بِذِكْرِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ، وهَذا هو الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ البَيْتِ بِاللَّيْلِ يَسْمُرُونَ، وكانَتْ عامَّةُ سَمَرِهِمْ ذِكْرَ القُرْآنِ وتَسْمِيَتَهُ سِحْرًا وشِعْرًا، وسَبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَهْجُرُونَ، والسّامِرُ نَحْوُ الحاضِرِ في الإطْلاقِ عَلى الجَمْعِ، وقُرِئَ (سَمَرًا) و(سامِرًا يَهْجُرُونَ) مِن أهْجَرَ في مَنطِقِهِ: إذا أفْحَشَ، والهَجْرُ بِالفَتْحِ: الهَذَيانُ، والهُجْرُ بِالضَّمِّ الفُحْشُ، أوْ مِن هَجَّرَ الَّذِي هو مُبالَغَةٌ في هَجَرَ: إذا هَذى. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ حالَهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ بَيَّنَ أنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأُمُورِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأحَدِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ.
أحَدُها: أنْ لا يَتَأمَّلُوا في دَلِيلِ ثُبُوتِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النِّساءِ: ٨٢] فَبَيَّنَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي هو القُرْآنُ كانَ مَعْرُوفًا لَهُمْ، وقَدْ مُكِّنُوا مِنَ التَّأمُّلِ فِيهِ مِن حَيْثُ كانَ مُبايِنًا لِكَلامِ العَرَبِ في الفَصاحَةِ، ومُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ في طُولِ عُمْرِهِ، ومِن حَيْثُ يُنَبِّهُ عَلى ما يَلْزَمُهم مِن مَعْرِفَةِ الصّانِعِ ومَعْرِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِمَ لا يَتَدَبَّرُونَ فِيهِ لِيَتْرُكُوا الباطِلَ ويَرْجِعُوا إلى الحَقِّ؟
وثانِيها: أنْ يَعْتَقِدُوا أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ أمْرٌ عَلى خِلافِ العادَةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالتَّواتُرِ أنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تَتَواتَرُ عَلى الأُمَمِ وتَظْهَرُ المُعْجِزاتُ عَلَيْها، وكانَتِ الأُمَمُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ناجٍ، وبَيْنَ مُكَذِّبٍ هالِكٍ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أفَما دَعاهم ذَلِكَ إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ؟
وثالِثُها: أنْ لا يَكُونُوا عالِمِينَ بِدِيانَتِهِ وحُسْنِ خِصالِهِ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم عَرَفُوا مِنهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ كَوْنَهُ في نِهايَةِ الأمانَةِ والصِّدْقِ، وغايَةِ الفِرارِ مِنَ الكَذِبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَكَيْفَ كَذَّبُوهُ بَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى تَسْمِيَتِهِ بِالأمِينِ؟
ورابِعُها: أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ الجُنُونَ فَيَقُولُونَ: إنَّما حَمَلَهُ عَلى ادِّعائِهِ الرِّسالَةَ جُنُونُهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ أعْقَلُ النّاسِ، والمَجْنُونُ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ والشَّرائِعِ الكامِلَةِ، ولَقَدْ كانَ مِنَ المُبْغِضِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن سَمّاهُ بِذَلِكَ. وفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم نَسَبُوهُ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ يَطْمَعُ في انْقِيادِهِمْ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأُمُورِ عِنْدَهم فَنَسَبُوهُ إلى الجُنُونِ لِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ إيهامًا لِعَوامِّهِمْ لِكَيْ لا يَنْقادُوا لَهُ، فَأوْرَدُوا ذَلِكَ مَوْرِدَ الِاسْتِحْقارِ لَهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ عَدَّ هَذِهِ الوُجُوهَ، ونَبَّهَ عَلى فَسادِها قالَ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مِن حَيْثُ تَمَسَّكُوا بِالتَّقْلِيدِ ومِن حَيْثُ عَلِمُوا أنَّهم لَوْ أقَرُّوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَزالَتْ مَناصِبُهم ولاخْتَلَّتْ رِياساتُهم، فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّهم لا يَكْرَهُونَ الحَقَّ، قُلْنا: كانَ فِيهِمْ مَن يَتْرُكُ الإيمانَ أنَفَةً مِن تَوْبِيخِ قَوْمِهِ، وأنْ يَقُولُوا: تَرَكَ دِينَ آبائِهِ، لا كَراهَةً لِلْحَقِّ كَما حُكِيَ عَنْ أبِي طالِبٍ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الحَقَّ لا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلِ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يَطْرَحَ الهَوى ويَتَّبِعَ الحَقَّ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ اتِّباعَ الهَوى يُؤَدِّي إلى الفَسادِ العَظِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَرَوْنَ أنَّ الحَقَّ في اتِّخاذِ آلِهَةٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَكِنْ لَوْ
صفحة ٩٨
صَحَّ ذَلِكَ لَوَقَعَ الفَسادُ في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في دَلِيلِ التَّمانُعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٢].
والثّانِي: أنَّ أهْواءَهم في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهُما مَنشَأُ المَفْسَدَةِ، والحَقُّ هو الإسْلامُ، فَلَوِ اتَّبَعَ الإسْلامُ قَوْلَهم لَعَلِمَ اللَّهُ حُصُولَ المَفاسِدِ عِنْدَ بَقاءِ هَذا العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْرِيبَ العالَمِ وإفْناءَهُ.
والثّالِثُ: أنَّ آراءَهم كانَتْ مُتَناقِضَةً، فَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَوَقَعَ التَّناقُضُ ولاخْتَلَّ نِظامُ العالَمِ. عَنِ القَفّالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ فَقِيلَ: إنَّهُ القُرْآنُ والأدِلَّةُ، وقِيلَ: بَلْ شَرَفُهم وفَخْرُهم بِالرَّسُولِ، وكِلا القَوْلَيْنِ مُتَقارِبٌ؛ لِأنَّ في مَجِيءِ الرَّسُولِ بَيانَ الأدِلَّةِ، وفي مَجِيءِ الأدِلَّةِ بَيانُ الرَّسُولِ، فَأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالآخَرِ، وقِيلَ: الذِّكْرُ هو الوَعْظُ والتَّحْذِيرُ، وقِيلَ: هو الَّذِي كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ ويَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٦٨، ١٦٩] وقُرِئَ: (بِذِكْراهُمْ) ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَطْمَعُ فِيهِمْ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنُّفْرَةِ فَقالَ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ وقُرِئَ (خَراجًا) قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، والوجه أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ، كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ، وخَرْجُ الكُرْدَةِ، زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ﴾ يَعْنِي أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِهِمْ قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ، فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخَلْقِ خَيْرٌ. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنْهُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْفِرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ لِأجْلِها. فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَعْذُورِينَ البَتَّةَ وأنَّهم مَحْجُوجُونَ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. قالَ الجُبّائِيُّ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ العِبادِ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ نِعَمِهِ ورِزْقِهِ، ولا يُساوِيهِ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
23:73–75Page 346
وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣
And indeed, you invite them to a straight path.
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤
But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.
۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥
And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا زَيَّفَ طَرِيقَةَ القَوْمِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ صِحَّةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: ﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لِأنَّ ما دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى صِحَّتِهِ فَهو في بابِ الِاسْتِقامَةِ أبْلَغُ مِنَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أيْ: لَعادِلُونَ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ؛ لِأنَّ طَرِيقَ الِاسْتِقامَةِ واحِدَةٌ وما يُخالِفُهُ فَكَثِيرٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: المُرادُ ضَرَرُ الجُوعِ وسائِرُ مَضارِّ الدُّنْيا.
وثانِيها: المُرادُ ضَرَرُ القَتْلِ والسَّبْيِ.
وثالِثُها: أنَّهُ ضَرَرُ الآخِرَةِ وعَذابُها، فَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في التَّمَرُّدِ والعِنادِ المَبْلَغَ الَّذِي لا مَرْجِعَ فِيهِ إلى دارِ الدُّنْيا، وأنَّهم ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨] لِشِدَّةِ لَجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.
صفحة ٩٩
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فالمَعْنى لَتَمادَوْا في ضَلالِهِمْ وهم مُتَحَيِّرُونَ.
23:76–80Page 347
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦
And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧
Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨
And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩
And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠
And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ عَلى وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ «لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ ولَحِقَ بِاليَمامَةِ مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِالسِّنِينَ حَتّى أكَلُوا الجُلُودَ والجِيَفَ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ، ثُمَّ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ، فادْعُ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنّا هَذا القَحْطَ. فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ»، والمَعْنى أخَذْناهم بِالجُوعِ فَما أطاعُوا.
وثانِيها: هو الَّذِي نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ مَعَ شِدَّتِهِ ما دَعاهم إلى الإيمانِ. عَنِ الأصَمِّ.
وثالِثُها: المُرادُ مَن عُذِّبَ مِنَ الأُمَمِ الخَوالِي ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ: مُشْرِكِي العَرَبِ لِرَبِّهِمْ. عَنِ الحَسَنِ.
ورابِعُها: أنَّ شِدَّةَ الدُّنْيا أقْرَبُ إلى المُكَلَّفِ مِن شِدَّةِ الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ شِدَّةُ الدُّنْيا فَشِدَّةُ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ ﴿رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامِ: ٢٨].
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابَ الجُوعِ الَّذِي هو أشَدُّ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
والثّانِي: إذا عُذِّبُوا بِنارِ جَهَنَّمَ فَحِينَئِذٍ يُبْلِسُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٢] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٥] والإبْلاسُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وقِيلَ: السُّكُونُ مَعَ التَّحْسِيرِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما وزْنُ اسْتَكانَ؟ الجَوابُ: اسْتَفْعَلَ، مِنَ الكَوْنِ؛ أيِ: انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ، كَما قِيلَ: اسْتَحالَ: إذا انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ افْتَعَلَ، مِنَ السُّكُونِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَةُ عَيْنِهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ ﴿اسْتَكانُوا﴾ بِلَفْظِ الماضِي و﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ؟ الجَوابُ: لِأنَّ المَعْنى امْتَحَنّاهم فَما وجَدْنا مِنهم عَقِيبَ المِحْنَةِ اسْتِكانَةً، وما مِن عادَةِ هَؤُلاءِ أنْ يَتَضَرَّعُوا حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ بابُ العَذابِ الشَّدِيدِ. وقُرِئَ ”فَتَّحْنا“.
السُّؤالُ الثّالِثُ: العَطْفُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ المُجانَسَةِ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ؟ الجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ مُبالَغَةَ أُولَئِكَ الكُفّارِ في الإعْراضِ عَنْ سَماعِ الأدِلَّةِ
صفحة ١٠٠
ورُؤْيَةِ العِبَرِ والتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وهو الَّذِي أعْطاكم هَذِهِ الأشْياءَ ووَقَفَكم عَلَيْها، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَعْمِلْ هَذِهِ الأعْضاءَ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ عادِمِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: ٢٦] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حِرْمانَ أُولَئِكَ الكُفّارِ ووِجْدانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: بِإعْطاءِ السَّمْعِ والأبْصارِ والأفْئِدَةِ، وخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مَوْقُوفٌ عَلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ يَقِلُّ مِنهُمُ الشّاكِرُونَ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم شُكْرًا وإنَّ قَلَّ، لَكِنَّهُ كَما يُقالُ لِلْكَفُورِ الجاحِدِ لِلنِّعْمَةِ: ما أقَلَّ شُكْرَ فُلانٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”خَلَقَكُمْ“ قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ويُحْتَمَلُ بَسَطَكم فِيها ذُرِّيَّةً، بَعْضَكم مِن بَعْضٍ حَتّى كَثُرْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسْراءِ: ٣] فَنَقُولُ: هو الَّذِي جَعَلَكم في الأرْضِ مُتَناسِلِينَ، ويَحْشُرُكم يَوْمَ القِيامَةِ إلى دارٍ لا حاكِمَ فِيها سِواهُ، فَجَعَلَ حَشْرَهَمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ حَشْرًا إلَيْهِ لا بِمَعْنى المَكانِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: نِعْمَةُ الحَياةِ وإنْ كانَتْ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ فَهي مُنْقَطِعَةٌ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وإنْ أنْعَمَ بِها فالمَقْصُودُ مِنها الِانْتِقالُ إلى دارِ الثَّوابِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ ووَجْهُ النِّعْمَةِ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ حَذَّرَ مِن تَرْكِ النَّظَرِ في هَذِهِ الأُمُورِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ دَلالَةُ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ ”أفَلا يَعْقِلُونَ“.
23:81–90Page 347
بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١
Rather,1 they say like what the former peoples said.
قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢
They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣
We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."
قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤
Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥
They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦
Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧
They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"
قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨
Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩
They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"
بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠
Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أوْضَحَ القَوْلَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ المَعادِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ في إنْكارِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم إنَّما أنْكَرُوا ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِلْأوَّلِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ حَكى الشُّبْهَةَ عَنْهم مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وهو مَشْهُورٌ.
وثانِيهُما: قَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الوَعْدَ كَما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ وقَعَ قَدِيمًا مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَعَ طُولِ العَهْدِ، فَظَنُّوا أنَّ الإعادَةَ
صفحة ١٠١
تَكُونُ في دارِ الدُّنْيا، ثُمَّ قالُوا: لَمّا كانَ كَذَلِكَ فَهو مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، والأساطِيرُ جَمْعُ أسْطارٍ، والأسْطارُ جَمْعُ سَطْرٍ؛ أيْ: ما كَتَبَهُ الأوَّلُونَ مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وجَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْفَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ الرَّدَّ عَلى مُنْكِرِي الإعادَةِ، وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ الرَّدَّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: نَعْبُدُ الأصْنامَ لِتُقَرِّبَنا إلى اللَّهِ زُلْفى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الإعادَةِ أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ خالِقًا لِلْأرْضِ ولِمَن فِيها مِنَ الأحْياءِ، وخالِقًا لِحَياتِهِمْ وقُدْرَتِهِمْ وغَيْرِها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى أنْ يُعِيدَهم بَعْدَ أنْ أفْناهم. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى نَفْيِ عِبادَةِ الأوْثانِ، مِن حَيْثُ إنَّ عِبادَةَ مَن خَلَقَكم وخَلَقَ الأرْضَ وكُلَّ ما فِيها مِنَ النِّعَمِ هي الواجِبَةُ دُونَ عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ مَعْناهُ التَّرْغِيبُ في التَّدَبُّرِ لِيَعْلَمُوا بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ عَلى الأمْرَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اتِّقاءَ عَذابِ اللَّهِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والِاعْتِرافِ بِجَوازِ الإعادَةِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأرْضَ أوَّلًا والسَّماءَ ثانِيًا عَمَّمَ الحُكْمَ هاهُنا، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ في المَلَكُوتِ المُلْكُ والمِلْكُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ يُقالُ: أجَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ: إذا أغَثْتَهُ مِنهُ ومَنَعْتَهُ. يَعْنِي وهو يُغِيثُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ، ولا يُغِيثُ أحَدٌ مِنهُ أحَدًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ فالمَعْنى أنّى تُخْدَعُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ، والخادِعُ هو الشَّيْطانُ والهَوى. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ قَدْ بالَغَ في الحِجِاجِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآياتِ وغَيْرِها وهم مَعَ ذَلِكَ كاذِبُونَ، وذَلِكَ كالتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (أتَيْتُهُمْ) و(أتَيْتَهُمْ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ. وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قُرِئَ (قُلْ لِلَّهِ) في الجَوابِ الأوَّلِ بِاللّامِ لا غَيْرُ، وقُرِئَ (اللَّهُ) في الأخِيرَيْنِ بِغَيْرِ اللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ الحَرَمَيْنِ والكُوفَةِ والشّامِ، وبِاللّامِ في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ، فَما الفَرْقُ؟ الجَوابُ: لا فَرْقَ في المَعْنى؛ لِأنَّ قَوْلَكَ: مَن رَبُّهُ، ولِمَن هُوَ؟ في مَعْنًى واحِدٍ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثُمَّ حَكى عَنْهم (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) وفِيهِ تَناقُضٌ؟ الجَوابُ: لا تَناقُضَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا يَنْفِي عِلْمَهم بِذَلِكَ. وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ في الحِجاجِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِعِلْمِهِمْ والبَعْثِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُورِدُ مِن ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences