Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:12–20
24:12–14Page 351
لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢
Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?
لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣
Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment
النوع الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾
وهَذا مِن جُمْلَةِ الآدابِ الَّتِي كانَ يَلْزَمُهُمُ الإتْيانُ بِها، و”لَوْلا“ مَعْناهُ هَلّا وذَلِكَ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ إذا كانَ يَلِيهِ الفِعْلُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي﴾ [المنافقون: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] فَأمّا إذا ولِيَهُ الِاسْمُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٠] والمُرادُ كانَ الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ سَمِعُوا قَوْلَ القاذِفِ أنْ يُكَذِّبُوهُ ويَشْتَغِلُوا بِإحْسانِ الظَّنِّ ولا يُسْرِعُوا إلى التُّهْمَةِ فِيمَن عَرَفُوا فِيهِ الطَّهارَةَ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَلّا قِيلَ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا وقُلْتُمْ فَلِمَ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وعَنِ المُضْمَرِ إلى الظّاهِرِ ؟ الجَوابُ: لِيُبالِغَ في التَّوْبِيخِ بِطَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وفي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الإيمانِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ فِيهِ يَقْتَضِي أنْ لا يُظَنَّ بِالمُسْلِمِينَ إلّا خَيْرًا، لِأنَّ دِينَهُ يَحْكُمُ بِكَوْنِ المَعْصِيَةِ مَنشَأً لِلضَّرَرِ وعَقْلِهِ يَهْدِيهِ إلى وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنِ الضَّرَرِ، وهَذا يُوجِبُ حُصُولَ الظَّنِّ بِاحْتِرازِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ، فَإذا وُجِدَ هَذا المُقْتَضى لِلِاحْتِرازِ ولَمْ يُوجَدْ في مُقابَلَتِهِ راجِحٌ يُساوِيهِ في القُوَّةِ وجَبَ إحْسانُ الظَّنِّ، وحَرُمَ الإقْدامُ عَلى الطَّعْنِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ بِأنْفُسِهِمْ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنْ يَظُنَّ بَعْضُهم بِبَعْضٍ خَيْرًا ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ومَعْناهُ أيْ بِأمْثالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم كَأنْفُسِكم،
صفحة ١٥٥
رُوِيَ أنَّ أبا أيُّوبَ الأنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لِأُمِّ أيُّوبَ أما تَرَيْنَ ما يُقالُ ؟ فَقالَتْ لَوْ كُنْتَ بَدَلَ صَفْوانَ أكُنْتَ تَظُنُّ بِحَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ سُوءًا ؟ قالَ لا، قالَتْ ولَوْ كُنْتُ بَدَلَ عائِشَةَ ما خُنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعائِشَةُ خَيْرٌ مِنِّي وصَفْوانُ خَيْرٌ مِنكَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ذَلِكَ مُعاتَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ إذِ المُؤْمِنُ لا يَفْجُرُ بِأُمِّهِ ولا الأُمُّ بِابْنِها، وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هي أُمُّ المُؤْمِنِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ كالنَّفْسِ الواحِدَةِ فِيما يَجْرِي عَلَيْها مِنَ الأُمُورِ فَإذا جَرى عَلى أحَدِهِمْ مَكْرُوهٌ، فَكَأنَّهُ جَرى عَلى جَمِيعِهِمْ. عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَثَلُ المُسْلِمِينَ في تَواصُلِهِمْ وتَراحُمِهِمْ كَمِثْلِ الجَسَدِ إذا وجِعَ بَعْضُهُ بِالسَّهَرِ والحُمّى وجِعَ كُلُّهُ» “ وعَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«المُؤْمِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» “ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ وهَلْ يَحِلُّ لِمَن يَسْمَعُ ما لا يَعْرِفُهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: كَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَقُولَ، لَكِنَّهُ يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ القاذِفِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ إلى أمارَةٍ ولا عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ في أمْرِ عائِشَةَ لِأنَّ كَوْنَها زَوْجَةَ الرَّسُولِ ﷺ المَعْصُومِ عَنْ جَمِيعِ المُنَفِّراتِ كالدَّلِيلِ القاطِعِ في كَوْنِ ذَلِكَ كَذِبًا، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ فِيمَن كانَ ظاهِرُهُ العَدالَةُ أنْ يُظَنَّ بِهِ خَيْرًا، ويُوجِبَ أنْ يَكُونَ عُقُودُ المُسْلِمِينَ وتَصَرُّفاتُهم مَحْمُولَةً عَلى الصِّحَّةِ والجَوازِ، ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن وجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأةٍ أجْنَبِيَّةٍ فاعْتَرَفا بِالتَّزْوِيجِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَكْذِيبُهُما بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُما وزَعَمَ مالِكٌ أنَّهُ يَحُدُّهُما إنْ لَمْ يُقِيما بَيِّنَةً عَلى النِّكاحِ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا ما قالَ أصْحابُنا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِيمَن باعَ دِرْهَمًا ودِينارًا بِدِرْهَمَيْنِ ودِينارَيْنِ إنَّهُ يُخالِفُ بَيْنَهُما لِأنّا قَدْ أُمِرْنا بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُؤْمِنِينَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما يَجُوزُ وهو المُخالَفَةُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ إذا باعَ سَيْفًا مُحَلًّى فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إنّا نَجْعَلُ المِائَةَ بِالمِائَةِ والفَضْلَ بِالسَّيْفِ، وهو يَدُلُّ أيْضًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أنَّ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهم رِيبَةٌ لِأنّا مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، وذَلِكَ يُوجِبُ قَبُولَ الشَّهادَةِ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْها أوْ رَدَّها، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
* * *
( لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
النوع الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ، والمَعْنى هَلّا أتَوْا عَلى ما ذَكَرُوهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلى مُعايَنَتِهِمْ فِيما رَمَوْها بِهِ ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ﴾ أيْ فَحِينَ لَمْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلى ما قالُوا، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ هُمُ الكاذِبُونَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ إذا لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَإنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهم صادِقِينَ كَما يَجُوزُ كَوْنُهم كاذِبِينَ فَلِمَ جَزَمَ بِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الَّذِينَ رَمَوْا عائِشَةَ خاصَّةً وهم كانُوا عِنْدَ اللَّهِ كاذِبِينَ.
الثّانِي: المُرادُ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِ الكاذِبِينَ فَإنَّ الكاذِبَ يَجِبُ زَجْرُهُ عَنِ الكَذِبِ، والقاذِفُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالشُّهُودِ فَإنَّهُ يَجِبُ زَجْرُهُ فَلَمّا كانَ شَأْنُهُ شَأْنَ الكاذِبِ في الزَّجْرِ لا جَرَمَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الكاذِبِ مَجازًا.
صفحة ١٥٦
النوع الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ أيْضًا، ولَوْلا هاهُنا لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، ويُقالُ أفاضَ في الحَدِيثِ وانْدَفَعَ وخاضَ، وفي المَعْنى وجْهانِ:
الأوَّلُ: ولَوْلا أنِّي قَضَيْتُ أنْ أتَفَضَّلَ عَلَيْكم في الدُّنْيا بِضُرُوبِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإمْهالُ لِلتَّوْبَةِ، وأنْ أتَرَحَّمَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ لَعاجَلْتُكم بِالعِقابِ عَلى ما خُضْتُمْ فِيهِ مِن حَدِيثِ الإفْكِ.
والثّانِي: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَمَسَّكم فِيما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعًا، فَيَكُونُ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والخِطابُ لِلْقَذَفَةِ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وهَذا الفَضْلُ هو حُكْمُ اللَّهِ تَعالى مِن تَأْخِيرِهِ العَذابَ وحُكْمِهِ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ لِمَن تابَ.
24:15Page 351
إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥
When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.
النوع الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
وهَذا أيْضًا مِنَ الزَّواجِرِ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”إذْ“ ظَرْفٌ لِـ”مَسَّكُمْ“ أوْ لِـ ”﴿أفَضْتُمْ﴾“ ومَعْنى ”﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾“ يَأْخُذُهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ يُقالُ تَلَقّى القَوْلَ وتَلَقَّنَهُ وتَلَقَّفَهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقُرِئَ عَلى الأصْلِ ”تَتَلَقَّوْنَهُ“ و”إتَّلَقَّوْنَهُ“ بِإدْغامِ الذّالِ في التّاءِ وتَلَقَّوْنَهُ مِن لَقِيَهُ بِمَعْنى لَفِقَهُ وتُلْقُونَهُ مِن إلْقائِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وتَلِقُونَهُ وتَأْلِقُونَهُ مِنَ الوَلْقِ والألْقِ وهو الكَذِبُ، وتَلِقُونَهُ مَحْكِيَّةٌ عَنْ عائِشَةَ، وعَنْ سُفْيانَ: سَمِعْتُ أُمِّي تَقْرَأُ إذْ تَثَقَّفُونَهُ، وكانَ أبُوها يَقْرَأُ بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهم بِارْتِكابِ ثَلاثَةِ آثامٍ وعَلَّقَ مَسَّ العَذابِ العَظِيمِ بِها؛ أحَدُها: تَلَقِّي الإفْكِ بِألْسِنَتِهِمْ وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ ما وراءَكَ ؟ فَيُحَدِّثُهُ بِحَدِيثِ الإفْكِ حَتّى شاعَ واشْتَهَرَ فَلَمْ يَبْقَ بَيْتٌ ولا نادٍ إلّا طارَ فِيهِ، فَكَأنَّهم سَعَوْا في إشاعَةِ الفاحِشَةِ وذَلِكَ مِنَ العَظائِمِ.
وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإخْبارُ إلّا مَعَ العِلْمِ فَأمّا الَّذِي لا يُعْلَمُ صِدْقُهُ فالإخْبارُ عَنْهُ كالإخْبارِ عَمّا عُلِمَ كَذِبُهُ في الحُرْمَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِكُمْ﴾ والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ ؟ قُلْنا مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ المَعْلُومَ يَكُونُ عِلْمُهُ في القَلْبِ فَيُتَرْجَمُ عَنْهُ بِاللِّسانِ وهَذا الإفْكُ لَيْسَ إلّا قَوْلًا يَجْرِي عَلى ألْسِنَتِكم مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ عِلْمٌ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] . وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَسْتَصْغِرُونَ ذَلِكَ وهو عَظِيمٌ مِنَ العَظائِمِ، ويَدُلُّ عَلى أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: يَدُلُّ عَلى أنَّ القَذْفَ مِنَ الكَبائِرِ لِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
الثّانِي: نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ عَلى أنَّ عِظَمَ المَعْصِيَةِ لا يَخْتَلِفُ بِظَنِّ فاعِلِها وحُسْبانِهِ، بَلْ رُبَّما كانَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِعِظَمِها مِن حَيْثُ جَهْلِ كَوْنِها عَظِيمًا.
الثّالِثُ: الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِ في كُلِّ مُحَرَّمٍ أنْ يَسْتَعْظِمَ الإقْدامَ عَلَيْهِ، إذْ لا يَأْمَنُ أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ، وقِيلَ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ.
24:16Page 351
وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦
And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?
النوع الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾
وهَذا مِن بابِ الآدابِ، أيْ هَلّا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا، وإنَّما وجَبَ عَلَيْهِمُ الِامْتِناعُ مِنهُ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ المُقْتَضى لِكَوْنِهِمْ تارِكِينَ لِهَذا الفِعْلِ قائِمٌ وهو العَقْلُ والدِّينُ، ولَمْ يُوجَدْ ما يُعارِضُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ظَنُّ كَوْنِهِمْ تارِكِينَ لِلْمَعْصِيَةِ أقْوى مِن ظَنِّ كَوْنِهِمْ فاعِلِينَ لَها، فَلَوْ أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ صُدُورِ المَعْصِيَةِ لَكانَ قَدْ رَجَّحَ المَرْجُوحَ عَلى الرّاجِحِ وهو غَيْرُ جائِزٍ.
وثانِيها: وهو أنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيذاءَ الرَّسُولِ وذَلِكَ سَبَبٌ لِلَّعْنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] .
وثالِثُها: أنَّهُ سَبَبٌ لِإيذاءِ عائِشَةَ وإيذاءِ أبَوَيْها ومَن يَتَّصِلُ بِهِمْ مِن غَيْرِ سَبَبٍ عُرِفَ إقْدامُهم عَلَيْهِ، ولا جِنايَةَ عُرِفَ صُدُورُها عَنْهم، وذَلِكَ حَرامٌ.
ورابِعُها: أنَّهُ إقْدامٌ عَلى ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلضَّرَرِ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، والعَقْلُ يَقْتَضِي التَّباعُدَ عَنْهُ لِأنَّ القاذِفَ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ صادِقًا لا يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى صِدْقِهِ بَلْ يَسْتَحِقُّ العِقابَ لِأنَّهُ أشاعَ الفاحِشَةَ، وبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ كاذِبًا فَإنَّهُ يَسْتَحِقُّ العِقابَ العَظِيمَ، ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي صَرِيحُ العَقْلِ الِاحْتِرازَ عَنْهُ.
وخامِسُها: أنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْوَقْتِ بِما لا فائِدَةَ فِيهِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ“» وسادِسُها: أنَّ في إظْهارِ مَحاسِنِ النّاسِ وسَتْرِ مَقابِحِهِمْ تَخَلُّقًا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”تَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ اللَّهِ“» فَهَذِهِ الوُجُوهُ تُوجِبُ عَلى العاقِلِ أنَّهُ إذا سَمِعَ القَذْفَ أنْ يَسْكُتَ عَنْهُ وأنْ يَجْتَهِدَ في الِاحْتِرازِ عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ جازَ الفَصْلُ بَيْنَ ”لَوْلا“ وبَيْنَ ”قُلْتُمْ“ بِالظَّرْفِ ؟ قُلْنا الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَحْتَرِزُوا أوَّلَ ما سَمِعُوا بِالإفْكِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَلِيقُ ”سُبْحانَكَ“ بِهَذا المَوْضِعِ ؟ الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ مِن عِظَمِ الأمْرِ، وإنَّما اسْتُعْمِلَ في مَعْنى التَّعَجُّبِ لِأنَّهُ يُسَبَّحُ اللَّهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صانِعِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ.
الثّانِي: المُرادُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ تَكُونَ زَوْجَةُ نَبِيِّهِ فاجِرَةً.
الثّالِثُ: أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَرْضى بِظُلْمِ هَؤُلاءِ الفِرْقَةِ المُفْتَرِينَ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ لا يُعاقِبَ هَؤُلاءِ القَذَفَةَ الظَّلَمَةَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أُوجِبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ مَعَ أنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِهِ كَذِبًا قَطْعًا ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ بُهْتانًا، لِأنَّ زَوْجَةَ الرَّسُولِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فاجِرَةً.
الثّانِي: أنَّهم لَمّا جَزَمُوا أنَّهم ما كانُوا ظانِّينَ لَهُ بِالقَلْبِ كانَ إخْبارُهم عَنْ ذَلِكَ الجَزْمِ كَذِبًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .
24:17–18Page 351
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧
Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨
And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.
النوع السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
صفحة ١٥٨
وهَذا مِن بابِ الزَّواجِرِ، والمَعْنى يَعِظُكُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ المَواعِظِ الَّتِي بِها تَعْرِفُونَ عِظَمَ هَذا الذَّنَبِ، وأنَّ فِيهِ الحَدَّ والنَّكالَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآخِرَةِ، لِكَيْ لا تَعُودُوا إلى مِثْلِ هَذا العَمَلِ أبَدًا، وأبَدُهم ما دامُوا أحْياءً مُكَلَّفِينَ، وقَدْ دَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ مَن قالَ ومَن سَمِعَ فَلَمْ يُنْكِرْ، لِأنَّ حالَهُما سَواءٌ في أنْ فَعَلا ما لا يَجُوزُ وإنْ كانَ مَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أعْظَمَ ذَنْبًا، فَبَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ بِما عَرَّفَهم مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أنْ لا يَعُودُوا إلى مِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنهم وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ تَرْكَ القَذْفِ مِنَ الإيمانِ وعَلى أنَّ فِعْلَ القَذْفِ لا يَبْقى مَعَهُ الإيمانُ، لِأنَّ المُعَلَّقَ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، والجَوابُ: هَذا مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ أيْ مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ القَذْفَ لا يُوجِبُ الخُرُوجَ عَنِ الإيمانِ وإذا ثَبَتَ التَّعارُضُ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى التَّهْيِيجِ في الِاتِّعاظِ والِانْزِجارِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِن جَمِيعِ مَن وعَظَهُ مُجانَبَةَ مِثْلِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُطِيعُ، فَمِن هَذا الوجه تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِن كُلِّهِمُ الطّاعَةَ وإنْ عَصَوْا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا﴾ مَعْناهُ لِكَيْ لا تَعُودُوا لِمِثْلِهِ وذَلِكَ دَلالَةُ الإرادَةِ. والجَوابُ عَنْهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المسألة الثّالِثَةُ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى اللَّهُ تَعالى واعِظًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا﴾ ؟ الأظْهَرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ كَما لا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى مُعَلِّمًا لِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فالمُرادُ مِنَ الآياتِ ما بِهِ يَعْرِفُ المَرْءُ ما يَنْبَغِي أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لِكَوْنِهِ عَلِيمًا حَكِيمًا يُؤَثِّرُ بِما يَجِبُ أنْ يُبَيِّنَهُ ويَجِبُ أنْ يُطاعَ لِأجْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ مَن لا يَكُونُ عالِمًا لا يَجِبُ قَبُولُ تَكْلِيفِهِ، لِأنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يَنْبَغِي، ولِأنَّ المُكَلَّفَ إذا أطاعَهُ فَقَدْ لا يَعْلَمُ أنَّهُ أطاعَهُ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلطّاعَةِ فائِدَةٌ، وأمّا مَن كانَ عالِمًا لَكِنَّهُ لا يَكُونُ حَكِيمًا فَقَدْ يَأْمُرُهُ بِما لا يَنْبَغِي فَإذا أطاعَهُ المُكَلَّفُ فَقَدْ يُعَذِّبُ المُطِيعَ وقَدْ يُثِيبُ العاصِيَ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِلطّاعَةِ فائِدَةٌ، وأمّا إذا كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَنْبَغِي ولا يُهْمِلُ جَزاءَ المُسْتَحِقِّينَ، فَلِهَذا ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: الحَكِيمُ هو الَّذِي لا يَأْتِي بِما لا يَنْبَغِي، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ عالِمًا بِقُبْحِ القَبِيحِ وعالِمًا بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ فَيَكُونُ العَلِيمُ داخِلًا في الحَكِيمِ، فَكانَ ذِكْرُ الحَكِيمِ مُغْنِيًا عَنْهُ. هَذا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فالحِكْمَةُ هي العِلْمُ فَقَطْ، فَذِكْرُ العَلِيمِ الحَكِيمِ يَكُونُ تَكْرارًا مَحْضًا، الجَوابُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى التَّأْكِيدِ.
السُّؤالُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ إنَّما يَجِبُ قَبُولُ بَيانِ اللَّهِ تَعالى لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ عالِمًا حَكِيمًا، والحَكِيمُ هو الَّذِي لا يَفْعَلُ القَبائِحَ فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ خالِقًا لِلْقَبائِحِ لَما جازَ الِاعْتِمادُ عَلى وعْدِهِ ووَعِيدِهِ. والجَوابُ: الحَكِيمُ عِنْدَنا هو العَلِيمُ، وإنَّما يَجُوزُ الِاعْتِمادُ عَلى قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فَإنَّ الجاهِلَ لا اعْتِمادَ عَلى قَوْلِهِ البَتَّةَ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ أيْ لِأجْلِكم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَهُ مُعَلَّلَةٌ
صفحة ١٥٩
بِالأغْراضِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمُ﴾ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ نَفْسَ ذَواتِهِمْ بَلِ الغَرَضُ حُصُولَ انْتِفاعِهِمْ وطاعَتِهِمْ وإيمانِهِمْ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ مِنَ الكُلِّ، والجَوابُ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ بِهِمْ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ذَلِكَ غَرَضًا.
24:19Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
النوع السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ ما عَلى أهْلِ الإفْكِ وما عَلى مَن سَمِعَ مِنهم، وما يَنْبَغِي أنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ مِن آدابِ الدِّينِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ مَن أحَبَّ ذَلِكَ فَقَدْ شارَكَ في هَذا الذَّمِّ كَما شارَكَ فِيهِ مَن فَعَلَهُ ومَن لَمْ يُنْكِرْهُ، ولِيُعْلَمَ أنَّ أهْلَ الأفْكِ كَما عَلَيْهِمُ العُقُوبَةُ فِيما أظْهَرُوهُ، فَكَذَلِكَ يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِما أسَرُّوهُ مِن مَحَبَّةِ إشاعَةِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَلامَةِ القَلْبِ لِلْمُؤْمِنِينَ كَوُجُوبِ كَفِّ الجَوارِحِ والقَوْلِ عَمّا يَضُرُّ بِهِمْ، وهاهُنا مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: مَعْنى الإشاعَةِ الِانْتِشارُ يُقالُ في هَذا العَقارِ سَهْمٌ شائِعٌ إذا كانَ في الجَمِيعِ ولَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا، وشاعَ الحَدِيثُ إذا ظَهَرَ في العامَّةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ وأنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَذْفِ عائِشَةَ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَوَجَبَ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها في العُمُومِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُها بِقَذَفَةِ عائِشَةَ قَوْلُهُ تَعالى في: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّهُ صِيغَةُ جَمْعٍ ولَوْ أرادَ عائِشَةَ وحْدَها لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، والَّذِينَ خَصَّصُوهُ بِقَذَفَةِ عائِشَةَ مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، لِأنَّهُ هو الَّذِي سَعى في إشاعَةِ الفاحِشَةِ، قالُوا مَعْنى الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ - والمُرادُ عَبْدُ اللَّهِ - ”﴿أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾“ أيْ: الزِّنا ”﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾“ أيْ في عائِشَةَ وصَفْوانَ.
المسألة الثّالِثَةُ: رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ قَوْمًا يَضْرِبُونَ صُدُورَهم ضَرْبًا يَسْمَعُهُ أهْلُ النّارِ، وهُمُ الهَمّازُونَ اللَّمّازُونَ الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ ويَهْتِكُونَ سُتُورَهم ويُشِيعُونَ فِيهِمْ مِنَ الفَواحِشِ ما لَيْسَ فِيهِمْ» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”لا يَسْتُرُ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ عَوْرَةَ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إلّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ومَن أقالَ مُسْلِمًا صَفْقَتَهُ أقالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ومَن سَتَرَ عَوْرَتَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ القِيامَةِ“» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ“» .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«مَن سَرَّهُ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وهو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ويُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ» “ وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يُؤْمِنُ العَبْدُ حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ» “ .
المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في عَذابِ الدُّنْيا، فَقالَ بَعْضُهم: إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهم هو الحَدُّ
صفحة ١٦٠
واللَّعْنُ والعَداوَةُ مِنَ اللَّهِ والمُؤْمِنِينَ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وحَسّانَ ومِسْطَحًا، وقَعَدَ صَفْوانُ لِحَسّانَ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ فَكَفَّ بَصَرَهُ، وقالَ الحَسَنُ عَنى بِهِ المُنافِقِينَ لِأنَّهم قَصَدُوا أنْ يَغُمُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَن أرادَ غَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو كافِرٌ، وعَذابُهم في الدُّنْيا هو ما كانُوا يَتْعَبُونَ فِيهِ ويُنْفِقُونَ لِمُقاتَلَةِ أوْلِيائِهِمْ مَعَ أعْدائِهِمْ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الَّذِينَ يُحِبُّونَ هُمُ المُنافِقُونَ يُحِبُّونَ ذَلِكَ فَأوْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى العَذابَ في الدُّنْيا عَلى يَدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُجاهَدَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهَذا العَذابِ ما اسْتَحَقُّوهُ بِإفْكِهِمْ وهو الحَدُّ واللَّعْنُ والذَّمُّ. فَأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ في القَبْرِ عَذابُهُ، وفي القِيامَةِ عَذابُ النّارِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَهو حَسَنُ المَوْقِعِ بِهَذا المَوْضِعِ لِأنَّ مَحَبَّةَ القَلْبِ كامِنَةٌ ونَحْنُ لا نَعْلَمُها إلّا بِالأماراتِ، أمّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَصارَ هَذا الذِّكْرُ نِهايَةً في الزَّجْرِ لِأنَّ مَن أحَبَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ وإنْ بالَغَ في إخْفاءِ تِلْكَ المَحَبَّةِ فَهو يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهُ وأنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ الَّذِي أخْفاهُ كَعِلْمِهِ بِالَّذِي أظْهَرَهُ ويَعْلَمُ قَدْرَ الجَزاءِ عَلَيْهِ.
المسألة الخامِسَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَزْمَ عَلى الذَّنْبِ العَظِيمِ عَظِيمٌ، وأنَّ إرادَةَ الفِسْقِ فِسْقٌ، لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ الوَعِيدَ بِمَحَبَّةِ إشاعَةِ الفاحِشَةِ.
المسألة السّادِسَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ قاذِفٍ لَمْ يَتُبْ مِن قَذْفِهِ فَلا ثَوابَ لَهُ مِن حَيْثُ اسْتَحَقَّ هَذا العَذابَ الدّائِمَ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِحْقاقِ ضِدِّهِ الَّذِي هو الثَّوابُ، فَمِن هَذا الوجه تَدُلُّ عَلى ما نَقُولُهُ في الوَعِيدِ، واعْلَمْ أنَّ حاصِلَهُ يَرْجِعُ إلى مَسْألَةِ المُحابَطَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ.
المسألة السّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بالَغَ في ذَمِّ مَن أحَبَّ إشاعَةَ الفاحِشَةِ، فَلَوْ كانَ تَعالى هو الخالِقُ لِأفْعالِ العِبادِ لَما كانَ مُشِيعُ الفاحِشَةِ إلّا هو، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا يَسْتَحِقَّ الذَّمَّ عَلى إشاعَةِ الفاحِشَةِ إلّا هو، لِأنَّهُ هو الَّذِي فَعَلَ تِلْكَ الإشاعَةَ وغَيْرَهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنها، والكَلامُ عَلَيْهِ أيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ.
المسألة الثّامِنَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُصابَةُ بِالفُجُورِ لا تُسْتَنْطَقُ، لِأنَّ اسْتِنْطاقَها إشاعَةٌ لِلْفاحِشَةِ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنهُ.
24:20Page 351
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
النوع الثّامِنُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ، وكَأنَّهُ قالَ لَهَلَكْتُمْ أوْ لَعَذَّبَكُمُ اللَّهُ واسْتَأْصَلَكم لَكِنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ الخِطابُ لِحَسّانَ ومِسْطَحٍ وحَمْنَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ عامًّا.
والثّانِي: جَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا﴾ [النور: ٢١] .
والثّالِثُ: جَوابُهُ لَكانَتِ الفاحِشَةُ تَشِيعُ فَتَعْظُمُ المَضَرَّةُ وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والأقْرَبُ أنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ مِن بَعْدِ ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ﴾ كالمُنْفَصِلِ مِنَ الأوَّلِ فَلا يَجِبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأوَّلِ، خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ كَلامٌ آخَرُ، والمُرادُ أنَّهُ لَوْلا إنْعامُهُ بِأنْ بَقِيَ وأمْهَلَ ومَكَّنَ مِنَ التَّلافِي لَهَلَكُوا، لَكِنَّهُ لِرَأْفَتِهِ لا يَدَعُ ما هو لِلْعَبْدِ أصْلَحُ وإنْ جَنى عَلى نَفْسِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences