Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:23–26
24:23–25Page 352
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.
يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥
That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ هَلِ المُرادُ مِنهُ كُلُّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أوِ المُرادُ مِنهُ الخُصُوصُ ؟ أمّا الأُصُولِيُّونَ فَقالُوا الصِّيغَةُ عامَّةٌ ولا مانِعَ مِن إجْرائِها عَلى ظاهِرِها فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ فَيَدْخُلُ فِيهِ قَذَفَةُ عائِشَةَ وقَذَفَةُ غَيْرِها، ومِنَ النّاسِ مَن خالَفَ فِيهِ وذَكَرَ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ قَذَفَةُ عائِشَةَ قالَتْ عائِشَةُ: ”«رُمِيتُ وأنا غافِلَةٌ وإنَّما بَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدِي إذْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَقالَ أبْشِرِي وقَرَأ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ»﴾ )
وثانِيها: أنَّ المُرادَ جُمْلَةُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُنَّ لِشَرَفِهِنَّ خُصِّصْنَ بِأنَّ مَن قَذَفَهُنَّ فَهَذا الوَعِيدُ لاحِقٌ بِهِ واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥٤] وأمّا القاذِفُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِثْناءَ، وأيْضًا فَهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]
الثّانِي: أنَّ قاذِفَ سائِرِ المُحْصَناتِ لا يَكْفُرُ، والقاذِفَ في هَذِهِ الآيَةِ يَكْفُرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ﴾ وذَلِكَ صِفَةُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩] الآياتِ الثَّلاثَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ والعَذابُ العَظِيمُ يَكُونُ عَذابَ الكُفْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ عِقابَ هَذا القاذِفِ عِقابُ الكُفْرِ، وعِقابَ قَذْفِهِ سائِرَ المُحْصَناتِ لا يَكُونُ عِقابَ الكُفْرِ
الرّابِعُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وكانَ يُسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، فَسُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إلّا مَن خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ، أجابَ الأُصُولِيُّونَ عَنْهُ بِأنَّ الوَعِيدَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّوْبَةِ لِأنَّ الذَّنْبَ سَواءٌ كانَ كُفْرًا أوْ فِسْقًا، فَإذا حَصَلَتِ التَّوْبَةُ مِنهُ صارَ مَغْفُورًا فَزالَ السُّؤالُ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدٌ فَكانَتِ المَرْأةُ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً قَذَفَها المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقالُوا إنَّما خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ فِيمَن يَرْمِي المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أحَدُها: كَوْنُهم مَلْعُونِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِأنَّ التَّقْيِيدَ بِاللَّعْنِ عامٌّ في جَمِيعِ القَذَفَةِ ومَن كانَ مَلْعُونًا في الدُّنْيا فَهو مَلْعُونٌ في الآخِرَةِ والمَلْعُونُ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وهو بِناءٌ عَلى المُحابَطَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ونَظِيرُهُ
صفحة ١٦٩
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] وعِنْدَنا البِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الجَوْهَرِ الفَرْدِ عِلْمًا وقُدْرَةً وكَلامًا، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فَلا جَرَمَ ذَكَرُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ في هَذِهِ الجَوارِحِ هَذا الكَلامَ، وعِنْدَهُمُ المُتَكَلِّمُ فاعِلُ الكَلامِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَها إلى الجَوارِحِ تَوَسُّعًا.
الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَبْنِي هَذِهِ الجَوارِحَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ ويُلْجِئُها أنْ تَشْهَدَ عَلى الإنْسانِ وتُخْبِرَ عَنْهُ بِأعْمالِهِ، قالَ القاضِي وهَذا أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ، لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّها تَفْعَلُ الشَّهادَةَ. وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾ ولا شُبْهَةَ في أنَّ نَفْسَ دِينِهِمْ لَيْسَ هو المُرادُ لِأنَّ دِينَهم هو عَمَلُهم. بَلِ المُرادُ جَزاءُ عَمَلِهِمْ، والدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ مُسْتَعْمَلٌ كَقَوْلِهِمْ كَما تَدِينُ تُدانُ، وقِيلَ الدِّينُ هو الحِسابُ كَقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ الحِسابُ الصَّحِيحُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَقَّ﴾ أيْ أنَّ الَّذِي نُوَفِّيهِمْ مِنَ الجَزاءِ هو القَدْرُ المُسْتَحَقُّ لِأنَّهُ الحَقُّ وما زادَ عَلَيْهِ هو الباطِلُ، وقُرِئَ“ الحَقَّ " بِالنَّصْبِ صِفَةً لِلدِّينِ وهو الجَزاءُ وبِالرَّفْعِ صِفَةً لِلَّهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ فَمِنَ النّاسِ مَن قالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما سُمِّيَ بِالحَقِّ لِأنَّ عِبادَتَهُ هي الحَقُّ دُونَ عِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ لِأنَّهُ الحَقُّ فِيما يَأْمُرُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ومَعْنى ﴿المُبِينُ﴾ يُؤَيِّدُ ما قُلْنا لِأنَّ المُحِقَّ فِيما يُخاطِبُ بِهِ هو المُبِينُ مِن حَيْثُ يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ بِكَلامِهِ دُونَ غَيْرِهِ، ومِنهم مَن قالَ الحَقُّ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومَعْناهُ المَوْجُودُ، لِأنَّ نَقِيضَهُ الباطِلُ وهو المَعْدُومُ، ومَعْنى المُبِينِ المُظْهِرُ ومَعْناهُ أنَّ بِقُدْرَتِهِ ظَهَرَ وُجُودُ المُمْكِناتِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ المَوْجُودُ لِذاتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مُبِينًا أنَّهُ المُعْطِي وُجُودَ غَيْرِهِ.
24:26Page 352
ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦
Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ الخَبِيثاتِ يَقَعُ عَلى الكَلِماتِ الَّتِي هي القَذْفُ الواقِعُ مِن أهْلِ الإفْكِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى الكَلامِ الَّذِي هو كالذَّمِّ واللَّعْنِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن ذَلِكَ لا نَفْسَ الكَلِمَةِ الَّتِي هي مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، بَلِ المُرادُ مَضْمُونُ الكَلِمَةِ، ويَقَعُ أيْضًا عَلى الزَّوانِي مِنَ النِّساءِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمَلَةٌ، فَإنْ حَمَلْناها عَلى القَذْفِ الواقِعِ مِن أهْلِ الإفْكِ كانَ المَعْنى الخَبِيثاتُ مِن قَوْلِ أهْلِ الإفْكِ لِلْخَبِيثَيْنِ مِنَ الرِّجالِ، وبِالعَكْسِ والطَّيِّباتُ مِن قَوْلِ مُنْكِرِي الإفْكِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ وبِالعَكْسِ وإنْ حَمَلْناها عَلى الكَلامِ الَّذِي هو كالذَّمِّ واللَّعْنِ، فالمَعْنى أنَّ الذَّمَّ واللَّعْنَ مُعَدّانِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والخَبِيثُونَ مِنهم مُعَرَّضُونَ لِلَّعْنِ والذَّمِّ.
وكَذا القَوْلُ في الطَّيِّباتِ ”وأُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى الطَّيِّبِينَ وأنَّهم مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُ الخَبِيثُونَ مِن خَبِيثاتِ الكَلِماتِ، وإنْ حَمَلْناهُ حَمَلْناهُ عَلى الزَّوانِي فالمَعْنى الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ وبِالعَكْسِ، عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ [النور: ٣] والطَّيِّباتُ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، والمَعْنى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّمْيِ الواقِعِ مِنَ المُنافِقِينَ لا يَلِيقُ إلّا بِالخَبِيثاتِ والخَبِيثِينَ لا بِالطَّيِّباتِ والطَّيِّبِينَ كالرَّسُولِ ﷺ وأزْواجِهِ. فَإنْ قِيلَ فَعَلى هَذا الوجه يَلْزَمُ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ العَفِيفُ بِالزّانِيَةِ، والجَوابُ: ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ:
صفحة ١٧٠
﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ وقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾ يَعْنِي الطَّيِّباتِ والطَّيِّبِينَ مِمّا يَقُولُهُ أصْحابُ الإفْكِ، سِوى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الكَلِماتِ فَكَأنَّهُ قالَ: الطَّيِّبُونَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُهُ الخَبِيثُونَ، ومَتى حَمَلَ أُولَئِكَ عَلى هَذا الوجه كانَ لَفْظُهُ كَمَعْناهُ في أنَّهُ جَمَعَ، ومَتى حَمَلْتَهُ عَلى عائِشَةَ وصَفْوانَ وهُما اثْنانِ فَكَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهُما بِلَفْظِ الجَمْعِ ؟ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ الرَّمْيَ قَدْ تَعَلَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وبِعائِشَةَ وصَفْوانَ فَبَرَّأ اللَّهُ تَعالى كُلَّ واحِدٍ مِنهم مَنِ التُّهْمَةِ اللّائِقَةِ بِهِ
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ كُلُّ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَرَّأهُنَّ مِن هَذا الإفْكِ. لَكِنْ لا يَقْدَحُ فِيهِنَّ أحَدٌ كَما أقْدَمُوا عَلى عائِشَةَ، ونَزَّهَ الرَّسُولَ ﷺ بِذَلِكَ عَنْ أمْثالِ هَذا الأمْرِ وهَذا أبْيَنُ كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، ولا أحَدَ أطْيَبُ ولا أطْهَرُ مِنَ الرَّسُولِ، فَأزْواجُهُ إذَنْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُنَّ إلّا طَيِّباتٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ يَعْنِي بَراءَةً مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ”﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾“ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّ أزْواجَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هُنَّ مَعَهُ في الجَنَّةِ، وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ بِذَلِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِشَرْطِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ والتَّوْبَةِ، والأوَّلُ أوْلى لِأنّا إنَّما نَحْتاجُ إلى الشَّرْطِ إذا لَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، أمّا إذا أمْكَنَ فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الشَّرْطِ
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَصِيرُ إلى الجَنَّةِ بِخِلافِ مَذْهَبِ الرّافِضَةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَها بِسَبَبِ حَرْبِ يَوْمِ الجَمَلِ فَإنَّهم يَرَدُّونَ بِذَلِكَ نَصَّ القُرْآنِ فَإنْ قِيلَ القَطْعُ بِأنَّها مِن أهْلِ الجَنَّةِ إغْراءٌ لَها بِالقَبِيحِ. قُلْنا ألَيْسَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إغْراءً لَهُ بِالقَبِيحِ، وكَذا العَشَرَةُ المُبَشَّرَةِ بِالجَنَّةِ فَكَذا هاهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ، تَمَّتْ قِصَّةُ أهْلِ الإفْكِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences