Ar-RaziAn‑Nur · 24:4–5

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:4–5

24:4–5Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤

And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

الحُكْمُ الثّالِثُ: القَذْفُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ رَمَوُا المُحْصَناتِ، وذِكْرُ الرَّمْيِ لا يَدُلُّ عَلى الزِّنا، إذْ قَدْ يَرْمِيها بِسَرِقَةٍ وشُرْبِ خَمْرٍ وكُفْرٍ، بَلْ لا بُدَّ مِن قَرِينَةٍ دالَّةٍ عَلى التَّعْيِينِ، وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُرادَ الرَّمْيُ بِالزِّنا وفي الآيَةِ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ: أحَدُها: تَقَدُّمُ ذِكْرِ الزِّنا. وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ المُحْصَناتِ وهُنَّ العَفائِفُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ رَمْيُهُنَّ بِضِدِّ العَفافِ. وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي عَلى صِحَّةِ ما رَمَوْهُنَّ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا العَدَدَ مِنَ الشُّهُودِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ إلّا في الزِّنا. ورابِعُها: انْعِقادُ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ الجَلْدُ بِالرَّمْيِ بِغَيْرِ الزِّنا فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الرَّمْيُ بِالزِّنا، إذا عَرَفْتَ هَذا فالكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّمْيِ والرّامِي والمَرْمِيِّ.

* * *

البَحْثُ الأوَّلُ: في الرَّمْيِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ألْفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنايَةٍ وتَعْرِيضٍ، فالصَّرِيحُ أنْ يَقُولَ يا زانِيَةُ أوْ زَنَيْتِ أوْ زَنى قُبُلُكِ أوْ دُبُرُكِ، ولَوْ قالَ زَنى بَدَنُكِ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُها: أنَّهُ كِنايَةٌ كَقَوْلِهِ: زَنى يَدُكِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الزِّنا مِنَ الفَرْجِ فَلا يَكُونُ مِن سائِرِ البَدَنِ إلّا المَعُونَةُ.

والثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّهُ صَرِيحٌ، لِأنَّ الفِعْلَ إنَّما يَصْدُرُ مِن جُمْلَةِ البَدَنِ. والفَرْجُ آلَةٌ في الفِعْلِ. أمّا الكِناياتُ فَمِثْلُ أنْ يَقُولَ يا فاسِقَةُ، يا فاجِرَةُ، يا خَبِيثَةُ، يا مُؤاجَرَةُ، يا ابْنَةَ الحَرامِ، أوِ امْرَأتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، وبِالعَكْسِ فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ لِعَرَبِيٍّ يا نَبَطِيُّ، فَهَذا لا يَكُونُ قَذْفًا إلّا أنْ يُرِيدَهُ، فَإنْ أرادَ بِهِ القَذْفَ فَهو قَذْفٌ لِأُمِّ المَقُولِ لَهُ وإلّا فَلا، فَإنْ قالَ عَنَيْتُ بِهِ نَبَطِيَّ الدّارِ واللِّسانِ، وادَّعَتْ أُمُّ المَقُولِ لَهُ أنَّهُ أرادَ القَذْفَ، فالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. أمّا التَّعْرِيضُ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ وإنْ أرادَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: يا ابْنَ الحَلالِ، أمّا أنا فَما زَنَيْتُ ولَيْسَتْ أُمِّي زانِيَةً، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ وزُفَرَ وابْنِ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيِّ والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ الحَدُّ فِيهِ، وقالَ أحْمَدُ وإسْحَقُ: هو قَذْفٌ في حالِ الغَضَبِ دُونَ حالِ الرِّضا، لَنا، أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ مُحْتَمَلٌ لِلْقَذْفِ ولِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجِبَ الحَدُّ، لِأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ فَلا يَرْجِعُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وأيْضًا فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهاتِ» ولِأنَّ الحُدُودَ شُرِّعَتْ عَلى خِلافِ النَّصِّ النّافِي لِلضَّرَرِ. والإيذاءُ الحاصِلُ بِالتَّصْرِيحِ فَوْقَ الحاصِلِ بِالتَّعْرِيضِ، واحْتَجَّ المُخالِفُ بِما رَوى الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبّا في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: واللَّهِ ما أنا بِزانٍ ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، فاسْتَشارَ عُمَرُ النّاسَ في ذَلِكَ، فَقالَ قائِلٌ: مَدَحَ أباهُ وأُمَّهُ، وقالَ آخَرُونَ: قَدْ كانَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمانِينَ جَلْدَةً

صفحة ١٣٤

، والجَوابُ: أنَّ في مُشاوَرَةِ عُمَرَ الصَّحابَةَ في حُكْمِ التَّعْرِيضِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيهِ تَوْقِيفٌ، وأنَّهم قالُوا رَأْيًا واجْتِهادًا.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: في تَعَدُّدِ القَذْفِ؛ اعْلَمْ أنَّهُ إمّا أنْ يَقْذِفَ شَخْصًا واحِدًا مِرارًا أوْ يَقْذِفَ جَماعَةً، فَإنْ قَذَفَ واحِدًا مِرارًا نُظِرَ إنْ كانَ أرادَ بِالكُلِّ زانِيَةً واحِدَةً بِأنْ قالَ: زَنَيْتِ بِعَمْرٍو قالَهُ مِرارًا لا يَجِبُ إلّا حَدٌّ واحِدٌ، ولَوْ أنْشَأ الثّانِيَ بَعْدَما حُدَّ لِلْأوَّلِ عُزِّرَ لِلثّانِي، وإنْ قَذَفَها بِزَنَياتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأنْ قالَ زَنَيْتِ بِزَيْدٍ، ثم قال زَنَيْتِ بِعَمْرٍو، فَهَلْ يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أمْ لا ؟ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَعَدَّدُ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ ولِأنَّهُ مِن حُقُوقِ العِبادِ فَلا يَقَعُ فِيهِ التَّداخُلُ كالدُّيُونِ والثّانِي: وهو الأصَحُّ يَتَداخَلُ فَلا يَجِبُ فِيهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ لِأنَّهُما حَدّانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ لِمُسْتَحِقٍّ واحِدٍ فَوَجَبَ أنْ يَتَداخَلَ كَحُدُودِ الزِّنا، ولَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ مِرارًا، فالأصَحُّ أنَّهُ يَكْتَفِي بِلِعانٍ واحِدٍ سَواءٌ قُلْنا يَتَعَدَّدُ الحَدُّ أوْ لا يَتَعَدَّدُ. أمّا إذا قَذَفَ جَماعَةً مَعْدُودِينَ نُظِرَ، إنْ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ بِكَلِمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا حَدٌّ واحِدٌ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ والقِياسِ.

أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ والمَعْنى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرْمِي المُحْصَناتِ وجَبَ عَلَيْهِ الجَلْدُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ قاذِفَ جَماعَةٍ مِنَ المُحْصَناتِ لا يُجْلَدُ أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ فَمَن أوْجَبَ عَلى قاذِفِ جَماعَةِ المُحْصَناتِ أكْثَرَ مِن حَدٍّ واحِدٍ فَقَدْ خالَفَ الآيَةَ.

وأمّا السُّنَّةُ: فَما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لا، البَيِّنَةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ“» فَلَمْ يُوجِبِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هِلالٍ إلّا حَدًّا واحِدًا مَعَ قَذْفِهِ لِامْرَأتِهِ ولِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ، إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعانِ فَأُقِيمَ اللِّعانُ في الزَّوْجاتِ مَقامَ الحَدِّ في الأجْنَبِيّاتِ.

وأمّا القِياسُ: فَهو أنَّ سائِرَ ما يُوجِبُ الحَدَّ إذا وُجِدَ مِنهُ مِرارًا لَمْ يَجِبْ إلّا حَدٌّ واحِدٌ كَمَن زَنى مِرارًا أوْ شَرِبَ مِرارًا أوْ سَرَقَ مِرارًا فَكَذا هاهُنا، والمَعْنى الجامِعُ دَفْعُ مَزِيدِ الضَّرَرِ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ، وقَوْلَهُ: ﴿المُحْصَناتِ﴾ صِيغَةُ جَمْعِ، والجَمْعُ إذا قُوبِلَ بِالجَمْعِ يُقابَلُ الفَرْدُ بِالفَرْدِ فَيَصِيرُ المَعْنى: كُلُّ مَن رَمى مُحْصَنًا واحِدًا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ تَمَسُّكِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالآيَةِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] يَدُلُّ عَلى تَرْتِيبِ الجَلْدِ عَلى رَمْيِ المُحْصَناتِ وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ، لا سِيَّما إذا كانَ مُناسِبًا فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ رَمْيَ المُحْصَنِ مِن حَيْثُ إنَّهُ هَذا المُسَمّى يُوجِبُ الجَلْدَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قَذَفَ واحِدًا صارَ ذَلِكَ القَذْفُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، فَإذا قَذَفَ الثّانِيَ وجَبَ أنْ يَكُونَ القَذْفُ الثّانِي مُوجِبًا لِلْحَدِّ أيْضًا، ثُمَّ مُوجِبُ القَذْفِ الثّانِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الحَدُّ الأوَّلُ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ وجَبَ بِالقَذْفِ الأوَّلِ وإيجابُ الواجِبِ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يُحَدَّ بِالقَذْفِ الثّانِي حَدًّا ثانِيًا، أقْصى ما في البابِ أنْ يُورَدَ عَلى هَذِهِ الدَّلالَةِ حُدُودُ الزِّنا. لَكِنّا نَقُولُ تُرِكَ العَمَلُ هُناكَ بِهَذا الدَّلِيلِ لِأنَّ حَدَّ الزِّنا أغْلَظُ مِن حَدِّ القَذْفِ، وعِنْدَ ظُهُورِ الفارِقِ يَتَعَذَّرُ الجَمْعُ.

وأمّا السُّنَّةُ فَلا دَلالَةَ فِيها عَلى هَذِهِ المسألة لِأنَّ قَذْفَهُما بِلَفْظٍ واحِدٍ، ولَنا في هَذِهِ المسألة تَفْصِيلٌ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.

صفحة ١٣٥

وأمّا القِياسُ فَفاسِدٌ لِأنَّ حَدَّ القَذْفِ حَقُّ الآدَمِيِّ. بِدَلِيلِ أنَّهُ لا يُحَدُّ إلّا بِمُطالَبَةِ المَقْذُوفِ وحُقُوقُ الآدَمِيِّ لا تَتَداخَلُ بِخِلافِ حَدِّ الزِّنا، فَإنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى. هَذا كُلُّهُ إذا قَذَفَ جَماعَةً كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِكَلِمَةٍ عَلى حِدَةٍ. أمّا إذا قَذَفَهم بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَقالَ أنْتُمْ زُناةٌ أوْ زَنَيْتُمْ، فَفِيهِ قَوْلانِ أصَحُّهُما وهو قَوْلُهُ في ”الجَدِيدِ“: يَجِبُ لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ لِأنَّهُ مِن حُقُوقِ العِبادِ فَلا يَتَداخَلُ، ولِأنَّهُ أدْخَلَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَعَرَّةً فَصارَ كَما لَوْ قَذَفَهم بِكَلِماتٍ. وفي ”القَدِيمِ“ لا يَجِبُ لِلْكُلِّ إلّا حَدٌّ واحِدٌ اعْتِبارًا بِاللَّفْظِ، فَإنَّ اللَّفْظَ واحِدٌ والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِمَفْهُومِ الآيَةِ. فَعَلى هَذا لَوْ قالَ لِرَجُلٍ يا ابْنَ الزّانِيَيْنِ يَكُونُ قَذْفًا لِأبَوَيْهِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَعَلَيْهِ حَدّانِ.

* * *

المسألة الثّالِثَةُ: فِيما يُبِيحُ القَذْفَ: القَذْفُ يَنْقَسِمُ إلى مَحْظُورٍ ومُباحٍ وواجِبٍ، وجُمْلَةُ الكَلامِ أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ولَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ فَلا يَجِبُ، وهَلْ يُباحُ أمْ لا ؟ يُنْظَرُ إنْ رَآها بِعَيْنِهِ تَزْنِي أوْ أقَرَّتْ هي عَلى نَفْسِها ووَقَعَ في قَلْبِهِ صِدْقُها أوْ سَمِعَ مِمَّنْ يَثِقُ بِقَوْلِهِ أوْ لَمْ يَسْمَعْ، لَكِنَّهُ اسْتَفاضَ فِيما بَيْنَ النّاسِ أنَّ فُلانًا يَزْنِي بِفُلانَةٍ، وقَدْ رَآهُ الزَّوْجُ يَخْرُجُ مِن بَيْتِها أوْ رَآهُ مَعَها في بَيْتٍ، فَإنَّهُ يُباحُ لَهُ القَذْفُ لِتَأكُّدِ التُّهْمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُمْسِكَها ويَسْتُرَ عَلَيْها.

لِما رُوِيَ ”«أنَّ رَجُلًا قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي امْرَأةً لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، قالَ طَلِّقْها. قالَ إنِّي أُحِبُّها، قالَ فَأمْسِكْها» “ أمّا إذا سَمِعَهُ مِمَّنْ لا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ أوِ اسْتَفاضَ مِن بَيْنِ النّاسِ، ولَكِنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَرَهُ مَعَها، أوْ بِالعَكْسِ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَذْفُها، لِأنَّهُ قَدْ يَذْكُرُهُ مَن لا يَكُونُ ثِقَةً، فَيَنْتَشِرُ ويَدْخُلُ بَيْتَها خَوْفًا مِن قاصِدٍ أوْ لِسَرِقَةٍ أوْ لِطَلَبِ فُجُورٍ فَتَأْبى المَرْأةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١] أمّا إذا كانَ ثَمَّ ولَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، نُظِرَ فَإنْ تَيَقَّنَ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ بِأنْ لَمْ يَكُنْ وطِئَها الزَّوْجُ أوْ وطِئَها لَكِنَّها أتَتْ بِهِ لِأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الوَطْءِ أوْ لِأكْثَرِ مِن أرْبَعِ سِنِينَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفْيُهُ بِاللِّعانِ؛ لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِلْحاقِ نَسَبِ الغَيْرِ كَما هو مَمْنُوعٌ مِن نَفْيِ نَسَبِهِ، لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أيُّما امْرَأةٍ أدْخَلَتْ عَلى قَوْمٍ مَن لَيْسَ مِنهم فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ ولَمْ يُدْخِلْها اللَّهُ جَنَّتَهُ» “ فَلَمّا حَرُمَ عَلى المَرْأةِ أنْ تُدْخِلَ عَلى قَوْمٍ مَن لَيْسَ مِنهم كانَ الرَّجُلُ أيْضًا كَذَلِكَ، أمّا إنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنهُ بِأنْ أتَتْ بِهِ لِأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الوَطْءِ ولِدُونِ أرْبَعِ سِنِينَ، نُظِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَبْرَأها بِحَيْضَةٍ، أوِ اسْتَبْرَأها وأتَتْ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الِاسْتِبْراءِ، لا يَحِلُّ لَهُ القَذْفُ والنَّفْيُ وإنِ اتَّهَمَها بِالزِّنا.

قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«أيُّما رَجُلٍ جَحَدَ ولَدَهُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ وفَضَحَهُ عَلى رُؤُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ» “ فَإنِ اسْتَبْرَأها وأتَتْ بِهِ لِأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن وقْتِ الِاسْتِبْراءِ يُباحُ لَهُ القَذْفُ والنَّفْيُ. والأوْلى أنْ لا يَفْعَلَ لِأنَّها قَدْ تَرى الدَّمَ عَلى الحَبَلِ وإنْ أتَتِ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ لا يُشْبِهُهُ بِأنْ كانا أبْيَضَيْنِ فَأتَتْ بِهِ أسْوَدَ، نُظِرَ إنْ لَمْ يَكُنْ يَتَّهِمُها بِالزِّنا فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ، لِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”«أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ، فَقالَ هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ما ألْوانُها ؟ قالَ حُمْرٌ، قالَ فَهَلْ فِيها أوْرَقُ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ فَكَيْفَ ذاكَ ؟ قالَ نَزَعَهُ عِرْقٌ قالَ فَلَعَلَّ هَذا نَزَعَهُ عِرْقٌ» “ وإنْ كانَ يَتَّهِمُها بِزِنًا أوْ يَتَّهِمُها بِرَجُلٍ فَأتَتْ بِوَلَدٍ يُشْبِهُهُ هَلْ يُباحُ لَهُ نَفْيُهُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا لِأنَّ العِرْقَ يَنْزِعُ.

والثّانِي: لَهُ ذَلِكَ لِأنَّ التُّهْمَةَ قَدْ تَأكَّدَتْ بِالشُّبْهَةِ.

* * *

البَحْثُ الثّانِي: في الرّامِي وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: إذا قَذَفَ الصَّبِيُّ أوِ المَجْنُونُ امْرَأتَهُ أوْ أجْنَبِيًّا فَلا حَدَّ عَلَيْهِما ولا لِعانَ، لا في الحالِ

صفحة ١٣٦

ولا بَعْدَ البُلُوغِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» ولَكِنْ يُعَزَّرانِ لِلتَّأْدِيبِ إنْ كانَ لَهُما تَمْيِيزٌ، فَلَوْ لَمْ تَتَّفِقْ إقامَةُ التَّعْزِيرِ عَلى الصَّبِيِّ حَتّى بَلَغَ، قالَ القَفّالُ يَسْقُطُ التَّعْزِيرُ، لِأنَّهُ كانَ لِلزَّجْرِ عَنْ إساءَةِ الأدَبِ وقَدْ حَدَثَ زاجِرٌ أقْوى وهو البُلُوغُ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: الأخْرَسُ إذا كانَتْ لَهُ إشارَةٌ مَفْهُومَةٌ، أوْ كِتابَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَذَفَ بِالإشارَةِ، أوْ بِالكِنايَةِ، لَزِمَهُ الحَدُّ، وكَذَلِكَ يَصِحُّ لِعانُهُ بِالإشارَةِ والكِنايَةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَصِحُّ قَذْفُ الأخْرَسِ ولا لِعانُهُ.

وقَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أقْرَبُ إلى ظاهِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مَن كَتَبَ أوْ أشارَ إلى القَذْفِ فَقَدْ رَمى المُحْصَنَةَ وألْحَقَ العارَ بِها فَوَجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الظّاهِرِ، ولِأنّا نَقِيسُ قَذْفَهُ ولِعانَهُ عَلى سائِرِ الأحْكامِ.

* * *

المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِيما إذا قَذَفَ العَبْدُ حُرًّا، فَقالَ الشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ وعُثْمانُ القِنُّ عَلَيْهِ أرْبَعُونَ جَلْدَةً، رَوى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”يُجْلَدُ العَبْدُ في القَذْفِ أرْبَعِينَ“ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ”أدْرَكْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ ومَن بَعْدَهم مِنَ الخُلَفاءِ وكُلُّهم يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ في القَذْفِ أرْبَعِينَ“ وقالَ الأوْزاعِيُّ يُجْلَدُ ثَمانِينَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ أنَّهُ جَلَدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ العَبْدَ في الفِرْيَةِ ثَمانِينَ. ومَدارُ المسألة عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في إيجابِ الثَّمانِينَ فَمَن رَدَّ هَذا الحَدَّ إلى أرْبَعِينَ فَطَرِيقُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَنَصَّ عَلى أنَّ حَدَّ الأمَةِ في الزِّنا نِصْفُ حَدِّ الحُرَّةِ، ثُمَّ قاسُوا العَبْدَ عَلى الأمَةِ في تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنا، ثُمَّ قاسُوا تَنْصِيفَ حَدِّ قَذْفِ العَبْدِ عَلى تَنْصِيفِ حَدِّ الزِّنا في حَقِّهِ، فَرَجَعَ حاصِلُ الأمْرِ إلى تَخْصِيصِ عُمُومِ الكِتابِ بِهَذا القِياسِ.

* * *

المسألة الرّابِعَةُ: اتَّفَقُوا عَلى دُخُولِ الكافِرِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ لِأنَّ الِاسْمَ يَتَناوَلُهُ ولا مانِعَ، فاليَهُودِيُّ إذا قَذَفَ المُسْلِمَ يُجْلَدُ ثَمانِينَ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

البَحْثُ الثّالِثُ: في المَرْمِيِّ وهي المُحَصَنَةُ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: اسْمُ الإحْصانِ يَقَعُ عَلى المُتَزَوِّجَةِ وعَلى العَفِيفَةِ وإنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، لِقَوْلِهِ تَعالى في مَرْيَمَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [الأنبياء: ٩١] وهو مَأْخُوذٌ مِن مَنعِ الفَرْجِ، فَإذا تَزَوَّجَتْ مَنَعَتْهُ إلّا مِن زَوْجِها، وغَيْرُ المُتَزَوِّجَةِ تَمْنَعُهُ كُلَّ أحَدٍ، ويَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ العَفائِفِ سَواءٌ كانَتْ مَسْلِمَةً أوْ كافِرَةً وسَواءٌ كانَتْ حُرَّةً أوْ رَقِيقَةً، إلّا أنَّ الفُقَهاءَ قالُوا: شَرائِطُ الإحْصانِ خَمْسَةٌ: الإسْلامُ والعَقْلُ والبُلُوغُ والحُرِّيَّةُ والعِفَّةُ مِنَ الزِّنا، وإنَّما اعْتَبَرْنا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» وإنَّما اعْتَبَرْنا العَقْلَ والبُلُوغَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ» وإنَّما اعْتَبَرْنا الحَرِيَّةَ لِأنَّ العَبْدَ ناقِصُ الدَّرَجَةِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ التَّعْيِيرُ بِالزِّنا، وإنَّما اعْتَبَرْنا العِفَّةَ عَنِ الزِّنا لِأنَّ الحَدَّ مَشْرُوعٌ لِتَكْذِيبِ القاذِفِ، فَإذا كانَ المَقْذُوفُ زانِيًا فالقاذِفُ صادِقٌ في القَذْفِ.

وكَذَلِكَ إذا كانَ المَقْذُوفُ وطِئَ امْرَأةً بِشُبْهَةٍ أوْ نِكاحٍ فاسِدٍ، لِأنَّ فِيهِ شُبْهَةَ الزِّنا كَما فِيهِ شُبْهَةُ الحِلِّ، فَكَما أنَّ إحْدى الشُّبْهَتَيْنِ أسْقَطَتِ الحَدَّ عَنِ الواطِئِ، فَكَذا الأُخْرى تُسْقِطُهُ عَنْ قاذِفِهِ أيْضًا، ثُمَّ نَقُولُ: مَن قَذَفَ كافِرًا أوْ مَجْنُونًا أوْ صَبِيًّا أوْ مَمْلُوكًا، أوْ مَن قَدْ رَمى امْرَأةً، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، بَلْ يُعَزَّرُ لِلْأذى، حَتّى لَوْ زَنى في عُنْفُوانِ شَبابِهِ مَرَّةً، ثُمَّ تابَ وحَسُنَ حالُهُ وشاخَ في الصَّلاحِ لا يُحَدُّ قاذِفُهُ، وكَذَلِكَ لَوْ زَنى كافِرٌ أوْ رَقِيقٌ ثُمَّ أسْلَمَ وعُتِقَ وصَلُحَ حالُهُ فَقَذَفَهُ قاذِفٌ لا حَدَّ عَلَيْهِ، بِخِلافِ ما لَوْ زَنى في حالِ صِغَرِهِ أوْ جُنُونِهِ ثُمَّ بَلَغَ أوْ أفاقَ فَقَذَفَهُ

صفحة ١٣٧

قاذِفٌ يُحَدُّ، لِأنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ لا يَكُونُ زِنًا، ولَوْ قَذَفَ مُحْصَنًا فَقَبْلَ أنْ يُحَدَّ القاذِفُ زَنا المَقْذُوفُ سَقَطَ الحَدُّ عَنْ قاذِفِهِ؛ لِأنَّ صُدُورَ الزِّنا يُورِثُ رِيبَةً في حالِهِ فِيما مَضى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَرِيمٌ لا يَهْتِكُ سِتْرَ عَبْدِهِ في أوَّلِ ما يَرْتَكِبُ المَعْصِيَةَ، فَبِظُهُورِهِ يُعْلَمُ أنَّهُ كانَ مُتَّصِفًا بِهِ مِن قَبْلُ، رُوِيَ أنَّ رَجُلًا زَنى في عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ واللَّهِ ما زَنَيْتُ إلّا هَذِهِ، فَقالَ عُمَرُ كَذَبْتَ إنَّ اللَّهَ لا يَفْضَحُ عَبْدَهُ في أوَّلِ مَرَّةٍ، وقالَ المُزَنِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: الزِّنا الطّارِئُ لا يُسْقِطُ الحَدَّ عَنِ القاذِفِ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ يَقَعُ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ، وسائِرُ العُلَماءِ أنْكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ المُحْصَناتِ جَمْعٌ لِمُؤَنَّثٍ فَلا يَتَناوَلُ الرِّجالَ، بَلِ الإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ في هَذا البابِ بَيْنَ المُحْصَنِينَ والمُحْصَناتِ.

المسألة الثّالِثَةُ: رَمْيُ غَيْرِ المُحْصَناتِ لا يُوجِبُ الحَدَّ بَلْ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ إلّا أنْ يَكُونَ المَقْذُوفُ مَعْرُوفًا بِما قُذِفَ بِهِ فَلا حَدَّ هُناكَ ولا تَعْزِيرَ، فَهَذا مَجْمُوعُ الكَلامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ في القاذِفِ إذا لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ بِثَلاثَةِ أحْكامٍ أحَدُها: جَلْدُ ثَمانِينَ. وثانِيها: بُطْلانُ الشَّهادَةِ. وثالِثُها: الحُكْمُ بِفِسْقِهِ إلى أنْ يَتُوبَ، واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ هَذِهِ الأحْكامِ، بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِ القَذْفِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلى الزِّنا.

فَقالَ قائِلُونَ قَدْ بَطَلَتْ شَهادَتُهُ ولَزِمَهُ سِمَةُ الفِسْقِ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: شَهادَتُهُ مَقْبُولَةٌ ما لَمْ يُحَدَّ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ وهَذا مُقْتَضى قَوْلِهِمْ إنَّهُ غَيْرُ مَوْسُومٍ بِسِمَةِ الفِسْقِ ما لَمْ يَقَعْ بِهِ الحَدُّ. لِأنَّهُ لَوْ لَزِمَتْهُ سِمَةُ الفِسْقِ لَما جازَتْ شَهادَتُهُ إذْ كانَتْ سِمَةُ الفِسْقِ مُبْطِلَةً لِشَهادَةِ مَن وُسِمَ بِها، ثُمَّ احْتَجَّ أبُو بَكْرٍ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأُمُورٍ:

أحَدُها: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ وُجُوبِ الحَدِّ عَلى مَجْمُوعِ القَذْفِ والعَجْزِ عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ، فَلَوْ عَلَّقْنا هَذا الحُكْمَ عَلى القَذْفِ وحْدَهُ قَدَحَ ذَلِكَ في كَوْنِهِ مُعَلَّقًا عَلى الأمْرَيْنِ وذَلِكَ بِخِلافِ الآيَةِ، وأيْضًا فَوُجُوبُ الجَلْدِ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ أحَدِهِما، كَما لَوْ قالَ لِامْرَأتِهِ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ وكَلَّمْتِ فُلانًا فَأنْتِ طالِقٌ، فَأتَتْ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ لَمْ يُوجَدِ الجَزاءُ، فَكَذا هاهُنا.

وثانِيها: أنَّ القاذِفَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ بِمُجَرَّدِ قَذْفِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تُرَدَّ شَهادَتُهُ بِمُجَرَّدِ القَذْفِ. بَيانُ الأوَّلِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مُجَرَّدَ قَذْفِهِ لَوْ أوْجَبَ كَوْنَهُ كاذِبًا لَوَجَبَ أنْ لا تُقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَتُهُ عَلى الزِّنا إذْ قَدْ وقَعَ الحُكْمُ بِكَذِبِهِ، والحُكْمُ بِكَذِبِهِ في قَذْفِهِ حُكْمٌ بِبُطْلانِ شَهادَةِ مَن شَهِدَ بِصِدْقِهِ في كَوْنِ المَقْذُوفِ زانِيًا، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى قَبُولِ بَيِّنَتِهِ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ بِمُجَرَّدِ قَذْفِهِ.

الثّانِي: أنَّ قاذِفَ امْرَأتِهِ بِالزِّنا لا يُحْكَمُ بِكَذِبِهِ بِنَفْسِ قَذْفِهِ، وإلّا لَما جازَ إيجابُ اللِّعانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، ولَما أُمِرَ بِأنْ يَشْهَدَ بِاللَّهِ أنَّهُ لَصادِقٌ فِيما رَماها بِهِ مِنَ الزِّنا مَعَ الحُكْمِ بِكَذِبِهِ. ولَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَما لاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ”«اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُما تائِبٌ» “ فَأخْبَرَ أنَّ أحَدَهُما بِغَيْرِ تَعْيِينٍ هو الكاذِبُ ولَمْ يَحْكم بِكَذِبِ القاذِفِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ

صفحة ١٣٨

نَفْسَ القَذْفِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ كاذِبًا.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فَلَمْ يَحْكم بِكَذِبِهِمْ بِنَفْسِ القَذْفِ فَقَطْ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القاذِفَ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ كاذِبًا بِمُجَرَّدِ القَذْفِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَبْطُلَ شَهادَتُهُ بِمُجَرَّدِ القَذْفِ لِأنَّهُ كانَ عَدْلًا ثِقَةً والصّادِرُ عَنْهُ غَيْرُ مُعارَضٍ، ولَمّا كانَ يَجِبُ أنْ يَبْقى عَلى عَدالَتِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الشَّهادَةِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلّا مَحْدُودًا في قَذْفٍ» “ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَقاءِ عَدالَةِ القاذِفِ ما لَمْ يُحَدَّ.

ورابِعُها: ما رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قِصَّةِ «هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ لَمّا قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”يُجْلَدُ هِلالٌ وتَبْطُلُ شَهادَتُهُ في المُسْلِمِينَ“» فَأخْبَرَ أنَّ بُطْلانَ شَهادَتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِوُقُوعِ الجَلْدِ بِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ القَذْفِ لا يُبْطِلُ الشَّهادَةَ.

وخامِسُها: أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ زَعَمَ أنَّ شُهُودَ القَذْفِ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ قُبِلَتْ شَهادَتُهم، فَإنْ كانَ القَذْفُ قَدْ أبْطَلَ شَهادَتَهُ فَواجِبٌ أنْ لا يَقْبَلَها بَعْدَ ذَلِكَ، وإنْ شَهِدَ مَعَهُ ثَلاثَةٌ لِأنَّهُ قَدْ فَسَقَ بِقَذْفِهِ ووَجَبَ الحُكْمُ بِكَذِبِهِ، وفي قَبُولِ شَهادَتِهِمْ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ ما يَلْزَمُهُ أنْ لا تَبْطُلَ شَهادَتُهم بِنَفْسِ القَذْفِ، وأمّا وجْهُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهو أنَّ اللَّهَ تَعالى رَتَّبَ عَلى القَذْفِ مَعَ عَدَمِ الإتْيانِ بِالشُّهَداءِ الأرْبَعَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً مَعْطُوفًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِحَرْفِ الواوِ، وحَرْفُ الواوِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ بَعْضُها مُرَتَّبًا عَلى البَعْضِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ رَدُّ الشَّهادَةِ مُرَتَّبًا عَلى إقامَةِ الحَدِّ، بَلْ يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهادَةِ سَواءٌ أُقِيمَ الحَدُّ عَلَيْهِ أوْ ما أُقِيمَ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

البَحْثُ الثّانِي: في كَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ «وقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ؟ قالَ: نَعَمْ“» ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: الإقْرارُ بِالزِّنا هَلْ يَثْبُتُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَثْبُتُ إلّا بِأرْبَعَةٍ كَفِعْلِ الزِّنا.

والثّانِي: يَثْبُتُ بِخِلافِ فِعْلِ الزِّنا، لِأنَّ الفِعْلَ يُغْمَضُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ فاحْتِيطَ فِيهِ بِاشْتِراطِ الأرْبَعِ، والإقْرارُ أمْرٌ ظاهِرٌ فَلا يُغْمَضُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ.

المسألة الثّانِيَةُ: إذا شَهِدُوا عَلى فِعْلِ الزِّنا يَجِبُ أنْ يَذْكُرُوا الزّانِيَ ومَن زَنى بِها، لِأنَّهُ قَدْ يَراهُ عَلى جارِيَةٍ لَهُ فَيَظُنُّ أنَّها أجْنَبِيَّةٌ، ويَجِبُ أنْ يَشْهَدُوا أنّا رَأيْنا ذَكَرَهُ يَدْخُلُ في فَرْجِها دُخُولَ المِيلِ في المُكْحُلَةِ، فَلَوْ شَهِدُوا مُطْلَقًا أنَّهُ زَنى لا يَثْبُتُ، لِأنَّهم رُبَّما يَرَوْنَ المُفاخَذَةَ زِنًا، بِخِلافِ ما لَوْ قَذَفَ إنْسانًا فَقالَ زَنَيْتَ يَجِبُ الحَدُّ ولا يُسْتَفْسَرُ، ولَوْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالزِّنا، هَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يُسْتَفْسَرَ ؟ فِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: نَعَمْ كالشُّهُودِ.

والثّانِي: لا يَجِبُ كَما في القَذْفِ.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَجِيءَ الشُّهُودُ مُتَفَرِّقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذا شَهِدُوا مُتَفَرِّقِينَ لا يَثْبُتُ وعَلَيْهِمْ حَدُّ القَذْفِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الإتْيانَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الإتْيانِ بِهِمْ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ واللَّفْظُ الدّالُّ عَلى ما بِهِ الِاشْتِراكُ لا إشْعارَ لَهُ بِما بِهِ الِامْتِيازُ، فالآتِي بِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ يَكُونُ عامِلًا بِالنَّصِّ فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.

الثّانِي: كَلُّ

صفحة ١٣٩

حُكْمٍ يَثْبُتُ بِشَهادَةِ الشُّهُودِ إذا جاءُوا مُجْتَمِعِينَ يَثْبُتُ إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ كَسائِرِ الأحْكامِ، بَلْ هَذا أوْلى لِأنَّهم إذا جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ كانَ أبْعَدَ عَنِ التُّهْمَةِ، وعَنْ أنْ يَتَلَقَّنَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَلِذَلِكَ قُلْنا إذا وقَعَتْ رِيبَةٌ لِلْقاضِي في شَهادَةِ الشُّهُودِ فَرَّقَهم لِيَظْهَرَ عَلى عَوْرَةٍ إنْ كانَتْ في شَهادَتِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَشْهَدُوا مَعًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ إذا اجْتَمَعُوا عِنْدَ القاضِي وكانَ يُقَدَّمُ واحِدٌ بَعْدَ آخَرَ ويَشْهَدُ فَإنَّهُ تُقْبَلُ شَهادَتُهم، فَكَذا إذا اجْتَمَعُوا عَلى بابِهِ. ثُمَّ كانَ يَدْخُلُ واحِدٌ بَعْدَ واحِدٍ، حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الشّاهِدَ الواحِدَ لَمّا شَهِدَ فَقَدْ قَذَفَهُ ولَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهَداءِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ أقْصى ما في البابِ أنَّهم عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ القَذْفِ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، وذَلِكَ لا عِبْرَةَ بِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى إسْقاطِ حَدِّ القَذْفِ رَأْسًا، لِأنَّ كُلَّ قاذِفٍ لا يُعْجِزُهُ لَفْظُ الشَّهادَةِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى إسْقاطِ الحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، ويَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِنَ القَذْفِ.

الثّانِي: ما رُوِيَ ”أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أرْبَعَةٌ: أبُو بَكْرَةَ ونافِعٌ ونُفَيْعٌ وقالَ زِيادٌ - وكانَ رابِعَهم - رَأيْتُ إسْتًا تَنْبُو ونَفَسًا يَعْلُو ورِجْلاها عَلى عاتِقِهِ كَأُذُنَيْ حِمارٍ، ولا أدْرِي ما وراءَ ذَلِكَ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلاثَةَ ولَمْ يَسْألْ هَلْ مَعَهم شاهِدٌ آخَرُ“ فَلَوْ قُبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهادَةُ غَيْرِهِمْ لَتَوَقَّفَ، لِأنَّ الحُدُودَ مِمّا يُتَوَقَّفُ فِيها ويُحْتاطُ.

المسألة الرّابِعَةُ: لَوْ شَهِدَ عَلى الزِّنا أقَلُّ مِن أرْبَعَةٍ لا يَثْبُتُ الزِّنا، وهَلْ يَجِبُ حَدُّ القَذْفِ عَلى الشُّهُودِ ؟ فِيهِ قَوْلانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском