Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:43–46
24:43–44Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣
Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤
Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الثّانِي مِنَ الدَّلائِلِ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ بِعَيْنِ عَقْلِكَ والمُرادُ التَّنْبِيهُ؛ والإزْجاءُ السَّوْقُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ الَّتِي يُزْجِيها كُلُّ أحَدٍ، وإزْجاءُ السَّيْرِ في الإبِلِ الرِّفْقُ بِها حَتّى تَسِيرَ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ، قالَ الفَرّاءُ ”بَيْنَ“ لا يَصْلُحُ إلّا مُضافًا إلى اسْمَيْنِ فَما زادَ، وإنَّما قالَ ﴿بَيْنَهُ﴾ لِأنَّ السَّحابَ واحِدٌ في اللَّفْظِ، ومَعْناهُ الجَمْعُ والواحِدُ سَحابَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرَّعْدِ: ١٢] والتَّأْلِيفُ ضَمُّ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، أيْ يَجْمَعُ بَيْنَ قِطَعِ السَّحابِ فَيَجْعَلُها سَحابًا واحِدًا ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ أيْ مُجْتَمِعًا، والرَّكْمُ جَمْعُكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتّى تَجْعَلَهُ مَرْكُومًا، والوَدْقُ: المَطَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَنْ مُجاهِدٍ: القَطْرُ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: الماءُ. ﴿مِن خِلالِهِ﴾ مِن شُقُوقِهِ ومَخارِقِهِ جَمْعُ خَلَلٍ كَجِبالٍ في جَمْعِ جَبَلٍ، وقُرِئَ ”مِن خَلَلِهِ“ .
صفحة ١٣
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُزْجِي سَحابًا﴾ يَحْتَمِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْشِئُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُغَيِّرَهُ مِن سائِرِ الأجْسامِ لا في حالَةٍ واحِدَةٍ، فَعَلى الوجه الأوَّلِ يَكُونُ نَفْسُ السَّحابِ مُحْدَثًا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يُؤَلِّفُ بَيْنَ أجْزائِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُحْدِثُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى تِلْكَ الصِّفاتُ الَّتِي بِاعْتِبارِها صارَتْ تِلْكَ الأجْسامُ سَحابًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ دَلالَةً عَلى وُجُودِها مُتَقَدِّمًا مُتَفَرِّقًا، إذِ التَّأْلِيفُ لا يَصِحُّ إلّا بَيْنَ مَوْجُودَيْنِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْعَلُهُ رُكامًا، وذَلِكَ بِتَرَكُّبٍ بَعْضِها عَلى البَعْضِ، وهَذا مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّ السَّحابَ إنَّما يَحْمِلُ الكَثِيرَ مِنَ الماءِ إذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ خَلْقِهِ ودَلالَةِ مُلْكِهِ واقْتِدارِهِ، قالَ أهْلُ الطَّبائِعِ إنَّ تَكَوُّنَ السَّحابِ والمَطَرِ والثَّلْجِ والبَرَدِ والطَّلِّ والصَّقِيعِ في أكْثَرِ الأمْرِ يَكُونُ مِن تَكاثُفِ البُخارِ وفي الأقَلِّ مِن تَكاثُفِ الهَواءِ، أمّا الأوَّلُ فالبُخارُ الصّاعِدُ إنْ كانَ قَلِيلًا وكانَ في الهَواءِ مِنَ الحَرارَةِ ما يُحَلِّلُ ذَلِكَ البُخارَ، فَحِينَئِذٍ يَنْحَلُّ ويَنْقَلِبُ هَواءً. وأمّا إنْ كانَ البُخارُ كَثِيرًا ولَمْ يَكُنْ في الهَواءِ مِنَ الحَرارَةِ ما يُحَلِّلُ ذَلِكَ البُخارَ فَتِلْكَ الأبْخِرَةُ المُتَصاعِدَةُ إمّا أنْ تَبْلُغَ في صُعُودِها إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ أوْ لا تَبْلُغَ، فَإنْ بَلَغَتْ فَإمّا أنْ يَكُونَ البَرَدُ هُناكَ قَوِيًّا أوْ لا يَكُونُ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ البَرَدُ هُناكَ قَوِيًّا تَكاثَفَ ذَلِكَ البُخارُ بِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ البَرَدِ، واجْتَمَعَ وتَقاطَرَ، فالبُخارُ المُجْتَمِعُ هو السَّحابُ، والمُتَقاطِرُ هو المَطَرُ، والدِّيمَةُ والوابِلُ إنَّما يَكُونُ مِن أمْثالِ هَذِهِ الغُيُومِ، وأمّا إنْ كانَ البَرَدُ شَدِيدًا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَصِلَ البَرَدُ إلى الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ قَبْلَ اجْتِماعِها وانْحِلالِها حَبّاتٍ كِبارًا أوْ بَعْدَ صَيْرُورَتِها كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ عَلى الوجه الأوَّلِ نَزَلَ ثَلْجًا، وإنْ كانَ عَلى الوجه الثّانِي نَزَلَ بَرْدًا، وأمّا إذا لَمْ تَبْلُغِ الأخِيرَةُ إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ كَثِيرَةً أوْ تَكُونَ قَلِيلَةً، فَإنْ كانَتْ كَثِيرَةً فَهي قَدْ تَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا وقَدْ لا تَنْعَقِدُ، أمّا الأوَّلُ فَذاكَ لِأحَدِ أسْبابٍ خَمْسَةٍ:
أحَدُها: إذا مَنَعَ هُبُوبُ الرِّياحِ عَنْ تَصاعُدِ تِلْكَ الأبْخِرَةِ.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ الرِّياحُ ضاغِطَةً إيّاها إلى الِاجْتِماعِ بِسَبَبِ وُقُوفِ جِبالٍ قُدّامَ الرِّيحِ.
وثالِثُها: أنْ تَكُونَ هُناكَ رِياحٌ مُتَقابِلَةٌ مُتَصادِمَةٌ فَتَمْنَعُ صُعُودَ الأبْخِرَةِ حِينَئِذٍ.
ورابِعُها: أنْ يَعْرِضَ لِلْجُزْءِ المُتَقَدِّمِ وُقُوفٌ لِثِقَلِهِ وبُطْءِ حَرَكَتِهِ، ثُمَّ يَلْتَصِقُ بِهِ سائِرُ الأجْزاءِ الكَثِيرَةِ المَدَدُ.
وخامِسُها: لِشِدَّةِ بَرْدِ الهَواءِ القَرِيبِ مِنَ الأرْضِ. وقَدْ نُشاهِدُ البُخارَ يَصْعَدُ في بَعْضِ الجِبالِ صُعُودًا يَسِيرًا حَتّى كَأنَّهُ مِكَبَّةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلى وهْدَةٍ، ويَكُونُ النّاظِرُ إلَيْها فَوْقَ تِلْكَ الغَمامَةِ والَّذِينَ يَكُونُونَ تَحْتَ الغَمامَةِ يُمْطَرُونَ والَّذِينَ يَكُونُونَ فَوْقَها يَكُونُونَ في الشَّمْسِ، وأمّا إذا كانَتِ الأبْخِرَةُ القَلِيلَةُ الِارْتِفاعِ قَلِيلَةً لَطِيفَةً، فَإذا ضَرَبَها بَرْدُ اللَّيْلِ كَثَّفَها وعَقَدَها ماءً مَحْسُوسًا فَنَزَلَ نُزُولًا مُتَفَرِّقًا لا يُحِسُّ بِهِ إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَجْمُدْ كانَ طَلًّا، وإنْ جَمَدَ كانَ صَقِيعًا، ونِسْبَةُ الصَّقِيعِ إلى الطَّلِّ نِسْبَةُ الثَّلْجِ إلى المَطَرِ، وأمّا تَكَوُّنُ السَّحابِ مِنَ انْقِباضِ الهَواءِ فَذَلِكَ عِنْدَما يَبْرُدُ الهَواءُ ويَنْقَبِضُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ مِنهُ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ. والجَوابُ: أنّا لَمّا دَلَّلْنا عَلى حُدُوثِ الأجْسامِ وتَوَسَّلْنا بِذَلِكَ إلى كَوْنِهِ قادِرًا مُخْتارًا يُمْكِنُهُ إيجادُ الأجْسامِ لَمْ يُمْكِنّا القَطْعُ بِما ذَكَرْتُمُوهُ لِاحْتِمالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ أجْزاءَ السَّحابِ دُفْعَةً لا بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ، ولَكِنَّ الأجْسامَ بِالِاتِّفاقِ مُمْكِنَةٌ في ذَواتِها فَلا بُدَّ لَها مِن مُؤَثِّرٍ. ثُمَّ إنَّها مُتَماثِلَةٌ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةِ مِنَ الصُّعُودِ والهُبُوطِ واللَّطافَةِ والكَثافَةِ والحَرارَةِ والبُرُودَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ، فَإذا كانَ هو سُبْحانَهُ خالِقًا لِتِلْكَ الطَّبائِعِ، وتِلْكَ الطَّبائِعُ مُؤَثِّرَةٌ في هَذِهِ الأحْوالِ، وخالِقُ السَّبَبِ خالِقُ المُسَبَّبِ، فَكانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُزْجِي سَحابًا، لِأنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الطَّبائِعَ المُحَرِّكَةَ لِتِلْكَ الأبْخِرَةِ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى جَوِّ الهَواءِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأبْخِرَةَ إذا تَرادَفَتْ في صُعُودِها والتَصَقَ بَعْضُها بِالبَعْضِ فَهو سُبْحانَهُ
صفحة ١٤
هُوَ الَّذِي جَعَلَها رُكامًا، فَثَبَتَ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ أنَّ وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأشْياءِ عَلى القُدْرَةِ والحِكْمَةِ ظاهِرٌ بَيِّنٌ.
أمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ في السَّماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ، ثُمَّ يُنَزِّلُ مِنها ما شاءَ، وهَذا القَوْلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ: جِبالٌ مِن بَرَدٍ في السَّماءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّماءَ هو الغَيْمُ المُرْتَفِعُ عَلى رُءُوسِ النّاسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسُمُوِّهِ وارْتِفاعِهِ، وأنَّهُ تَعالى أنْزَلَ مِن هَذا الغَيْمِ الَّذِي هو سَماءٌ البَرَدَ وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن جِبالٍ﴾ السَّحابَ العِظامَ لِأنَّها إذا عَظُمَتْ أشْبَهَتِ الجِبالَ، كَما يُقالُ فُلانٌ يَمْلِكُ جِبالًا مِن مالٍ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ تَوَسُّعًا وذَهَبُوا إلى أنَّ البَرَدَ ماءٌ جامِدٌ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في السَّحابِ، ثُمَّ أنْزَلَهُ إلى الأرْضِ، وقالَ بَعْضُهم إنَّما سَمّى اللَّهُ ذَلِكَ الغَيْمَ جِبالًا، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَها مِنَ البَرَدِ، وكُلُّ جِسْمٍ شَدِيدٍ مُتَحَجِّرٍ فَهو مِنَ الجِبالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٨٤] ومِنهُ: فُلانٌ مَجْبُولٌ عَلى كَذا، قالَ المُفَسِّرُونَ: والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ السَّماءَ اسْمٌ لِهَذا الجِسْمِ المَخْصُوصِ، فَجَعْلُهُ اسْمًا لِلسَّحابِ بِطَرِيقَةِ الِاشْتِقاقِ مَجازٌ، وكَما يَصِحُّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الماءَ في السَّحابِ ثُمَّ يُنْزِلُهُ بَرَدًا، فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ جِبالٌ مِن بَرَدٍ، وإذا صَحَّ في القُدْرَةِ كِلا الأمْرَيْنِ فَلا وجْهَ لِتَرْكِ الظّاهِرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ فَمِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ لِأنَّ ابْتِداءَ الإنْزالِ مِنَ السَّماءِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بَعْضَ تِلْكَ الجِبالِ الَّتِي في السَّماءِ، والثّالِثَةُ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ جِنْسَ تِلْكَ الجِبالِ جِنْسُ البَرَدِ، ثم قال: ومَفْعُولُ الإنْزالِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَنْ مَن يَشاءُ﴾ فالظّاهِرُ أنَّهُ راجِعٌ إلى البَرَدِ، ومَعْلُومٌ مِن حالِهِ أنَّهُ قَدْ يَضُرُّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ عَلى وفْقِ المَصْلَحَةِ ويَصْرِفُهُ، أيْ يَصْرِفُ ضَرَرَهُ عَمَّنْ يَشاءُ بِأنْ لا يَسْقُطَ عَلَيْهِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ البَرَدَ عَلى الحَجَرِ وجَعَلَ نُزُولَهُ جارِيًا مَجْرى عَذابِ الِاسْتِئْصالِ وذَلِكَ بِعِيدٌ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قُرِئَ ”يَكادُ سَنا بَرْقِهِ“ عَلى الإدْغامِ وقُرِئَ ”بُرُقِهِ“ جَمْعُ بُرْقَةٍ وهي المِقْدارُ مِنَ البَرْقِ، وبُرُقِهِ بِضَمَّتَيْنِ لِلْإتْباعِ كَما قِيلَ في جَمْعِ فُعْلَةٍ فُعُلاتٍ كَظُلُماتٍ، و”سَناءُ بَرْقِهِ“ عَلى المَدِّ، والمَقْصُورُ بِمَعْنى الضَّوْءِ، والمَمْدُودُ بِمَعْنى العُلُوِّ والِارْتِفاعِ مِن قَوْلِكَ سَنى لِلْمُرْتَفِعِ و﴿يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ عَلى زِيادَةِ الباءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٥] عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدَنِيِّ.
المسألة الثّانِيَةُ: وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ أنَّ البَرْقَ الَّذِي يَكُونُ صِفَتُهُ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نارًا عَظِيمَةً خالِصَةً، والنّارُ ضِدُّ الماءِ والبَرَدِ، فَظُهُورُهُ مِنَ البَرَدِ يَقْتَضِي ظُهُورَ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةِ قادِرٍ حَكِيمٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في أنَّكَ إذا قُلْتَ: ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ إلى الدّارِ، فَهَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ذاهِبًا مَعَهُ
صفحة ١٥
إلى الدّارِ. فالمُنْكِرُونَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: مِنها تَعاقُبُهُما ومَجِيءُ أحَدِهِما بَعْدَ الآخَرِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفُرْقانِ: ٦٢] ومِنها وُلُوجُ أحَدِهِما في الآخَرِ وأخْذُ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ. ومِنها تَغَيُّرُ أحْوالِهِما في البَرْدِ والحَرِّ وغَيْرِهِما، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ أنْ يُرِيدَ تَعالى مَعانِيَ الكُلِّ لِأنَّهُ في الإنْعامِ والِاعْتِبارِ أوْلى وأقْوى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ فالمَعْنى أنَّ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَلالَةً لِمَن يَرْجِعُ إلى بَصِيرَةٍ، فَمِن هَذا الوجه يَدُلُّ أنَّ الواجِبَ عَلى المَرْءِ أنْ يَتَدَبَّرَ ويَتَفَكَّرَ في هَذِهِ الأُمُورِ، ويَدُلَّ أيْضًا عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ.
24:45–46Page 356
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥
Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦
We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا اسْتَدَلَّ أوَّلًا بِأحْوالِ السَّماءِ والأرْضِ، وثانِيًا بِالآثارِ العُلْوِيَّةِ، اسْتَدَلَّ ثالِثًا بِأحْوالِ الحَيَواناتِ، واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ مَعَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَواناتِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ مِنَ الماءِ ؟ أمّا المَلائِكَةُ فَهم أعْظَمُ الحَيَواناتِ عَدَدًا وهم مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، وأمّا الجِنُّ فَهم مَخْلُوقُونَ مِنَ النّارِ، وخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ التُّرابِ لِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] وخَلَقَ عِيسى مِنَ الرِّيحِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] وأيْضًا نَرى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الحَيَواناتِ مُتَوَلِّدٌ لا عَنِ النُّطْفَةِ. والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: وهو الأحْسَنُ: ما قالَهُ القَفّالُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن ماءٍ﴾ صِلَةُ كُلِّ دابَّةٍ ولَيْسَ هو مِن صِلَةِ خَلَقَ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ دابَّةٍ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ الماءِ فَهي مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وثانِيها: أنَّ أصْلَ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الماءُ عَلى ما يُرْوى ”«أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى جَوْهَرَةٌ فَنَظَرَ إلَيْها بِعَيْنِ الهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً ثُمَّ مِن ذَلِكَ الماءِ خَلَقَ النّارَ والهَواءَ والنُّورَ» “، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أصْلِ الخِلْقَةِ، وكانَ الأصْلُ الأوَّلُ هو الماءُ لا جَرَمَ ذَكَرَهُ عَلى هَذا الوجه.
وثالِثُها: أنَّ المُرادَ مِنَ الدّابَّةِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ ومَسْكَنُهم هُناكَ فَيَخْرُجُ عَنْهُ المَلائِكَةُ والجِنُّ، ولَمّا كانَ الغالِبُ جِدًّا مِن هَذِهِ الحَيَواناتِ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِنَ الماءِ، إمّا لِأنَّها مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ النُّطْفَةِ، وإمّا لِأنَّها لا تَعِيشُ إلّا بِالماءِ لا جَرَمَ أطْلَقَ لَفْظَ الكُلِّ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ نَكَّرَ الماءَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ﴾ وجاءَ مُعَرَّفًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
صفحة ١٦
[الأنْبِياءِ: ٣٠] ؟ والجَوابُ: إنَّما جاءَ هَهُنا مُنَكَّرًا لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن نَوْعٍ مِنَ الماءِ يَخْتَصُّ بِتِلْكَ الدّابَّةِ، وإنَّما جاءَ مُعَرَّفًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ هُناكَ كَوْنُهم مَخْلُوقِينَ مِن هَذا الجِنْسِ، وهَهُنا بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الجِنْسَ يَنْقَسِمُ إلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ ضَمِيرُ العُقَلاءِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِن﴾ فَلِمَ اسْتَعْمَلَهُ في غَيْرِ العُقَلاءِ ؟ والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما لا يَعْقِلُ مَعَ مَن يَعْقِلُ وهُمُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ فَغَلَبَ اللَّفْظُ اللّائِقُ بِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّ جَعْلَ الشَّرِيفِ أصْلًا والخَسِيسِ تَبَعًا أوْلى مِنَ العَكْسِ، ويُقالُ في الكَلامِ: مَنِ المُقْبِلانِ ؟ لِرَجُلٍ وبَعِيرٍ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ سَمّى الزَّحْفَ عَلى البَطْنِ مَشْيًا ؟ ويُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذا السُّؤالِ أنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ يَحْبُو ولا يُقالُ إنَّهُ يَمْشِي وإنْ زَحَفَ عَلى حَدِّ ما تَزْحَفُ الحَيَّةُ. والجَوابُ: هَذا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ كَما قالُوا في الأمْرِ المُسْتَمِرِّ قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ، ويُقالُ: فُلانٌ لا يَتَمَشّى لَهُ أمْرٌ، أوْ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِذَلِكَ الزّاحِفِ مَعَ الماشِينَ.
السُّؤالُ الخامِسُ: أنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ القِسْمَةَ لِأنّا نَجِدُ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرَ مِن أرْبَعٍ مِثْلُ العَناكِبِ والعَقارِبِ والرُّتَيْلاتِ بَلْ مِثْلُ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ أرْبَعَةٌ وأرْبَعُونَ رِجْلًا الَّذِي يُسَمّى دَخّالُ الأُذُنِ. والجَوابُ: القِسْمُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ كالنّادِرِ فَكانَ مُلْحَقًا بِالعَدَمِ، ولِأنَّ الفَلاسِفَةَ يُقِرُّونَ بِأنَّ ما لَهُ قَوائِمُ كَثِيرَةٌ فاعْتِمادُهُ إذا مَشى عَلى أرْبَعِ جِهاتِهِ لا غَيْرَ فَكَأنَّهُ يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى سائِرِ الأقْسامِ.
السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ جاءَتِ الأجْناسُ الثَّلاثَةُ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ ؟ والجَوابُ: قَدْ قَدَّمَ ما هو أعْجَبُ وهو الماشِي بِغَيْرِ آلَةِ مَشْيٍ مِن أرْجُلٍ أوْ قَوائِمَ ثُمَّ الماشِي عَلى رِجْلَيْنِ ثُمَّ الماشِي عَلى أرْبَعٍ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحَيَواناتِ كَما اخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ المَشْيِ، فَكَذا هي مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ أُمُورٍ أُخَرَ، فَلْنَذْكُرْ هَهُنا بَعْضَ التَّقْسِيماتِ:
التَّقْسِيمُ الأوَّلُ: الحَيَواناتُ قَدْ تَشْتَرِكُ في أعْضاءٍ وقَدْ تَتَبايَنُ بِأعْضاءٍ، أمّا الشَّرِكَةُ فَمِثْلُ اشْتِراكِ الإنْسانِ والفَرَسِ في أنَّ لَهُما لَحْمًا وعَصَبًا وعَظْمًا، وأمّا التَّبايُنُ فَإمّا أنْ يَكُونَ في نَفْسِ العُضْوِ أوْ في صِفَتِهِ، أمّا التَّبايُنُ في نَفْسِ العُضْوِ فَعَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَكُونَ العُضْوُ حاصِلًا لِلْآخَرِ، وإنْ كانَتْ أجْزاؤُهُ حاصِلَةً لِلثّانِي كالفَرَسِ والإنْسانِ، فَإنَّ الفَرَسَ لَهُ ذَنَبٌ والإنْسانُ لَيْسَ لَهُ ذَنَبٌ، ولَكِنَّ أجْزاءَ الذَّنَبِ لَيْسَتْ إلّا العَظْمَ والعَصَبَ واللَّحْمَ والجِلْدَ والشَّعْرَ، وكُلُّ ذَلِكَ حاصِلٌ لِلْإنْسانِ.
والثّانِي: أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ العُضْوُ حاصِلًا لِلثّانِي لا بِذاتِهِ ولا بِأجْزائِهِ، مِثْلُ أنَّ لِلسُّلَحْفاةِ صَدَفًا يُحِيطُ بِهِ ولَيْسَ لِلْإنْسانِ ذَلِكَ، وكَذا لِلسَّمَكِ فُلُوسٌ ولِلْقُنْفُذِ شَوْكٌ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها لِلْإنْسانِ، وأمّا التَّبايُنُ في صِفَةِ العُضْوِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن بابِ الكَمِّيَّةِ أوِ الكَيْفِيَّةِ أوِ الوَضْعِ أوِ الفِعْلِ أوِ الِانْفِعالِ، أمّا الَّذِي في الكَمِّ، فَإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمِقْدارِ مِثْلَ أنَّ عَيْنَ البُومِ كَبِيرَةٌ وعَيْنَ العُقابِ صَغِيرَةٌ، أوْ بِالعَدَدِ مِثْلَ أنَّ أرْجُلَ ضَرْبٍ مِنَ العَناكِبِ سِتَّةٌ وأرْجُلَ ضَرْبٍ آخَرَ ثَمانِيَةٌ أوْ عَشْرَةٌ، والَّذِي في الكَيْفِ فَكاخْتِلافِها في الألْوانِ والأشْكالِ والصَّلابَةِ واللِّينِ، والَّذِي في الوَضْعِ فَمِثْلُ اخْتِلافِ وضْعِ ثَدْيِ الفِيلِ فَإنَّهُ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَ الصَّدْرِ وثَدْيِ الفَرَسِ فَإنَّهُ عِنْدَ السُّرَّةِ. وأمّا الَّذِي في الفِعْلِ فَمِثْلُ كَوْنِ أُذُنِ الفِيلِ صالِحًا لِلذَّبِّ مَعَ كَوْنِهِ آلَةً لِلسَّمْعِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ في الإنْسانِ، وكَوْنِ أنْفِهِ آلَةً لِلْقَبْضِ دُونَ أنْفِ غَيْرِهِ. وأمّا الَّذِي في
صفحة ١٧
الِانْفِعالِ فَمِثْلُ كَوْنِ عَيْنِ الخُفّاشِ سَرِيعَةَ التَّحَيُّرِ في الضَّوْءِ وعَيْنُ الخُطّافِ بِخِلافِ ذَلِكَ.
التَّقْسِيمُ الثّانِي: الحَيَوانُ إمّا أنْ يَكُونَ مائِيًّا بِمَعْنى أنَّ مَسْكَنَهُ الأصْلِيَّ هو الماءُ أوْ أرْضِيًّا أوْ يَكُونُ مائِيًّا ثُمَّ يَصِيرُ أرْضِيًّا، أمّا الحَيَواناتُ المائِيَّةُ فَتَغَيُّرُ أحْوالِها مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ مَكانُهُ وغِذاؤُهُ ونَفَسُهُ مائِيًّا فَلَهُ بَدَلُ التَّنَفُّسِ في الهَواءِ التَّنَشُّقُ المائِيُّ فَهو يَقْبَلُ الماءَ إلى باطِنِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ ولا يَعِيشُ إذا فارَقَهُ، والسَّمَكُ كُلُّهُ كَذَلِكَ. ومِنهُ ما مَكانُهُ وغِذاؤُهُ مائِيٌّ ولَكِنَّهُ يَتَنَفَّسُ مِنَ الهَواءِ مِثْلُ السُّلَحْفاةِ المائِيَّةِ، ومِنهُ ما مَكانُهُ وغِذاؤُهُ مائِيٌّ ولَيْسَ يَتَنَفَّسُ ولا يَسْتَنْشِقُ مِثْلُ أصْنافٍ مِنَ الصَّدَفِ لا تَظْهَرُ لِلْهَواءِ ولا تَسْتَدْخِلُ الماءَ إلى باطِنِها.
الوجه الثّانِي: الحَيَواناتُ المائِيَّةُ بَعْضُها مَأْواها مِياهُ الأنْهارِ الجارِيَةِ وبَعْضُها مِياهُ البَطائِحِ مِثْلُ الضَّفادِعِ وبَعْضُها مَأْواها مِياهُ البَحْرِ.
الوجه الثّالِثُ: مِنها لُجِّيَّةٌ ومِنها شَطِّيَّةٌ ومِنها طِينِيَّةٌ ومِنها صَخْرِيَّةٌ.
الوجه الرّابِعُ: الحَيَوانُ المُنْتَقِلُ في الماءِ مِنهُ ما يَعْتَمِدُ في غَوْصِهِ عَلى رَأْسِهِ وفي السِّباحَةِ عَلى أجْنِحَتِهِ كالسَّمَكِ، ومِنهُ ما يَعْتَمِدُ في السِّباحَةِ عَلى رِجْلَيْهِ كالضِّفْدَعِ، ومِنهُ ما يَمْشِي في قَعْرِ الماءِ كالسَّرَطانِ، ومِنهُ ما يَزْحَفُ مِثْلَ ضَرْبٍ مِنَ السَّمَكِ لا جَناحَ لَهُ وكالدُّودِ. أمّا الحَيَواناتُ البَرِّيَّةُ فَتُغَيِّرُ أحْوالَها أيْضًا مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مِنها ما يَتَنَفَّسُ مِن طَرِيقٍ واحِدٍ كالفَمِ والخَيْشُومِ، ومِنها ما لا يَتَنَفَّسُ كَذَلِكَ بَلْ عَلى نَحْوٍ آخَرَ مِن مَسامِّهِ مِثْلَ الزُّنْبُورِ والنَّحْلِ.
الثّانِي: أنَّ الحَيَواناتِ الأرْضِيَّةَ مِنها ما لَهُ مَأْوًى مَعْلُومٌ، ومِنها ما مَأْواهُ كَيْفَ اتُّفِقَ إلّا أنْ يَلِدَ فَيُقِيمُ لِلْحَضانَةِ، واللَّواتِي لَها مَأْوى فَبَعْضُها مَأْواهُ شَقٌّ وبَعْضُها حُفَرٌ وبَعْضُها مَأْواهُ قُلَّةٌ رابِيَةٌ، وبَعْضُها مَأْواهُ وجْهُ الأرْضِ.
الثّالِثُ: الحَيَوانُ البَرِّيُّ كُلُّ طائِرٍ مِنهُ ذُو جَناحٍ فَإنَّهُ يَمْشِي بِرِجْلَيْهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما مَشْيُهُ صَعْبٌ عَلَيْهِ كالخُطّافِ الكَبِيرِ الأسْوَدِ والخُفّاشِ. وأمّا الَّذِي جَناحُهُ جِلْدٌ أوْ غِشاءٌ فَقَدْ يَكُونُ عَدِيمَ الرِّجْلِ كَضَرْبٍ مِنَ الحَيّاتِ الحَبَشِيَّةِ يَطِيرُ.
الرّابِعُ: الطَّيْرُ يَخْتَلِفُ فَبَعْضُها يَتَعايَشُ مَعًا كالكَراكِيِّ، وبَعْضُها يُؤْثِرُ التَّفَرُّدَ كالعُقابِ وجَمِيعِ الجَوارِحِ الَّتِي تَتَنازَعُ عَلى الطُّعْمِ لِاحْتِياجِها إلى الِاحْتِيالِ لِتَصِيدَ ومُنافَسَتِها فِيهِ، ومِنها ما يَتَعايَشُ زَوْجًا ويَكُونُ مَعًا كالقَطا، ومِنهُ ما يَجْتَمِعُ تارَةً ويَنْفَرِدُ أُخْرى، والحَيَواناتُ المُنْفَرِدَةُ قَدْ تَكُونُ مَدَنِيَّةً، وقَدْ تَكُونُ بَرِّيَّةً صِرْفَةً، وقَدْ تَكُونُ بُسْتانِيَّةً، والإنْسانُ مِن بَيْنِ الحَيَوانِ هو الَّذِي لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعِيشَ وحْدَهُ، فَإنَّ أسْبابَ حَياتِهِ ومَعِيشَتِهِ تَلْتَئِمُ بِالمُشارَكَةِ المَدَنِيَّةِ، والنَّحْلُ والنَّمْلُ وبَعْضُ الغَرانِيقِ يُشارِكُ الإنْسانَ في ذَلِكَ، لَكِنَّ النَّحْلَ والكَراكِيَّ تُطِيعُ رَئِيسًا واحِدًا، والنَّمْلَ لَهُ اجْتِماعٌ ولا رَئِيسَ.
الخامِسُ: الطَّيْرُ مِنهُ آكِلُ لَحْمٍ، ومِنهُ لاقِطُ حَبٍّ ومِنهُ آكِلُ عُشْبٍ، وقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الطَّيْرِ طَعْمٌ مُعَيَّنٌ، كالنَّحْلِ فَإنَّ غِذاءَهُ زَهْرٌ، والعَنْكَبُوتِ فَإنَّ غِذاءَهُ الذُّبابُ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ مُتَّفِقُ الطَّعْمِ.
أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَكُونُ تارَةً مائِيًّا، وأُخْرى بَرِّيًّا، فَيُقالُ إنَّهُ حَيَوانٌ يَكُونُ في البَحْرِ ويَعِيشُ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَبْرُزُ إلى البَرِّ ويَبْقى فِيهِ.
التَّقْسِيمُ الثّالِثُ: الحَيَوانُ مِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالطَّبْعِ كالإنْسانِ، ومِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالمَوْلِدِ كالهِرَّةِ والفَرَسِ، ومِنهُ ما هو إنْسِيٌّ بِالقَسْرِ كالفَهْدِ، ومِنهُ ما لا يَأْنَسُ كالنَّمِرِ، والمُسْتَأْنَسُ بِالقَسْرِ مِنهُ ما يُسْرِعُ اسْتِئْناسُهُ ويَبْقى مُسْتَأْنَسًا كالفِيلِ، ومِنهُ ما يُبْطِئُ كالأسَدِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن كُلِّ نَوْعٍ صِنْفٌ إنْسِيٌّ وصِنْفٌ وحْشِيٌّ حَتّى مِنَ النّاسِ.
التَّقْسِيمُ الرّابِعُ: مِنَ الحَيَوانِ ما هو مُصَوِّتٌ ومِنهُ ما لا صَوْتَ لَهُ، وكُلُّ مُصَوِّتٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ عِنْدَ الِاغْتِلامِ وحَرَكَةِ شَهْوَةِ الجِماعِ أشَدَّ تَصْوِيتًا إلّا الإنْسانُ، وأيْضًا لِبَعْضِ الحَيَوانِ شَبَقٌ يَشْتَدُّ كُلَّ وقْتٍ كالدِّيكِ، ومِنهُ عَفِيفٌ لَهُ وقْتٌ مُعَيَّنٌ.
صفحة ١٨
التَّقْسِيمُ الخامِسُ: بِحَسَبِ الأخْلاقِ: بَعْضُ الحَيَواناتِ هادِئُ الطَّبْعِ قَلِيلُ الغَضَبِ مِثْلُ البَقَرَةِ، وبَعْضُهُ شَدِيدُ الجَهْلِ حادُّ الغَضَبِ كالخِنْزِيرِ البَرِّيِّ، وبَعْضُها حَلِيمٌ خَدُوعٌ كالبَعِيرِ، وبَعْضُها رَدِيءُ الحَرَكاتِ مُغْتالٌ كالحَيَّةِ، وبَعْضُها جَرِيءٌ قَوِيٌّ شَهْمٌ كَبِيرُ النَّفْسِ كَرِيمُ الطَّبْعِ كالأسَدِ، ومِنها قَوِيٌّ مُغْتالٌ وحْشِيٌّ كالذِّئْبِ، وبَعْضُها مُحْتالٌ مَكّارٌ رَدِيءُ الحَرَكاتِ كالثَّعْلَبِ، وبَعْضُها غَضُوبٌ شَدِيدُ الغَضَبِ سَفِيهٌ إلّا أنَّهُ مَلِقٌ مُتَوَدِّدٌ كالكَلْبِ، وبَعْضُها شَدِيدُ الكَيْسِ مُسْتَأْنَسٌ كالفِيلِ والقِرْدِ، وبَعْضُها حَسُودٌ مُتَباهٍ بِجَمالِهِ كالطّاوُوسِ، وبَعْضُها شَدِيدُ التَّحَفُّظِ كالجَمَلِ والحِمارِ.
التَّقْسِيمُ السّادِسُ: مِنَ الحَيَوانِ ما تَناسُلُهُ بِأنْ تَلِدَ أُنْثاهُ حَيَوانًا، وبَعْضُها ما تَناسُلُهُ بِأنْ تَلِدَ أُنْثاهُ دُودًا كالنَّحْلِ والعَنْكَبُوتِ فَإنَّها تَلِدُ دُودًا، ثُمَّ إنَّ أعْضاءَهُ تُسْتَكْمَلُ بَعْدُ، وبَعْضُها تَناسُلُهُ بِأنْ تَبِيضَ أُنْثاهُ بَيْضًا.
واعْلَمْ أنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِأحْوالِ أصْغَرِ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِتَرْكِيبِ الطَّبائِعِ الأرْبَعِ فَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ عَلى السَّوِيَّةِ، فاخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الحَيَواناتِ بِأعْضائِها وقُواها ومَقادِيرِ أبْدانِها وأعْمارِها وأخْلاقِها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ حَكِيمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الجاحِدُونَ. وأحْسَنُ كَلامٍ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِأنَّهُ هو القادِرُ عَلى الكُلِّ والعالِمُ بِالكُلِّ فَهو المُطَّلِعُ عَلى أحْوالِ هَذِهِ الحَيَواناتِ، فَأيُّ عَقْلٍ يَقِفُ عَلَيْها، وأيُّ خاطِرٍ يَصِلُ إلى ذَرَّةٍ مِن أسْرارِها، بَلْ هو الَّذِي يَخْلُقُ ما يَشاءُ ولا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ ولا دافِعٌ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ فالأوْلى حَمْلُهُ عَلى كُلِّ الأدِلَّةِ والعِبَرِ، ولَمّا كانَ القُرْآنُ كالمُشْتَمِلِ عَلى كُلِّ ذَلِكَ صَحَّ أنْ يَكُونَ هو المُرادُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فاسْتِدْلالُ أصْحابِنا بِهِ كَما تَقَدَّمَ. والجَوابُ: أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ يَهْدِي مَن بَلَغَهُ حَدُّ التَّكْلِيفِ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ مَن أطاعَهُ واسْتَحَقَّ الثَّوابَ فَيَهْدِيهِ إلى الجَنَّةِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ، وجَوابُنا عَنْ هَذا الجَوابِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences