Ar-RaziAl‑Furqan · 25:26–37

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:26–37

25:26–29Page 362

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦

True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.

وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧

And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1

يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨

Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.

لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩

He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِذَلِكَ اليَوْمِ: قَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُلْكِ، وتَقْدِيرُهُ: المُلْكُ الحَقُّ يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ، ويَجُوزُ ”الحَقَّ“ بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ومَعْنى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ حَقًّا أنَّهُ لا يَزُولُ ولا يَتَغَيَّرُ، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذا المُلْكِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا لِلرَّحْمَنِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ”يَوْمَئِذٍ“ ؟ قُلْنا: لِأنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا مالِكَ سِواهُ، لا في الصُّورَةِ ولا في المَعْنى، فَتَخْضَعُ لَهُ المُلُوكُ وتَعْنُو لَهُ الوُجُوهُ وتَذِلُّ لَهُ الجَبابِرَةُ، بِخِلافِ سائِرِ الأيّامِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابُ والعِوَضُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ وجَبَ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ، فَكانَ خائِفًا مِن أنْ لا يَفْعَلَ، فَلَمْ يَكُنْ مُلْكًا مُطْلَقًا، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ يُفِيدُ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مُلْكٌ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ يَكُونُ مالِكًا لَهُ، ولا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ مالِكًا لِذَلِكَ المُسْتَحَقِّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلى أحَدٍ شَيْئًا أمْكَنَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، أمّا غَيْرُهُ إذا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يَصِحُّ إبْراؤُهُ عَنْهُ، فَكانَتِ العُبُودِيَّةُ هَهُنا أتَمَّ، ولِأنَّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ إلى آخِرِ عُمُرِهِ ثُمَّ في آخِرِ عُمُرِهِ عَرَفَ اللَّهَ لَحْظَةً وماتَ فَهو سُبْحانَهُ لَوْ أعْطاهُ ألْفَ ألْفِ

صفحة ٦٦

سَنَةٍ أنْواعَ الثَّوابِ وأرادَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ لا يُعْطِيَهُ لَحْظَةً واحِدَةً صارَ سَفِيهًا، وهَذا نِهايَةُ العُبُودِيَّةِ والذُّلِّ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَن هَذا حالُهُ أنْ يُقالَ لَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وأيْضًا فَكُلُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَكانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ، وكانَ بِذَلِكَ الفِعْلِ مُكْتَسِبًا لِلْكَمالِ وبِتَرْكِهِ مُكْتَسِبًا لِلنُّقْصانِ، فَلَمْ يَكُنْ مَلِكًا بَلْ فَقِيرًا مُسْتَحِقًّا، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ غَيْرُ لائِقٍ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.

* * *

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ فالمَعْنى ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِالأحْوالِ، قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ، وأمّا غَيْرُهُ فالكُلُّ في رِبْقَةِ العَجْزِ ولِجامِ القَهْرِ، فَكانَ في نِهايَةِ العُسْرِ عَلى الكافِرِ.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: الألِفُ واللّامُ في ”الظّالِمِ“ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لِلْعُمُومِ، والثّانِي: أنَّهُ لِلْمَعْهُودِ، والقائِلُونَ بِالمَعْهُودِ عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، كانَ لا يَقْدَمُ مِن مَقَرٍّ إلّا صَنَعَ طَعامًا يَدْعُو إلَيْهِ جِيرَتَهُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ويُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرَّسُولِ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا الرَّسُولَ، فَقالَ ﷺ: ما آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَأْتِيَ بِالشَّهادَتَيْنِ. فَفَعَلَ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن طَعامِهِ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقالَ: صَبَوْتَ يا عُقْبَةُ. وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: إنَّما ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَأْكُلَ مِن طَعامِي. فَقالَ: لا أرْضى أبَدًا حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ وتَطَأ عَلى عُنُقِهِ. فَفَعَلَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ. فَنَزَلَ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ نَدامَةً، يَعْنِي عُقْبَةَ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ أُمَيَّةَ خَلِيلًا؛ لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ. أيْ صَرَفَنِي عَنِ الذِّكْرِ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ بَعْدَ إذْ جاءَنِي مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا ولَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الأُسارى غَيْرُهُ وغَيْرُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ» .

الثّانِي: قالَتِ الرّافِضَةُ: هَذا الظّالِمُ هو رَجُلٌ بِعَيْنِهِ، وإنَّ المُسْلِمِينَ غَيَّرُوا اسْمَهُ وكَتَمُوهُ، وجَعَلُوا فُلانًا بَدَلًا مِنَ اسْمِهِ، وذَكَرُوا فاضِلِينَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ إجْراءَ اللَّفْظِ عَلى العُمُومِ لَيْسَ لِنَفْسِ اللَّفْظِ؛ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلَ عَلى الِاسْمِ المُفْرَدِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، بَلْ إنَّما يُفِيدُهُ لِلْقَرِينَةِ مِن حَيْثُ إنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلْيَةِ الوَصْفِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ في العَضِّ عَلى اليَدَيْنِ كَوْنُهُ ظالِمًا، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ الحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ بِصُورَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقْتَضِي العُمُومَ، ونُزُولُهُ في واقِعَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ لا يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُمُومَ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةِ وغَيْرِها، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ زَجْرُ الكُلِّ عَنِ الظُّلْمِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِالعُمُومِ، وأمّا قَوْلُ الرّافِضَةِ فَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالطَّعْنِ في القُرْآنِ وإثْباتِ أنَّهُ غَيْرٌ وبَدَلٌ، ولا نِزاعَ في أنَّهُ كُفْرٌ.

* * *

المسألة الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالُوا: الظّالِمُ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، والكَلامُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ.

المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وقالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْعِرَةٌ بِالتَّحَسُّرِ والغَمِّ، يُقالُ: عَضَّ أنامِلَهُ وعَضَّ عَلى يَدَيْهِ.

* * *

المسألة الرّابِعَةُ: كَما بَيَّنّا أنَّ الظّالِمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَخْصٍ واحِدٍ، بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الظَّلَمَةِ، فَكَذا المُرادُ بِقَوْلِهِ فُلانًا لَيْسَ شَخْصًا واحِدًا، بَلْ كُلُّ مَن أُطِيعَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، واسْتَشْهَدَ القَفّالُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾

صفحة ٦٧

(ظَهِيرًا) [الفُرْقانِ: ٥٥]، ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النَّبَأِ: ٤٠] يَعْنِي بِهِ جَماعَةَ الكُفّارِ.

المسألة الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”يا ويْلَتِي“ بِالياءِ، وهو الأصْلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يُنادِي ويْلَتَهُ، وهي هَلَكَتُهُ، يَقُولُ لَها: تَعالَيْ فَهَذا أوانُكَ، وإنَّما قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في صَحارى و(عَذارى) .

المسألة السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أيْ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أوِ القُرْآنِ ومَوْعِظَةِ الرَّسُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ نُطْقَهُ بِشَهادَةِ الحَقِّ وغَيْرَتَهُ عَلى الإسْلامِ. والشَّيْطانُ إشارَةٌ إلى خَلِيلِهِ، سَمّاهُ شَيْطانًا لِأنَّهُ أضَلَّهُ كَما يُضِلُّ الشَّيْطانُ، ثُمَّ خَذَلَهُ ولَمْ يَنْفَعْهُ في العاقِبَةِ، أوْ أرادَ إبْلِيسَ فَإنَّهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ عَلى أنْ صارَ خَلِيلًا لِذَلِكَ المُضِلِّ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ ثُمَّ خَذَلَهُ، أوْ أرادَ الجِنْسَ وكُلَّ مَن تَشَيْطَنَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ﴾ حِكايَةَ كَلامِ الظّالِمِ، وأنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ.

25:30–31Page 362

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠

And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١

And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.

اعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أكْثَرُوا مِنَ الِاعْتِراضاتِ الفاسِدَةِ ووُجُوهِ التَّعَنُّتِ ضاقَ صَدْرُ الرَّسُولِ ﷺ وشَكاهم إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ قَوْلٌ واقِعٌ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلِ المُرادُ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُهُ في الآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِلَّفْظِ، ولِأنَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [الفُرْقانِ: ٣١] تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، ولا يَلِيقُ إلّا إذا كانَ وقَعَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنهُ.

المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في المَهْجُورِ قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ الهِجْرانِ، أيْ: تَرَكُوا الإيمانَ بِهِ ولَمْ يَقْبَلُوهُ وأعْرَضُوا عَنِ اسْتِماعِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِن أهْجَرَ أيْ مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حَذَفَ الجارَّ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٧] ثُمَّ هَجْرُهم فِيهِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وكَذِبٌ وهَجْرٌ؛ أيْ هَذَيانٌ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ وعَلَّقَ مُصْحَفًا لَمْ يَتَعَهَّدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يا رَبَّ العالَمِينَ، عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ“» ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ مُسَلِّيًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُعَزِّيًا لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ وبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِسائِرِ الرُّسُلِ، فَلْيَصْبِرْ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ كَما صَبَرُوا، ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَيْرَ والشَّرَّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ مِن جَعْلِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ كُفْرٌ، قالَ الجُبّائِيُّ: المُرادُ مِنَ الجَعْلِ التَّبْيِينُ؛ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم أعْداؤُهُ، جازَ أنْ يَقُولَ: جَعَلْناهم أعْداءَهُ، كَما إذا بَيَّنَ الرَّجُلُ أنَّ فُلانًا

صفحة ٦٨

لِصٌّ، يُقالُ: جَعَلَهُ لِصًّا كَما يُقالُ في الحاكِمِ: عَدَّلَ فُلانًا وفَسَّقَ فُلانًا وجَرَّحَهُ، قالَ الكَعْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الأنْبِياءَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ، وعَداوَتُهم لِلْكُفّارِ تَقْتَضِي عَداوَةَ الكُفّارِ لَهم، فَلِهَذا جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي حَمَلَهُ ودَعاهُ إلى ما اسْتَعْقَبَ تِلْكَ العَداوَةَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَحْتَمِلُ في العَدُوِّ أنَّهُ البَعِيدُ لا القَرِيبُ؛ إذِ المُعاداةُ المُباعَدَةُ، كَما أنَّ النَّصْرَ القُرْبُ والمُظاهَرَةُ، وقَدْ باعَدَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ التَّبْيِينَ لا يُسَمُّونَهُ البَتَّةَ جَعْلًا؛ لِأنَّ مَن بَيَّنَ لِغَيْرِهِ وُجُودَ الصّانِعِ وقِدَمَهُ لا يُقالُ: إنَّهُ جَعَلَ الصّانِعَ وجَعَلَ قِدَمَهُ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ هَلْ لَهُ تَأْثِيرٌ في وُقُوعِ العَداوَةِ في قُلُوبِهِمْ أوْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ ؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ تَمَّ الكَلامُ؛ لِأنَّ عَداوَتَهم لِلرَّسُولِ ﷺ كُفْرٌ، فَإذا أمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ بِما لَهُ أثَرٌ في تِلْكَ العَداوَةِ فَقَدْ أمَرَهُ بِما لَهُ أثَرٌ في وُقُوعِ الكُفْرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْثِيرٌ البَتَّةَ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ إسْنادُهُ إلَيْهِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ.

المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ إنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ في المَعْنى كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نُوحٍ: ٥، ٦] وكَما أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا إنْزالُ العَذابِ فَكَذا هَهُنا، فَكَيْفَ يَلِيقُ هَذا بِمَن وصَفَهُ اللَّهُ بِالرَّحْمَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٧] ؟ جَوابُهُ: أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ دَعا عَلَيْهِمْ، وأمّا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمّا ذَكَرَ هَذا ما دَعا عَلَيْهِمْ، بَلِ انْتَظَرَ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ كالأمْرِ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ وتَرْكِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، فَظَهَرَ الفَرْقُ.

المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ”جَعَلْنا“ صِيغَةُ العُظَماءِ، والعَظِيمُ إذا ذَكَرَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَعْرِضٍ مِنَ التَّعْظِيمِ وذَكَرَ أنَّهُ يُعْطِي فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ عَظِيمَةً؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحِجْرِ: ٨٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكَوْثَرِ: ١] فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ العَطِيَّةُ هي العَداوَةَ الَّتِي هي مَنشَأُ الضَّرَرِ في الدِّينِ والدُّنْيا ؟ وجَوابُهُ: أنَّ خَلْقَ العَداوَةِ سَبَبٌ لِازْدِيادِ المَشَقَّةِ الَّتِي هي مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الثَّوابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الرّابِعَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَدُوُّ واحِدًا وجَمْعًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٧] وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ عَدُوَّ الرَّسُولِ ﷺ أبُو جَهْلٍ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: الباءُ زائِدَةٌ، يَعْنِي كَفى رَبُّكَ، وهادِيًا ونَصِيرًا مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، هادِيًا إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا، ونَصِيرًا عَلى الأعْداءِ، ونَظِيرُهُ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . [ الأنْفالِ: ٦٤] .

25:32–34Page 362

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢

And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1

وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣

And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.

ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤

The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.

صفحة ٦٩

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ لِمُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: تَزْعُمُ أنَّكَ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أفَلا تَأْتِينا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً عَلى مُوسى، والإنْجِيلُ عَلى عِيسى، والزَّبُورُ عَلى داوُدَ ؟ وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ اثْنَتانِ أوْ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وأجابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ . وبَيانُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ، فَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ جُمْلَةً واحِدَةً كانَ لا يَضْبِطُهُ، ولَجازَ عَلَيْهِ الغَلَطُ والسَّهْوُ، وإنَّما نَزَلَتِ التَّوْراةُ جُمْلَةً لِأنَّها مَكْتُوبَةٌ يَقْرَؤُها مُوسى.

وثانِيها: أنَّ مَن كانَ الكِتابُ عِنْدَهُ، فَرُبَّما اعْتَمَدَ عَلى الكِتابِ وتَساهَلَ في الحِفْظِ، فاللَّهُ تَعالى ما أعْطاهُ الكِتابَ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ كانَ يُنْزِلُ عَلَيْهِ وظِيفَةً لِيَكُونَ حِفْظُهُ لَهُ أكْمَلَ، فَيَكُونُ أبْعَدَ لَهُ عَنِ المُساهَلَةِ وقِلَّةِ التَّحْصِيلِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ الكِتابَ جُمْلَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ لَنَزَلَتِ الشَّرائِعُ بِأسْرِها دُفْعَةً واحِدَةً عَلى الخَلْقِ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، أمّا لَمّا نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا، لا جَرَمَ نَزَلَتِ التَّكالِيفُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَكانَ تَحَمُّلُها أسْهَلَ.

ورابِعُها: أنَّهُ إذا شاهَدَ جِبْرِيلَ حالًا بَعْدَ حالٍ يَقْوى قَلْبُهُ بِمُشاهَدَتِهِ، فَكانَ أقْوى عَلى أداءِ ما حُمِّلَ، وعَلى الصَّبْرِ عَلى عَوارِضِ النُّبُوَّةِ وعَلى احْتِمالِهِ أذِيَّةَ قَوْمِهِ وعَلى الجِهادِ.

وخامِسُها: أنَّهُ لَمّا تَمَّ شَرْطُ الإعْجازِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُنَجَّمًا، ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في مَقْدُورِ البَشَرِ لَوَجَبَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا.

وسادِسُها: كانَ القُرْآنُ يَنْزِلُ بِحَسَبِ أسْئِلَتِهِمْ والوَقائِعِ الواقِعَةِ لَهم، فَكانُوا يَزْدادُونَ بَصِيرَةً؛ لِأنَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ كانَ يَنْضَمُّ إلى الفَصاحَةِ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ.

وسابِعُها: أنَّ القُرْآنَ لَمّا نَزَلَ مَنَجَّمًا مُفَرَّقًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَدّاهم مِن أوَّلِ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ تَحَدّاهم بِكُلِّ واحِدٍ مِن نُجُومِ القُرْآنِ، فَلَمّا عَجَزُوا عَنْهُ كانَ عَجْزُهم عَنْ مُعارَضَةِ الكُلِّ أوْلى، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ثَبَتَ في فُؤادِهِ أنَّ القَوْمَ عاجِزُونَ عَنِ المُعارَضَةِ لا مَحالَةَ.

ثامِنُها: أنَّ السِّفارَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ أنْبِيائِهِ وتَبْلِيغَ كَلامِهِ إلى الخَلْقِ مَنصِبٌ عَظِيمٌ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَوْ أنْزَلَ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ دُفْعَةً واحِدَةً لَبَطَلَ ذَلِكَ المَنصِبُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا أنْزَلَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا بَقِيَ ذَلِكَ المَنصِبُ العالِي عَلَيْهِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا.

أمّا قَوْلُهُ: ”﴿كَذَلِكَ﴾“ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، أيْ: جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ، أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ في الآيَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا لِتُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ.

الثّانِي: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى ذَكَرَهُ جَوابًا لَهم؛ أيْ: كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا. فَإنْ قِيلَ: ذَلِكَ في ”﴿كَذَلِكَ﴾“ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ، والَّذِي تَقَدَّمَ فَهو إنْزالُهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَكَيْفَ فَسَّرَ بِهِ كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ مُفَرَّقًا ؟ قُلْنا: لِأنَّ قَوْلَهم لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً مَعْناهُ: لِمَ نَزَلَ مُفَرَّقًا ؟ فَذَلِكَ إشارَةٌ إلَيْهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ فَمَعْنى التَّرْتِيلِ في الكَلامِ أنْ يَأْتِيَ بَعْضُهُ عَلى أثَرِ بَعْضٍ عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ، وأصْلُ التَّرْتِيلِ في الأسْنانِ وهو تَفَلُّجُها، يُقالُ: ثَغْرٌ رَتْلٌ، وهو ضِدُّ المُتَراصِّ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ قَوْلِهِمْ بِالجَوابِ الواضِحِ قالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ مِنَ الجِنْسِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشُّبُهاتِ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ الَّذِي يَدْفَعُ قَوْلَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٨]

صفحة ٧٠

وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ أحْسَنُ تَفْسِيرًا لِأجْلِ ما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ في البَيانِ والظُّهُورِ، ولَمّا كانَ التَّفْسِيرُ هو الكَشْفَ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وُضِعَ مَوْضِعَ مَعْناهُ، فَقالُوا تَفْسِيرُ هَذا الكَلامِ كَيْتَ وكَيْتَ كَما قِيلَ: مَعْناهُ كَذا وكَذا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: صِنْفٍ عَلى الدَّوابِّ، وصِنْفٍ عَلى الأقْدامِ، وصِنْفٍ عَلى الوُجُوهِ»، وعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» .

المسألة الثّانِيَةُ: الأقْرَبُ أنَّهُ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أوْرَدُوا هَذِهِ الأسْئِلَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، وإنْ كانَ غَيْرُهم مِن أهْلِ النّارِ يَدْخُلُ مَعَهم.

المسألة الثّالِثَةُ: حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أنَّهم يَمْشُونَ في الآخِرَةِ مَقْلُوبِينَ، وُجُوهُهم إلى القَرارِ، وأرْجُلُهم إلى فَوْقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ .

وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُحْشَرُونَ ويُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وهَذا أيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو أوْلى، وقالَ الصُّوفِيَّةُ: الَّذِينَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهم بِما سِوى اللَّهِ، فَإذا ماتُوا بَقِيَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم شَرٌّ مَكانًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأضَلُّ سَبِيلًا وطَرِيقًا، والمَقْصُودُ مِنهُ الزَّجْرُ عَنْ طَرِيقِهِمْ والسُّؤالِ عَلَيْهِ كَما ذَكَرْناهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفُرْقانِ: ٢٤] وقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ.

25:35–36Page 363

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥

And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.

فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦

And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ في التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الأنْدادِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ والجَوابِ عَنْ شُبُهاتِ المُنْكِرِينَ لَها وفي أحْوالِ القِيامَةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ القَصَصِ عَلى السُّنَّةِ المَعْلُومَةِ.

القِصَّةُ الأُولى قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الفُرْقانِ: ٣١] أتْبَعَهُ بِذِكْرِ جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، وعَرَّفَهُ بِما نَزَلَ بِمَن كَذَّبَ مِن أُمَمِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾، والمَعْنى: لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِأوَّلِ مَن أرْسَلْناهُ فَكُذِّبَ، وآتَيْناهُ الآياتِ فَرُدَّ، فَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ وقَوَّيْنا عَضُدَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ رُدَّ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: كَوْنُهُ وزِيرًا لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ شَرِيكًا لَهُ في النُّبُوَّةِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اذْهَبا﴾ إنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ، بَلْ يَجْرِي مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣]

صفحة ٧١

فَإنْ قِيلَ: إنَّ كَوْنَهُ وزِيرًا كالمُنافِي لِكَوْنِهِ شَرِيكًا، بَلْ يَجِبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا صارَ شَرِيكًا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ وزِيرًا، قُلْنا: لا مُنافاةَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَشْرَكَهُ في النُّبُوَّةِ ويَكُونَ وزِيرًا وظَهِيرًا ومُعِينًا لَهُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُتَحَصَّنُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القِيامَةِ: ١١] أيْ: لا مَنجى ولا مَلْجَأ، قالَ القاضِي: ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ تَعالى بِأنَّ لَهُ وزِيرًا، ولا يُقالُ فِيهِ أيْضًا بِأنَّهُ وزِيرٌ؛ لِأنَّ الِالتِجاءَ إلَيْهِ في المُشاوَرَةِ والرَّأْيِ عَلى هَذا الحَدِّ لا يَصِحُّ.

المسألة الثّالِثَةُ: ﴿دَمَّرْناهُمْ﴾ أهْلَكْناهم إهْلاكًا، فَإنْ قِيلَ: الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والإهْلاكُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ ذَهابِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ. قُلْنا: التَّعْقِيبُ مَحْمُولٌ هَهُنا عَلى الحُكْمِ، لا عَلى الوُقُوعِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أرادَ اخْتِصارَ القِصَّةِ فَذَكَرَ حاشِيَتَيْها أوَّلَها وآخِرَها؛ لِأنَّهُما المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ بِطُولِها. أعْنِي إلْزامَ الحجة بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ واسْتِحْقاقِ التَّدْمِيرِ بِتَكْذِيبِهِمْ.

المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ إنْ حَمَلْنا تَكْذِيبَ الآياتِ عَلى تَكْذِيبِ آياتِ الإلَهِيَّةِ فَلا إشْكالَ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى تَكْذِيبِ آياتِ النُّبُوَّةِ فاللَّفْظُ وإنْ كانَ لِلْماضِي إلّا أنَّ المُرادَ هو المُسْتَقْبَلُ.

25:37Page 363

وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧

And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.

القِصَّةُ الثّانِيَةُ: قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ إمّا لِأنَّهم كانُوا مِنَ البَراهِمَةِ المُنْكِرِينَ لِكُلِّ الرُّسُلِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ تَكْذِيبُهم لِواحِدٍ مِنهم تَكْذِيبًا لِلْجَمِيعِ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ الواحِدِ مِنهم لا يُمْكِنُ إلّا بِالقَدْحِ في المُعْجِزِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ الكُلِّ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ وإنْ كانَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ ولَكِنَّهُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الأفْراسَ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ فَقالَ الكَلْبِيُّ: أمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّماءَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأخْرَجَ ماءَ الأرْضِ أيْضًا في تِلْكَ الأرْبَعِينَ، فَصارَتِ الأرْضُ بَحْرًا واحِدًا، ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ: وجَعَلْنا إغْراقَهم أوْ قِصَّتَهم آيَةً، ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن سَلَكَ سَبِيلَهم في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَذابًا ألِيمًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْمَ نُوحٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском