Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:49–58, continued
أجابَ مالِكٌ عَنِ الوجه الأوَّلِ، فَقالَ: لا نِزاعَ في أنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمالُ النَّجاسَةِ، ولَكِنَّ الجُزْءَ القَلِيلَ مِنَ النَّجاسَةِ المائِعَةِ إذا وقَعَ في الماءِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ لَوْنُهُ ولا طَعْمُهُ ولا رائِحَتُهُ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ تِلْكَ النَّجاسَةَ بَقِيَتْ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّها انْقَلَبَتْ عَنْ صِفَتِها ؟ وتَقْرِيرُهُ ما قَدَّمْناهُ. وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدّائِمِ» فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذا النَّهْيَ لَيْسَ إلّا لِما ذَكَرْتُمُوهُ، بَلْ لَعَلَّ النَّهْيَ إنَّما كانَ لِأنَّهُ رُبَّما شَرِبَهُ إنْسانٌ، وذَلِكَ مِمّا يَنْفِرُ طَبْعُهُ عَنْهُ، ولَيْسَ الكَلامُ في نَفْرَةِ الطَّبْعِ. وأمّا قَوْلُهُ: «إذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكم مِن مَنامِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلاثًا» فَقَدْ أجْمَعْنا عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ اسْتِحْبابٌ، فالمُرَتَّبُ عَلَيْهِ كَيْفَ يَكُونُ أمْرَ إيجابٍ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ أمْرَ إيجابٍ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَمْ يُوَجِّهْ ذَلِكَ الإيجابَ إلّا لِما ذَكَرْتُمُوهُ ؟ وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ» فَقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ النُّزُولِ عَنْ كُلِّ ما قُلْناهُ فَهو تَمَسُّكٌ بِالمَفْهُومِ والنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْناها مَنطُوقَةً، والمَنطُوقُ راجِحٌ عَلى المَفْهُومِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النَّظَرُ الثّانِي: في أنَّ غَيْرَ الماءِ هَلْ هو طَهُورٌ أمْ لا ؟ فَقالَ الأصَمُّ والأوْزاعِيُّ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِجَمِيعِ المائِعاتِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ الوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ في السَّفَرِ، وقالَ أيْضًا: تَجُوزُ إزالَةُ النَّجاسَةِ بِجَمِيعِ المائِعاتِ الَّتِي تُزِيلُ أعْيانَ النَّجاساتِ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّهُورِيَّةُ مُخْتَصَّةٌ بِالماءِ عَلى الإطْلاقِ، ودَلِيلُهُ في صُورَةِ الحَدَثِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النِّساءِ: ٤٣] أوْجَبَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، ولَوْ جازَ الوُضُوءُ بِالخَلِّ أوْ نَبِيذِ التَّمْرِ لَما وجَبَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، وأمّا في صُورَةِ الخَبَثِ، فَلِأنَّ الخَلَّ لَوْ أفادَ طَهارَةَ الخَبَثِ لَكانَ طَهُورًا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلطَّهُورِ إلّا المُطَهِّرَ، ولَوْ كانَ طَهُورًا لَوَجَبَ أنْ يَجُوزَ بِهِ طَهارَةُ الحَدَثِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكم حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ»، وكَلِمَةُ“حَتّى " لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ عَدَمِ القَبُولِ عِنْدَ اسْتِعْمالِ الطَّهُورِ، وانْتِهاءُ عَدَمِ القَبُولِ يَكُونُ بِحُصُولِ القَبُولِ، فَلَوْ كانَ الخَلُّ طَهُورًا لَحَصَلَ بِاسْتِعْمالِهِ قَبُولُ الصَّلاةِ، وحَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ عَلِمْنا أنَّ الطَّهُورِيَّةَ في الخَبَثِ أيْضًا مُخْتَصَّةٌ بِالماءِ.
25:50–52Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ إلى أيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ، وذَكَرُوا فِيهِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَطَرِ، ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن قالَ: مَعْنى ”صَرَّفْناهُ“ أنّا أجْرَيْناهُ في الأنْهارِ حَتّى انْتَفَعُوا بِالشُّرْبِ وبِالزِّراعاتِ وأنْواعِ المَعاشِ بِهِ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُنْزِلُهُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ، وفي عامٍ دُونَ عامٍ، ثُمَّ في العامِ الثّانِي يَقَعُ بِخِلافِ ما وقَعَ في العامِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما عامٌ بِأكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ في الأرْضِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ بِالمَعاصِي حَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِي» وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿صَرَّفْناهُ﴾ راجِعٌ إلى المَطَرِ والرِّياحِ والسَّحابِ والأظْلالِ وسائِرِ ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأدِلَّةِ.
وثالِثُها: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ أيْ هَذا القَوْلَ بَيْنَ النّاسِ في القُرْآنِ وسائِرِ الكُتُبِ والصُّحُفِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى الرُّسُلِ، وهو ذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ القَطْرِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى الصّانِعِ، والوجه الأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ المَذْكُوراتِ إلى الضَّمِيرِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُرِيدٌ مِنَ الكُلِّ أنْ يَتَذَكَّرُوا ويَشْكُرُوا، ولَوْ أرادَ مِنهم أنْ يَكْفُرُوا ويُعْرِضُوا لَما صَحَّ ذَلِكَ، وذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى مُرِيدٌ لِلْكُفْرِ مِمَّنْ يَكْفُرُ، قالَ: ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ عَلى قُدْرَتِهِمْ عَلى فِعْلِ هَذا التَّذَكُّرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرُوا لَما جازَ أنْ يُقالَ: أبَوْا أنْ يَفْعَلُوهُ، كَما لا يُقالُ في الزَّمَنِ: أبى أنْ يَسْعى، وقالَ الكَعْبِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ حُجَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ القُرْآنَ وبالٌ عَلى الكافِرِينَ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِإنْزالِهِ أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لِيَذَّكَّرُوا) عامٌّ في الكُلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الأكْثَرُ داخِلًا في ذَلِكَ العامِّ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: أنْزَلْناهُ عَلى قُرَيْشٍ لِيُؤْمِنُوا، فَأبى أكْثَرُ بَنِي تَمِيمٍ إلّا كُفُورًا. واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ المُرادُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ وجُحُودُها مِن حَيْثُ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وإحْسانِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الكُفُورِ هو الكُفْرُ، وذَلِكَ الكُفْرُ إنَّما حَصَلَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. لِأنَّ مَن جَحَدَ كَوْنَ النِّعَمِ صادِرَةً مِنَ المُنْعِمِ، وأضافَ شَيْئًا مِن هَذِهِ النِّعْمَةِ إلى الأفْلاكِ والكَواكِبِ فَقَدْ كَفَرَ. واعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَن جَعَلَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ مُسْتَقِلَّةً بِاقْتِضاءِ هَذِهِ الأشْياءِ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ، وأمّا مَن قالَ: الصّانِعُ تَعالى جَبَلَها عَلى خَواصَّ وصِفاتٍ تَقْتَضِي هَذِهِ الحَوادِثَ، فَلَعَلَّهُ لا يَبْلُغُ خَطَؤُهُ إلى حَدِّ الكُفْرِ.
المسألة الرّابِعَةُ: قالُوا: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ لَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ مَقْدُورٌ لَهُ.
صفحة ٨٧
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ فالأقْوى أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ ﷺ؛ وذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى بِعْثَةِ رَسُولٍ ونَذِيرٍ في كُلِّ قَرْيَةٍ، خَصَّهُ بِالرِّسالَةِ، وفَضَّلَهُ بِها عَلى الكُلِّ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: لا تُوافِقْهم.
وثانِيها: المُرادُ: ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ الرِّسالَةِ إلى كُلِّ العالَمِينَ، ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، ولَكِنّا قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وأجْلَلْناكَ وفَضَّلْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ، فَقابِلْ هَذا الإجْلالَ بِالتَّشَدُّدِ في الدِّينِ.
وثالِثُها: أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي مَزْجَ اللُّطْفِ بِالعُنْفِ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا مِثْلَ مُحَمَّدٍ، وأنَّهُ لا حاجَةَ بِالحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ إلى مُحَمَّدٍ البَتَّةَ، وقَوْلُهُ: (ولَوْ) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَبِالنَّظَرِ إلى الأوَّلِ يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ، وبِالنَّظَرِ إلى الثّانِي يَحْصُلُ الإعْزازُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فالمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ طاعَتِهِمْ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ عَنْهُ مُشْتَغِلًا بِهِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بَذْلُ الجُهْدِ في الأداءِ والدُّعاءِ. وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ القِتالُ. وقالَ آخَرُونَ: كِلاهُما، والأقْرَبُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ ورَدَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِزَمانٍ، وإنَّما قالَ: ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ لِأنَّهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ، فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ تِلْكَ المُجاهَداتُ وكَثُرَ جِهادُهُ مِن أجْلِ ذَلِكَ وعَظُمَ، فَقالَ لَهُ: (وجاهِدْهم) بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ.
25:53Page 364
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الرّابِعُ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ خَلّاهُما وأرْسَلَهُما، يُقالُ: مَرَجْتُ الدّابَّةَ إذا خَلَّيْتَها تَرْعى، وأصْلُ المَرَجِ الإرْسالُ والخَلْطُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] سَمّى الماءَيْنِ الكَبِيرَيْنِ الواسِعَيْنِ بَحْرَيْنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَرَجَ البَحْرَيْنِ، أيْ: أرْسَلَهُما في مَجارِيهِما كَما تُرْسَلُ الخَيْلُ في المَرْجِ، وهُما يَلْتَقِيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ والمَقْصُودُ مِنَ الفُراتِ البَلِيغُ في العُذُوبَةِ حَتّى يَصِيرَ إلى الحَلاوَةِ، والأُجاجُ نَقِيضُهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ بِقُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمازُجَ، وجَعَلَ مِن عَظِيمِ اقْتِدارِهِ بَرْزَخًا حائِلًا مِن قُدْرَتِهِ. وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ؟ الجَوابُ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي يَقُولُها المُتَعَوِّذُ وقَدْ فَسَّرْناها، وهي هَهُنا واقِعَةٌ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ ويَقُولُ لَهُ حِجْرًا مَحْجُورًا، كَما قالَ: (لا يَبْغِيانِ) [الرَّحْمَنِ: ٢٠] أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى صاحِبِهِ بِالمُمازَجَةِ، فانْتِفاءُ البَغْيِ كالتَّعَوُّذِ، وهَهُنا جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في صُورَةِ الباغِي عَلى صاحِبِهِ، فَهو يَتَعَوَّذُ مِنهُ، وهي مِن أحْسَنِ الِاسْتِعاراتِ.
صفحة ٨٨
السُّؤالُ الثّانِي: لا وُجُودَ لِلْبَحْرِ العَذْبِ، فَكَيْفَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا ؟ لا يُقالُ: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الأوْدِيَةُ العِظامُ كالنِّيلِ وجَيْحُونَ.
الثّانِي: لَعَلَّهُ جَعَلَ في البِحارِ مَوْضِعًا يَكُونُ أحَدُ جانِبَيْهِ عَذْبًا والآخَرُ مِلْحًا؛ لِأنّا نَقُولُ: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأوْدِيَةَ لَيْسَ فِيها مِلْحٌ، والبِحارُ لَيْسَ فِيها ماءٌ عَذْبٌ، فَلَمْ يَحْصُلِ البَتَّةَ مَوْضِعُ التَّعَجُّبِ، وأمّا الثّانِي فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِدْلالِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَأمّا بِمَحْضِ التَّجْوِيزِ فَلا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلالُ؛ لِأنّا نَقُولُ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ هَذِهِ الأوْدِيَةُ، ومِنَ الأُجاجِ البِحارُ الكِبارُ. وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا، أيْ: حائِلًا مِنَ الأرْضِ. ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ هَهُنا بَيِّنٌ؛ لِأنَّ العُذُوبَةَ والمُلُوحَةَ إنْ كانَتْ بِسَبَبِ طَبِيعَةِ الأرْضِ أوِ الماءِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِواءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن قادِرٍ حَكِيمٍ يَخُصُّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأجْسامِ بِصِفَةٍ خاصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
25:54Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤
And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الخامِسُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وفِيهِ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: ذَكَرُوا في هَذا الماءِ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الماءُ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ أُصُولُ الحَيَوانِ، وهو الَّذِي عَناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ [النُّورِ: ٤٥] .
والثّانِي: أنَّ المُرادَ النُّطْفَةُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطّارِقِ: ٦]، ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٢٠] .
البَحْثُ الثّانِي: المَعْنى أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ البَشَرَ قَسَمَيْنِ ذَوِي نَسَبٍ، أيْ: ذُكُورًا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، فَيُقالُ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ، وفُلانَةُ بِنْتُ فُلانٍ، وذَواتِ صِهْرٍ، أيْ: إناثًا يُصاهَرُونَ ونَحْوَهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القِيامَةِ: ٣٩]، ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ حَيْثُ خَلَقَ مِنَ النُّطْفَةِ الواحِدَةِ نَوْعَيْنِ مِنَ البَشَرِ الذَّكَرَ والأُنْثى.
25:55–58Page 364
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥
But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦
And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧
Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨
And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى تَهْجِينِ سِيرَتِهِمْ في عِبادَةِ الأوْثانِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِ أبُو جَهْلٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّ
صفحة ٨٩
خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، ولِأنَّهُ أوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في الظَّهِيرِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الظَّهِيرَ بِمَعْنى المُظاهِرِ، كالعَوِينِ بِمَعْنى المُعاوِنِ، وفَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ غَيْرُ غَرِيبٍ، والمَعْنى أنَّ الكافِرَ يُظاهِرُ الشَّيْطانَ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ في الكافِرِ أنْ يَكُونَ مُعاوِنًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ ؟ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ رَسُولَهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [ الأحْزابِ: ٥٧] .
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالظَّهِيرِ الجَماعَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] كَما جاءَ الصَّدِيقُ والخَلِيطُ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ المُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسَ، وأنَّ بَعْضَهم مُظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى إطْفاءِ نُورِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٢] .
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الظَّهِيرُ مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرَ فُلانٌ بِحاجَتِي إذا نَبَذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وهو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هُودٍ: ٩٢] ويُقالُ فِيمَن يَسْتَهِينُ بِالشَّيْءِ: نَبَذَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وقِياسُ العَرَبِيَّةِ أنْ يُقالَ: مَظْهُورٌ، أيْ: مُسْتَخَفٌّ بِهِ مَتْرُوكٌ وراءَ الظَّهْرِ، فَقِيلَ فِيهِ: ظَهِيرٌ في مَعْنى مَظْهُورٍ، ومَعْناهُ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ أنْ يَكْفُرَ الكافِرُ، وهو تَعالى مُسْتَهِينٌ بِكُفْرِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ فَتَعَلُّقُ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ هو أنَّ الكُفّارَ يَطْلُبُونَ العَوْنَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ، واللَّهُ تَعالى بَعَثَ رَسُولَهُ لِنَفْعِهِمْ؛ لِأنَّهُ بَعَثَهُ لِيُبَشِّرَهم عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرَهم عَلى المَعْصِيَةِ، فَيَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ ويَحْتَرِزُوا عَنِ العِقابِ، فَلا جَهْلَ أعْظَمُ مِن جَهْلِ مَنِ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إيذاءِ شَخْصٍ اسْتَفْرَغَ جُهْدَهُ في إصْلاحِ مُهِمّاتِهِ دِينًا ودُنْيا، ولا يَسْألُهم عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ أجْرًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا مُتَقارِبَةً:
أحَدُها: لا يَسْألُهم عَلى الأداءِ والدُّعاءِ أجْرًا، إلّا أنْ يَشاءُوا أنْ يَتَقَرَّبُوا بِالإنْفاقِ في الجِهادِ وغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُوا بِهِ سَبِيلًا إلى رَحْمَةِ رَبِّهِمْ ونَيْلِ ثَوابِهِ.
وثانِيها: قالَ القاضِي: مَعْناهُ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا لِنَفْسِي وأسْألُكم أنْ تَطْلُبُوا الأجْرَ لِأنْفُسِكم بِاتِّخاذِ السَّبِيلِ إلى رَبِّكم.
وثالِثُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِثالُ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ﴾، والمُرادُ إلّا فِعْلَ مَن شاءَ، واسْتِثْناؤُهُ عَنِ الأجْرِ قَوْلُ ذِي شَفَقَةٍ عَلَيْكَ قَدْ سَعى لَكَ في تَحْصِيلِ مالٍ ما أطْلُبُ مِنكَ ثَوابًا عَلى ما سَعَيْتُ، إلّا أنْ تَحْفَظَ هَذا المالَ ولا تُضَيِّعَهُ، فَلَيْسَ حِفْظُكَ المالَ لِنَفْسِكِ مِن جِنْسِ الثَّوابِ، ولَكِنْ صَوَّرَهُ هو بِصُورَةِ الثَّوابِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ فَأفادَ فائِدَتَيْنِ:
إحْداهُما: قَلْعُ شُبْهَةِ الطَّمَعِ في الثَّوابِ مِن أصْلِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَكَ: إنْ كانَ حِفْظُكَ لِمالِكَ ثَوابًا، فَإنِّي أطْلُبُ الثَّوابَ.
والثّانِيَةُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ البالِغَةِ، وأنَّ حِفْظَكَ لِمالِكَ يَجْرِي مَجْرى الثَّوابِ العَظِيمِ الَّذِي تُوصِلُهُ إلَيَّ، ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ إلى اللَّهِ سَبِيلًا، تَقَرُّبُهم إلَيْهِ وطَلَبُهم عِنْدَهُ الزُّلْفى بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّقَرُّبُ بِالصَّدَقَةِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى إيذائِهِ، فَأمَرَهُ بِأنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا البَتَّةَ، أمَرَهُ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ جَمِيعِ المَضارِّ، وفي جَلْبِ جَمِيعِ المَنافِعِ، وإنَّما قالَ: ﴿عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ لِأنَّ مَن تَوَكَّلَ عَلى الحَيِّ الَّذِي يَمُوتُ، فَإذا ماتَ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ صارَ المُتَوَكِّلُ ضائِعًا، أمّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَلا يَضِيعُ المُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ البَتَّةَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْسِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى التَّنْزِيهِ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ في تَوْحِيدِهِ وعَدْلِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، ثم قال: ﴿وكَفى بِهِ﴾
صفحة ٩٠
﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ، يُقالُ: كَفى بِالعِلْمِ جَمالًا، وكَفى بِالأدَبِ مالًا. وهو بِمَعْنى حَسْبُكَ، أيْ: لا تَحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، قادِرٌ عَلى مُكافَأتِهِمْ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ كَفاكم عِلْمُهُ في مُجازاتِكم بِما تَسْتَحِقُّونَ مِنَ العُقُوبَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences