Ar-RaziAl‑Furqan · 25:59–67

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:59–67

25:59–60Page 365

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وصَفَ نَفْسَهُ بِأُمُورٍ:

أوَّلُها: بِأنَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفُرْقانِ: ٥٨] .

وثانِيها: أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٨] .

وثالِثُها: أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ هو الخالِقَ لِلسَّماواتِ والأرَضِينَ ولِكُلِّ ما بَيْنَهُما، ثَبَتَ أنَّهُ هو القادِرُ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، وأنَّ النِّعَمَ كُلَّها مِن جِهَتِهِ، فَحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ التَّوَكُّلُ إلّا عَلَيْهِ. وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: الأيّامُ عِبارَةٌ عَنْ حَرَكاتِ الشَّمْسِ في السَّماواتِ، فَقَبْلَ السَّماواتِ لا أيّامَ، فَكَيْفَ قالَ اللَّهُ: خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ ؟ الجَوابُ: يَعْنِي في مُدَّةٍ مِقْدارُها هَذِهِ المُدَّةُ لا يُقالُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَتَقَدَّرُ بِمِقْدارٍ مَحْدُودٍ ويَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ والتَّجْزِئَةَ لا يَكُونُ عَدَمًا مَحْضًا، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَوْجُودًا، فَيَلْزَمُ مِن وُجُودِهِ وُجُودُ مُدَّةٍ قَبْلَ وُجُودِ العالَمِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي قِدَمَ الزَّمانِ؛ لِأنّا نَقُولُ: هَذا مُعارَضٌ بِنَفْسِ الزَّمانِ؛ لِأنَّ المُدَّةَ المُتَوَهَّمَةَ المُحْتَمَلَةَ لِعَشَرَةِ أيّامٍ لا تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أيّامٍ، والمُدَّةُ المُتَوَهَّمَةُ الَّتِي تَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أيّامٍ لا تَحْتَمِلُ عَشَرَةَ أيّامٍ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْمُدَّةِ مُدَّةٌ أُخْرى، فَلَمّا لَمْ يَلْزَمْ هَذا لَمْ يَلْزَمْ ما قُلْتُمُوهُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: لَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ المُدَّةَ أوَّلًا ثُمَّ السَّماواتِ والأرْضَ فِيها بِمِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: في سِتَّةِ أيّامٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وكُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ التَّعْرِيفَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ، لا بِأمْرٍ مَجْهُولٍ.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قَدَّرَ الخَلْقَ والإيجادَ بِهَذا التَّقْدِيرِ ؟ الجَوابُ: أمّا عَلى قَوْلِنا فالمَشِيئَةُ والقُدْرَةُ كافِيَةٌ في التَّخْصِيصِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: بَلْ لا بُدَّ مِن داعِي حِكْمَةٍ، وهو أنَّ تَخْصِيصَ خَلْقِ العالَمِ بِهَذا المِقْدارِ أصْلَحُ لِلْمُكَلَّفِينَ، وهَذا بَعِيدٌ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ حُصُولَ تِلْكَ الحِكْمَةِ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا لِذاتِهِ، أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ واجِبًا وجَبَ أنْ لا يَتَغَيَّرَ، فَيَكُونُ حاصِلًا في كُلِّ الأزْمِنَةِ، فَلا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَخْصِيصِ زَمانٍ مُعَيَّنٍ، وإنْ كانَ جائِزًا افْتَقَرَ حُصُولُ تِلْكَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى مُخَصِّصٍ آخَرَ، ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.

والثّانِي: أنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا لا يَصِلُ إلَيْهِ خاطِرُ المُكَلَّفِ وعَقْلُهُ، فَحُصُولُ ذَلِكَ التَّفاوُتِ لَمّا لَمْ يَكُنْ مَشْعُورًا بِهِ كَيْفَ يَقْدَحُ في حُصُولِ المَصالِحِ.

صفحة ٩١

واعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِ سَواءً كانَ عَلى قَوْلِنا، أوْ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَقْطَعَ الطَّمَعَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ؛ فَإنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ. مِن ذَلِكَ: تَقْدِيرُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أصْحابُ النّارِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ، وحَمَلَةِ العَرْشِ بِالثَّمانِيَةِ، وشُهُورِ السَّنَةِ بِاثْنَيْ عَشَرَ، والسَّماواتِ السَّبْعِ وكَذا الأرْضِ، وكَذا القَوْلُ في عَدَدِ الصَّلَواتِ ومَقادِيرِ النُّصُبِ في الزَّكَواتِ، وكَذا مَقادِيرُ الحُدُودِ والكَفّاراتِ، فالإقْرارُ بِأنَّ كُلَّ ما قالَهُ اللَّهُ تَعالى حَقٌّ هو الدِّينُ، وتَرْكُ البَحْثِ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ هو الواجِبُ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١]، ثم قال: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٣١] وهَذا هو الجَوابُ أيْضًا في أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْها في لَحْظَةٍ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ إنَّما خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ، وهو يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَها في لَحْظَةٍ؛ تَعْلِيمًا لِخَلْقِهِ الرِّفْقَ والتَّثَبُّتَ، قِيلَ: تَمَّ خَلْقُها يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ ؟ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِيلاءِ والقُدْرَةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِيلاءَ والقُدْرَةَ في أوْصافِ اللَّهِ لَمْ تَزَلْ، ولا يَصِحُّ دُخُولُ ثُمَّ فِيهِ. والجَوابُ: الِاسْتِقْرارُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّغَيُّرَ الَّذِي هو دَلِيلُ الحُدُوثِ، ويَقْتَضِي التَّرْكِيبَ والبَعْضِيَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ ثُمَّ خَلَقَ العَرْشَ ورَفَعَهُ، وهو مُسْتَوْلٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣١] فَإنَّ المُرادَ حَتّى يُجاهِدَ المُجاهِدُونَ ونَحْنُ بِهِمْ عالِمُونَ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هُودٍ: ٧] قُلْنا: كَلِمَةُ ”ثُمَّ“ ما دَخَلَتْ عَلى خَلْقِ العَرْشِ، بَلْ عَلى رَفْعِهِ عَلى السَّماواتِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: كَيْفَ إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ؟ الجَوابُ: ”الَّذِي خَلَقَ“ مُبْتَدَأٌ و”الرَّحْمَنُ“ خَبَرُهُ، أوْ هو صِفَةٌ لِلْحَيِّ، والرَّحْمَنُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولِهَذا أجازالزَّجّاجُ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلى العَرْشِ﴾، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالرَّحْمَنِ؛ أيْ: هو الرَّحْمَنُ الَّذِي لا يَنْبَغِي السُّجُودُ والتَّعْظِيمُ إلّا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .

السُّؤالُ الخامِسُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ؟ الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: مَعْناهُ فاسْألْ خَبِيرًا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِهِ﴾ يَعُودُ إلى ما ذَكَرْنا مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، والباءُ مِن صِلَةِ الخَبِيرِ، وذَلِكَ الخَبِيرُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ في العَقْلِ عَلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ، فَلا يَعْلَمُها أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ الخَبِيرَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما قُدِّمَ لِرُءُوسِ الآيِ وحُسْنِ النَّظْمِ.

وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿بِهِ﴾ مَعْناهُ عَنْهُ، والمَعْنى: فاسْألْ عَنْهُ خَبِيرًا، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [ المَعارِجِ: ١]، وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ:

فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ

وثالِثُها: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِهِ﴾ صِلَةٌ، والمَعْنى: فَسَلْهُ خَبِيرًا، وخَبِيرًا نُصِبَ عَلى الحالِ.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِهِ﴾ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النِّساءِ: ١] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ فَهو خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ قالُوا هَذا القَوْلَ.

صفحة ٩٢

ويُحْتَمَلُ أنَّهم جَهِلُوا اللَّهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنَّهم وإنْ عَرَفُوهُ لَكِنَّهم جَحَدُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم وإنِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَكِنَّهم جَهِلُوا أنَّ هَذا الِاسْمَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ قالُوا: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، والعَرَبُ ما عَرَفُوهُ، قالَ مُقاتِلٌ: «إنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: إنَّ الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ شِعْرٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: الشِّعْرُ غَيْرُ هَذا، إنْ هَذا إلّا كَلامُ الرَّحْمَنِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ: بَخٍ بَخٍ، لَعَمْرِي واللَّهِ إنَّهُ لَكَلامُ الرَّحْمَنِ الَّذِي بِاليَمامَةِ هو يُعَلِّمُكَ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”الرَّحْمَنُ الَّذِي هو إلَهُ السَّماءِ ومِن عِنْدِهِ يَأْتِينِي الوَحْيُ“، فَقالَ: يا آلَ غالِبٍ، مَن يَعْذِرُنِي مِن مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، وهو يَقُولُ: اللَّهُ يُعَلِّمُنِي والرَّحْمَنُ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُما إلَهانِ. ثم قال: رَبُّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ، أمّا الرَّحْمَنُ فَهو مُسَيْلِمَةُ» . قالَ القاضِي: والأقْرَبُ أنَّ المُرادَ إنْكارُهم لِلَّهِ، لا لِلِاسْمِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّها تُفِيدُ المُبالَغَةَ في الإنْعامِ، ثُمَّ إنْ قُلْنا بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِلَّهِ كانَ قَوْلُهم: ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ سُؤالَ طالِبٍ عَنِ الحَقِيقَةِ، وهو يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٣]، وإنْ قُلْنا بِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ، لَكِنَّهم جَهِلُوا كَوْنَهُ تَعالى مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ كانَ قَوْلُهم ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ سُؤالًا عَنِ الِاسْمِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ فالمَعْنى لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِسُجُودِهِ عَلى قَوْلِهِ: أمَرْتُكَ بِالخَيْرِ، أوْ لِأمْرِكَ لَنا، وقُرِئَ: ”يَأْمُرُنا“ بِالياءِ، كَأنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ، أوْ يَأْمُرُنا المُسَمّى بِالرَّحْمَنِ، ولا نَعْرِفُ ما هو، وزادَهم أمْرُهُ نُفُورًا، ومِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ باعِثًا عَلى الفِعْلِ والقَبُولِ. قالَ الضَّحّاكُ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وعَمْرُو بْنُ عَنْبَسَةَ، ولَمّا رَآهُمُ المُشْرِكُونَ يَسْجُدُونَ تَباعَدُوا في ناحِيَةِ المَسْجِدِ مُسْتَهْزِئِينَ. فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ أيْ: فَزادَهم سُجُودُهم نُفُورًا.

25:61–62Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ مَزِيدَ النَّفْرَةِ عَنِ السُّجُودِ، ذَكَرَ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ والعِبادَةِ لِلرَّحْمَنِ، فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾، أمّا تَبارَكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وأمّا البُرُوجُ فَهي مَنازِلُ السَّيّاراتِ، وهي مَشْهُورَةٌ، سُمِّيَتْ بِالبُرُوجِ الَّتِي هي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِهَذِهِ الكَواكِبِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها. واشْتِقاقُ البُرُوجِ مِنَ التَّبَرُّجِ لِظُهُورِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ البُرُوجَ هي الكَواكِبُ العِظامُ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ أيْ في البُرُوجِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فِيها﴾ راجِعًا إلى السَّماءِ دُونَ البُرُوجِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ البُرُوجَ أقْرَبُ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْها أوْلى. والسِّراجُ: الشَّمْسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نُوحٍ: ١٦]، وقُرِئَ: ”سُرُجًا“ وهي الشَّمْسُ والكَواكِبُ الكِبارُ فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ”﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾“، وهي جَمْعُ لَيْلَةٍ قَمْراءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وذا قَمَرٍ مُنِيرٍ؛ لِأنَّ اللَّيالِيَ تَكُونُ قَمْراءَ بِالقَمَرِ، فَأضافَهُ إلَيْها، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القُمْرُ بِمَعْنى القَمَرِ كالرَّشَدِ والرُّشْدِ والعَرَبِ والعُرْبِ. وأمّا

صفحة ٩٣

الخِلْفَةُ فَفِيها قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ أحَدُهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي خَلْفَهُ، يُقالُ: بِفُلانٍ خِلْفَةٌ واخْتِلافٌ، إذا اخْتَلَفَ كَثِيرًا إلى مُتَبَرَّزِهِ، والمَعْنى جَعَلَهُما ذَوَيْ خِلْفَةٍ، أيْ ذَوَيْ عُقْبَةٍ، يَعْقُبُ هَذا ذاكَ وذاكَ هَذا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَخْلُفُ صاحِبَهُ فِيما يَحْتاجُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ، فَمَن فَرَّطَ في عَمَلٍ في أحَدِهِما قَضاهُ في الآخَرِ، قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقَدْ فاتَتْهُ قِراءَةُ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ: يا ابْنَ الخَطّابِ، لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ آيَةً. وتَلا: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ ما فاتَكَ مِنَ النَّوافِلِ بِاللَّيْلِ فاقْضِهِ في نَهارِكَ، وما فاتَكَ مِنَ النَّهارِ فاقْضِهِ في لَيْلِكَ» .

القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والكِسائِيِّ، يُقالُ لِكُلِّ شَيْئَيْنِ اخْتَلَفا: هُما خِلْفانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خِلْفَةً﴾ أيْ مُخْتَلِفَيْنِ، وهَذا أسْوَدُ وهَذا أبْيَضُ، وهَذا طَوِيلٌ وهَذا قَصِيرٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَذَّكَّرَ﴾ فَقِراءَةُ العامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّخْفِيفِ، وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”يَتَذَكَّرَ“، والمَعْنى لِيَنْظُرَ النّاظِرُ في اخْتِلافِهِما، فَيَعْلَمَ أنَّهُ لا بُدَّ في انْتِقالِهِما مِن حالٍ إلى حالٍ مِن ناقِلٍ ومُغَيِّرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَذَّكَّرَ﴾ راجِعٌ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ النِّعَمِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِينَ قالُوا: وما الرَّحْمَنُ، لَوْ تَفَكَّرُوا في هَذِهِ النِّعَمِ وتَذَكَّرُوها لاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، ولِشُكْرِ الشّاكِرِينَ عَلى النِّعْمَةِ فِيهِما مِنَ السُّكُونِ بِاللَّيْلِ والتَّصَرُّفِ بِالنَّهارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القَصَصِ: ٧٣] أوْ لِيَكُونا وقْتَيْنِ لِلْمُتَذَكِّرِينَ والشّاكِرِينَ، مَن فاتَهُ في أحَدِهِما وِرْدٌ مِنَ العِبادَةِ قامَ بِهِ في الآخَرِ، والشُّكُورُ مَصْدَرُ شَكَرَ يَشْكُرُ شُكُورًا.

25:63–64Page 365

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣

And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤

And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ في آخِرِ السُّورَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ اسْمَ العُبُودِيَّةِ بِالمُشْتَغِلِينَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن أشْرَفِ صِفاتِ المَخْلُوفاتِ، وقُرِئَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَهم بِتِسْعَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾، وهَذا وصْفُ سِيرَتِهِمْ بِالنَّهارِ، وقُرِئَ: ”يَمْشُونَ هَوْنًا“ حالٌ أوْ صِفَةٌ لِلْمَشْيِ، بِمَعْنى هَيِّنِينَ، أوْ بِمَعْنى مَشْيًا هَيِّنًا، إلّا أنَّ في وضْعِ المَصْدَرِ مَوْضِعَ الصِّفَةِ مُبالَغَةً،

صفحة ٩٤

والهَوْنُ: الرِّفْقُ واللِّينُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما»، وقَوْلُهُ: «المُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ»، والمَعْنى أنَّ مَشْيَهم يَكُونُ في لِينٍ وسَكِينَةٍ ووَقارٍ وتَواضُعٍ، ولا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ، ولا يَخْفُقُونَ بِنِعالِهِمْ أشَرًا وبَطَرًا، ولا يَتَبَخْتَرُونَ لِأجْلِ الخُيَلاءِ، كَما قالَ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [ الإسْراءِ: ٣٧]، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ التَمَسْتُ تَفْسِيرَ ”هَوْنًا“ فَلَمْ أجِدْ، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ فَقِيلَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ الفَسادَ في الأرْضِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: لا يَتَكَبَّرُونَ ولا يَتَجَبَّرُونَ، ولا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ.

* * *

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ مَعْناهُ: لا نُجاهِلُكم، ولا خَيْرَ بَيْنَنا ولا شَرَّ، أيْ: نُسَلِّمُ مِنكم تَسْلِيمًا، فَأُقِيمَ السَّلامُ مَقامَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم طَلَبَ السَّلامَةِ والسُّكُوتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّنْبِيهَ عَلى سُوءِ طَرِيقَتِهِمْ لِكَيْ يَمْتَنِعُوا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ العُدُولَ عَنْ طَرِيقِ المُعامَلَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إظْهارَ الحِلْمِ في مُقابَلَةِ الجَهْلِ، قالَ الأصَمُّ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلامَ تَوْدِيعٍ لا تَحِيَّةٍ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مَرْيَمَ: ٤٧] ثم قال الكَلْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ: نَسَخَتْها آيَةُ القِتالِ، ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الإغْضاءَ عَنِ السُّفَهاءِ وتَرْكَ المُقابَلَةِ مُسْتَحْسَنٌ في العَقْلِ والشَّرْعِ، وسَبَبٌ لِسَلامَةِ العِرْضِ والوَرَعِ.

* * *

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ سِيرَتَهم في النَّهارِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: تَرْكُ الإيذاءِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾، والآخَرُ تَحَمُّلُ التَّأذِّي، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾، فَكَأنَّهُ شَرَحَ سِيرَتَهم مَعَ الخَلْقِ في النَّهارِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ سِيرَتَهم في اللَّيالِي عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِخِدْمَةِ الخالِقِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦]، ثم قال الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ قِيلَ: باتَ، وإنْ لَمْ يَنَمْ، كَما يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، ومَعْنى ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾ أنْ يَكُونُوا في لَيالِيهِمْ مُصَلِّينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ في صَلاةٍ وإنْ قَلَّ، فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا، وقِيلَ: رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وأرْبَعًا بَعْدَ العِشاءِ الأخِيرَةِ، والأوْلى أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِإحْياءِ اللَّيْلِ أوْ أكْثَرِهِ، يُقالُ: فُلانٌ يَظَلُّ صائِمًا ويَبِيتُ قائِمًا، قالَ الحَسَنُ: يَبِيتُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ ويَفْرِشُونَ لَهُ وُجُوهَهم تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ خَوْفًا مِن رَبِّهِمْ.

25:65–67Page 365

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ وقِيامِهِمْ هَذا القَوْلَ. وقالَ الحَسَنُ: خَشَعُوا بِالنَّهارِ وتَعِبُوا بِاللَّيْلِ فَرَقًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. وقَوْلُهُ: ﴿غَرامًا﴾ أيْ هَلاكًا وخُسْرانًا مُلِحًّا لازِمًا، ومِنهُ الغَرِيمُ لِإلْحاحِهِ وإلْزامِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِالنِّساءِ إذا كانَ مُولَعًا بِهِنَّ، وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الغَرامِ، فَقالَ: هو المُوجِعُ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في ﴿غَرامًا﴾ أنَّهُ سَألَ الكُفّارَ ثَمَنَ نِعَمِهِ فَما أدَّوْها إلَيْهِ، فَأغْرَمَهم فَأدْخَلَهُمُ النّارَ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِإحْياءِ اللَّيْلِ ساجِدِينَ وقائِمِينَ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ دَعْوَتِهِمْ هَذِهِ؛ إيذانًا بِأنَّهم مَعَ اجْتِهادِهِمْ خائِفُونَ مُبْتَهِلُونَ إلى اللَّهِ في صَرْفِ العَذابِ عَنْهم؛ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٦٠] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ساءَتْ﴾ في حُكْمِ بِئْسَتْ، وفِيها ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ تَفْسِيرُهُ ”مُسْتَقِرًّا“، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ مَعْناهُ ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا هي، (وهَذا الضَّمِيرُ هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِاسْمِ إنَّ وجَعَلَها خَبَرًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ساءَتْ بِمَعْنى أحْزَنَتْ، وفِيها ضَمِيرُ اسْمِ إنَّ)، ومُسْتَقِرًّا حالٌ أوْ تَمْيِيزٌ، فَإنْ قِيلَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَصْرِفَ عَنْهم عَذابَ جَهَنَّمَ لِعِلَّتَيْنِ:

إحْداهُما أنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا

صفحة ٩٥

وثانِيهِما: أنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا، فَما الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ ؟ وأيْضًا فَما الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ ؟ قُلْنا: المُتَكَلِّمُونَ ذَكَرُوا أنَّ عِقابَ الكافِرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ دائِمَةً، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مَضَرَّةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِها دائِمَةً، ولا شَكَّ في المُغايَرَةِ، أمّا الفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَقَرِّ والمُقامِ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ فَإنَّهم يَسْتَقِرُّونَ في النّارِ ولا يُقِيمُونَ فِيها، وأمّا الإقامَةُ فَلِلْكُفّارِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ.

* * *

الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قُرِئَ: ”يَقْتِرُوا“ بِكَسْرِ التّاءِ وضَمِّها، ويُقْتِرُوا بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ، وأيْضًا بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ وكَسْرِ التّاءِ وتَشْدِيدِها، وكُلُّها لُغاتٌ. والقَتْرُ والإقْتارُ والتَّقْتِيرُ التَّضْيِيقُ الَّذِي هو نَقِيضُ الإسْرافِ، والإسْرافُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ وُجُوهًا:

أحَدُها: وهو الأقْوى، أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالقَصْدِ الَّذِي هو بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، وبِمِثْلِهِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [ الإسْراءِ: ٢٩] وعَنْ وُهَيْبِ بْنِ الوَرْدِ قالَ لِعالِمٍ: ما البِناءُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَتَرَكَ عَنِ الشَّمْسِ وأكَنَّكَ مِنَ المَطَرِ. فَقالَ لَهُ: فَما الطَّعامُ الَّذِي لا سَرَفَ فِيهِ ؟ قالَ: ما سَدَّ الجَوْعَةَ. فَقالَ لَهُ في اللِّباسِ، قالَ: ما سَتَرَ عَوْرَتَكَ ووَقاكَ مِنَ البَرْدِ. ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا صَنَعَ طَعامًا في إمْلاكٍ، فَأرْسَلَ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: حَقٌّ فَأجِيبُوا، ثُمَّ صَنَعَ الثّانِيَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: حَقٌّ فَمَن شاءَ فَلْيُجِبْ، وإلّا فَلْيَقْعُدْ، ثُمَّ صَنَعَ الثّالِثَةَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: رِياءٌ ولا خَيْرَ فِيهِ» .

وثانِيها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، أنَّ الإسْرافَ الإنْفاقُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، والإقْتارَ مَنعُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ أنْفَقَ رَجُلٌ مِثْلَ أبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ سَرَفًا، ولَوْ أنْفَقَ صاعًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ سَرَفًا. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يُنْفِقُوا في مَعاصِي اللَّهِ ولَمْ يُمْسِكُوا عَمّا يَنْبَغِي، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ في الإمْساكِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ، وهو أقْبَحُ التَّقْتِيرِ، وقَدْ يَكُونُ عَمّا لا يَجِبُ، ولَكِنْ يَكُونُ مَندُوبًا، مِثْلُ الرَّجُلِ الغَنِيِّ الكَثِيرِ المالِ إذا مَنَعَ الفُقَراءَ مِن أقارِبِهِ.

وثالِثُها: المُرادُ بِالسَّرَفِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في التَّنَعُّمِ والتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، وإنْ كانَ مِن حَلالٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الخُيَلاءِ، والإقْتارُ هو التَّضْيِيقُ، فالأكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ النَّفْسَ عَنِ العِبادَةِ سَرَفٌ، وإنْ أكَلَ بِقَدْرِ الحاجَةِ فَذاكَ إقْتارٌ، وهَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ والزِّينَةِ، ولَكِنْ كانُوا يَأْكُلُونَ ما يَسُدُّ جُوعَهم ويُعِينُهم عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ويَلْبَسُونَ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَصُونُهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وهَهُنا مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: ”القَوامُ“ قالَ ثَعْلَبٌ: القَوامُ بِالفَتْحِ العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، وبِالكَسْرِ ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القَوامُ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِاسْتِقامَةِ الطَّرَفَيْنِ واعْتِدالِهِما، ونَظِيرُ القَوامِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ السَّواءُ مِنَ الِاسْتِواءِ. وقُرِئَ: ”قِوامًا“ بِالكَسْرِ، وهو ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ، يُقالُ: أنْتَ قِوامُنا، يَعْنِي ما يُقامُ بِهِ الحاجَةُ لا يَفْضُلُ عَنْهُ ولا يَنْقُصُ.

المسألة الثّانِيَةُ: المَنصُوبانِ أعْنِي ”بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا“ جائِزٌ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ مَعًا، وأنْ يُجْعَلَ بَيْنَ ذَلِكَ لَغْوًا وقَوامًا مُسْتَقِرًّا، وأنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا وقِوامًا حالًا مُؤَكِّدَةً، قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”بَيْنَ ذَلِكَ“ اسْمَ

صفحة ٩٦

كانَ، كَما تَقُولُ: كانَ دُونَ هَذا كافِيًا، تُرِيدُ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، فَيَكُونُ مَعْنى ”بَيْنَ ذَلِكَ“، أيْ: كانَ الوَسَطُ مِن ذَلِكَ قَوامًا، أيْ: عَدْلًا، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القَوامَ هو الوَسَطُ، فَيَصِيرُ التَّأْوِيلُ: وكانَ الوَسَطُ وسَطًا، وهَذا لَغْوٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском