Ar-RaziAl‑Furqan · 25:68–77

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:68–77

25:68–70Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨

And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.

يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩

Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠

Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

الصِّفَةُ السّادِسَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ أنَّ مِن صِفَةِ عِبادِ الرَّحْمَنِ الِاحْتِرازَ عَنِ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمَ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ مِنَ العِقابِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِن جُمْلَتِهِمُ التّائِبَ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قَبْلَ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ نَزَّهَ عِبادَ الرَّحْمَنِ عَنِ الأُمُورِ الخَفِيفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يُطَهِّرَهم عَنِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِثْلَ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا، ألَيْسَ أنَّهُ لَوْ كانَ التَّرْتِيبُ بِالعَكْسِ مِنهُ كانَ أوْلى ؟ الجَوابُ: أنَّ المَوْصُوفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ السّالِفَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالشِّرْكِ تَدَيُّنًا، ومُقْدِمًا عَلى قَتْلِ المَوْءُودَةِ تَدَيُّنًا، وعَلى الزِّنا تَدَيُّنًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المَرْءَ لا يَصِيرُ بِتِلْكَ الخِصالِ وحْدَها مِن عِبادِ الرَّحْمَنِ، حَتّى يُضافَ إلى ذَلِكَ كَوْنُهُ مُجانِبًا لِهَذِهِ الكَبائِرِ، وأجابَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ التَّنْبِيهُ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ سِيرَةِ المُسْلِمِينَ وسِيرَةِ الكُفّارِ، كَأنَّهُ قالَ: وعِبادُ الرَّحْمَنِ هُمُ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وأنْتُمْ تَدَعُونَ، ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ وأنْتُمْ تَقْتُلُونَ المَوْءُودَةَ، ﴿ولا يَزْنُونَ﴾ وأنْتُمْ تَزْنُونَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّهُ مَن يَحِلُّ قَتْلُهُ لا يَدْخُلُ في النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا الِاسْتِثْناءُ ؟ الجَوابُ: المُقْتَضِي لِحُرْمَةِ القَتْلِ قائِمٌ أبَدًا، وجَوازُ القَتْلِ إنَّما ثَبَتَ بِالمُعارِضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ إشارَةٌ إلى المُقْتَضِي، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ إشارَةٌ إلى المُعارِضِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: بِأيِّ سَبَبٍ يَحِلُّ القَتْلُ ؟ الجَوابُ: بِالرِّدَّةِ وبِالزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وبِالقَتْلِ قَوَدًا عَلى ما في الحَدِيثِ، وقِيلَ: وبِالمُحارَبَةِ وبِالبَيِّنَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِما شَهِدْتَ بِهِ حَقِيقَةٌ.

صفحة ٩٧

السُّؤالُ الرّابِعُ: مِنهم مَن فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ بِالرِّدَّةِ، فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ ؟ الجَوابُ: لَفْظُ القَتْلِ عامٌّ، فَيَتَناوَلُ الكُلَّ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قالَ: أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ» .

السُّؤالُ الخامِسُ: ما الأثامُ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الأثامَ جَزاءُ الإثْمِ، بِوَزْنِ الوَبالِ والنَّكالِ.

وثانِيها: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ الأثامَ والإثْمَ واحِدٌ، والمُرادُ هَهُنا جَزاءُ الأثامِ، فَأطْلَقَ اسْمَ الشَّيْءِ عَلى جَزائِهِ.

وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: الأثامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أثامًا﴾ وادٍ في جَهَنَّمَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ:“ أثامًا ”أيْ شَدِيدًا، يُقالُ: يَوْمٌ ذُو أثامٍ، لِلْيَوْمِ العَصِيبِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: ﴿يُضاعَفْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَلْقَ﴾ لِأنَّهُما في مَعْنًى واحِدٍ، وقُرِئَ:“يُضْعَفْ”و“نُضْعِفْ لَهُ العَذابَ”بِالنُّونِ ونَصْبِ العَذابِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أوْ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ (يَخْلُدْ)، وقُرِئَ:“ويُخْلَدْ”عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا مِنَ الإخْلادِ والتَّخْلِيدِ، وقُرِئَ:“ وتَخْلُدْ " بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ.

المسألة الثّانِيَةُ: سَبَبُ تَضْعِيفِ العَذابِ أنَّ المُشْرِكَ إذا ارْتَكَبَ المَعاصِيَ مَعَ الشِّرْكِ عُذِّبَ عَلى الشِّرْكِ وعَلى المَعاصِي جَمِيعًا، فَتُضاعَفُ العُقُوبَةُ لِمُضاعَفَةِ المُعاقَبِ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ المُضاعَفَةَ والزِّيادَةَ يَكُونُ حالُهُما في الدَّوامِ كَحالِ الأصْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ أيْ: ويَخْلُدْ في ذَلِكَ التَّضْعِيفِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ التَّضْعِيفَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ العِقابِ عَلى المَعاصِي، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِقابُ هَذِهِ المَعاصِي في حَقِّ الكافِرِ دائِمًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ في حَقِّ المُؤْمِنِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ حالَهُ فِيما يَسْتَحِقُّ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ سَواءً فَعَلَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ مُنْفَرِدًا، والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْإتْيانِ بِالشَّيْءِ مَعَ غَيْرِهِ أثَرٌ في مَزِيدِ القُبْحِ، ألا تَرى أنَّ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في نَفْسِهِ حَسَنًا، وإنْ كانَ الجَمْعُ بَيْنَهُما قَبِيحًا، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما قَبِيحًا، ويَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَهُما أقْبَحَ، فَكَذا هَهُنا.

المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ أنَّ العِقابَ هو المَضَرَّةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالإذْلالِ والإهانَةِ، كَما أنَّ الثَّوابَ هو المَنفَعَةُ الخالِصَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ، والِاسْتِثْناءُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أثْبَتَ أنَّهُ يُضاعِفُ لَهُ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، فَيَكْفِي لِصِحَّةِ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ لا يُضاعِفَ لِلتّائِبِ العَذابَ ضِعْفَيْنِ، وإنَّما الدّالُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ .

المسألة الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَوْبَةُ القاتِلِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ

صفحة ٩٨

تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النِّساءِ: ٩٣] وقالُوا: نَزَلَتِ الغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ بِثَمانِ سِنِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ.

المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ يَدْخُلُ فِيهِ التَّوْبَةُ والإيمانُ، فَكانَ ذِكْرُهُما قَبْلَ ذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ حَشْوًا، قُلْنا: أفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ لِعُلُوِّ شَأْنِهِما، ولَمّا كانَ لا بُدَّ مَعَهُما مِن سائِرِ الأعْمالِ لا جَرَمَ ذَكَرَ عَقِيبَهُما العَمَلَ الصّالِحَ.

المسألة الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ: إنَّ التَّبْدِيلَ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى قَبائِحَ أعْمالِهِمْ في الشِّرْكِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ في الإسْلامِ، فَيُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ قَتْلَ المُشْرِكِينَ، وبِالزِّنا عِفَّةً وإحْصانًا، فَكَأنَّهُ تَعالى يُبَشِّرُهم بِأنَّهُ يُوَفِّقُهم لِهَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَيَسْتَوْجِبُوا بِها الثَّوابَ.

وثانِيها: قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّئَةُ بِعَيْنِها لا تَصِيرُ حَسَنَةً، ولَكِنَّ التَّأْوِيلَ أنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحى بِالتَّوْبَةِ وتُكْتَبُ الحَسَنَةُ مَعَ التَّوْبَةِ، والكافِرُ يُحْبِطُ اللَّهُ عَمَلَهُ ويُثْبِتُ عَلَيْهِ السَّيِّئاتِ.

وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْحُو السَّيِّئَةَ عَنِ العَبْدِ ويُثْبِتُ لَهُ بَدَلَها الحَسَنَةَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومَكْحُولٍ، ويَحْتَجُّونَ بِما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «لَيَتَمَنَّيَنَّ أقْوامٌ أنَّهم أكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ، قِيلَ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» وعَلى هَذا التَّبْدِيلُ في الآخِرَةِ.

ورابِعُها: قالَ القَفّالُ والقاضِي: أنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ العِقابَ بِالثَّوابِ، فَذَكَرَهُما وأرادَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِما، وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ كانَتِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الإثابَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.

25:71Page 366

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١

And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرِيرِ ؟ الجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرِيرٍ؛ لِأنَّ الأوَّلَ لَمّا كانَ في تِلْكَ الخِصالِ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمِيعَ الذُّنُوبِ بِمَنزِلَتِها في صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنها.

الثّانِي: أنَّ التَّوْبَةَ الأُولى رُجُوعٌ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والتَّوْبَةَ الثّانِيَةَ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ تَعالى لِلْجَزاءِ والمُكافَأةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ [الرَّعْدِ: ٣٠] أيْ مَرْجِعِي.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ تَكُونُ التَّوْبَةُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ التَّوْبَةَ الأُولى الرُّجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ، والثّانِيَةَ الرُّجُوعُ إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وثَوابِهِ.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ مَن تابَ إلى اللَّهِ فَقَدْ أتى بِتَوْبَةٍ مُرْضِيَةٍ لِلَّهِ مُكَفِّرَةٍ لِلذُّنُوبِ مُحَصِّلَةٍ لِلثَّوابِ العَظِيمِ.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن تابَ﴾ يَرْجِعُ إلى الماضِي، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِهَذِهِ التَّوْبَةِ في الماضِي عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ فَقَدْ وعَدَهُ بِأنَّهُ سَيُوَفِّقُهُ لِلتَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا مِن أعْظَمِ البِشاراتِ.

الصِّفَةُ السّابِعَةُ.

25:72Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢

And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ .

فِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: الزُّورُ يَحْتَمِلُ إقامَةَ الشَّهادَةِ الباطِلَةِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم لا يَشْهَدُونَ شَهادَةَ الزُّورِ

صفحة ٩٩

فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَحْتَمِلُ حُضُورَ مَواضِعِ الكَذِبِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [ الأنْعامِ: ٦٨] ويَحْتَمِلُ حُضُورَ كُلِّ مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ ما لا يَنْبَغِي، ويَدْخُلُ فِيهِ أعْيادُ المُشْرِكِينَ ومَجامِعُ الفُسّاقِ؛ لِأنَّ مَن خالَطَ أهْلَ الشَّرِّ ونَظَرَ إلى أفْعالِهِمْ وحَضَرَ مَجامِعَهم فَقَدْ شارَكَهم في تِلْكَ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ الحُضُورَ والنَّظَرَ دَلِيلُ الرِّضا بِهِ، بَلْ هو سَبَبٌ لِوُجُودِهِ والزِّيادَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى فِعْلِهِ اسْتِحْسانُ النَّظّارَةِ ورَغْبَتُهم في النَّظَرِ إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المُرادُ مَجالِسُ الزُّورِ الَّتِي يَقُولُونَ فِيها الزُّورَ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى رَسُولِهِ، وقالَ مُحَمَّدٌ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: الزُّورُ: الغِناءُ. واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُحْتَمِلَةٌ، ولَكِنَّ اسْتِعْمالَهُ في الكَذِبِ أكْثَرُ.

المسألة الثّانِيَةُ: الأصَحُّ أنَّ اللَّغْوَ كُلُّ ما يَجِبُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ، ومِنهم مَن فَسَّرَ اللَّغْوَ بِكُلِّ ما لَيْسَ بِطاعَةٍ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المُباحاتِ لا تُعَدُّ لَغْوًا، فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ أيْ بِأهْلِ اللَّغْوِ.

المسألة الثّالِثَةُ: لا شُبْهَةَ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم يُكْرِمُونَ أنْفُسَهم عَنْ مِثْلِ حالِ اللَّغْوِ، وإكْرامُهم لَها لا يَكُونُ إلّا بِالإعْراضِ وبِالإنْكارِ وبِتَرْكِ المُعاوَنَةِ والمُساعَدَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الشِّرْكُ واللَّغْوُ في القُرْآنِ وشَتْمُ الرَّسُولِ، والخَوْضُ فِيما لا يَنْبَغِي، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِن قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ كَرِيمَةٌ، إذا كانَتْ تُعْرِضُ عِنْدَ الحَلْبِ تَكَرُّمًا، كَأنَّها لا تُبالِي بِما يُحْلَبُ مِنها لِلْغَزارَةِ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلصَّفْحِ عَنِ الذَّنْبِ، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: تَكَرَّمَ فُلانٌ عَمّا يَشِينُهُ، إذا تَنَزَّهَ وأكْرَمَ نَفْسَهُ عَنْهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القَصَصِ: ٥٥] وعَنِ الحَسَنِ: لَمْ تُسَفِّهْهُمُ المَعاصِي، وقِيلَ: إذا سَمِعُوا مِنَ الكُفّارِ الشَّتْمَ والأذى أعْرَضُوا، وقِيلَ: إذا ذُكِرَ النِّكاحُ كَنَّوْا عَنْهُ.

25:73Page 366

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣

And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.

الصِّفَةُ الثّامِنَةُ.

﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ .

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ لَيْسَ بِنَفْيٍ لِلْخُرُورِ، وإنَّما هو إثْباتٌ لَهُ ونَفْيٌ لِلصَّمَمِ والعَمى، كَما يُقالُ: لا يَلْقانِي زَيْدٌ مُسْلِمًا، هو نَفْيٌ لِلسَّلامِ لا لِلِّقاءِ، والمَعْنى أنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِها أكَبُّوا عَلَيْها حِرْصًا عَلى اسْتِماعِها، وأقْبَلُوا عَلى المُذَكِّرِ بِها، وهم في إكْبابِهِمْ عَلَيْها سامِعُونَ بِآذانٍ واعِيَةٍ، مُبْصِرُونَ بِعُيُونٍ راعِيَةٍ، لا كالَّذِينِ يُذَكِّرُونَ بِها فَتَراهم مُكِبِّينَ عَلَيْها مُقْبِلِينَ عَلى مَن يُذَكِّرُ بِها مُظْهِرِينَ الحِرْصَ الشَّدِيدَ عَلى اسْتِماعِها، وهم كالصُّمِّ والعُمْيانِ حَيْثُ لا يَفْهَمُونَها ولا يُبْصِرُونَ ما فِيها كالمُنافِقِينَ.

25:74Page 366

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."

صفحة ١٠٠

الصِّفَةُ التّاسِعَةُ.

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وذُرِّيّاتِنا﴾ بِألِفِ الجَمْعِ، وحَذَفَها الباقُونَ عَلى التَّوْحِيدِ، والذُّرِّيَّةُ تَكُونُ واحِدًا وجَمْعًا.

المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ أعْيُنٍ لَهم في الدِّينِ لا في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ المالِ والجَمالِ. ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا أزْواجًا وذُرِّيَّةً في الدُّنْيا يُشارِكُونَهم، فَأحَبُّوا أنْ يَكُونُوا مَعَهم في التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ، فَيَقْوى طَمَعُهم في أنْ يَحْصُلُوا مَعَهم في الجَنَّةِ، فَيَتَكامَلُ سُرُورُهم في الدُّنْيا بِهَذا الطَّمَعِ، وفي الآخِرَةِ عِنْدَ حُصُولِ الثَّوابِ.

والثّانِي: أنَّهم سَألُوا أنْ يُلْحِقَ اللَّهُ أزْواجَهم وذُرِّيَّتَهم بِهِمْ في الجَنَّةِ لِيَتِمَّ سُرُورُهم بِهِمْ.

المسألة الثّالِثَةُ: فَإنْ قِيلَ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أزْواجِنا﴾ ما هي ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً، كَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ لَنا قُرَّةَ أعْيُنٍ، ثُمَّ بُيِّنَتِ القُرَّةُ وفُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أزْواجِنا﴾، وهو مِن قَوْلِهِمْ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا، أيْ؛ أنْتَ أسَدٌ، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً عَلى مَعْنى هَبْ لَنا مِن جِهَتِهِمْ ما تَقَرُّ بِهِ عُيُونُنا مِن طاعَةٍ وصَلاحٍ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ فَنُكِّرَ وقُلِّلَ ؟ قُلْنا: أمّا التَّنْكِيرُ فَلِأجْلِ تَنْكِيرِ القُرَّةِ؛ لِأنَّ المُضافَ لا سَبِيلَ إلى تَنْكِيرِهِ إلّا بِتَنْكِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: هَبْ لَنا مِنهم سُرُورًا وفَرَحًا، وإنَّما قالَ: ”أعْيُنٍ“ دُونَ عُيُونٍ لِأنَّهُ أرادَ أعْيُنَ المُتَّقِينَ، وهي قَلِيلَةٌ بِالإضافَةِ إلى عُيُونِ غَيْرِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأٍ: ١٣] .

المسألة الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ؛ أيْ: صادَفَ فُؤادُكَ ما يُحِبُّهُ. وقالَ المُفَضَّلُ في قُرَّةِ العَيْنِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ:

أحَدُها: يَرُدُّ دَمْعَتَها، وهي الَّتِي تَكُونُ مَعَ الضَّحِكِ والسُّرُورِ، ودَمْعَةُ الحُزْنِ حارَّةٌ.

والثّانِي: نَوْمُها؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مَعَ ذَهابِ الحُزْنِ والوَجَعِ.

والثّالِثُ: حُضُورُ الرِّضا.

المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ الأقْرَبُ أنَّهم سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُبَلِّغَهم في الطّاعَةِ المَبْلَغَ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِمْ ويُقْتَدى بِهِمْ، قالَ بَعْضُهم في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّياسَةَ في الدِّينِ يَجِبُ أنْ تُطْلَبَ ويُرْغَبَ فِيها، قالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ.

المسألة السّادِسَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى، قالُوا: لِأنَّ الإمامَةَ في الدِّينِ لا تَكُونُ إلّا بِالعِلْمِ والعَمَلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ العِلْمَ والعَمَلَ إنَّما يَكُونُ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وقالَ القاضِي: المُرادُ مِنَ السُّؤالِ الألْطافُ الَّتِي إذا كَثُرَتْ صارُوا مُخْتارِينَ لِهَذِهِ الأشْياءِ، فَيَصِيرُونَ أئِمَّةً. والجَوابُ: أنْ تِلْكَ الألْطافَ مَفْعُولَةٌ لا مَحالَةَ، فَيَكُونُ سُؤالُها عَبَثًا.

المسألة السّابِعَةُ: قالَ الفَرّاءُ: قالَ: ”إمامًا“، ولَمْ يَقُلْ: أئِمَّةً، كَما قالَ لِلِاثْنَيْنِ: ﴿إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اجْعَلْ كُلَّ واحِدٍ مِنّا إمامًا، كَما قالَ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافِرٍ: ٦٧]، وقالَ الأخْفَشُ: الإمامُ جَمْعٌ واحِدُهُ آمٌّ كَصائِمٍ وصِيامٍ. وقالَ القَفّالُ: وعِنْدِي أنَّ الإمامَ إذا ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبَ الِاسْمِ وُحِّدَ، كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْنا حُجَّةً لِلْمُتَّقِينَ، ومِثْلُهُ البَيِّنَةُ، يُقالُ: هَؤُلاءِ بَيِّنَةُ فُلانٍ. واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا عَدَّدَ صِفاتِ

صفحة ١٠١

المُتَّقِينَ المُخْلِصِينَ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْواعَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وهي مَجْمُوعَةٌ في أمْرَيْنِ؛ المَنافِعِ والتَّعْظِيمِ.

25:75–77Page 366

أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥

Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,

خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦

Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.

قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا ٧٧

Say, "What would my Lord care for you if not for your supplication?"1 For you [disbelievers] have denied, so it [i.e., your denial] is going to be adherent.2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ .

أمّا المَنافِعُ فَهي قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرُفاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٣٧]، وقالَ: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٠]، والغُرْفَةُ في اللُّغَةِ العُلِّيَّةُ، وكُلُّ بِناءٍ عالٍ فَهو غُرْفَةٌ، والمُرادُ بِهِ الدَّرَجاتُ العالِيَةُ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: الغُرْفَةُ اسْمُ الجَنَّةِ، فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ، وهي جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ. وقَرَأ بَعْضُهم: ”أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ في الغُرْفَةِ“ . وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: احْتَجَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجَنَّةَ بِالِاسْتِحْقاقِ، فَقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولَوْ كانَ حُصُولُها بِالوَعْدِ لَما صَدَقَ ذَلِكَ.

البَحْثُ الثّانِي: ذَكَرَ الصَّبْرَ ولَمْ يَذْكُرِ المَصْبُورَ عَنْهُ، لِيَعُمَّ كُلَّ نَوْعٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صَبْرُهم عَلى مَشاقِّ التَّفَكُّرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ، وعَلى مَشاقِّ تَرْكِ الشَّهَواتِ، وعَلى مَشاقِّ أذى المُشْرِكِينَ، وعَلى مَشاقِّ الجِهادِ والفَقْرِ ورِياضَةِ النَّفْسِ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: المُرادُ الصَّبْرُ عَلى الفَقْرِ خاصَّةً؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إذا حَصَلَتْ مَعَ الغِنى اسْتَحَقَّ مَن يَخْتَصُّ بِها الجَنَّةَ كَما يَسْتَحِقُّهُ بِالفَقْرِ.

* * *

( ٣٠ ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ .

وثانِيهِما التَّعْظِيمُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ قُرِئَ: ”يُلَقَّوْنَ“؛ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [ الإنْسانِ: ١١] و”يَلْقَوْنَ“ كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٨]، والتَّحِيَّةُ: الدُّعاءُ بِالتَّعْمِيرِ، والسَّلامُ: الدُّعاءُ بِالسَّلامَةِ، فَيَرْجِعُ حاصِلُ التَّحِيَّةِ إلى كَوْنِ نَعِيمِ الجَنَّةِ باقِيًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، ويَرْجِعُ السَّلامُ إلى كَوْنِ ذَلِكَ النَّعِيمِ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، ثُمَّ هَذِهِ التَّحِيَّةُ والسَّلامُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٣، ٢٤] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ فالمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وعَدَ بِالمَنافِعِ أوَّلًا وبِالتَّعْظِيمِ ثانِيًا، بَيَّنَ أنَّ مِن صِفَتِهِما الدَّوامَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، ومَن صِفَتِهِما الخُلُوصُ أيْضًا، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾، وهَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ أيْ: ما أسْوَأ ذَلِكَ وما أحْسَنَ هَذا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا شَرَحَ صِفاتِ المُتَّقِينَ، وشَرَحَ حالَ ثَوابِهِمْ أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما كَلَّفَهم لِيَنْتَفِعُوا بِطاعَتِهِمْ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الخَلِيلُ: ما أعْبَأُ بِفُلانٍ؛ أيْ: ما أصْنَعُ بِهِ، كَأنَّهُ يَسْتَقِلُّهُ ويَسْتَحْقِرُهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ما

صفحة ١٠٢

أعْبَأُ بِهِ؛ أيْ: وُجُودُهُ وعَدَمُهُ عِنْدِي سَواءٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أيْ: لا وزْنَ لَكم عِنْدَ رَبِّكم، والعِبْءُ في اللُّغَةِ: الثِّقَلُ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ما يُبالِي بِكم رَبِّي.

المسألة الثّانِيَةُ: في ”ما“ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم لَوْلا دُعاؤُكم.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً.

المسألة الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم إلى الدِّينِ، والطّاعَةُ والدُّعاءُ عَلى هَذا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.

وثانِيهِما: أنَّ الدُّعاءَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: لَوْلا دُعاؤُكم: لَوْلا إيمانُكم.

وثانِيها: لَوْلا عِبادَتُكم.

وثالِثُها: لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ في الشَّدائِدِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٥] .

ورابِعُها: دُعاؤُكم يَعْنِي لَوْلا شُكْرُكم لَهُ عَلى إحْسانِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ [النِّساءِ: ١٤٧] .

وخامِسُها: ما خَلَقْتُكم وبِي إلَيْكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُونِي فَأُعْطِيَكم وتَسْتَغْفِرُونِي فَأغْفِرَ لَكم.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ فالمَعْنى أنِّي إذا أعْلَمْتُكم أنَّ حُكْمِي أنِّي لا أعْتَدُّ بِعِبادِي إلّا لِعِبادَتِهِمْ فَقَدْ خالَفْتُمْ بِتَكْذِيبِكم حُكْمِي، فَسَوْفَ يَلْزَمُكم أثَرُ تَكْذِيبِكم، وهو عِقابُ الآخِرَةِ، ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ المَلِكُ لِمَنِ اسْتَعْصى عَلَيْهِ: إنَّ مِن عادَتِي أنْ أُحْسِنَ إلى مَن يُطِيعُنِي، وقَدْ عَصَيْتَ فَسَوْفَ تَرى ما أُحِلُّ بِكَ بِسَبَبِ عِصْيانِكَ. فَإنْ قِيلَ: إلى مَن يَتَوَجَّهُ هَذا الخِطابُ ؟ قُلْنا: إلى النّاسِ عَلى الإطْلاقِ، ومِنهم مُؤْمِنُونَ عابِدُونَ ومُكَذِّبُونَ عاصُونَ، فَخُوطِبُوا بِما وُجِدَ في جِنْسِهِمْ مِنَ العِبادَةِ والتَّكْذِيبِ. وقُرِئَ: ”فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ لِزامًا“، وقُرِئَ: ”لَزامًا“ بِالفَتْحِ بِمَعْنى اللُّزُومِ، كالثَّباتِ والثُّبُوتِ، والوجه أنَّ تَرْكَ اسْمِ كانَ غَيْرَ مَنطُوقٍ بِهِ بَعْدَما عُلِمَ أنَّهُ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ لِأجْلِ الإبْهامِ ويَتَناوَلُ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. ثُمَّ قِيلَ: هَذا العَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском