Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:176–196
26:176–193Page 374
كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦
The companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] denied the messengers
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧
When Shuʿayb said to them, "Will you not fear Allāh?
إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨
Indeed, I am to you a trustworthy messenger.
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩
So fear Allāh and obey me.
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠
And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.
۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١
Give full measure and do not be of those who cause loss.
وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢
And weigh with an even [i.e., honest] balance.
وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣
And do not deprive people of their due and do not commit abuse on earth, spreading corruption.
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤
And fear He who created you and the former creation."1
قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥
They said, "You are only of those affected by magic.
وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦
You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.
فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧
So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."
قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨
He said, "My Lord is most knowing of what you do."
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩
And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣
The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down
القِصَّةُ السّابِعَةُ: قِصَّةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ١٤٠
﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾? قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ .
قُرِئَ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾ بِالهَمْزَةِ وبِتَخْفِيفِها وبِالجَرِّ عَلى الإضافَةِ وهو الوجه، ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ وزَعَمَ أنَّ أيْكَةً بِوَزْنِ لَيْلَةٍ اسْمُ بَلَدٍ يُعْرَفُ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ ص بِغَيْرِ ألِفٍ لَكِنْ قَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ أيْكَةً اسْمٌ لا يُعْرَفُ، رُوِيَ أنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ وتِلْكَ الشَّجَرُ هي الَّتِي حِمْلُها المُقْلُ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ أخُوهم شُعَيْبٌ كَما في سائِرِ المَواضِعِ، جَوابُهُ: أنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ مِن أصْحابِ الأيْكَةِ، وفي الحَدِيثِ: ”«إنَّ شُعَيْبًا أخا مَدْيَنَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِ الأيْكَةِ» “ .
ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهم بِأشْياءَ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الكَيْلَ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: وافٍ وطَفِيفٌ وزائِدٌ، فَأمَرَ بِالواجِبِ الَّذِي هو الإيفاءُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ونَهى عَنِ المُحَرَّمِ الَّذِي هو التَّطْفِيفُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الزّائِدَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ إنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أحْسَنَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالإيفاءِ بَيَّنَ أنَّهُ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقالَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ قُرِئَ ”بِالقِسْطاسِ“ مَضْمُومًا ومَكْسُورًا وهو المِيزانُ، وقِيلَ: القَرَسْطُونُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ، وهَذا عامٌّ في كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ لِأحَدٍ أنْ لا يُهْضَمَ وفي كُلِّ مِلْكٍ أنْ لا يُغْصَبَ مالِكُهُ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا.
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُقالُ: عَثا في الأرْضِ وعَثِيَ وعاثَ وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ الطَّرِيقِ والغارَةِ وإهْلاكِ الزَّرْعِ، وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ أنْواعَ الفَسادِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ وقُرِئَ ”الجُبُلَّةَ“ بِوَزْنِ الأُبُلَّةِ وقُرِئَ ”الجِبْلَةَ“ بِوَزْنِ الخِلْقَةِ ومَعْناهُنَّ واحِدٌ أيْ ذَوِي الجِبِلَّةِ، والمُرادُ أنَّهُ المُتَفَضِّلُ بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن تَقَدَّمَهم مِمَّنْ لَوْلا خَلْقُهم لَما كانُوا مَخْلُوقِينَ،
صفحة ١٤١
فَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ جَوابٌ إلّا ما لَوْ تَرَكُوهُ لَكانَ أوْلى بِهِمْ وهو مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ و﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَلِ اخْتَلَفَ المَعْنى بِإدْخالِ الواوِ هَهُنا وتَرْكِها في قِصَّةِ ثَمُودَ ؟ جَوابُهُ: إذا دَخَلَتِ الواوُ فَقَدْ قُصِدَ مَعْنَيانِ كِلاهُما مُنافٍ لِلرِّسالَةِ عِنْدَهُمُ السِّحْرُ والبَشَرِيَّةُ وإذا تُرِكَتِ الواوُ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلّا مَعْنًى واحِدًا وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا ثُمَّ قَرَّرَهُ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ومَعْناهُ ظاهِرٌ، ثُمَّ إنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَوَعَّدُهم بِالعَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَقالُوا: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ قُرِئَ ”كِسْفًا“ بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ وكِلاهُما جَمْعُ كِسْفَةٍ وهي القِطْعَةُ والسَّماءُ السَّحابُ أوِ الظُّلَّةُ، وهم إنَّما طَلَبُوا ذَلِكَ لِاسْتِبْعادِهِمْ وُقُوعَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إذا لَمْ يَقَعْ ظَهَرَ كَذِبُهُ فَعِنْدَهُ قالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ بَلْ فَوَّضَ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى فَلَمّا اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ عَلى ما اقْتَرَحُوا مِن عَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنْ أرادُوا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وإنْ أرادُوا الظُّلَّةَ فَقَدْ خالَفَ بِهِمْ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، يُرْوى أنَّهُ حَبَسَ عَنْهُمُ الرِّيحَ سَبْعًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرَّمْلَ فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، لا يَنْفَعُهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فاضْطُرُّوا إلى أنْ خَرَجُوا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ وجَدُوا لَها بَرَدًا ونَسِيمًا فاجْتَمَعُوا تَحْتَها فَأمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ نارًا فاحْتَرَقُوا، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا بُعِثَ إلى أُمَّتَيْنِ أصْحابِ مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكَتْ مَدْيَنُ بِصَيْحَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابُ الأيْكَةِ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في هَذِهِ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ تَسْلِيَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما نالَهُ مِنَ الغَمِّ الشَّدِيدِ، بَقِيَ هَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ النّازِلَ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ ما كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، بَلْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ قِراناتِ الكَواكِبِ واتِّصالاتِها عَلى ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ النُّجُومِ ؟ وإذا قامَ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَحْصُلِ الِاعْتِبارُ بِهَذِهِ القَصَصِ، لِأنَّ الِاعْتِبارَ إنَّما يَحْصُلُ أنْ لَوْ عَلِمْنا أنَّ نُزُولَ هَذا العَذابِ كانَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُنْزِلُ العَذابَ مِحْنَةً لِلْمُكَلَّفِينَ وابْتِلاءً لَهم عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] ولِأنَّهُ تَعالى قَدِ ابْتَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَلاءِ العَظِيمِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ نُزُولُ البَلاءِ بِهِمْ عَلى كَوْنِهِمْ مُبْطِلِينَ، والجَوابُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ القَصَصَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْلِيَةً وإزالَةً لِلْحُزْنِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ العَذابَ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ، عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ بِهِ التَّسَلِّي والفَرَحُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ عَلى القَدْحِ في عِلْمِ الأحْكامِ بِأنْ قالَ: المُؤَثِّرُ في هَذِهِ الأشْياءِ، إمّا الكَواكِبُ أوِ البُرُوجُ أوْ كَوْنُ الكَوْكَبِ في البُرْجِ المُعَيَّنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَحَصَلَتْ هَذِهِ الآثارُ أيْنَ حَصَلَ الكَوْكَبُ، والثّانِي أيْضًا باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ دَوامُ الأثَرِ بِدَوامِ البُرْجِ، والثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ الفَلَكَ عَلى قَوْلِهِمْ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ فَيَكُونُ طَبْعُ كُلِّ بُرْجٍ مُساوِيًا لِطَبْعِ البُرْجِ الآخَرِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَكُونُ حالُ الكَوْكَبِ وهو في بُرْجِهِ كَحالِهِ وهو في بُرْجٍ آخَرَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَدُومَ ذَلِكَ الأثَرُ بِدَوامِ الكَوْكَبِ، ولِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الأثَرِ عَنِ الكَوْكَبِ المُعَيَّنِ مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِهِ مُسامِتًا مُسامَتَةً مَخْصُوصَةً لِكَوْكَبٍ آخَرَ، فَإذا فُقِدَتْ تِلْكَ المُسامَتَةُ فُقِدَ شَرْطُ التَّأْثِيرِ فَلا يَحْصُلُ التَّأْثِيرُ. ولَهم أنْ يَقُولُوا: هَذِهِ الدَّلالَةُ، إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ ذَواتِها وطَبائِعِها، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ، فَإذا أجْرى اللَّهُ تَعالى
صفحة ١٤٢
عادَتَهُ بِحُصُولِ تَأْثِيراتٍ مَخْصُوصَةٍ عَقِيبَ اتِّصالاتِ الكَواكِبِ وقِراناتِها وأدْوارِها لَمْ يَلْزَمْ مِن حُصُولِ هَذِهِ الآثارِ القَطْعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِأجْلِ زَجْرِ الكُفّارِ بَلْ لَعَلَّهُ تَعالى خَلَقَها تَكْرِيرًا لِتِلْكَ العاداتِ واللَّهُ أعْلَمُ.
26:194–196Page 375
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥
In a clear Arabic language.
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
القَوْلُ فِيما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أحْوالِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَتَمَ ما اقْتَصَّهُ مِن خَبَرِ الأنْبِياءِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ وهو مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ لِفَصاحَتِهِ مُعْجِزٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنِ القَصَصِ الماضِيَةِ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ البَتَّةَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ كَأنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القَصَصَ السَّبْعَ عَلى ما هي مَوْجُودَةٌ في زُبُرِ الأوَّلِينَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا مَعَ أنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ والِاسْتِعْدادِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فالمُرادُ بِالتَّنْزِيلِ المُنَزَّلُ، ثُمَّ قَدْ كانَ يَجُوزُ في القُرْآنِ وهَذِهِ القَصَصِ أنْ يَكُونَ تَنْزِيلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِلا واسِطَةٍ فَقالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ و”نُزِّلَ بِهِ الرُّوحُ“ عَلى القِراءَتَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ، ومَعْنى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ﴾ جَعَلَ اللَّهُ الرُّوحَ نازِلًا بِهِ عَلى قَلْبِكَ أيْ فَهَّمَكَ إيّاهُ وأثْبَتَهُ في قَلْبِكَ إثْباتَ ما لا يُنْسى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] والرُّوحُ الأمِينُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمّاهُ رُوحًا مِن حَيْثُ خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ نَجاةُ الخَلْقِ في بابِ الدِّينِ فَهو كالرُّوحِ الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الحَياةُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ رُوحٌ كُلُّهُ لا كالنّاسِ الَّذِينَ في أبْدانِهِمْ رُوحٌ وسَمّاهُ أمِينًا لِأنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإلى غَيْرِهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وإنْ كانَ إنَّما أنْزَلَهُ عَلَيْهِ لِيُؤَكِّدَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ المُنَزَّلَ مَحْفُوظٌ لِلرَّسُولِ مُتَمَكِّنٌ في قَلْبِهِ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ فَيُوثَقُ بِالإنْذارِ الواقِعِ مِنهُ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ هو المَقْصُودُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ .
الثّانِي: أنَّ القَلْبَ هو المُخاطَبُ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّمْيِيزِ والِاخْتِيارِ، وأمّا سائِرُ الأعْضاءِ فَمُسَخَّرَةٌ لَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ والحَدِيثُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ:
إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ وقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] .
وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الجَزاءِ لَيْسَ إلّا عَلى ما في القَلْبِ مِنَ المَساعِي فَقالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وقالَ: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] والتَّقْوى في القَلْبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] وقالَ تَعالى:
صفحة ١٤٣
﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] ومَعْلُومٌ أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ والسَّمْعَ مُنْفِذٌ إلَيْهِ، وقالَ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] ومَعْلُومٌ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ لا يُسْتَفادُ مِنهُما إلّا ما يُؤَدِّيانِهِ إلى القَلْبِ، فَكانَ السُّؤالُ عَنْهُما في الحَقِيقَةِ سُؤالًا عَنِ القَلْبِ وقالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، ولَمْ تُخْفِ الأعْيُنُ إلّا بِما تُضْمِرُ القُلُوبُ عِنْدَ التَّحْدِيقِ بِها.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] فَخَصَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ بِإلْزامِ الحجة مِنها واسْتِدْعاءِ الشُّكْرِ عَلَيْها، وقَدْ قُلْنا: لا طائِلَ في السَّمْعِ والأبْصارَ إلّا بِما يُؤَدِّيانِ إلى القَلْبِ لِيَكُونَ القَلْبُ هو القاضِيَ فِيهِ والمُتَحَكِّمَ عَلَيْهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] فَجَعَلَ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَمامَ ما ألْزَمَهم مِن حُجَّتِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو الفُؤادُ القاضِي فِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ السَّمْعُ والبَصَرُ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَجَعَلَ العَذابَ لازِمًا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقالَ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وجْهُ الدَّلالَةِ أنَّهُ قَصَدَ إلى نَفْيِ العِلْمِ عَنْهم رَأْسًا، فَلَوْ ثَبَتَ العِلْمُ في غَيْرِ القَلْبِ كَثَباتِهِ في القَلْبِ لَمْ يَتِمَّ الغَرَضُ. فَهَذِهِ الآياتُ ومُشاكِلُها ناطِقَةٌ بِأجْمَعِها أنَّ القَلْبَ هو المَقْصُودُ بِإلْزامِ الحجة، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ما قُرِنَ بِذِكْرِهِ مِن ذِكْرِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَذَلِكَ لِأنَّهُما آلَتانِ لِلْقَلْبِ في تَأْدِيَةِ صُوَرِ المَحْسُوساتِ والمَسْمُوعاتِ.
وأمّا الحَدِيثُ فَما رَوى النُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ قالَ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”«ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» “ وأمّا المَعْقُولُ فَوُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ القَلْبَ إذا غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَوْ قُطِعَ سائِرُ الأعْضاءِ لَمْ يَحْصُلِ الشُّعُورُ بِهِ وإذا أفاقَ القَلْبُ فَإنَّهُ يَشْعُرُ بِجَمِيعِ ما يَنْزِلُ بِالأعْضاءِ مِنَ الآفاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ تَبَعٌ لِلْقَلْبِ ولِذَلِكَ فَإنَّ القَلْبَ إذا فَرِحَ أوْ حَزِنَ فَإنَّهُ يَتَغَيَّرُ حالُ الأعْضاءِ عِنْدَ ذَلِكَ، وكَذا القَوْلُ في سائِرِ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ.
وثانِيها: أنَّ القَلْبَ مَنبَعُ المَشاقِّ الباعِثَةِ عَلى الأفْعالِ الصّادِرَةِ مِن سائِرِ الأعْضاءِ وإذا كانَتِ المَشاقُّ مَبادِئَ لِلْأفْعالِ ومَنبَعُها هو القَلْبُ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ.
وثالِثُها: أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو القَلْبُ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ الآمِرُ المُطْلَقُ هو القَلْبَ.
أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَفِيها النِّزاعُ فَإنَّ طائِفَةً مِنَ القُدَماءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ مَعْدِنَ العَقْلِ هو الدِّماغُ والَّذِي يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ [الحج: ٤٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أيْ عَقْلٌ، أطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ القَلْبِ لِما أنَّهُ مَعْدِنُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ أضْدادَ العِلْمِ إلى القَلْبِ، وقالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ١٢]، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]، ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]، ?
صفحة ١٤٤
﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]، ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ مَوْضِعَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ هو القَلْبُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ والفَهْمِ أيْضًا هو القَلْبَ.
الثّالِثُ: وهو أنّا إذا جَرَّبْنا أنْفُسَنا وجَدْنا عُلُومَنا حاصِلَةً في ناحِيَةِ القَلْبِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الواحِدَ مِنّا إذا أمْعَنَ في الفِكْرِ وأكْثَرَ مِنهُ أحَسَّ مِن قَلْبِهِ ضِيقًا وضَجَرًا حَتّى كَأنَّهُ يَتَألَّمُ بِذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْضِعَ العَقْلِ هو القَلْبُ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُكَلَّفُ هو القَلْبَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالعَقْلِ والفَهْمِ.
الرّابِعُ: وهو أنَّ القَلْبَ أوَّلُ الأعْضاءِ تَكَوُّنًا، وآخِرُها مَوْتًا، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالتَّشْرِيحِ ولِأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في الصَّدْرِ الَّذِي هو أوْسَطُ الجَسَدِ، ومِن شَأْنِ المُلُوكِ المُحْتاجِينَ إلى الخَدَمِ أنْ يَكُونُوا في وسَطِ المَمْلَكَةِ لِتَكْتَنِفَهُمُ الحَواشِي مِنَ الجَوانِبِ فَيَكُونُوا أبْعَدَ مِنَ الآفاتِ، واحْتَجَّ مَن قالَ العَقْلُ في الدِّماغِ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَواسَّ الَّتِي هي الآلاتُ لِلْإدْراكِ نافِذَةٌ إلى الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ.
وثانِيها: أنَّ الأعْصابَ الَّتِي هي الآلاتُ في الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ نافِذَةٌ مِنَ الدِّماغِ دُونَ القَلْبِ.
وثالِثُها: أنَّ الآفَةَ إذا حَلَّتْ في الدِّماغِ اخْتَلَّ العَقْلُ.
ورابِعُها: أنَّ في العُرْفِ كُلُّ مَن أُرِيدَ وصْفُهُ بِقِلَّةِ العَقْلِ قِيلَ إنَّهُ خَفِيفُ الدِّماغِ خَفِيفُ الرَّأْسِ.
وخامِسُها: أنَّ العَقْلَ أشْرَفُ فَيَكُونُ مَكانُهُ أشْرَفَ، والأعْلى هو الأشْرَفُ وذَلِكَ هو الدِّماغُ لا القَلْبُ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَحِلُّ العَقْلِ هو الدِّماغَ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ الحَواسُّ تُؤَدِّي آثارُها إلى الدِّماغِ، ثُمَّ إنِ الدِّماغَ يُؤَدِّي تِلْكَ الآثارَ إلى القَلْبِ، فالدِّماغُ آلَةٌ قَرِيبَةٌ لِلْقَلْبِ، والحَواسُّ آلاتٌ بَعِيدَةٌ فالحِسُّ يَخْدِمُ الدِّماغَ، ثُمَّ الدِّماغُ يَخْدِمُ القَلْبَ، وتَحْقِيقُهُ أنّا نُدْرِكُ مِن أنْفُسِنا أنّا إذا عَقَلْنا أنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ يَجِبُ فِعْلُهُ أوْ يَجِبُ تَرْكُهُ، فَإنَّ الأعْضاءَ تَتَحَرَّكُ عِنْدَ ذَلِكَ، ونَحْنُ نَجِدُ التَّعَقُّلاتِ مِن جانِبِ القَلْبِ لا مِن جانِبِ الدِّماغِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَتَأدّى الأثَرُ مِنَ القَلْبِ إلى الدِّماغِ، ثُمَّ الدِّماغُ يُحَرِّكُ الأعْضاءَ بِواسِطَةِ الأعْصابِ النّابِتَةِ مِنهُ.
وعَنِ الثّالِثِ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ سَلامَةُ الدِّماغِ شَرْطًا لِوُصُولِ تَأْثِيرِ القَلْبِ إلى سائِرِ الأعْضاءِ.
وعَنِ الرّابِعِ: أنَّ ذَلِكَ العُرْفَ إنَّما كانَ لِأنَّ القَلْبَ إنَّما يَعْتَدِلُ مِزاجُهُ بِما يَسْتَمِدُّ مِنَ الدِّماغِ مِن بُرُودَتِهِ، فَإذا لَحِقَ الدِّماغَ خُرُوجٌ عَنِ الِاعْتِدالِ خَرَجَ القَلْبُ عَنِ الِاعْتِدالِ أيْضًا، إمّا لِازْدِيادِ حَرارَتِهِ عَنِ القَدْرِ الواجِبِ أوْ لِنُقْصانِ حَرارَتِهِ عَنْ ذَلِكَ القَدْرِ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ العَقْلُ.
وعَنِ الخامِسِ: أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما قالُوهُ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ العَقْلِ هو القِحْفَ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ فَسادُ قَوْلِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
فَرْعٌ: اعْلَمْ أنَّ المَعانِيَ الَّتِي بَيَّنّا كَوْنَها مُخْتَصَّةً بِالقُلُوبِ قَدْ تُضافُ إلى الصَّدْرِ تارَةً وإلى الفُؤادِ أُخْرى، أمّا الصَّدْرُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]، و﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] وأمّا الفُؤادُ فَقَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] .
ومِنَ النّاسِ مَن فَرَّقَ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ فَقالَ: القَلْبُ: هو العَلَقَةُ السَّوْداءُ في جَوْفِ الفُؤادِ دُونَ ما يَكْتَنِفُها مِنَ اللَّحْمِ والشَّحْمِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ هو الفُؤادُ، ومِنهم مَن قالَ القَلْبُ والفُؤادُ لَفْظانِ مُتَرادِفانِ، وكَيْفَ كانَ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ مِن جُمْلَةِ العُضْوِ المُسَمّى قَلْبًا وفُؤادًا مَوْضِعًا هو المَوْضِعُ في الحَقِيقَةِ لِلْعَقْلِ والِاخْتِيارِ، وأنَّ مُعْظَمَ جِرْمِ هَذا العُضْوِ مُسَخَّرٌ لِذَلِكَ المَوْضِعِ، كَما أنَّ سائِرَ الأعْضاءِ مُسَخَّرَةٌ لِلْقَلْبِ، فَإنَّ العُضْوَ قَدْ تَزِيدُ أجْزاؤُهُ مِن غَيْرِ ازْدِيادِ المَعانِي المَنسُوبَةِ إلَيْهِ أعْنِي العَقْلَ والفَرَحَ والحُزْنَ وقَدْ يَنْقُصُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ في تِلْكَ المَعانِي، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اسْمُ القَلْبِ اسْمًا لِلْأجْزاءِ الَّتِي تَحِلُّ فِيها هَذِهِ المَعانِي بِالحَقِيقَةِ، واسْمُ الفُؤادِ يَكُونُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ العُضْوِ، فَهَذا
صفحة ١٤٥
هُوَ الكَلامُ في هَذا البابِ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الإنْذارِ الدُّعاءُ إلى كُلِّ واجِبٍ مِن عِلْمٍ وعَمَلٍ والمَنعُ مَن كُلِّ قَبِيحٍ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا يَدْخُلُ الخَوْفُ مِنَ العِقابِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فالباءُ إمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”المُنْذِرِينَ“ فَيَكُونَ المَعْنى لِتَكُونَ مِنَ الَّذِينَ أنْذَرُوا بِهَذا اللِّسانِ، وهم خَمْسَةٌ: هُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ وإسْماعِيلُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإمّا أنْ تَتَعَلَّقَ بِ ”نَزَلَ“ فَيَكُونَ المَعْنى نَزَلَّهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ لِيُنْذِرَ بِهِ لِأنَّهُ لَوْ نَزَّلَهُ بِاللِّسانِ الأعْجَمِيِّ لَقالُوا لَهُ ما نَصْنَعُ بِما لا نَفْهَمُهُ فَيَتَعَذَّرُ الإنْذارُ بِهِ، وفي هَذا الوجه أنَّ تَنْزِيلَهُ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي هي لِسانُكَ ولِسانُ قَوْمِكَ تَنْزِيلٌ لَهُ عَلى قَلْبِكَ لِأنَّكَ تَفْهَمُهُ ويَفْهَمُهُ قَوْمُكَ، ولَوْ كانَ أعْجَمِيًّا لَكانَ نازِلًا عَلى سَمْعِكَ دُونَ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ تَسْمَعُ أجْراسَ حُرُوفٍ لا تَفْهَمُ مَعانِيَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ فَيَحْتَمِلُ هَذِهِ الأخْبارَ خاصَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ القُرْآنِ، ويَحْتَمِلُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وُجُوهَ التَّخْوِيفِ، لِأنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الأشْياءِ بِأسْرِها قَدْ تَقَدَّمَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences