Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:20–37
27:20–24Page 378
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠
And he took attendance of the birds and said, "Why do I not see the hoopoe - or is he among the absent?
لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١
I will surely punish him with a severe punishment or slaughter him unless he brings me clear authorization."1
فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢
But he [i.e., the hoopoe] stayed not long and said, "I have encompassed [in knowledge] that which you have not encompassed, and I have come to you from Sheba with certain news.
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, I found [there] a woman ruling them, and she has been given of all things, and she has a great throne.
وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤
I found her and her people prostrating to the sun instead of Allāh, and Satan has made their deeds pleasing to them and averted them from [His] way, so they are not guided,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا تَفَقَّدَ الطَّيْرَ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ إنَّما تَفَقَّدَهُ لِأمْرٍ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الطَّيْرُ، واخْتَلَفُوا فِيما لِأجْلِهِ تَفَقَّدَهُ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُ وهْبٍ أنَّهُ أخَلَّ بِالنَّوْبَةِ الَّتِي كانَ يَنُوبُها فَلِذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
صفحة ١٦٣
وثانِيها: أنَّهُ تَفَقَّدَهُ لِأنَّ مَقايِيسَ الماءِ كانَتْ إلَيْهِ، وكانَ يَعْرِفُ الفَصْلَ بَيْنَ قَرِيبِهِ وبَعِيدِهِ، فَلِحاجَةِ سُلَيْمانَ إلى ذَلِكَ طَلَبَهُ وتَفَقَّدَهُ.
وثالِثُها: أنَّهُ كانَ يُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ، فَلَمّا فَقَدَ ذَلِكَ تَفَقَّدَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ فَأمْ هي المُنْقَطِعَةُ نَظَرَ إلى مَكانِ الهُدْهُدِ فَلَمْ يُبْصِرْهُ فَقالَ: ما لِيَ لا أراهُ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَراهُ وهو حاضِرٌ لِساتِرٍ سَتَرَهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ لاحَ لَهُ أنَّهُ غائِبٌ فَأضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وأخَذَ يَقُولُ: أهْوَ غائِبٌ ؟ كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ صِحَّةِ ما لاحَ لَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ إلّا فِيمَن هو مُكَلَّفٌ أوْ فِيمَن قارَبَ العَقْلَ فَيَصْلُحُ لِأنْ يُؤَدَّبَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ نَتْفُ الرِّيشِ والإلْقاءُ في الشَّمْسِ، وقِيلَ: أنْ يُطْلى بِالقَطِرانِ ويُشَمَّسُ، وقِيلَ: أنْ يُلْقى لِلنَّمْلِ فَتَأْكُلُهُ، وقِيلَ: إيداعُهُ القَفَصَ، وقِيلَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْفِهِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ صُحْبَةَ الأضْدادِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ: أضْيَقُ السُّجُونِ مُعاشَرَةُ الأضْدادِ، وقِيلَ: لَأُلْزِمَنَّهُ خِدْمَةَ أقْرانِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَكَثَ﴾ فَقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّها ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ كَقَوْلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ووَصَفَ مُكْثَهُ بِقِصَرِ المُدَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إسْراعِهِ خَوْفًا مِن سُلَيْمانَ ولِيُعْلَمَ كَيْفَ كانَ الطَّيْرُ مُسَخَّرًا لَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أحَطتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ عَلى أنَّ في أدْنى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما لَمْ يُحِطْ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا في تَرْكِ الإعْجابِ، والإحاطَةُ بِالشَّيْءِ عِلْمًا أنْ يُعْلَمَ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ سَبَأً قُرِئَ بِالصَّرْفِ ومَنعِهِ، وقَدْ رُوِيَ بِسُكُونِ الباءِ، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ سَبا بِالألْفِ كَقَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا أيْدِيَ سَبا وهو سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، فَمَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ لَمْ يَصْرِفْ، ومِن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ أوْ لِلْأبِ الأكْبَرِ صَرَفَ، ثُمَّ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ مَأْرِبَ بِسَبَأٍ وبَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، والنَّبَأُ الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ مِن مَحاسِنَ الكَلامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ وشَرْطُ حُسْنِهِ صِحَّةُ المَعْنى، ولَقَدْ جاءَ هَهُنا زائِدًا عَلى الصِّحَّةِ فَحَسُنَ لَفْظًا ومَعْنًى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ وضَعَ مَكانَ ”بِنَبَأٍ“ بِخَبَرٍ لَكانَ المَعْنى صَحِيحًا، ولَكِنَّ لَفْظَ النَّبَأِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ الَّتِي يُطابِقُها وصْفُ الحالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فالمَرْأةُ بِلْقِيسُ بِنْتُ شَراحِيلَ، وكانَ أبُوها مَلِكُ أرْضِ اليَمَنِ وكانَتْ هي وقَوْمُها مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، والضَّمِيرُ في تَمْلِكُهم راجِعٌ إلى سَبَأٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ القَوْمُ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَتِ المَدِينَةُ فَمَعْناهُ تَمْلِكُ أهْلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ كَيْفَ قالَ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعَ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَكَأنَّ الهُدْهُدَ سَوّى بَيْنَهُما ؟ جَوابُهُ: أنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْجِعُ إلى ما أُوتِيَ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ إلى المُلْكِ وأسْبابِ الدُّنْيا، وأمّا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلَمْ يَكُنْ إلّا إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ اسْتَعْظَمَ الهُدْهُدُ عَرْشَها مَعَ ما كانَ يَرى مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ ؟ وأيْضًا فَكَيْفَ سَوّى بَيْنِ عَرْشِ بِلْقِيسَ وعَرْشِ اللَّهِ تَعالى في الوَصْفِ بِالعَظِيمِ ؟
والجَوابُ عَنِ
صفحة ١٦٤
الأوَّلِ: يَجُوزُ أنْ يَسْتَصْغِرَ حالَها إلى حالِ سُلَيْمانَ فاسْتَعْظَمَ لَها ذَلِكَ العَرْشَ، ويَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ لِسُلَيْمانَ مَعَ جَلالَتِهِ مِثْلُهُ كَما قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ الأُمَراءِ شَيْءٌ لا يَكُونُ مِثْلُهُ عِنْدَ السُّلْطانِ.
وعَنِ الثّانِي: أنَّ وصْفَ عَرْشِها بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالإضافَةِ إلى عُرُوشِ أبْناءِ جِنْسِها مِنَ المُلُوكِ ووَصْفَ عَرْشِ اللَّهِ بِالعِظَمِ تَعْظِيمٌ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، واعْلَمْ أنَّ هَهُنا بَحْثَيْنِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ المَلاحِدَةَ طَعَنَتْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآياتِ اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ النَّمْلَةَ والهُدْهُدَ تَكَلَّما بِكَلامٍ لا يَصْدُرُ ذَلِكَ الكَلامُ إلّا مِنَ العُقَلاءِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى السَّفْسَطَةِ، فَإنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَما أمِنّا في النَّمْلَةِ الَّتِي نُشاهِدُها في زَمانِنا هَذا، أنْ تَكُونَ أعْلَمَ بِالهَنْدَسَةِ مِن إقْلِيدِسَ، وبِالنَّحْوِ مِن سِيبَوَيْهِ، وكَذا القَوْلُ في القَمْلَةِ والصِّئْبانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ والتَّكالِيفُ والمُعْجِزاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ كانَ إلى الجُنُونِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بِالشّامِ فَكَيْفَ طارَ الهُدْهُدُ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ مِنَ الشّامِ إلى اليَمَنِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ؟ .
وثالِثُها: كَيْفَ خَفِيَ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ مِثْلِ تِلْكَ المَلِكَةِ العَظِيمَةِ مَعَ ما يُقالُ إنَّ الجِنَّ والإنْسَ كانُوا في طاعَةِ سُلَيْمانَ، وإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَلِكَ الدُّنْيا بِالكُلِّيَّةِ وكانَ تَحْتَ رايَةِ بِلْقِيسَ عَلى ما يُقالُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مَلِكٍ تَحْتَ رايَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مِائَةُ ألْفٍ، ومَعَ أنَّهُ يُقالُ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ سُلَيْمانَ وبَيْنَ بَلْدَةِ بِلْقِيسَ حالَ طَيَرانِ الهُدْهُدِ إلّا مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: مَن أيْنَ حَصَلَ لِلْهُدْهُدِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ووُجُوبُ السُّجُودِ لَهُ وإنْكارُ سُجُودِهِمْ لِلشَّمْسِ وإضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ وتَزْيِينُهُ ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ العَقْلِ، وإنَّما يُدْفَعُ ذَلِكَ بِالإجْماعِ، وعَنِ البَواقِي أنَّ الإيمانَ بِافْتِقارِ العالَمِ إلى القادِرِ المُخْتارِ يُزِيلُ هَذِهِ الشُّكُوكَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِن جِهَتِهِ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ بَعْدَ إضافَتِهِ إلَيْهِمْ ولِأنَّهُ أوْرَدَهُ مَوْرِدَ الذَّمِّ ولِأنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا قَوْلُ الهُدْهُدِ فَلا يَكُونُ حُجَّةً.
وثانِيها: أنَّهُ مَتْرُوكُ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ وعِنْدَهُمُ الشَّيْطانُ ما صَدَّ الكافِرَ عَنِ السَّبِيلِ إذْ لَوْ كانَ مَصْدُودًا مَمْنُوعًا لَسَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فَلَمْ يَبْقَ هَهُنا إلّا التَّمَسُّكُ بِفَصْلِ المَدْحِ والذَّمِّ والجَوابُ: قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
27:25–28Page 379
أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥
[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦
Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."
۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧
[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.
ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨
Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ قِراءاتٍ أحَدُها: قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ ”ألا“
صفحة ١٦٥
لِلتَّنْبِيهِ ويا حَرْفُ النِّداءِ ومُناداهُ مَحْذُوفٌ، كَما حَذَفَهُ مَن قالَ:
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى [ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ ]
وثانِيها: بِالتَّشْدِيدِ أرادَ فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ لِئَلّا يَسْجُدُوا، فَحَذَفَ الجارَّ مَعَ أنْ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لا مَزِيدَةً، ويَكُونُ المَعْنى فَهم لا يَهْتَدُونَ إلّا أنْ يَسْجُدُوا.
وثالِثُها: وهي حَرْفُ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةُ الأعْمَشِ هَلّا بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ هَلّا تَسْجُدُونَ بِمَعْنى ألا تَسْجُدُونَ عَلى الخِطابِ.
ورابِعُها: قِراءَةُ أُبَيٍّ ”ألا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ“ .
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ قَوْلُهُ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الأمْرِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِمَعْنى المَنعِ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَكُنْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ لَهُ وهو كَوْنُهُ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمًا بِالأسْرارِ مَعْنًى.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: الآيَةُ دَلَّتْ عَلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ والعِلْمِ، أمّا القُدْرَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وسَمّى المَخْبُوءَ بِالمَصْدَرِ، وهو يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ الأرْزاقِ والأمْوالِ وإخْراجُهُ مِنَ السَّماءِ بِالغَيْثِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَّباتِ. وأمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ الرَّدُّ عَلى مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ وتَحْرِيرُ الدَّلالَةِ هَكَذا: الإلَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إخْراجِ الخَبْءِ وعالِمًا بِالخَفِيّاتِ، والشَّمْسُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَهي لا تَكُونُ إلَهًا وإذا لَمْ تَكُنْ إلَهًا لَمْ يَجُزِ السُّجُودُ لَها، أمّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عالِمًا عَلى الوجه المَذْكُورِ، فَلَمّا أنَّهُ واجِبٌ لِذاتِهِ فَلا تَخْتَصُّ قادِرِيَّتُهُ وعالَمِيَّتُهُ بِبَعْضِ المَقْدُوراتِ والمَعْلُوماتِ دُونَ البَعْضِ، وأمّا أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِأنَّها جِسْمٌ مُتَناهٍ، وكُلُّ ما كانَ مُتَناهِيًا في الذّاتِ كانَ مُتَناهِيًا في الصِّفاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لا يُعْلَمُ كَوْنُها قادِرَةً عَلى إخْراجِ الخَبْءِ عالِمَةً بِالخَفِيّاتِ، فَإذا لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ مِن حالِها كَوْنُها قادِرَةً عَلى جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، فَرَجَعَ حاصِلُ الدَّلالَةِ إلى ما ذَكَرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى ما اسْتَدَلَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الَّذِي يُخْرِجُ الشَّمْسَ مِنَ المَشْرِقِ بَعْدَ أُفُولِها في المَغْرِبِ فَهَذا هو إخْراجُ الخَبْءِ في السَّماواتِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى أنَّ أُفُولَ الشَّمْسِ وطُلُوعَها يَدُلّانِ عَلى كَوْنِها تَحْتَ تَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ قاهِرٍ فَكانَتِ العِبادَةُ لِقاهِرِها والمُتَصَرِّفِ فِيها أوْلى، وأمّا إخْراجُ الخَبْءِ مِنَ الأرْضِ فَهو يَتَناوَلُ إخْراجَ النُّطْفَةِ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ وتَكْوِينَ الجَنِينِ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَدَّما دَلالَةَ الأنْفُسِ عَلى دَلالَةِ الآفاقِ فَإنَّ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ثم قال: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ﴾ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ثم قال: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ فَلِمَ كانَ الأمْرُ هَهُنا بِالعَكْسِ فَقَدَّمَ خَبْءَ السَّماواتِ عَلى خَبْءِ الأرْضِ ؟ جَوابُهُ: أنَّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ناظَرا مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ البَشَرِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَءا بِإبْطالِ إلَهِيَّةِ البَشَرِ ثُمَّ انْتَقَلا إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ السَّماواتِ، وهَهُنا المُناظَرَةُ مَعَ مَنِ ادَّعى إلَهِيَّةَ الشَّمْسِ لِقَوْلِهِ:
صفحة ١٦٦
﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِذِكْرِ السَّماوِيّاتِ ثُمَّ بِالأرْضِيّاتِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ افْتِقارَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إلى المُدَبِّرِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ ما هو أعْظَمُ الأجْسامِ فَهي مَخْلُوقَةٌ ومَرْبُوبَةٌ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنْتَهى في القُدْرَةِ والرُّبُوبِيَّةِ إلى ما لا يَزِيدُ عَلَيْهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: قِيلَ مِن ”أحَطْتُ“ إلى ”العَظِيمِ“ كَلامُ الهُدْهُدِ وقِيلَ كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ.
* * *
المسألة الخامِسَةُ: الحَقُّ أنَّ سَجْدَةَ التِّلاوَةِ واجِبَةٌ في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ سَجَداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، وهَذا واحِدٌ مِنها ولِأنَّ مَواضِعَ السَّجْدَةِ إمّا أمْرٌ بِها أوْ مَدْحٌ لِمَن أتى بِها أوْ ذَمٌّ لِمَن تَرَكَها، وإحْدى القِراءَتَيْنِ أمْرٌ بِالسُّجُودِ والأُخْرى ذَمٌّ لِلتّارِكِ فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِن وُجُوبِ السَّجْدَةِ مَعَ التَّخْفِيفِ دُونَ التَّشْدِيدِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.
المسألة السّادِسَةُ: يُقالُ: هَلْ يُفَرِّقُ الواقِفُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ؟ جَوابُهُ: نَعَمْ إذا خَفَّفَ وقَفَ عَلى ﴿فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِ (?ألا يَسْجُدُوا ) وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى ”ألا يا“ ثُمَّ ابْتَدَأ ”اسْجُدُوا“ وإذا شَدَّدَ لَمْ يَقِفْ إلّا عَلى ”العَرْشِ العَظِيمِ“ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ فَمِنَ النَّظَرِ الَّذِي هو التَّأمُّلُ، وأرادَ صَدَقْتَ أمْ كَذَبْتَ إلّا أنَّ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ، لِأنَّهُ إذا كانَ مَعْرُوفًا بِالكَذِبِ كانَ مُتَّهَمًا بِالكَذِبِ فِيما أخْبَرَ بِهِ فَلَمْ يُوثَقْ بِهِ، وإنَّما قالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ فَقالَ: ﴿فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ إلى الَّذِينَ هَذا دِينُهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ تَنَحَّ عَنْهم إلى مَكانٍ قَرِيبٍ تَتَوارى فِيهِ لِيَكُونَ ما يَقُولُونَهُ بِمَسْمَعٍ مِنكَ و﴿يَرْجِعُونَ﴾ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبأ: ٣٠] ويُقالُ دَخَلَ عَلَيْها مِن كُوَّةٍ وألْقى إلَيْها الكِتابَ وتَوارى في الكُوَّةِ.
27:29–33Page 379
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩
She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.
إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠
Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,
أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١
Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢
She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1
قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣
They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ بِمَعْنى أنْ يُقالَ: إنَّ الهُدْهُدَ ألْقى إلَيْها الكِتابَ فَهو مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ ثابِتٌ، رُوِيَ أنَّها كانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وقِيلَ نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً.
صفحة ١٦٧
أمّا قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: حُسْنُ مَضْمُونِهِ وما فِيهِ.
وثانِيها: وصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَلِكٍ كَرِيمٍ.
وثالِثُها: أنَّ الكِتابَ كانَ مَخْتُومًا وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«كَرَّمَ الكِتابَ خَتْمُهُ» “ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«يَكْتُبُ إلى العَجَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم لا يَقْبَلُونَ إلّا كِتابًا عَلَيْهِ خاتَمٌ فاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ خاتَمًا» “ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وتَبْيِينٌ لِما أُلْقِيَ إلَيْها كَأنَّها لَمّا قالَتْ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قِيلَ لَها: مِمَّنْ هو ؟ وما هو ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ”إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ“ عَطْفًا عَلى ”إنِّي“ وقُرِئَ ”أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ“ بِالفَتْحِ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”كِتابٌ“ كَأنَّهُ قِيلَ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ.
وثانِيهِما: أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ ولِأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَهُ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ وتَصْدِيرِهِ بِسْمِ اللَّهِ وقَرَأ أُبَيٌّ: ”أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ“ عَلى أنِ المُفَسِّرَةِ، وأنْ في ”أنْ لا تَعْلُوا“ مُفَسِّرَةٌ أيْضًا ومَعْنى ”لا تَعْلُوا“ لا تَتَكَبَّرُوا كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بالغَيْنِ مُعْجَمَةً مِنَ الغُلُوِّ وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ.
البَحْثُ الثّانِي: يُقالُ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمانُ اسْمَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؟ جَوابُهُ: حاشاهُ مِن ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَأ هو بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وإنَّما ذَكَرَتْ بِلْقِيسُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن سُلَيْمانَ ثُمَّ حَكَتْ ما في الكِتابِ واللَّهُ تَعالى حَكى ذَلِكَ فالتَّقْدِيمُ واقِعٌ في الحِكايَةِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُطِيلُونَ بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلى المَقْصُودِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى تَمامِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ الخَلْقِ، إمّا العِلْمُ أوِ العَمَلُ والعِلْمُ مُقَدَّمٌ عَلى العَمَلِ فَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى إثْباتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى وإثْباتِ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا حَيًّا مُرِيدًا حَكِيمًا رَحِيمًا.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِطاعَةِ النَّفْسِ والهَوى والتَّكَبُّرِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُسْلِمِ إمّا المُنْقادُ أوِ المُؤْمِنُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا الكِتابَ عَلى وجازَتِهِ يَحْوِي كُلَّ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ والدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِعْلاءِ والأمْرِ بِالِانْقِيادِ قَبْلَ إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا حَقًّا يَدُلُّ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ. جَوابُهُ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَقْلِيدٌ وذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ سُلَيْمانَ إلى بِلْقِيسَ كانَ الهُدْهُدُ ورِسالَةُ الهُدْهُدِ مُعْجِزٌ، والمُعْجِزُ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وعَلى صِفاتِهِ ويَدُلُّ عَلى صِدْقِ المُدَّعِي فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الرِّسالَةُ دَلالَةً تامَّةً عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ في الكِتابِ دَلِيلًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ فالفَتْوى هي الجَوابُ في الحادِثَةِ اشْتُقَّتْ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ مِنَ الفَتِيِّ في السِّنِّ أيْ أجِيبُونِي في الأمْرِ الفَتِيِّ، وقَصَدَتْ بِالِانْقِطاعِ إلَيْهِمْ واسْتِطْلاعِ رَأْيِهِمْ تَطْيِيبَ قُلُوبِهِمْ ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾ أيْ لا أبُتُّ أمْرًا إلّا بِمَحْضَرِكم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ فالمُرادُ قُوَّةُ الأجْسامِ وقُوَّةُ الآلاتِ والمُرادُ بِالبَأْسِ النَّجْدَةُ والثَّباتُ في الحَرْبِ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ القَوْمَ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إظْهارُ القُوَّةِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ لِيَظْهَرَ أنَّها إنْ أرادَتْهم لِلدَّفْعِ والحَرْبِ وجَدَتْهم بِحَيْثُ تُرِيدُ، والآخَرُ قَوْلُهم: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إظْهارُ الطّاعَةِ لَها إنْ أرادَتِ السِّلْمَ، ولا يُمْكِنُ ذِكْرُ جَوابٍ أحْسَنَ مِن هَذا واللَّهُ أعْلَمُ.
27:34–37Page 379
قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤
She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.
وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥
But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦
So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.
ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧
Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّها لَمّا عَرَضَتِ الواقِعَةَ عَلى أكابِرِ قَوْمِها وقالُوا ما تَقَدَّمَ أظْهَرَتْ رَأْيَها، وهو أنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً بِالقَهْرِ أفْسَدُوها، أيْ خَرَّبُوها وأذَلُّوا أعِزَّتَها، فَذَكَرَتْ لَهم عاقِبَةَ الحَرْبِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا أهْوَ مِن كَلامِها أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى كالتَّصْوِيبِ لَها والأقْرَبُ أنَّهُ مِن كَلامِها، وأنَّها ذَكَرَتْهُ تَأْكِيدًا لِما وصَفَتْهُ مِن حالِ المُلُوكِ. فَأمّا الكَلامُ في صِفَةِ الهَدِيَّةِ فالنّاسُ أكْثَرُوا فِيها لَكِنْ لا ذِكْرَ لَها في الكِتابِ، وقَوْلُها: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها لَمْ تَثِقْ بِالقَبُولِ وجَوَّزَتِ الرَّدَّ، وأرادَتْ بِذَلِكَ أنْ يَنْكَشِفَ لَها غَرَضُ سُلَيْمانَ، ولَمّا وصَلَتِ الهَدايا إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ فَأظْهَرَ بِهَذا الكَلامِ قِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِذَلِكَ المالِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ الهَدِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُهْدى، كَما أنَّ العَطِيَّةَ اسْمٌ لِلْمُعْطى، فَتُضافُ إلى المَهْدِيِّ وإلى المُهْدى لَهُ، والمُضافُ إلَيْهِ هَهُنا هو المُهْدى إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى آتانِي الدِّينَ الَّذِي هو السَّعادَةُ القُصْوى، وآتانِي مِنَ الدُّنْيا ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسْتَمالُ مِثْلِي بِمِثْلِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، بَلْ أنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم، لَكِنَّ حالِي خِلافُ حالِكم.
وثانِيها: بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم هَذِهِ الَّتِي أهْدَيْتُمُوها تَفْرَحُونَ مِن حَيْثُ إنَّكم قَدَرْتُمْ عَلى إهْداءِ مِثْلِها.
وثالِثُها: كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْتُمْ مِن حَقِّكم أنْ تَأْخُذُوا هَدِيَّتَكم وتَفْرَحُوا بِها.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ فَقِيلَ: ارْجِعْ خِطابٌ لِلرَّسُولِ، وقِيلَ: لِلْهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا قِبَلَ﴾ أيْ لا طاقَةَ، وحَقِيقَةُ القِبَلِ المُقاوَمَةُ والمُقابَلَةُ، أيْ لا يَقْدِرُونَ أنْ يُقابِلُوهم. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ“، والضَّمِيرُ في ”مِنها“ لِسَبَأٍ، والذُّلُّ أنْ يَذْهَبَ عَنْهم ما كانَ عِنْدَهم مِنَ العِزِّ والمُلْكِ، والصَّغارُ أنْ يَقَعُوا في أسْرٍ واسْتِعْبادٍ، ولا يَقْتَصِرُ بِهِمْ عَلى أنْ يَرْجِعُوا سُوقَةً بَعْدَ أنْ كانُوا مُلُوكًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences