Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:62–75
27:62Page 382
أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Is He [not best] who responds to the desperate one when he calls upon Him and removes evil and makes you inheritors of the earth?1 Is there a deity with Allāh? Little do you remember.
النوع الثّالِثُ: ما يَتَعَلَّقُ بِاحْتِياجِ الخَلْقِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾
وهُوَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الضَّرُورَةُ الحالَةُ المُحْوِجَةُ إلى الِالتِجاءِ، والِاضْطِرارِ افْتِعالٌ مِنها، يُقالُ: اضْطَرَّهُ إلى كَذا والفاعِلُ والمَفْعُولُ مُضْطَرٌّ، واعْلَمْ أنَّ المُضْطَرَّ هو الَّذِي أحْوَجَهُ مَرَضٌ أوْ فَقْرٌ أوْ نازِلَةٌ مِن نَوازِلِ الدَّهْرِ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَنِ السُّدِّيِّ: الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ، وقِيلَ: المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، فَإنْ قِيلَ: قَدْ عَمَّ المُضْطَرِّينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ وكَمْ مِن مُضْطَرٍّ يَدْعُو فَلا يُجابُ ؟ جَوابُهُ: قَدْ بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ المُفْرَدَ المُعَرَّفَ لا يُفِيدُ العُمُومَ، وإنَّما يُفِيدُ الماهِيَّةَ فَقَطْ، والحُكْمُ المُثْبِتُ لِلْماهِيَّةِ يَكْفِي في صِدْقِهِ ثُبُوتُهُ في فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالِاسْتِجابَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ يَسْتَجِيبُ في الحالِ، وتَمامُ القَوْلِ في شَرائِطَ الدُّعاءِ والإجابَةِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافِرٍ: ٦٠) فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ فَهو كالتَّفْسِيرِ لِلِاسْتِجابَةِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى كَشْفِ ما دَفَعَ إلَيْهِ مِن فَقْرٍ إلى غِنًى، ومَرَضٍ إلى صِحَّةٍ، وضِيقٍ إلى سَعَةٍ، إلّا القادِرُ الَّذِي لا يَعْجَزُ، والقاهِرُ الَّذِي لا يُنازَعُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ فالمُرادُ: تَوارُثُهم سُكْناها والتَّصَرُّفُ فِيها قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وأرادَ بِالخِلافَةِ المِلْكَ والتَّسَلُّطَ، وقُرِئَ (يَذَّكَّرُونَ) بِالياءِ مَعَ الإدْغامِ، وبِالتّاءِ مَعَ الإدْغامِ، وبِالحَذْفِ؛ وما مَزِيدَةٌ أيْ يَذَّكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، والمَعْنى: نَفْيُ التَّذَكُّرِ والقِلَّةُ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى النَّفْيِ.
27:63Page 382
أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣
Is He [not best] who guides you through the darknesses of the land and sea and who sends the winds as good tidings before His mercy? Is there a deity with Allāh? High is Allāh above whatever they associate with Him.
النوع الرّابِعُ: ما يَتَعَلَّقُ أيْضًا بِاحْتِياجِ الخَلْقِ، ولَكِنَّهُ حاجَةٌ خاصَّةٌ في وقْتٍ خاصٍّ
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
صفحة ١٨٠
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى نَبَّهَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ والمُرادُ: يَهْدِيكم بِالنُّجُومِ في السَّماءِ والعَلاماتِ في الأرْضِ إذا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَيْكم مُسافِرِينَ في البَرِّ والبَحْرِ.
الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُحَرِّكُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ السَّحابَ ثُمَّ تَسُوقُهُ إلى حَيْثُ يَشاءُ، فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُحَرِّكُ الرِّياحَ، فَإنَّ الفَلاسِفَةَ قالَتْ: الرِّياحُ إنَّما تَتَوَلَّدُ عَنِ الدُّخانِ، ولَيْسَ الدُّخانُ كُلُّهُ هو الجِسْمَ الأسْوَدَ المُرْتَفِعَ مِمّا احْتَرَقَ بِالنّارِ، بَلْ كُلُّ جِسْمٍ أرْضِيٍّ يَرْتَفِعُ بِتَصْعِيدِ الحَرارَةِ سَواءٌ كانَتِ الحَرارَةُ حَرارَةَ النّارِ أوْ حَرارَةَ الشَّمْسِ، فَهو دُخانٌ. قالُوا: وتَوَلُّدُ الرِّياحِ مِنَ الأدْخِنَةِ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما أكْثَرِيٌّ، والآخَرُ أقَلِّيٌّ. أمّا الأكْثَرِيُّ فَهو: أنَّهُ إذا صَعِدَتْ أدْخِنَةٌ كَثِيرَةٌ إلى فَوْقَ، فَعِنْدَ وُصُولِها إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ، إمّا أنْ يَنْكَسِرَ حَرُّها بِبَرْدِ ذَلِكَ الهَواءِ، أوْ لا يَنْكَسِرُ، فَإنِ انْكَسَرَ فَلا مَحالَةَ يَثْقُلُ ويَنْزِلُ فَيَحْصُلُ مِن نُزُولِها تَمَوُّجُ الهَواءِ فَتَحْدُثُ الرِّيحُ، وإنْ لَمْ يَنْكَسِرْ حَرُّها بِبَرْدِ ذَلِكَ الهَواءِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَتَصاعَدَ إلى أنْ يَصِلَ إلى كُرَةِ النّارِ المُتَحَرِّكَةِ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ، وحِينَئِذٍ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ الصُّعُودِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ النّارِ، فَتَرْجِعُ تِلْكَ الأدْخِنَةُ وتَصِيرُ رِيحًا، لا يُقالُ: لَوْ كانَ انْدِفاعُ هَذِهِ الأدْخِنَةِ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الهَواءِ العالِي لَما كانَتْ حَرَكَتُها إلى أسْفَلَ، بَلْ إلى جِهَةِ حَرَكَةِ الهَواءِ العالِي؛ لِأنّا نَقُولُ الجَوابَ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ رُبَّما أوْجَبَتْ هَيْئَةُ صُعُودِ تِلْكَ الأدْخِنَةِ وهَيْئَةُ لُحُوقِ المادَّةِ بِها أنْ يَتَحَرَّكَ إلى خِلافِ جِهَةِ المُتَحَرِّكِ المانِعِ، كالسَّهْمِ يُصِيبُ جِسْمًا مُتَحَرِّكًا، فَيَعْطِفُهُ تارَةً إلى جِهَتِهِ إنْ كانَ الحابِسُ كَما يَقْدِرُ عَلى صَرْفِ المُتَحَرِّكِ عَنْ مُتَوَجَّهِهِ يَقْدِرُ أيْضًا عَلى صَرْفِهِ إلى جِهَةِ حَرَكَةِ نَفْسِهِ، وتارَةً إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ إذا كانَ المُفارِقُ يَقْدِرُ عَلى الحَبْسِ ولا يَقْدِرُ عَلى الصَّرْفِ.
الثّانِي: أنَّهُ رُبَّما كانَ صُعُودُ بَعْضُ الأدْخِنَةِ مِن تَحْتٍ مانِعًا لِلْأدْخِنَةِ النّازِلَةِ مِن فَوْقٍ إلى أنْ يَتَسَفَّلَ ذَلِكَ؛ فَلِأجْلِ هَذا السَّبَبِ يَتَحَرَّكُ إلى سائِرِ الجَوانِبِ، واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ الإسْلامِ هَهُنا مَقامَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ يُقِيمَ الدَّلالَةَ عَلى فَسادِ هَذِهِ العِلَّةِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأجْزاءَ الدُّخانِيَّةَ أرْضِيَّةٌ فَهي أثْقَلُ مِنَ الأجْزاءِ البُخارِيَّةِ المائِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ البُخارَ لَمّا يَبْرُدْ يَنْزِلْ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ مَطَرًا، فالدُّخانُ لَمّا بَرَدَ فَلِماذا لَمْ يَنْزِلْ عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ بَلْ ذَهَبَ يُمْنَةً ويُسْرَةً ؟
الثّانِي: أنَّ حَرَكَةَ تِلْكَ الأجْزاءِ إلى أسْفَلَ طَبِيعِيَّةٌ وحَرَكَتَها يُمْنَةً ويُسْرَةً عَرَضِيَّةٌ، والطَّبِيعِيَّةُ أقْوى مِنَ العَرَضِيَّةِ، وإذا لَمْ يَكُنْ أقْوى فَلا أقَلَّ مِنَ المُساواةِ، ثُمَّ إنَّ الرِّيحَ عِنْدَ حَرَكَتِها يُمْنَةً ويُسْرَةً رُبَّما تَقْوى عَلى قَلْعِ الأشْجارِ ورَمْيِ الجِدارِ بَلِ الجِبالِ، فَتِلْكَ الأجْزاءُ الدُّخانِيَّةُ عِنْدَما تَحَرَّكَتْ حَرَكَتُها الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي لَها وهي الحَرَكَةُ إلى السُّفْلِ وجَبَ أنْ تَهْدِمَ السَّقْفَ، ولَكِنّا نَرى الغُبارَ الكَثِيرَ يَنْزِلُ مِنَ الهَواءِ ويَسْقُطُ عَلى السَّقْفِ، ولا يُحَسُّ بِنُزُولِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْدِمَهُ، فَثَبَتَ فَسادُ ما ذَكَرُوهُ.
المَقامُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرُوهُ ولَكِنَّ الأسْبابَ الفاعِلِيَّةَ والقابِلِيَّةَ لَها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ لَوْلا الشَّمْسُ وتَأْثِيرُها في تَصْعِيدِ الأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ ولَوْلا طَبَقاتُ الهَواءِ، وإلّا لَما حَدَثَتْ هَذِهِ الأُمُورُ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن وضَعَ أسْبابًا فَأدَّتْهُ إلى مَنافِعَ عَجِيبَةٍ وحِكَمٍ بالِغَةٍ، فَذَلِكَ الواضِعُ هو الَّذِي فَعَلَ تِلْكَ المَنافِعَ، فَعَلى جَمِيعِ الأحْوالِ لا بُدَّ مِن شَهادَةِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ واجِبٍ لِذاتِهِ، قَطْعًا لِسِلْسِلَةِ الحاجاتِ.
27:64Page 383
أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤
Is He [not best] who begins creation and then repeats it and who provides for you from the heaven and earth? Is there a deity with Allāh? Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
صفحة ١٨١
النوع الخامِسُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ نِعَمَ الدُّنْيا أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعَمِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لِأنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ بِالثَّوابِ لا تَتِمُّ إلّا بِالإعادَةِ بَعْدَ الِابْتِداءِ والإبْلاغِ إلى حَدِّ التَّكْلِيفِ، فَقَدْ تَضَمَّنَ الكَلامُ كُلَّ هَذِهِ النِّعَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّها لا تَتِمُّ إلّا بِالأرْزاقِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾، ثم قال: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مُنْكِرًا لِما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنْ لا بُرْهانَ لَكم، فَإذَنْ هم مُبْطِلُونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ في الدَّعْوى مِن وعَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهم: ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم مُنْكِرُونَ لِلْإعادَةِ ؟ جَوابُهُ: كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِالِابْتِداءِ، ودَلالَةُ الِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ دَلالَةٌ ظاهِرَةٌ قَوِيَّةٌ، فَلَمّا كانَ الكَلامُ مَقْرُونًا بِالدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ صارُوا كَأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ، وهَهُنا آخِرُ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
27:65–66Page 383
قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٦٥
Say, "None in the heavens and earth knows the unseen except Allāh, and they do not perceive when they will be resurrected."
بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦
Rather, their knowledge is arrested concerning the Hereafter. Rather, they are in doubt about it. Rather, they are, concerning it, blind.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ، فَكَذَلِكَ بَيَّنَ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبْتَ أنَّهُ هو الإلَهُ المَعْبُودُ، لِأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَصِحُّ مِنهُ مُجازاةُ مَن يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلى وجْهٍ لا يَلْتَبِسُ بِأهْلِ العِقابِ، فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ حُكْمُهُ إخْراجُ ما لَوْلاهُ، لَوَجَبَ أوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، ودَلَّتِ الآيَةُ هَهُنا عَلى اسْتِثْناءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى في المَكانِ، والجَوابُ: هَذِهِ الآيَةُ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى في المَكانِ زَعَمَ أنَّهُ فَوْقَ السَّماواتِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ، فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنْ كُلِّ الأمْكِنَةِ، فَثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَإذَنْ وجَبَ تَأْوِيلُهُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ: اللَّهُ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ عَلى مَعْنى أنَّ عِلْمَهُ في الأماكِنِ كُلِّها، لا يُقالُ: إنَّ كَوْنَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ مَجازٌ، وكَوْنَهم فِيهِنَّ حَقِيقَةٌ، وإرادَةُ المُتَكَلِّمِ بِعِبارَةٍ واحِدَةٍ حَقِيقَةً ومَجازًا غَيْرُ جائِزَةٍ، لِأنّا نَقُولُ: كَوْنُهم في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما أنَّهُ حاصِلٌ حَقِيقَةً، وهو حُصُولُ ذَواتِهِمْ في الأحْيازِ، فَكَذَلِكَ حاصِلٌ مَجازًا، وهو كَوْنُهم عالِمِينَ
صفحة ١٨٢
بِتِلْكَ الأمْكِنَةِ، فَإذا حَمَلْنا هَذِهِ الغَيْبَةَ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهو الكَوْنُ فِيها بِمَعْنى العِلْمِ دَخَلَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى والعَبِيدُ فِيهِ، فَصَحَّ الِاسْتِثْناءُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ فَهو صِفَةٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم عَلِمُ الغَيْبِ، وذَكَرَ في جُمْلَةِ الغَيْبِ مَتى البَعْثُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فَأيّانَ بِمَعْنى مَتى وهي كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن أيْ والآنَ، وهو الوَقْتُ، وقُرِئَ (إيّانَ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ كَلامَ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ فِيهِ مُرَتَّبٌ عَلى ثَلاثَةِ أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ قِراءَةً: بَلْ أدْرَكَ، بَلِ ادَّرَكَ، بَلِ ادّارَكَ، بَلْ تَدارَكَ، بَلْ أأدْرَكَ بِهَمْزَتَيْنِ، بَلْ آأدْرَكَ بِألْفٍ بَيْنَهُما، بَلْ آدْرَكَ بِالتَّخْفِيفِ والنَّقْلُ، بَلَ ادَّرَكَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وأصْلُهُ: بَلْ أدَّرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، بَلى أدْرَكَ، بَلى أأدْرَكَ، أمْ تَدارَكَ، أمْ أدْرَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: ادّارَكَ أصْلُهُ تَدارَكَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وأدَّرَكَ افْتَعَلَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: مَعْنى ادَّرَكَ عِلْمُهُمُ انْتَهى وتَكامَلَ، وأدْرَكَ تَتابَعَ واسْتَحْكَمَ ثُمَّ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ أسْبابَ اسْتِحْكامِ العِلْمِ وتَكامُلِهِ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها قَدْ حَصَلَتْ لَهم، ومُكِّنُوا مِن مَعْرِفَتِها، وهم شاكُّونَ جاهِلُونَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ يُرِيدُ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا مِن جُمْلَتِهِمْ نُسِبَ فِعْلُهم إلى الجَمِيعِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ فَعَلُوا كَذا، وإنَّما فَعَلَهُ ناسٌ مِنهم. فَإنْ قِيلَ: الآيَةُ سِيقَتْ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ، وإنَّ العِبادَ لا عِلْمَ لَهم بِشَيْءٍ مِنهُ، وإنَّ وقْتَ بَعْثِهِمْ ونُشُورِهِمْ مِن جُمْلَةِ الغَيْبِ وهم لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَكَيْفَ ناسَبَ هَذا المَعْنى وصْفَ المُشْرِكِينَ بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ اسْتِحْكامِ أسْبابِ العِلْمِ والتَّمَكُّنِ مِنَ المَعْرِفَةِ ؟ والجَوابُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: كَيْفَ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَعَ أنَّهم شَكُّوا في ثُبُوتِ الآخِرَةِ الَّتِي دَلَّتِ الدَّلائِلُ الظّاهِرَةُ القاهِرَةُ عَلَيْها، فَمَن غَفَلَ عَنْ هَذا الشَّيْءِ الظّاهِرِ، كَيْفَ يَعْلَمُ الغَيْبَ الَّذِي هو أخْفى الأشْياءِ ؟
الوجه الثّانِي: أنَّ وصْفَهم بِاسْتِحْكامِ العِلْمِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ ما أعْلَمَكَ عَلى سَبِيلِ الهُزُءِ، وذَلِكَ حَيْثُ شَكُّوا في إثْباتِ ما الطَّرِيقُ إلَيْهِ واضِحٌ ظاهِرٌ.
الوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أدْرَكَ بِمَعْنى انْتَهى وفَنِيَ مِن قَوْلِكَ: أدْرَكَتُ الثَّمَرَةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ، وقَدْ فَسَّرَهُ الحَسَنُ بِاضْمَحَلَّ عِلْمُهم؛ وتَدارَكَ مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ. أمّا وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ: بَلْ أأدْرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَهو أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإدْراكِ عِلْمِهم، وكَذا مَن قَرَأ: أمْ أدْرَكَ وأمْ تَدارَكَ؛ لِأنَّها أمْ هي الَّتِي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ، وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أدْرَكَ، فَإنَّهُ لَمّا جاءَ بِبِلى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ كانَ مَعْناهُ بَلى يَشْعُرُونَ، ثُمَّ فَسَّرَ الشُّعُورَ بِقَوْلِهِ: أدْرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ الَّذِي مَعْناهُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: شُعُورُهم بِوَقْتِ الآخِرَةِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَها، فَيَرْجِعُ إلى نَفْيِ الشُّعُورِ عَلى أبْلَغِ ما يَكُونُ، وأمّا مَن قَرَأ: بَلى أأدْرَكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَمَعْناهُ: بَلى يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، ثُمَّ أنْكَرَ عِلْمَهم بِكَوْنِها وإذْ أُنْكِرَ عِلْمُهم بِكَوْنِها، لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهم شُعُورٌ بِوَقْتِ كَوْنِها. فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ الإضْراباتُ الثَّلاثُ ما مَعْناها ؟ قُلْتُ: ما هي إلّا بَيانُ دَرَجاتِهِمْ وصَفَهم أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وقْتَ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ، ثُمَّ بِأنَّهم يَخْبِطُونَ في شَكٍّ ومِرْيَةٍ، ثُمَّ بِما هو أسْوَأُ حالًا وهو العَمى، وفِيهِ نُكْتَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الآخِرَةَ مَبْدَأ
صفحة ١٨٣
عَماهم فَلِذَلِكَ عَدّاهُ بِمِن دُونَ عَنْ؛ لِأنَّ الفِكْرَ بِالعاقِبَةِ، والجَزاءُ هو الَّذِي جَعَلَهم كالبَهائِمِ.
27:67–75Page 383
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ ٦٧
And those who disbelieve say, "When we have become dust as well as our forefathers, will we indeed be brought out [of the graves]?
لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
We have been promised this, we and our forefathers, before. This is not but legends of the former peoples."
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٦٩
Say, [O Muḥammad], "Proceed [i.e., travel] through the land and observe how was the end of the criminals."
وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ٧٠
And grieve not over them or be in distress from what they conspire.
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٧١
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ ٧٢
Say, "Perhaps it is close behind you [i.e., very near] - some of that for which you are impatient.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And indeed, your Lord is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful."
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٤
And indeed, your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥
And there is nothing concealed1 within the heaven and the earth except that it is in a clear Register.2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَكَلَّمَ في حالِ المَبْدَأِ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ في حالِ المَعادِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّكَّ في المَعادِ لا يَنْشَأُ إلّا مِنَ الشَّكِّ في كَمالِ القُدْرَةِ، أوْ في كَمالِ العِلْمِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ أجْزاءِ بَدَنِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَ التَّرْكِيبَ والحَياةَ إلَيْها، وإذا ثَبَتَ إمْكانُ ذَلِكَ ثَبَتَ صِحَّةُ القَوْلِ بِالحَشْرِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، لا جَرَمَ لَمْ يَحْكِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَحَكى عَنْهم أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن إخْراجِهِمْ أحْياءً، وقَدْ صارُوا تُرابًا. وطَعَنُوا فِيهِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ أيْ هَذا كَلامٌ كَما قِيلَ لَنا فَقَدْ قِيلَ لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ، فَهو إذَنْ مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ، يُرِيدُونَ: ما لا يَصِحُّ مِنَ الأخْبارِ، فَإنْ قِيلَ: ذَكَرَ هَهُنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا﴾ فَما الفَرْقُ ؟ قُلْنا: التَّقْدِيمُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وأنَّ الكَلامَ سِيقَ لِأجْلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ مَن أحاطَ بِهِما فَقَدْ عَرَفَ صِحَّةَ الحَشْرِ والنَّشْرِ ثَبَتَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ولَمْ يَتَأمَّلُوها، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ الإعْراضِ حُبَّ الدُّنْيا وحُبَّ الرِّياسَةِ والجاهِ وعَدَمَ الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ زائِلَةٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالانِ:
صفحة ١٨٤
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ تَأْنِيثَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّ المَعْنى كَيْفَ كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ عاقِبَةَ الكافِرِينَ ؟ جَوابُهُ: الغَرَضُ أنْ يَحْصُلَ التَّخْوِيفُ لِكُلِّ العُصاةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى ما يَنالُهُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ إزالَةِ الغَمِّ عَنْهُ بِكُفْرِهِمْ، وبَيْنَ إزالَةِ الخَوْفِ مِن جانِبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ كالتَّكَفُّلِ بِنُصْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ قَلْبٍ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا وضِيقًا بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والضَّيْقُ تَخْفِيفُ الضَّيِّقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ.
الوجه الثّانِي لِلْكَفّارِ قَوْلُهم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَزِيدَتِ اللّامُ لِلتَّأْكِيدِ كالباءِ في ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ (البَقَرَةِ: ١٩٥) أوْ ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ، نَحْوُ دَنا لَكم وأزِفَ لَكم، ومَعْناهُ تَبِعَكم ولَحِقَكم، وقَرَأ الأعْرَجُ: (رَدَفَ لَكم) بِوَزْنِ ذَهَبَ وهُما لُغَتانِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَهُنا بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ عَسى ولَعَلَّ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ يَدُلّانِ عَلى صِدْقِ الأمْرِ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ، وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِوُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُوَّهم لا يَفُوتُهم، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّ عَذابَ الحِجابِ أشَدُّ مِن عَذابِ النّارِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ (المُطَفِّفِينَ: ١٥ - ١٦) فَقَدَّمَ الحِجابَ عَلى الجَحِيمِ، ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَحْجُوبِينَ في الحالِ، فَكانَ سَبَبُ العَذابِ بِكَمالِهِ حاصِلًا، إلّا أنَّ الِاشْتِغالَ بِالدُّنْيا ولَذّاتِها كالعائِقِ عَنْ إدْراكِ ذَلِكَ الألَمِ، كَما أنَّ العُضْوَ الخَدِرَ إذا مَسَّتْهُ النّارُ، فَإنَّ سَبَبَ الألَمِ حاصِلٌ في الحالِ، لَكِنَّهُ لا يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِذَلِكَ الألَمِ لِقِيامِ العائِقِ، فَإذا زالَ العائِقُ عَظُمَ البَلاءُ، فَكَذا هَهُنا إذا زالَ البَدَنُ عَظُمَ عَذابُ الحِجابِ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يَعْنِي المُقْتَضِيَ لَهُ والمُؤَثِّرَ فِيهِ حاصِلٌ، وتَمامُهُ: إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ السَّبَبَ في تَرْكِ تَعْجِيلِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ والفَضْلُ الإفْضالُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، وأكْثَرُهم لا يَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ولا يَشْكُرُونَها، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثٌ عَقْلِيٌّ، وهو أنَّهُ قَدَّمَ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم عَلى ما يُعْلِنُونَ مِنَ العِلْمِ، والسَّبَبُ أنَّ ما تُكِنُّهُ صُدُورُهم هو الدَّواعِي والقُصُودُ، وهي أسْبابٌ لِما يُعْلِنُونَ، وهي أفْعالُ الجَوارِحِ، والعِلْمُ بِالعِلَّةِ عِلَّةٌ لِلْعِلْمِ بِالمَعْلُولِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذَلِكَ التَّقْدِيمِ، قُرِئَ ( تَكُنُّ) يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ وأكْنَنْتُهُ إذا سَتَرْتَهُ وأخْفَيْتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ مِن عَداوَةِ الرَّسُولِ ومَكايِدِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: سُمِّيَ الشَّيْءُ الَّذِي يَغِيبُ ويَخْفى غائِبَةٌ وخافِيَةٌ، فَكانَتِ التّاءُ فِيها بِمَنزِلَتِها في العاقِبَةِ والعافِيَةِ والنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والرَّمِيَّةِ في أنَّها أسْماءٌ غَيْرُ صِفاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ وتاؤُهُما لِلْمُبالَغَةِ كالرّاوِيَةِ في قَوْلِهِمْ: ويْلٌ لِلشّاعِرِ مِن راوِيَةِ السُّوءِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما مِن شَيْءٍ شَدِيدِ الغَيْبُوبَةِ والخَفاءِ، إلّا وقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأحاطَ بِهِ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. والمُبَيَّنِ الظّاهِرِ البَيِّنِ لِمَن يَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences