Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:76–93
27:76–81Page 383
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦
Indeed, this Qur’ān relates to the Children of Israel most of that over which they disagree.
وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
And indeed, it is guidance and mercy for the believers.
إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨
Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.
فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩
So rely upon Allāh; indeed, you are upon the clear truth.
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في إثْباتِ المَبْدَأِ والمَعادِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ، ولَمّا كانَتِ العُمْدَةُ الكُبْرى في إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ هو القُرْآنَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا كَوْنَهُ مُعْجِزَةً مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إنَّ الأقاصِيصَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ مُوافِقَةٌ لِما كانَتْ مَذْكُورَةً في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ أُمِّيًّا، وأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ، ولَمْ يَشْتَغِلْ قَطُّ بِالِاسْتِفادَةِ والتَّعَلُّمِ، فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، واخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِهِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ وتَبايَنُوا، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ بِهِ ما حَرَّفَهُ بَعْضُهم، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ أرادَ بِهِ أخْبارَ الأنْبِياءِ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: إنّا لَمّا تَأمَّلْنا القُرْآنَ فَوَجَدْنا فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والحَشْرِ والنُّبُوَّةِ، وشَرْحِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيانِ نُعُوتِ جَلالِهِ ما لَمْ نَجِدْهُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ، ووَجَدْنا ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ مُطابِقَةً لِلْعُقُولِ مُوافِقَةً لَها، ووَجَدْناهُ مُبَرَّأً عَنِ التَّناقُضِ والتَّهافُتِ، فَكانَ هُدىً ورَحْمَةً مِن هَذِهِ الجِهاتِ ووَجَدْنا القُوى البَشَرِيَّةَ قاصِرَةً عَلى جَمْعِ كِتابٍ عَلى هَذا الوجه، فَعَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ هُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِبُلُوغِهِ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ وذَلِكَ مُعْجِزٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى الرِّسالَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهو العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ والمُرادُ أنَّ القُرْآنَ وإنْ كانَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، لَكِنْ لا تَكُنْ أنْتَ في قَيْدِهِمْ، فَإنَّ رَبَّكَ هو الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهم، أيْ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ مِنهم، وذَلِكَ كالزَّجْرِ لِلْكُفّارِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ الَّذِي لا يُمْنَعُ، العَلِيمُ بِما يَحْكُمُ فَلا يَكُونُ إلّا الحَقُّ، فَإنْ قِيلَ: القَضاءُ والحُكْمُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: يَقْضِي بِقَضائِهِ، ويَحْكُمُ بِحُكْمِهِ، والجَوابُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أيْ بِما يَحْكُمُ بِهِ وهو عَدْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، أوْ أرادَ بِحُكْمِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ (بِحِكَمِهِ) جَمْعُ حِكْمَةٍ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ بَعْدَ ظُهُورِ حُجَّةِ رِسالَتِهِ بِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، ولا يَلْتَفِتَ إلى أعْداءِ اللَّهِ، ويَشْرَعَ في تَمْشِيَةِ مُهِمّاتِ الرِّسالَةِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ وفِيهِ بَيانُ أنَّ المُحِقَّ حَقِيقٌ بِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُخْذَلُ.
وثانِيهِما: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ وإنَّما حَسُنَ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وذَلِكَ
صفحة ١٨٦
لِأنَّ الإنْسانَ ما دامَ يَطْمَعُ في أحَدٍ أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا، فَإنَّهُ لا يَقْوى قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فَإذا قَطَعَ طَمَعَهُ عَنْهُ قَوِيَ قَلْبُهُ عَلى إظْهارِ مُخالَفَتِهِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَطَعَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْهم بِأنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّهم كالمَوْتى وكالصُّمِّ وكالعُمْيِ، فَلا يَفْهَمُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ، وهَذا سَبَبٌ لِقُوَّةِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إظْهارِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ؟ جَوابُهُ: هو تَأْكِيدٌ لِحالِ الأصَمِّ؛ لِأنَّهُ إذا تَباعَدَ عَنِ الدّاعِي بِأنْ تَوَلّى عَنْهُ مُدْبِرًا كانَ أبْعَدَ عَنْ إدْراكِ صَوْتِهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ فالمَعْنى: ما يُجْدِي إسْماعُكَ إلّا الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، أيْ يُصَدِّقُونَ بِها ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١١٢) يَعْنِي جَعَلَهُ سالِمًا لِلَّهِ تَعالى خالِصًا لَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
27:82–86Page 384
۞ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢
And when the word [i.e., decree] befalls them,1 We will bring forth for them a creature from the earth speaking to them, [saying] that the people were, of Our verses, not certain [in faith].
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣
And [warn of] the Day when We will gather from every nation a company of those who deny Our signs, and they will be [driven] in rows
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤
Until, when they arrive [at the place of Judgement], He will say, "Did you deny My signs while you encompassed them not in knowledge, or what [was it that] you were doing?"
وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥
And the decree will befall them1 for the wrong they did, and they will not [be able to] speak.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦
Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ كَمالَ القُدْرَةِ وكَمالَ العِلْمِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِما القَوْلَ بِإمْكانِ الحَشْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ الوجه في كَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الآنَ في مُقَدِّماتِ قِيامِ القِيامَةِ، وإنَّما أخَّرَ تَعالى الكَلامَ في هَذا البابِ عَنْ إثْباتِ النُّبُوَّةِ، لِما أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ الصّادِقِ، وهَذا هو النِّهايَةُ في جَوْدَةِ التَّرْتِيبِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تارَةً ما يَكُونُ كالعَلامَةِ لِقِيامِ القِيامَةِ، وتارَةً الأُمُورَ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فَذَكَرَ أوَّلًا مِن عَلاماتِ القِيامَةِ دابَّةَ الأرْضِ، والنّاسُ تَكَلَّمُوا فِيها مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: في مِقْدارِ جِسْمِها، وفي الحَدِيثِ أنَّ طُولَها سِتُّونَ ذِراعًا. ورُوِيَ أيْضًا أنَّ رَأْسَها تَبْلُغُ السَّحابَ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ما بَيْنَ قَرْنَيْها فَرْسَخٌ لِلرّاكِبِ.
وثانِيها: في كَيْفِيَّةِ خِلْقَتِها، فَرُوِيَ أنَّ لَها أرْبَعَ قَوائِمَ وزَغَبٌ ورِيشٌ وجَناحانِ. وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في وصْفِها: رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُ أيْلٍ، وصَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَةُ بَقَرَةٍ، وذَنَبُ كَبْشٍ، وخُفُّ بَعِيرٍ.
وثالِثُها: في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِها؛ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، فَلا يَخْرُجُ إلّا ثُلُثُها. وعَنِ الحَسَنِ: لا يَتِمُّ خُرُوجُها إلّا بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.
ورابِعُها: في مَوْضِعِ خُرُوجِها ”«سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أيْنَ تَخْرُجُ الدّابَّةُ ؟ فَقالَ: مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى المَسْجِدِ
صفحة ١٨٧
الحَرامِ» “ . وقِيلَ: تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا فَتُكَلِّمُهم بِالعَرَبِيَّةِ.
وخامِسُها: في عَدَدِ خُرُوجِها، فَرُوِيَ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، تَخْرُجُ بِأقْصى اليَمَنِ، ثُمَّ تَكْمُنُ، ثُمَّ تَخْرُجُ بِالبادِيَةِ، ثُمَّ تَكْمُنُ دَهْرًا طَوِيلًا، فَبَيْنا النّاسُ في أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً وأكْرَمِها عَلى اللَّهِ فَما يَهُولُهم إلّا خُرُوجُها مِن بَيْنِ الرُّكْنِ حِذاءَ دارِ بَنِيَ مَخْزُومٍ عَنْ يَمِينِ الخارِجِ مِنَ المَسْجِدِ، فَقَوْمٌ يَهْرُبُونَ، وقَوْمٌ يَقِفُونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الكِتابِ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قُبِلَ، وإلّا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فالمُرادُ مِنَ القَوْلِ مُتَعَلِّقُهُ وهو ما وُعِدُوا بِهِ مِن قِيامِ السّاعَةِ، ووُقُوعُهُ حُصُولُهُ، والمُرادُ مُشارَفَةُ السّاعَةِ وظُهُورُ أشْراطِها، أمّا دابَّةُ الأرْضِ فَقَدْ عَرَفْتَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ فَقُرِئَ (تَكْلَمُهم) مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ، رُوِيَ أنَّ الدّابَّةَ تَخْرُجُ مِنَ الصَّفا ومَعَها عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَضْرِبُ المُؤْمِنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَتَنْكُتُ نُكْتَةً بَيْضاءَ، فَتَفْشُو تِلْكَ النُّكْتَةُ في وجْهِهِ حَتّى يُضِيءَ لَها وجْهُهُ، وتَنْكُتُ الكافِرَ في أنْفِهِ فَتَفْشُو النُّكْتَةُ حَتّى يَسْوَدَّ لَها وجْهُهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُكَلِّمُهم مِنَ الكَلْمِ أيْضًا عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: فُلانٌ مُكَلَّمٌ، أيْ مُجَرَّحٌ. وقَرَأ أُبَيٌّ (تُنَبِّئُهم)، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ، والقِراءَةُ بِأنَّ مَكْسُورَةً حِكايَةٌ لِقَوْلِ الدّابَّةِ ذَلِكَ، أوْ هي حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى بَيَّنَ بِهِ أنَّهُ أخْرَجَ الدّابَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتْ حِكايَةً لِقَوْلِ الدّابَّةِ، فَكَيْفَ يَقُولُ بِآياتِنا ؟ جَوابُهُ: إنَّ قَوْلَها حِكايَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى مَعْنى بِآياتِ رَبِّنا، أوْ لِاخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى أضافَتْ آياتِ اللَّهِ إلى نَفْسِها، كَما يَقُولُ بَعْضُ خاصَّةِ المَلِكِ خَيْلُنا وبِلادُنا، وإنَّما هي خَيْلُ مَوْلاهُ وبِلادُهُ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ تُكَلِّمُهم بِأنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا مِنَ الأُمُورِ الواقِعَةِ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، فالفَرْقُ بَيْنَ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ (الحَجِّ: ٣٠) .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ مَعْناهُ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا فَيُكَبْكَبُوا في النّارِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ وتَباعُدِ أطْرافِهِ، كَما وُصِفَتْ جُنُودُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ فَهَذا وإنِ احْتَمَلَ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ كَما قالَهُ بَعْضُهم، فالمُرادُ كُلُّ الآياتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الكُفّارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ أجْمَعَ أوْ بِشَيْءٍ مِنها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ فالواوُ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: أكَذَّبْتُمْ بِها، بادِيَ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا نَظَرٍ يُؤَدِّي إلى إحاطَةِ العِلْمِ بِكُنْهِها.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالمُرادُ لَمّا لَمْ تَشْتَغِلُوا بِذَلِكَ العَمَلِ المُهِمِّ، فَأيُّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ ! كَأنَّهُ قالَ: كُلُّ عَمَلٍ سِواهُ فَكَأنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ، ثم قال: ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يُرِيدُ أنَّ العَذابَ المَوْعُودَ يَغْشاهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَشْغَلُهم عَنِ النُّطْقِ والِاعْتِذارِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٥) ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ خَوَّفَهم بِأحْوالِ القِيامَةِ ذَكَرَ كَلامًا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى التَّوْحِيدِ وعَلى الحَشْرِ وعَلى النُّبُوَّةِ مُبالَغَةً في الإرْشادِ إلى الإيمانِ والمَنعِ مِنَ الكُفْرِ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾
صفحة ١٨٨
أمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ، فَلَمّا ظَهَرَ في العُقُولِ أنَّ التَّقْلِيبَ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ، ومِنَ الظُّلْمَةِ إلى النُّورِ، لا يَحْصُلُ إلّا بِقُدْرَةٍ قاهِرَةٍ عالِيَةٍ. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى الحَشْرِ، فَلِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ عَلى القَلْبِ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلْمَةِ وبِالعَكْسِ، فَأيُّ امْتِناعٍ في ثُبُوتِ قُدْرَتِهِ عَلى القَلْبِ مِنَ الحَياةِ إلى المَوْتِ مَرَّةً، ومِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ أُخْرى. وأمّا وجْهُ دَلالَتِهِ عَلى النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهُ تَعالى يُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، وفي بِعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ إلى الخَلْقِ مَنافِعٌ عَظِيمَةٌ، فَما المانِعُ مِن بَعْثَتِهِمْ إلى الخَلْقِ لِأجْلِ تَحْصِيلِ تِلْكَ المَنافِعِ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الواحِدَةَ كافِيَةٌ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَصْحِيحِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي مِنها مَنشَأُ كُفْرِهِمْ واسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ثُمَّ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما السَّبَبُ في أنْ جَعَلَ الإبْصارَ لِلنَّهارِ وهو لِأهْلِهِ ؟ جَوابُهُ: تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا قالَ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧]فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ ؟ جَوابُهُ: لِأنَّ السُّكُونَ في اللَّيْلِ هو المَقْصُودُ مِنَ اللَّيْلِ، وأمّا الإبْصارُ في النَّهارِ، فَلَيْسَ هو المَقْصُودُ بَلْ هو وسِيلَةٌ إلى جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ، وإنْ كانَتْ أدِلَّةً لِلْكُلِّ مِن حَيْثُ اخْتُصُّوا بِالقَبُولِ والِانْتِفاعِ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ.
27:87Page 384
وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧
And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو العَلامَةُ الثّانِيَةُ لِقِيامِ القِيامَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالقَرْنِ، وأنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْفُخُ فِيهِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا سَمِعَ النّاسُ ذَلِكَ الصَّوْتَ، وهو في الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا تَحْتَمِلُهُ طَبائِعُهم يَفْزَعُونَ عِنْدَهُ ويُصْعَقُونَ ويَمُوتُونَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ (المُدَّثِّرِ: ٨) وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِدُعاءِ المَوْتِ فَإنَّ خُرُوجَهم مِن قُبُورِهِمْ كَخُرُوجِ الجَيْشِ عِنْدَ سَماعِ صَوْتِ الآلَةِ.
وثالِثُها: أنَّ الصُّوَرَ جَمْعُ الصُّورَةِ، وجَعَلُوا النَّفْخَ فِيها نَفْخَ الرُّوحِ، والأوَّلُ أقْرَبُ لِدَلالَةِ الظّاهِرِ عَلَيْهِ، ولا مانِعَ يَمْنَعُ مِنهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما قالَ: (فَفَزِعَ)، ولَمْ يَقُلْ: فَيَفْزَعُ لِلْإشْعارِ بِتَحْقِيقِ الفَزَعِ وثُبُوتِهِ، وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الفِعْلِ وكَوْنِهِ مَقْطُوعًا بِهِ، والمُرادُ فَزَعُهم عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.
صفحة ١٨٩
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ فالمُرادُ إلّا مَن ثَبَّتَ اللَّهُ قَلْبَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، قالُوا: هم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، وقِيلَ: الشُّهَداءُ، وعَنِ الضَّحّاكِ: الحُورُ، وخَزَنَةُ النّارِ، وحَمَلَةُ العَرْشِ. وعَنْ جابِرٍ مُوسى مِنهم؛ لِأنَّهُ صُعِقَ مَرَّةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٦٨) ولَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ مَقْطُوعٌ، والكِتابُ إنَّما يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ فَقُرِئَ (أتَوْهُ) و(أتاهُ) ودَخِرِينَ وداخِرِينَ، فالجَمْعُ عَلى المَعْنى، والتَّوْحِيدُ عَلى اللَّفْظِ، والدّاخِرُ والدَّخِرُ: الصّاغِرُ، وقِيلَ: مَعْنى الإتْيانِ حُضُورُهُمُ المَوْقِفَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ رُجُوعُهم إلى أمْرِ اللَّهِ وانْقِيادُهم لَهُ.
27:88Page 384
وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨
And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو العَلامَةُ الثّالِثَةُ لِقِيامِ القِيامَةِ وهي تَسْيِيرُ الجِبالِ، والوجه في حُسْبانِهِمْ أنَّها جامِدَةٌ؛ فَلِأنَّ الأجْسامَ الكِبارَ إذا تَحَرَّكَتْ حَرَكَةً سَرِيعَةً عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في السَّمْتِ والكَيْفِيَّةِ ظَنَّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها واقِفَةٌ مَعَ أنَّها تَمُرُّ مَرًّا حَثِيثًا.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ فَهو مِنَ المَصادِرِ المُؤَكَّدَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ (الفَتْحِ: ٢٩) و﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ (البَقَرَةِ: ١٣٨) إلّا أنَّ مُؤَكِّدَهُ مَحْذُوفٌ، وهو النّاصِبُ لِـ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ﴾، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ جَعَلَ هَذا الصُّنْعَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ الَّتِي أتْقَنَها وأتى بِها عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ. قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ القَبائِحَ لَيْسَتْ مِن خَلْقِهِ وإلّا وجَبَ وصْفُها بِأنَّها مُتْقَنَةٌ، ولَكِنَّ الإجْماعَ مانِعٌ مِنهُ. والجَوابُ أنَّ الإتْقانَ لا يَحْصُلُ إلّا في المُرَكَبّاتِ فَيَمْتَنِعُ وصْفُ الأعْراضِ بِها، واللَّهُ أعْلَمُ.
27:89–90Page 385
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩
Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠
And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ في عَلاماتِ القِيامَةِ شَرَحَ بَعْدَ ذَلِكَ أحْوالَ المُكَلَّفِينَ بَعْدَ قِيامِ القِيامَةِ، والمُكَلَّفُ إمّا أنْ يَكُونَ مُطِيعًا أوْ عاصِيًا، أمّا المُطِيعُ فَهو الَّذِي جاءَ بِالحَسَنَةِ، ولَهُ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ لَهُ ما هو خَيْرٌ مِنها وذَلِكَ هو الثَّوابُ، فَإنْ قِيلَ: الحَسَنَةُ الَّتِي جاءَ العَبْدُ بِها يَدْخُلُ فِيها مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والإخْلاصُ في الطّاعاتِ، والثَّوابُ إنَّما هو الأكْلُ والشُّرْبُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرٌ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ ؟ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
صفحة ١٩٠
أحَدُها: أنَّ ثَوابَ المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا هي المَعْرِفَةُ الضَّرُورِيَّةُ الحاصِلَةُ في الآخِرَةِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ أشْرَفَ السَّعاداتِ هي هَذِهِ اللَّذَّةُ، ولَوْ لَمْ تُحْمَلُ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ الأكْلُ والشُّرْبُ خَيْرًا مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ باطِلٌ.
وثانِيها: أنَّ الثَّوابَ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّ الثَّوابَ دائِمٌ والعَمَلَ مُنْقَضِي؛ ولِأنَّ العَمَلَ فِعْلُ العَبْدِ، والثَّوابَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ أيْ لَهُ خَيْرٌ حاصِلٌ مِن جِهَتِها وهو الجَنَّةُ.
السُّؤالُ الثّانِي: الحَسَنَةُ لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ مُعَرَّفَةٌ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّها لا تُفِيدُ العُمُومَ بَلْ يَكْفِي في تَحَقُّقِها حُصُولُ فَرْدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلْنَحْمِلْها عَلى أكْمَلِ الحَسَناتِ شَأْنًا وأعْلاها دَرَجَةً وهو الإيمانُ، فَلِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أفْرادِ الحَسَنَةِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وهَذا يُوجِبُ القَطْعَ بِأنْ لا يُعاقَبَ أهْلُ الإيمانِ. وجَوابُهُ: ذَلِكَ الخَيْرُ هو أنْ لا يَكُونَ عِقابُهُ مُخَلَّدًا.
الأمْرُ الثّانِي لِلْمُطِيعِ هو أنَّهم آمِنُونَ مِن كُلِّ فَزَعٍ، لا كَما قالَ بَعْضُهم: إنَّ أهْوالَ القِيامَةِ تَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ فَكَيْفَ نَفى الفَزَعَ هَهُنا ؟ جَوابُهُ: أنَّ الفَزَعَ الأوَّلَ هو ما لا يَخْلُو مِنهُ أحَدٌ عِنْدَ الإحْساسِ لِشِدَّةٍ تَقَعُ، وهو يَفْجَأُ مِن رُعْبٍ وهَيْبَةٍ، وإنْ كانَ المُحْسِنُ يَأْمَنُ وُصُولَ ذَلِكَ الضَّرَرِ إلَيْهِ، كَما قِيلَ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ بِصَدْرٍ هَيّابٍ وقَلْبٍ وجّابٍ، وإنْ كانَتْ ساعَةَ إعْزازٍ وتَكْرِمَةٍ.
وأمّا الثّانِي: فالخَوْفُ مِنَ العَذابِ.
أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ ”مِن فَزَعٍ“ بِالتَّنْوِينِ فَهي تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: مِن فَزَعٍ واحِدٍ، وهو خَوْفُ العِقابِ، وأمّا ما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ الهَيْبَةِ والرُّعْبِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ، فَلا يَنْفَكُّ مِنهُ أحَدٌ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، ومِن فَزَعٍ شَدِيدٍ مُفْرِطِ الشِّدَّةِ لا يَكْتَنِهُهُ الوَصْفُ، وهو خَوْفُ النّارِ وأمِنَ يُعَدّى بِالجارِّ وبِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ (الأعْرافِ: ٩٩) فَهَذا شَرْحُ حالِ المُطِيعِينَ، أمّا شَرْحُ حالِ العُصاةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قِيلَ: السَّيِّئَةُ الإشْراكُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوجه والرَّأْسِ والرَّقَبَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكُبُّوا في النّارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ (الشُّعَراءِ: ٩٤) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الوُجُوهِ إيذانًا بِأنَّهم يُلْقَوْنَ عَلى وُجُوهِهِمْ فِيها مَكْبُوبِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَيَجُوزُ فِيهِ الِالتِفاتُ، وحِكايَةُ ما يُقالُ لَهم عِنْدَ الكَبِّ بِإضْمارِ القَوْلِ.
27:91–93Page 385
إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١
[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]
وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢
And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣
And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ المَبْدَأ والمَعادَ والنُّبُوَّةَ ومُقَدِّماتِ القِيامَةِ وصِفَةَ أهْلِ القِيامَةِ مِنَ الثَّوابِ
صفحة ١٩١
والعِقابِ، وذَلِكَ كَمالُ ما يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ أُصُولِ الدِّينِ خَتَمَ الكَلامَ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ اللَّطِيفَةِ، فَقالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنِّي أُمِرْتُ بِأشْياءَ:
الأوَّلُ: أنِّي أُمِرْتُ أنَّ أخُصَّ اللَّهَ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ ولا أتَّخِذَ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، فَكَأنَّهُ أمَرَ مُحَمَّدًا بِأنْ يَقُولَ لَهم: هَذِهِ الدَّلائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُها لَكم إنْ لَمْ تُفِدْ لَكُمُ القَوْلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَقَدْ أفادَتْ لِي ذَلِكَ، فَسَواءٌ قَبِلْتُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةَ أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْها، فَإنِّي مُصِرٌّ عَلَيْها غَيْرُ مُرْتابٍ فِيها، ثُمَّ إنَّهُ وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ رَبُّ هَذِهِ البَلْدَةِ، والمُرادُ مَكَّةُ، وإنَّما اخْتَصَّها مِن بَيْنِ سائِرِ البِلادِ بِإضافَةِ اسْمِهِ إلَيْها؛ لِأنَّها أحَبُّ بِلادِهِ إلَيْهِ، وأكْرَمُها عَلَيْهِ، وأشارَ إلَيْها إشارَةَ تَعْظِيمٍ لَها دالًّا عَلى أنَّها مَوْطِنُ نَبِيِّهِ ومَهْبِطُ وحْيِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ فَقُرِئَ (الَّتِي حَرَّمَها)، وإنَّما وصَفَها بِالتَّحْرِيمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ حَرَّمَ فِيها أشْياءَ عَلى مَن يَحُجُّ.
وثانِيها: أنَّ اللّاجِئَ إلَيْها آمِنٌ.
وثالِثُها: لا يَنْتَهِكُ حُرْمَتَها إلّا ظالِمٌ، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها. وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِكَوْنِ مَكَّةَ مُحَرَّمَةً، وعَلِمُوا أنَّ تِلْكَ الفَضِيلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الأصْنامِ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قالَ: لَمّا عَلِمْتَ وعَلِمْتُمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّي لِهَذِهِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيَّ أنْ أخُصَّهُ بِالعِبادَةِ.
وثانِيها: وصَفَ اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّوْحِيدِ مِن كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِجَمِيعِ النِّعَمِ فَأجْمَلَ هَهُنا تِلْكَ المُفَصَّلاتِ، وهَذا كَمَن أرادَ صِفَةَ بَعْضِ المُلُوكِ بِالقُوَّةِ، فَيَعَدُّ تِلْكَ التَّفاصِيلَ ثُمَّ بَعْدَ التَّطْوِيلِ، يَقُولُ: إنَّ كُلَّ العالَمِ لَهُ وكُلَّ النّاسِ في طاعَتِهِ.
الثّانِي: أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
الثّالِثُ: أُمِرَ بِأنْ يَتْلُوَ القُرْآنَ عَلَيْهِمْ، ولَقَدْ قامَ بِكُلِّ ذَلِكَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أتَمَّ قِيامٍ، فَمَنِ اهْتَدى في هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي التَّوْحِيدُ والحَشْرُ والنُّبُوَّةُ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ راجِعَةٌ إلَيْهِ ﴿ومَن ضَلَّ﴾ فَلا عَلَيَّ وما أنا إلّا رَسُولٌ مُنْذِرٌ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ هَذِهِ [ السُّورَةَ ] بِخاتِمَةٍ في نِهايَةِ الحُسْنِ، وهي قَوْلُهُ: (﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ما أعْطانِي مِن نِعْمَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ والنُّبُوَّةِ، أوْ عَلى ما وفَّقَنِي مِنَ القِيامِ بِأداءِ الرِّسالَةِ وبِالإنْذارِ ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ القاهِرَةَ ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ لَكِنْ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لِأنَّهُ مِن وراءِ جَزاءِ العامِلِينَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
تَمَّ تَفْسِيرُ السُّورَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلاتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ
وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ وعَلى أزْواجِهِ الطّاهِراتِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ
والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences