Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:48–57
28:48–55Page 391
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨
But when the truth came to them from Us, they said, "Why was he not given like that which was given to Moses?" Did they not disbelieve in that which was given to Moses before? They said, "[They are but] two works of magic supporting each other,1 and indeed we are, in both, disbelievers."
قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩
Say, "Then bring a scripture from Allāh which is more guiding than either of them that I may follow it, if you should be truthful."
فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠
But if they do not respond to you - then know that they only follow their [own] desires. And who is more astray than one who follows his desire without guidance from Allāh? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١
And We have [repeatedly] conveyed to them the word [i.e., the Qur’ān] that they might be reminded.
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Those to whom We gave the Scripture before it - they1 are believers in it.
وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣
And when it is recited to them, they say, "We have believed in it; indeed, it is the truth from our Lord. Indeed we were, [even] before it, Muslims [i.e., submitting to Allāh]."
أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤
Those will be given their reward twice for what they patiently endured and [because] they avert evil through good, and from what We have provided them they spend.
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥
And when they hear ill speech, they turn away from it and say, "For us are our deeds, and for you are your deeds. Peace will be upon you;1 we seek not the ignorant."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم عِنْدَ الخَوْفِ قالُوا: هَلّا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ بَعْدَ الإرْسالِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، قالُوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ فَهَؤُلاءِ قَبْلَ البَعْثَةِ يَتَعَلَّقُونَ بِشُبْهَةٍ، وبَعْدَ البَعْثَةِ يَتَعَلَّقُونَ بِأُخْرى، فَظَهَرَ أنَّهُ لا مَقْصُودَ لَهم سِوى الزَّيْغِ والعِنادِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾ أيْ جاءَهُمُ الرَّسُولُ المُصَدِّقُ بِالكِتابِ المُعْجِزِ مَعَ سائِرِ المُعْجِزاتِ، قالُوا: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً واحِدَةً، ومِن سائِرِ المُعْجِزاتِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً، واليَدِ البَيْضاءِ، وفَلْقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وانْفِجارِ الحَجَرِ بِالماءِ، والمَنِّ والسَّلْوى، ومِن أنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ، وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ، وغَيْرِها مِنَ الآياتِ، فَجاءُوا بِالِاقْتِراحاتِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّعَنُّتِ والعِنادِ، كَما قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وما أشْبَهَ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ في مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ تَكُونَ واحِدَةً، ولا فِيما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ مِنَ الكُتُبِ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهٍ واحِدٍ؛ إذِ الصَّلاحُ قَدْ يَكُونُ في إنْزالِهِ مَجْمُوعًا كالتَّوْراةِ ومُفَرَّقًا كالقُرْآنِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ واخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ إلى مَن يَعُودُ، وذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ أمَرُوا قُرَيْشًا أنْ يَسْألُوا مُحَمَّدًا أنْ يُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى﴾ يَعْنِي: أوَلَمْ
صفحة ٢٢٣
تَكْفُرُوا يا هَؤُلاءِ اليَهُودُ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوا هَذا السُّؤالَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ تِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ.
وثانِيها: إنَّ الَّذِينَ أوْرَدُوا هَذا الِاقْتِراحَ كُفّارُ مَكَّةَ، والَّذِينَ كَفَرُوا بِمُوسى هُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم كالشَّيْءِ الواحِدِ؛ لِأنَّهم في الكُفْرِ والتَّعَنُّتِ كالشَّيْءِ الواحِدِ.
وثالِثُها: قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ بَعَثُوا رَهْطًا إلى يَهُودِ المَدِينَةِ لِيَسْألَهم عَنْ مُحَمَّدٍ وشَأْنِهِ، فَقالُوا: إنّا نَجِدُهُ في التَّوْراةِ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ، فَلَمّا رَجَعَ الرَّهْطُ إلَيْهِمْ وأخْبَرُوهم بِقَوْلِ اليَهُودِ قالُوا: إنَّهُ كانَ ساحِرًا كَما أنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى﴾ .
ورابِعُها: قالَ الحَسَنُ: قَدْ كانَ لِلْعَرَبِ أصْلٌ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمَعْناهُ عَلى هَذا أوَلَمْ يَكْفُرْ آباؤُهم بِأنْ قالُوا في مُوسى وهارُونَ ساحِرانِ.
وخامِسُها: قالَ قَتادَةُ: أوَلَمْ يَكْفُرِ اليَهُودُ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ مِنَ البِشارَةِ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَقالُوا: ساحِرانِ.
وسادِسُها: وهو الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ ومَكَّةَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِجَمِيعِ النُّبُوّاتِ، ثُمَّ إنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ مُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ بَلْ بِما أُوتِيَ جَمِيعُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلُ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا غَرَضَ لَكم في هَذا الِاقْتِراحِ إلّا التَّعَنُّتَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى كَيْفِيَّةَ كُفْرِهِمْ بِما أُوتِيَ مُوسى مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهم: ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأهْلُ المَدِينَةِ (ساحِرانِ) بِالألْفِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ بِغَيْرِ ألْفٍ، وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ السّاحِرَيْنَ وُجُوهًا:
أحَدُها: المُرادُ هارُونُ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ تَظاهَرا أيْ تَعاوَنا، وقُرِئَ (اظّاهَرا) عَلى الإدْغامِ وسِحْرانِ بِمَعْنى ذَوَيْ سِحْرٍ، وجَعَلُوهُما سِحْرَيْنِ مُبالَغَةً في وصْفِهِما بِالسِّحْرِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا قَوْلَهُ: ﴿سِحْرانِ﴾ بِأنَّ المُرادَ هو القُرْآنُ والتَّوْراةُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ بِالألِفِ؛ لِأنَّ المُظاهَرَةَ بِالنّاسِ وأفْعالِهِمْ أشْبَهُ مِنها بِالكُتُبِ وجَوابُهُ: إنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سِحْرانِ﴾ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الرَّجُلَيْنِ، وبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ الكِتابَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الكِتابَيْنِ يُقَوِّي الآخَرَ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ: تَعاوَنا كَما تَقُولُ: تَظاهَرَتِ الأخْبارُ، وهَذِهِ التَّأْوِيلاتُ إنَّما تَصِحُّ إذا حَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى﴾ إمّا عَلى كُفّارِ مَكَّةَ أوْ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِمَساقِ الآيَةِ.
الثّانِي: قَوْلُهم: ﴿إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ومُوسى وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الكَلامَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُشْرِكِينَ لا بِاليَهُودِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في أنَّهم مَعَ كَثْرَةِ آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَّبُوهُ، فَما الَّذِي يَمْنَعُ مِن مِثْلِهِ في مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ ؟ ولَمّا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبَهِهِمْ ذَكَرَ الحجة الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى عَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: (أتَّبِعْهُ) بِالجَزْمِ عَلى الشَّرْطِ، ومَن قَرَأ (أتَّبِعُهُ) بِالرَّفْعِ، فالتَّقْدِيرُ: أنا أتَّبِعُهُ، ثم قال: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحُجَجِ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَإنْ لَمْ يُمْكِنْهم أنْ يَأْتُوا بِكِتابِ أفْضَلَ مِنهُما، وهَذا أشْبَهُ بِالآيَةِ، فَإنْ قِيلَ: الِاسْتِجابَةُ تَقْتَضِي دُعاءً، فَأيْنَ الدُّعاءُ هَهُنا ؟ قُلْنا: قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ﴾ أمْرٌ والأمْرُ دُعاءٌ إلى الفِعْلِ، ثم قال: ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ يَعْنِي قَدْ صارُوا مُلْزَمِينَ ولَمْ يَبْقَ لَهم شَيْءٌ إلّا اتِّباعَ الهَوى، ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحجة والِاسْتِدْلالِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وهو عامٌّ يَتَناوَلُ الكافِرَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لُقْمانَ: ١٣) واحْتَجَّ الأصْحابُ بِهِ في أنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى خاصَّةً بِالمُؤْمِنِينَ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الألْطافُ مِنها ما يَحْسُنُ فِعْلُها مُطْلَقًا، ومِنها ما لا يَحْسُنُ إلّا بَعْدَ الإيمانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ
صفحة ٢٢٤
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ (مُحَمَّدٍ: ١٧) فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى القِسْمِ الثّانِي، ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ عَدَمَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ جارٍ مَجْرى العُذْرِ لَهم، فَبِأنْ يَكُونَ عَدَمُ الهِدايَةِ عُذْرًا لَهم أوْلى، ولَمّا بَيَّنَ تَعالى نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ، قالَ: ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ وتَوْصِيلُ القَوْلِ هو إتْيانُ بَيانٍ بَعْدَ بَيانٍ، وهو مِن وصَلَ البَعْضَ بِالبَعْضِ، وهَذا القَوْلُ المُوصَلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: إنّا أنْزَلْنا القُرْآنَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ، فَإنَّهم كُلَّ يَوْمٍ يَطَّلِعُونَ عَلى حِكْمَةٍ أُخْرى وفائِدَةٍ زائِدَةٍ، فَيَكُونُونَ عِنْدَ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى التَّذَكُّرِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، يَكُونُ هَذا جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: هَلّا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ كِتابَهُ دَفْعَةً واحِدَةً كَما أُوتِيَ مُوسى كِتابَهُ كَذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وصَّلْنا أخْبارَ الأنْبِياءِ بَعْضَها بِبَعْضٍ وأخْبارَ الكُفّارِ في كَيْفِيَّةِ هَلاكِهِمْ تَكْثِيرًا لِمَواضِعِ الِاتِّعاظِ والِانْزِجارِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: بَيَّنّا الدَّلالَةَ عَلى كَوْنِ هَذا القُرْآنِ مُعْجِزًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى النُّبُوَّةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ القُرْآنِ أسْلَمُوا بِمُحَمَّدٍ، فَمَن لا يَعْرِفُ الكُتُبَ أوْلى بِذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ قَتادَةُ: إنَّها نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ حَقَّةٍ يَتَمَسَّكُونَ بِها، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا آمَنُوا بِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ سَلْمانُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ الإنْجِيلِ، وهم أصْحابُ السَّفِينَةِ جاءُوا مِنَ الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرٍ.
وثالِثُها: قالَ رِفاعَةُ بْنُ قَرَظَةَ: نَزَلَتْ في عَشْرَةٍ أنا أحَدُهم.
وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكُلُّ مَن حَصَلَ في حَقِّهِ تِلْكَ الصِّفَةُ كانَ داخِلًا في الآيَةِ، ثُمَّ حَكى عَنْهم ما يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ إيمانِهِمْ، وهو قَوْلُهم: ﴿آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ يَدُلُّ عَلى التَّعْلِيلِ يَعْنِي أنَّ كَوْنَهُ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ يُوجِبُ الإيمانَ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إيمانًا قَرِيبَ العَهْدِ وبَعِيدَهُ، فَأخْبَرُوا أنَّ إيمانَهم بِهِ مُتَقادِمٌ وذَلِكَ لِما وجَدُوهُ في كُتُبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ البِشارَةِ بِمَقْدِمِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا مَدَحَهم بِهَذا المَدْحِ العَظِيمِ، قالَ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهم يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ بَعْثَتِهِ وبَعْدَ بَعْثَتِهِ، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم آمَنُوا بِهِ بَعْدَ البَعْثَةِ، وبَيَّنَ أيْضًا أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ، ثُمَّ أثْبَتَ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ وجَبَ أنْ يَنْصَرِفَ إلى ذَلِكَ.
وثانِيها: يُؤْتَوْنَ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِإيمانِهِمْ بِالأنْبِياءِ الَّذِي كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَرَّةً أُخْرى بِإيمانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وثالِثُها: قالَ مُقاتِلٌ: هَؤُلاءِ لَمّا آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ شَتَمَهُمُ المُشْرِكُونَ فَصَفَحُوا عَنْهم، فَلَهم أجْرانِ أجْرٌ عَلى الصَّفْحِ وأجْرٌ عَلى الإيمانِ. يُرْوى أنَّهم لَمّا أسْلَمُوا لَعَنَهم أبُو جَهْلٍ فَسَكَتُوا عَنْهُ، قالَ السُّدِّيُّ: اليَهُودُ عابُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وشَتَمُوهُ، وهو يَقُولُ: سَلامٌ عَلَيْكم.
ثم قال: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ والمَعْنى (يَدْفَعُونَ) بِالطّاعَةِ المَعْصِيَةَ المُتَقَدِّمَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ دَفَعُوا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ الأذى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَسَنَةِ امْتِناعَهم مِنَ المَعاصِي؛ لِأنَّ نَفْسَ الِامْتِناعِ حَسَنَةٌ ويَدْفَعُ بِهِ ما لَوْلاهُ لَكانَ سَيِّئَةً، ويَحْتَمِلُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ والِاسْتِقْرارَ عَلَيْها، ثم قال: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى مَدَحَهم أوَّلًا بِالإيمانِ ثُمَّ بِالطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ثُمَّ
صفحة ٢٢٥
بِالطّاعاتِ المالِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ قالَ القاضِي: دَلَّ هَذا المَدْحُ عَلى أنَّ الحَرامَ لا يَكُونُ رِزْقًا؛ جَوابُهُ: أنَّ كَلِمَةَ مِن لِلتَّبْعِيضِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا المَدْحَ بِإنْفاقِ بَعْضِ ما كانَ رِزْقًا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ اسْتِدْلالُهُ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ اشْتِغالِهِمْ بِالطّاعاتِ والأفْعالِ الحَسَنَةِ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إعْراضِهِمْ عَنِ الجُهّالِ، فَقالَ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ واللَّغْوُ ما حَقُّهُ أنْ يُلْغى ويُتْرَكَ مِنَ العَبَثِ وغَيْرِهِ، وكانُوا يَسْمَعُونَ ذَلِكَ فَلا يَخُوضُونَ فِيهِ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنْهُ إعْراضًا جَمِيلًا، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وما أحْسَنَ ما قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ في أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَحِيَّةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وعَلامَةُ الِاحْتِمالِ مِنَ الجاهِلِينَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعا
لى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ (الفُرْقانِ: ٦٣) ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حاكِيًا عَنْهم: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ والمُرادُ: لا نُجازِيهِمْ بِالباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ، قالَ قَوْمٌ: نَسَخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ المُسافَهَةِ مَندُوبٌ، وإنْ كانَ القِتالُ واجِبًا.
28:56Page 392
إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ لا دَلالَةَ في ظاهِرِها عَلى كُفْرِ أبِي طالِبٍ، ثُمَّ قالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، وذَلِكَ «أنَّ أبا طالِبٍ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ أطِيعُوا مُحَمَّدًا وصَدِّقُوهُ تُفْلِحُوا وتَرْشُدُوا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”يا عَمِّ تَأْمُرُهم بِالنُّصْحِ لِأنْفُسِهِمْ وتَدَعُها لِنَفْسِكَ ! قالَ فَما تُرِيدُ يا ابْنَ أخِي ؟ قالَ أُرِيدَ مِنكَ كَلِمَةً واحِدَةً، فَإنَّكَ في آخِرِ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا أنْ تَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قالَ: يا أخِي قَدْ عَلِمْتُ أنَّكَ صادِقٌ ولَكِنِّي أكْرَهُ أنْ يُقالَ: جَزِعَ عِنْدَ المَوْتِ، ولَوْلا أنْ يَكُونَ عَلَيْكَ وعَلى بَنِي أبِيكَ غَضاضَةٌ ومَسَبَّةٌ بَعْدِي لَقُلْتُها ولَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ عِنْدَ الفِراقِ؛ لِما أرى مِن شِدَّةِ وجْدِكَ ونُصْحِكَ، ولَكِنِّي سَوْفَ أمُوتُ عَلى مِلَّةِ الأشْياخِ؛ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهاشِمٍ، وعَبْدِ مَنافٍ“» .
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشُّورى: ٥٢ ) ولا تَنافِيَ بَيْنَهُما فَإنَّ الَّذِي أثْبَتَهُ وأضافَهُ إلَيْهِ الدَّعْوَةُ والبَيانُ، والَّذِي نَفى عَنْهُ هِدايَةُ التَّوْفِيقِ وشَرْحُ الصَّدْرِ، وهو نُورٌ يُقْذَفُ في القَلْبِ فَيَحْيا بِهِ القَلْبُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ (الأنْعامِ: ١٢٢) الآيَةَ.
28:57Page 392
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الهُدى والضَّلالِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ
صفحة ٤
الهِدايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي﴾ شَيْئًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ شَيْئًا آخَرَ لاخْتَلَّ النَّظْمُ، ثُمَّ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ بَيانَ الدَّلالَةِ، أوِ الدَّعْوَةَ إلى الجَنَّةِ، أوْ تَعْرِيفَ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ خَلْقَ المَعْرِفَةِ في القُلُوبِ عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ، أوْ خَلْقَ المَعْرِفَةِ في القُلُوبِ لا عَلى سَبِيلِ الإلْجاءِ، لا جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ الأدِلَّةِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَدى الكُلَّ بِهَذا المَعْنى فَهي غَيْرُ الهِدايَةِ الَّتِي نَفى اللَّهُ عُمُومَها، وكَذا القَوْلُ في الهِدايَةِ بِمَعْنى الدَّعْوَةِ إلى الجَنَّةِ، وأمّا الهِدايَةُ بِمَعْنى تَعْرِيفِ طَرِيقِ الجَنَّةِ فَهي أيْضًا غَيْرُ مُرادَةٍ مِنَ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلَّقَ هَذِهِ الهِدايَةَ عَلى المَشِيئَةِ، وتَعْرِيفُ طَرِيقِ الجَنَّةِ غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى المَشِيئَةِ؛ لِأنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والواجِبُ لا يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلى المَشِيئَةِ، فَمَن وجَبَ عَلَيْهِ أداءُ عَشَرَةِ دَنانِيرَ، لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ إنِّي أُعْطِي عَشَرَةَ دَنانِيرَ إنْ شِئْتُ، وأمّا الهِدايَةُ بِمَعْنى الإلْجاءِ والقَسْرِ فَغَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم قَبِيحٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ المُكَلَّفِ، وفِعْلُ القَبِيحِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ أوِ الحاجَةِ، وهُما مُحالانِ ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَذَلِكَ مُحالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُحالُ لا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ في المَشِيئَةِ، ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ لَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى يَخُصُّ البَعْضَ بِخَلْقِ الهِدايَةِ والمَعْرِفَةِ ويَمْنَعُ البَعْضَ مِنها، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، ومَتى أوْرَدْتَ الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ سَقَطَ كُلُّ ما أوْرَدَهُ القاضِي عُذْرًا عَنْ ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ فَيَعْلَمُ مَن يَهْتَدِي بَعْدُ ومَن لا يَهْتَدِي، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ شُبَهَهُمْ، وأجابَ عَنْها بِالأجْوِبَةِ الواضِحَةِ، وبَيَّنَ أنَّ وُضُوحَ الدَّلائِلِ لا يَكْفِي ما لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى، حَكى عَنْهم شُبْهَةً أُخْرى مُتَعَلِّقَةً بِأحْوالِ الدُّنْيا، وهي قَوْلُهم: ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الخَطْفُ: الِانْتِزاعُ بِسُرْعَةٍ، رُوِيَ أنَّ الحَرْثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ الَّذِي تَقُولُهُ حَقٌّ، ولَكِنْ يَمْنَعُنا مِن ذَلِكَ تَخَطُّفُنا مِن أرْضِنا، أيْ يَجْتَمِعُونَ عَلى مُحارَبَتِنا ويُخْرِجُونَنا مِن أرْضِنا، فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْها مِن وُجُوهٍ.
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ أيْ: أعْطَيْناكم مَسْكَنًا لا خَوْفَ لَكم فِيهِ؛ إمّا لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَحْتَرِمُونَ الحَرَمَ، وما كانُوا يَتَعَرَّضُونَ ألْبَتَّةَ لِسُكّانِهِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ العَرَبَ خارِجَ الحَرَمِ كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِالنَّهْبِ والغارَةِ، وما كانُوا يَتَعَرَّضُونَ ألْبَتَّةَ لِسُكّانِ الحَرَمِ، أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٩٧ ) أمّا قَوْلُهُ: ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَهو تَعالى كَما بَيَّنَ كَوْنَ ذَلِكَ المَوْضِعِ خالِيًا عَنِ المَخاوِفِ والآفاتِ بَيَّنَ كَثْرَةَ النِّعَمِ فِيهِ، ومَعْنى: ﴿يُجْبى﴾ يُجْمَعُ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ إذا جَمَعْتُهُ، قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ تُجْبى بِالتّاءِ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ، وذَلِكَ أنَّ تَأْنِيثَ الثَّمَراتِ تَأْنِيثُ جَمْعٍ ولَيْسَ بِتَأْنِيثٍ حَقِيقِيٍّ، فَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ عَلى اللَّفْظِ وتَذْكِيرُهُ عَلى المَعْنى، ومَعْنى الكُلِّيَّةِ الكَثْرَةُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٣ ) .
وحاصِلُ الجَوابِ: أنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، وأكْثَرَ فِيهِ الرِّزْقَ حالَ كَوْنِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مُقْبِلِينَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ، فَلَوْ آمَنُوا لَكانَ بَقاءُ هَذِهِ الحالَةِ أوْلى، قالَ القاضِي: ولَوْ أنَّ الرَّسُولَ قالَ لَهم: إنَّ الَّذِي ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّخَطُّفِ لَوْ كانَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ عُذْرًا لَكم في أنْ لا تُؤْمِنُوا، وقَدْ ظَهَرَتِ الحُجَّةُ لانْقَطَعُوا، أوْ قالَ لَهم: إنَّ تَخَطُّفَهم لَكم بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ، وقَدْ آمَنتُمْ كالشَّهادَةِ لَكم، فَهو نَفْعٌ عائِدٌ عَلَيْكم لانْقَطَعُوا أيْضًا، ولَوْ قالَ لَهم: ما قَدْرُ مَضَرَّةِ التَّخَطُّفِ في جَنْبِ العِقابِ الدّائِمِ الَّذِي أُخَوِّفُكم مِنهُ إنْ بَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم لانْقَطَعُوا، لَكِنَّهُ تَعالى احْتَجَّ بِما هو أقْوى مِن حَيْثُ بَيَّنَ كَذِبَهم في أنَّهم يُتَخَطَّفُونَ مِن حَيْثُ عَرَفُوا مِن حالِ البُقْعَةِ بِالعادَةِ، أنَّ ذَلِكَ لا يَجْرِي إنْ آمَنُوا، ومِثْلُ ذَلِكَ إذا أمْكَنَ بَيانُهُ لِلْخَصْمِ فَهو أوْلى مِن سائِرِ ما ذَكَرْنا، فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعالى
صفحة ٥
والآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ الحِجاجِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى إزالَةِ شُبْهَةِ المُبْطِلِينَ. بَقِيَ هَهُنا بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في انْتِصابِ ﴿رِزْقًا﴾ إنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا جازَ أنْ يَنْتَصِبَ بِمَعْنى ما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿يُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، و(يُرْزَقُ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) واحِدٌ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، وإنْ جَعَلْتَهُ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ كانَ حالًا مِنَ الثَّمَراتِ لِتَخْصِيصِها بِالإضافَةِ، كَما يَنْتَصِبُ عَلى النَّكِرَةِ المُتَخَصِّصَةِ بِالصِّفَةِ.
الثّانِي: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ في أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، وبَيانُهُ أنَّ تِلْكَ الأرْزاقَ إنَّما كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَحْمِلُونَها إلَيْهِمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ العَبْدِ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لَما صَحَّتْ تِلْكَ الإضافَةُ، فَإنْ قِيلَ سَبَبُ تِلْكَ الإضافَةِ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي ألْقى تِلْكَ الدَّواعِيَ في قُلُوبِ مَن ذَهَبَ بِتِلْكَ الأرْزاقِ إلَيْهِمْ، قُلْنا تِلْكَ الدَّواعِي إنِ اقْتَضَتِ الرُّجْحانَ، فَقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ مَتى حَصَلَ الرُّجْحانُ، فَقَدْ حَصَلَ الوُجُوبُ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجْحانُ انْقَطَعَتِ الإضافَةُ بِالكُلِّيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى إنَّما بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ الأرْزاقَ ما وصَلَتْ إلَيْهِمْ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأجْلِ أنَّهم مَتى عَلِمُوا ذَلِكَ صارُوا بِحَيْثُ لا يَخافُونَ أحَدًا سِوى اللَّهِ تَعالى، ولا يَرْجُونَ أحَدًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، فَيَبْقى نَظَرُهم مُنْقَطِعًا عَنِ الخَلْقِ مُتَعَلِّقًا بِالخالِقِ، وذَلِكَ يُوجِبُ كَمالَ الإيمانِ، والإعْراضَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى والإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences