Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:58–73
28:58–60Page 392
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨
And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩
And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠
And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّانِي عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِأهْلِ مَكَّةَ ما خُصُّوا بِهِ مِنَ النِّعَمِ أتْبَعَهُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا في نِعَمِ الدُّنْيا، فَلَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أزالَ اللَّهُ عَنْهم تِلْكَ النِّعَمَ، والمَقْصُودُ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: إنّا لا نُؤْمِنُ خَوْفًا مِن زَوالِ نِعْمَةِ الدُّنْيا، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم أنَّ الإصْرارَ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ هو الَّذِي يُزِيلُ هَذِهِ النِّعَمَ، لا الإقْدامُ عَلى الإيمانِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: البَطَرُ سُوءُ احْتِمالِ الغِنى، وهو أنْ لا يَحْفَظَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى فِيهِ، وانْتَصَبَتْ ﴿مَعِيشَتَها﴾ إمّا بِحَذْفِ الجارِّ واتِّصالِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ (الأعْرافِ: ١٥٥) أوْ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الزَّمانِ المُضافِ، وأصْلُهُ بَطِرَتْ أيّامَ مَعِيشَتِها، وإمّا تَضْمِينُ بَطِرَتْ مَعْنى كَفَرَتْ.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَفي هَذا الِاسْتِثْناءِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَسْكُنْها إلّا المُسافِرُ ومارُّ الطَّرِيقِ يَوْمًا أوْ ساعَةً.
وثانِيها: يُحْتَمَلُ أنَّ شُؤْمَ مَعاصِي
صفحة ٦
المُهْلَكِينَ بَقِيَ أثَرُهُ في دِيارِهِمْ، فَكُلُّ مَن سَكَنَها مِن أعْقابِهِمْ لَمْ يَبْقَ فِيها إلّا قَلِيلًا، وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ لَها بَعْدَ هَلاكِ أهْلِها، وإذا لَمْ يَبْقَ لِلشَّيْءِ مالِكٌ مُعَيَّنٌ قِيلَ: إنَّهُ مِيراثُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أهْلَكَ تِلْكَ القُرى بِسَبَبِ بَطَرِ أهْلِها، فَكَأنَّ سائِلًا أوْرَدَ السُّؤالَ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ: لِماذا ما أهْلَكَ اللَّهُ الكُفّارَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ أنَّهم كانُوا مُسْتَغْرِقِينَ في الكُفْرِ والعِنادِ ؟
الثّانِي: لِماذا ما أهْلَكَهم بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَعَ تَمادِي القَوْمِ في الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى والتَّكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- ؟ فَأجابَ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ بَيانَ أنَّ عَدَمَ البَعْثَةِ يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ لِلْقَوْمِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إهْلاكُهم إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ أيْ في القَرْيَةِ الَّتِي هي أُمُّها وأصْلُها وقَصَبَتُها الَّتِي هي أعْمالُها وتَوابِعُها رَسُولًا لِإلْزامِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ.
الثّانِي: وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى الَّتِي في الأرْضِ حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّ القُرى يَعْنِي مَكَّةَ رَسُولًا وهو مُحَمَّدٌ -ﷺ- خاتَمُ الأنْبِياءِ، ومَعْنى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ يُؤَدِّي ويُبَلِّغُ، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أنْفُسَهم بِالشِّرْكِ، وأهْلُ مَكَّةَ لَيْسُوا كَذَلِكَ؛ فَإنَّ بَعْضَهم قَدْ آمَنَ وبَعْضَهم عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم سَيُؤْمِنُونَ، وبَعْضٌ آخَرُونَ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَكِنَّهُ يَخْرُجُ مِن نَسْلِهِمْ مَن يَكُونُ مُؤْمِنًا.
28:61–63Page 393
أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١
Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣
Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الجَوابُ الثّالِثُ: عَنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ؛ لِأنَّ حاصِلَ شُبْهَتِهِمْ أنْ قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِئَلّا تَفُوتَنا الدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى، أمّا أنَّهُ خَيْرٌ فَلِوَجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَنافِعَ هُناكَ أعْظَمُ.
وثانِيهِما: أنَّها خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالمَضارِّ بَلِ المَضارُّ فِيها أكْثَرُ، وأمّا أنَّها أبْقى فَلِأنَّها دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ، ومَنافِعُ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ ومَتى قُوبِلَ المُتَناهِي بِغَيْرِ المُتَناهِي كانَ عَدَمًا، فَكَيْفَ ونَصِيبُ كَلِّ أحَدٍ بِالقِياسِ إلى مَنافِعِ الدُّنْيا كُلِّها كالذَّرَّةِ بِالقِياسِ إلى البَحْرِ ؟ فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا لا نِسْبَةَ لَها إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ ألْبَتَّةَ، فَكانَ مِنَ الجَهْلِ العَظِيمِ تَرْكُ مَنافِعِ الآخِرَةِ لِاسْتِبْقاءِ مَنافِعِ الدُّنْيا، ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مَن لا يُرَجِّحُ مَنافِعَ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا كَأنَّهُ يَكُونُ خارِجًا عَنْ حَدِّ العَقْلِ، ورَحِمَ اللَّهُ الشّافِعِيَّ حَيْثُ قالَ: مَن أوْصى بِثُلُثِ مالِهِ لِأعْقَلِ النّاسِ صَرَفَ ذَلِكَ الثُّلُثَ إلى المُشْتَغِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ أعْقَلَ النّاسِ مَن أعْطى القَلِيلَ وأخَذَ الكَثِيرَ، وما هم إلّا المُشْتَغِلُونَ بِالطّاعَةِ فَكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّما أخَذَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا التَّرْجِيحَ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ نِعَمَ اللَّهِ كانَتْ تَنْتَهِي إلى الِانْقِطاعِ والفَناءِ، وما كانَتْ تَتَّصِلُ بِالعَذابِ الدّائِمِ؛ لَكانَ صَرِيحُ العَقْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ نِعَمِ الآخِرَةِ
صفحة ٧
عَلى نِعَمِ الدُّنْيا فَكَيْفَ إذا اتَّصَلَتْ نِعَمُ الدُّنْيا بِعِقابِ الآخِرَةِ فَأيُّ عَقْلٍ يَرْتابُ في أنَّ نِعَمَ الآخِرَةِ راجِحَةٌ عَلَيْها ؟ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ﴾ فَهو يَكُونُ كَمَن أعْطاهُ اللَّهُ قَدْرًا قَلِيلًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَكُونُ في الآخِرَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ لِلْعَذابِ، والمَقْصُودُ أنَّهم لَمّا قالُوا: تَرَكْنا الدِّينَ لِلدُّنْيا فَقالَ اللَّهُ لَهم: لَوْ لَمْ يَحْصُلْ عَقِيبَ دُنْياكم مَضَرَّةُ العِقابِ؛ لَكانَ العَقْلُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ مَنافِعِ الآخِرَةِ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا، فَكَيْفَ وهَذِهِ الدُّنْيا يَحْصُلُ بَعْدَها العِقابُ الدّائِمُ، وأوْرَدَ هَذا الكَلامَ عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِرافِ بِالتَّرْجِيحِ، وتَخْصِيصُ لَفْظِ المُحْضَرِينَ بِالَّذِينِ أُحْضِرُوا لِلْعَذابِ أمْرٌ عُرِفَ مِنَ القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (الصّافّاتِ: ٥٧ )، ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ (الصّافّاتِ: ١٢٧) وفي لَفْظِهِ إشْعارٌ بِهِ؛ لِأنَّ الإحْضارَ مُشْعِرٌ بِالتَّكْلِيفِ والإلْزامِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِمَجالِسِ اللَّذَّةِ إنَّما يَلِيقُ بِمَجالِسِ الضَّرَرِ والمَكارِهِ.
28:64–67Page 393
وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤
And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥
And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"
فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦
But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧
But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْألُ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ قَدْ عَرَفُوا بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ وعَرَفُوا صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ بِالضَّرُورَةِ فَيَقُولُ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهُ وتَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ ؟ أيْنَ هو لِيَنْصُرَكم ويُخَلِّصَكم مِن هَذا الَّذِي نَزَلَ بِكم.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما يَقُولُهُ مَن حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ هو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ (السَّجْدَةِ: ١٣ ) ومَعْنى حَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِ مُقْتَضاهُ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ هَذا القَوْلُ مَن هم ؟ فَقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤَساءُ الدُّعاةُ إلى الضَّلالِ، وقالَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ هَؤُلاءِ مُبْتَدَأٌ والَّذِينَ أغْوَيْنا صِفَتُهُ، والرّاجِعُ إلى المَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ، وأغْوَيْناهُمُ الخَبَرُ، والكافُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أغْوَيْناهم فَغَوَوْا غَيًّا مِثْلَ ما غَوَيْنا، والمُرادُ كَما أنَّ غَيَّنا بِاخْتِيارِنا فَكَذا غَيُّهم بِاخْتِيارِهِمْ يَعْنِي أنَّ إغْواءَنا لَهم ما ألْجَأهم إلى الغَوايَةِ بَلْ كانُوا مُخْتارِينَ بِالإقْدامِ عَلى تِلْكَ العَقائِدِ والأعْمالِ، وهَذا مَعْنى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ:
صفحة ٨
﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] وقالَ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢] يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لَهم مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِ إلْجاءِ الشَّيْطانِ إلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ مِنهم ومِن عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَ أهْواءَهم، والحاصِلُ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٦) وأيْضًا فَلا يَمْتَنِعُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أنْ يُرِيدَ بِهِ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ والشَّياطِينَ، فَإنَّهم لَمّا أطاعُوهم فَقَدْ صَيَّرُوهم لِمَكانِ الطّاعَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّرِيكِ لِلَّهِ تَعالى، وإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى هَذا الوَجْهِ كانَ جَوابُهم أنْ يَقُولُوا: إلَهَنا هَؤُلاءِ ما عَبَدُونا إنَّما عَبَدُوا أهْواءَهُمُ الفاسِدَةَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ والأقْرَبُ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في دُعائِهِمْ لَهم، فالمُرادُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهم لَمْ يُوجَدْ مِنهم إجابَةٌ في النُّصْرَةِ وأنَّ العَذابَ ثابِتٌ فِيهِمْ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، وفي ذِكْرِهِ رَدْعٌ وزَجْرٌ في دارِ الدُّنْيا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فَكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّ جَوابَ لَوْ مَحْذُوفٌ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي: المَتْبُوعُ والتّابِعُ يَرَوْنَ العَذابَ ولَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ في الدُّنْيا ما أبْصَرُوهُ في الآخِرَةِ.
وثانِيها: لَوْ أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ في الدُّنْيا لَعَلِمُوا أنَّ العَذابَ حَقٌّ.
وثالِثُها: ودُّوا حِينَ رَأوُا العَذابَ لَوْ كانُوا في الدُّنْيا يَهْتَدُونَ.
ورابِعُها: لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الحِيَلِ لَدَفَعُوا بِهِ العَذابَ.
وخامِسُها: قَدْ آنَ لَهم أنْ يَهْتَدُوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ إذا رَأوُا العَذابَ ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٠١ ) وعِنْدِي أنَّ الجَوابَ غَيْرُ مَحْذُوفٍ، وفي تَقْرِيرِهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خاطَبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ فَهاهُنا يَشْتَدُّ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ ويَلْحَقُهم شَيْءٌ كالسُّكْرِ والدُّوارِ ويَصِيرُونَ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا فَقالَ تَعالى: ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شَيْئًا، أمّا لَمّا صارُوا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ بِحَيْثُ لا يُبْصِرُونَ شَيْئًا لا جَرَمَ ما رَأوُا العَذابَ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهي الأصْنامُ أنَّهم لا يُجِيبُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم قالَ في حَقِّهِمْ ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأصْنامُ كانُوا يُشاهِدُونَ العَذابَ لَوْ كانُوا مِنَ الأحْياءِ المُهْتَدِينَ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلا جَرَمَ ما رَأتِ العَذابَ فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ ضَمِيرٌ لا يَلِيقُ إلّا بِالعُقَلاءِ فَكَيْفَ يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى الأصْنامِ ؟ قُلْنا هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ القَوْمِ فَكَذا هاهُنا.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ رُؤْيَةَ القَلْبِ، أيْ والكُفّارُ عَلِمُوا حَقِيَّةَ هَذا العَذابِ في الدُّنْيا لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ، وهَذِهِ الوُجُوهُ عِنْدِي خَيْرٌ مِنَ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى أنَّ جَوابَ (لَوْ) مَحْذُوفٌ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ النَّظْمِ مِنَ الآيَةِ.
الأمْرُ الثّالِثُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَسْألُ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ أيْ: فَصارَتِ الأنْباءُ كالعَمى عَلَيْهِمْ جَمِيعًا لا تَهْتَدِي إلَيْهِمْ، فَهم لا يَتَساءَلُونَ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا كَما يَتَساءَلُ النّاسُ في المُشْكِلاتِ؛ لِأنَّهم يَتَساوَوْنَ جَمِيعًا في عَمى الأنْباءِ عَلَيْهِمْ، والعَجْزِ عَنِ الجَوابِ، وقُرِئَ فَعَمِيَتْ وإذا كانَتِ الأنْبِياءُ لِهَوْلِ ذَلِكَ يُتَعْتِعُونَ في الجَوابِ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، ويُفَوِّضُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١٠٩) فَما ظَنُّكَ بِهَؤُلاءِ الضُّلّالِ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالجَبْرِ؛ لِأنَّ فِعْلَهم لَوْ كانَ خَلْقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ويَجِبُ وُقُوعُهُ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ؛ لَما عَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَقالُوا: إنَّما أتَيْنا في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ مِن جِهَةِ خَلْقِكَ فِينا تَكْذِيبَهم والقُدْرَةَ
صفحة ٩
المُوجِبَةَ لِذَلِكَ، فَكانَتْ حُجَّتُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ظاهِرَةً، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّما أغْوَيْتُ بِخَلْقِكَ فِيَّ الغَوايَةَ، وإنَّما قَبِلَ مَن دَعْوَتُهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَتَكُونُ الحُجَّةُ لَهم في ذَلِكَ قَوِيَّةً والعُذْرُ ظاهِرًا.
والجَوابُ: أنَّ القاضِيَ لا يَتْرُكُ آيَةً مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَدْحِ والذَّمِّ والثَّوابِ والعِقابِ إلّا ويُعِيدُ اسْتِدْلالَهُ بِها، وكَما أنَّ وجْهَ اسْتِدْلالِهِ في الكُلِّ هَذا الحَرْفُ، فَكَذا وجْهُ جَوابِنا حَرْفٌ واحِدٌ، وهو أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ الإيمانِ مَعَ وُقُوعِ الإيمانِ مُتَنافِيانِ لِذاتَيْهِما، فَمَعَ العِلْمِ بِعَدَمِ الإيمانِ إذا أمَرَ بِإدْخالِ الإيمانِ في الوُجُودِ فَقَدْ أمَرَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، والَّذِي اعْتَمَدَ القاضِي عَلَيْهِ في دَفْعِ هَذا الحَرْفِ في كُتُبِهِ الكَلامِيَّةِ قَوْلُهُ: خَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ يُمْكِنُ، وخَطَأٌ قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يُمْكِنُ، بَلِ الواجِبُ السُّكُوتُ، ولَوْ أوْرَدَ الكافِرُ هَذا السُّؤالَ عَلى رَبِّهِ لَما كانَ لِرَبِّهِ عَنْهُ جَوابٌ إلّا السُّكُوتَ، فَتَكُونُ حُجَّةُ الكافِرِ قَوِيَّةً، وعُذْرُهُ ظاهِرًا فَثَبَتَ أنَّ الإشْكالَ مُشْتَرَكٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
28:68–70Page 393
وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨
And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.
وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩
And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠
And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُعَذَّبِينَ مِنَ الكُفّارِ وما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْبِيخِ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ مَن يَتُوبُ مِنهم في الدُّنْيا تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ وزَجْرًا عَنِ الثَّباتِ عَلى الكُفْرِ فَقالَ: ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ وفي عَسى وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ مِنَ الكِرامِ تَحْقِيقٌ واللَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ.
وثانِيها: أنْ يُرادَ تَرَجِّي التّائِبِ وطَمَعُهُ كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَطْمَعْ في الفَلاحِ.
وثالِثُها: عَسى أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إنْ دامُوا عَلى التَّوْبَةِ والإيمانِ لِجَوازِ أنْ لا يَدُومُوا، واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ كانُوا يَذْكُرُونَ شُبْهَةً أُخْرى ويَقُولُونَ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣١) يَعْنُونَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، أوْ أبا مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ والمُرادُ أنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ وهو مُنَزَّهٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ فَلَهُ أنْ يَخُصَّ مَن شاءَ بِما شاءَ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، وعَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ حَكِيمٌ مُطْلَقٌ عُلِمَ أنَّهُ كُلَّ ما فَعَلَهُ كانَ حِكْمَةً وصَوابًا فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ والخِيَرَةُ اسْمٌ مِنَ الِاخْتِيارِ قامَ مَقامَ المَصْدَرِ والخِيَرَةُ أيْضًا اسْمٌ لِلْمُخْتارِ، يُقالُ مُحَمَّدٌ خِيَرَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الوَقْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ويَكُونُ ﴿ما﴾ نَفْيًا، والمَعْنى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ؛ إذْ لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ ﴿ما﴾ بِمَعْنى الَّذِي فَيَكُونُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ويَخْتارُ﴾ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ، قالَ
صفحة ١٠
أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ: وهَذا مُتَعَلَّقُ المُعْتَزِلَةِ في إيجابِ الصَّلاحِ والأصْلَحِ عَلَيْهِ، وأيُّ صَلاحٍ في تَكْلِيفِ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ لَمْ يُكَلِّفْهُ لاسْتَحَقَّ الجَنَّةَ والنَّعِيمَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ؟ فَإنْ قِيلَ: لَمّا كَلَّفَهُ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ ما هو الأفْضَلُ؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ أفْضَلُ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ، قُلْنا: إذا عَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ الأفْضَلُ فَتَوْرِيطُهُ في العِقابِ الأبَدِيِّ لا يَكُونُ رِعايَةً لِلْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ قَوْلُهُمُ: المُسْتَحِقُّ خَيْرٌ مِنَ المُتَفَضِّلِ بِهِ جَهْلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ مَن يَسْتَنْكِفُ مِن تُفَضُّلِهِ، أمّا الَّذِي ما حَصَّلَ الذّاتَ والصِّفاتِ إلّا بِخَلْقِهِ وبِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِفُ مِن تَفَضُّلِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ والمَقْصُودُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ والِاخْتِيارَ والإعْزازَ والإذْلالَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِ شَرِكَةٌ ومُنازَعَةٌ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم مِن عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وما يُعْلِنُونَ مِن مَطاعِنِهِمْ فِيهِ، وقَوْلِهِمْ هَلّا اخْتِيرَ غَيْرُهُ في النُّبُوَّةِ، ولَمّا بَيَّنَ عِلْمَهُ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغِلِّ والحَسَدِ والسَّفاهَةِ قالَ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وعالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، مُنَزَّهًا عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، يُجازِي المُحْسِنِينَ عَلى طاعَتِهِمْ، ويُعاقِبُ العُصاةَ عَلى عِصْيانِهِمْ، وفِيهِ نِهايَةُ الزَّجْرِ والرَّدْعِ لِلْعُصاةِ ونِهايَةُ تَقْوِيَةِ القَلْبِ لِلْمُطِيعِينَ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ خَتَمَ الكَلامَ في ذَلِكَ بِإظْهارِ هَذا التَّوْحِيدِ وبَيانِ أنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ فَهو ظاهِرٌ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّ الثَّوابَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ، بَلْ هو سُبْحانَهُ يُعْطِيهِ فَضْلًا وإحْسانًا، فَلَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ (فاطِرٍ: ٣٤ )، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٤ )، ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ (يُونُسَ: ١٠) أمّا المُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمُ الثَّوابُ مُسْتَحَقٌّ فَلا يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِفِعْلِهِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وأمّا أهْلُ النّارِ فَما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ حَتّى يَسْتَحِقَّ الحَمْدَ مِنهم، قالَ القاضِي: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والشُّكْرَ مِن أهْلِ النّارِ أيْضًا بِما فَعَلَهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ التَّمْكِينِ والتَّيْسِيرِ والألْطافِ وسائِرِ النِّعَمِ؛ لِأنَّهم بِإساءَتِهِمْ لا يَخْرُجُ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أنْ يُوجِبَ الشُّكْرَ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ مُضْطَرُّونَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ، فَإذا عَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ القَبائِحِ يَجِبُ عَلى اللَّهِ قَبُولُها، وعَلِمُوا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ عَلى اللَّهِ الثَّوابَ، وهم قادِرُونَ عَلى ذَلِكَ وعالِمُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخَلِّصُهم عَنِ العَذابِ، ويُدْخِلُهم في اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ، أفَتَرى أنَّ الإنْسانَ مَعَ العِلْمِ بِذَلِكَ والقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتْرُكُ هَذِهِ التَّوْبَةَ ؟
كَلّا، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَتُوبُوا وأنْ يَشْتَغِلُوا بِالشُّكْرِ، ومَتى فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ بَطَلَ العِقابُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ فَهو إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَحُكْمُ كُلِّ أحَدٍ سِواهُ إنَّما نُفِّذَ بِحُكْمِهِ، فَلَوْلا حُكْمُهُ لَما نُفِّذَ عَلى العَبْدِ حُكْمُ سَيِّدِهِ، ولا عَلى الزَّوْجَةِ حُكْمُ زَوْجِها، ولا عَلى الِابْنِ حُكْمُ أبِيهِ، ولا عَلى الرَّعِيَّةِ حُكْمُ سُلْطانِهِمْ، ولا عَلى الأُمَّةِ حُكْمُ الرَّسُولِ، فَهو الحاكِمُ في الحَقِيقَةِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الحاكِمُ، لِأنَّهُ الَّذِي يَتَوَلّى الحُكْمَ بَيْنَ العِبادِ في الآخِرَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فالمَعْنى: وإلى مَحَلِّ حُكْمِهِ وقَضائِهِ تُرْجَعُونَ، فَإنَّ كَلِمَةَ (إلى) لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وهو تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ والجِهَةِ.
28:71–73Page 394
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١
Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢
Say, "Have you considered: if Allāh should make for you the day continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you a night in which you may rest? Then will you not see?"
وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣
And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن قَبْلُ اسْتِحْقاقَهُ لِلْحَمْدِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَصَّلَ عَقِيبَ ذَلِكَ بِبَعْضِ ما يَجِبُ أنْ يُحْمَدَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ، فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ فَنَبَّهَ عَلى أنَّ الوَجْهَ في كَوْنِ اللَّيْلِ والنَّهارِ نِعْمَتانِ يَتَعاقَبانِ عَلى الزَّمانِ؛ لِأنَّ المَرْءَ في الدُّنْيا وفي حالِ التَّكْلِيفِ مَدْفُوعٌ إلى أنْ يَتْعَبَ لِتَحْصِيلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ لَوْلا ضَوْءُ النَّهارِ، ولِأجْلِهِ يَحْصُلُ الِاجْتِماعُ فَيُمْكِنُ المُعامَلاتُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ لَوْلا الرّاحَةُ والسُّكُونُ بِاللَّيْلِ فَلا بُدَّ مِنهُما والحالَةُ هَذِهِ، فَأمّا في الجَنَّةِ فَلا نَصَبَ ولا تَعَبَ فَلا حاجَةَ بِهِمْ إلى اللَّيْلِ فَلِذَلِكَ يَدُومُ لَهُمُ الضِّياءُ واللَّذّاتُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا قادِرَ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وإنَّما قالَ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾، ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ لِأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِما يَسْمَعُونَ ويُبْصِرُونَ مِن جِهَةِ التَّدَبُّرِ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ، قالَ الكَلْبِيُّ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُطِيعُونَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ مَعْناهُ أفَلا تُبْصِرُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السَّرْمَدُ الدّائِمِ المُتَّصِلُ مِنَ السَّرْدِ وهو المُتابَعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم: في الأشْهُرِ الحُرُمِ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قالَ: بِنَهارٍ تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ، كَما قِيلَ: بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ؟ قُلْنا ذَكَرَ الضِّياءِ وهو ضَوْءُ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ المَنافِعَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مُتَكاثِرَةٌ، لَيْسَ التَّصَرُّفُ في المَعاشِ وحْدَهُ، والظَّلامُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما قَرَنَ بِالضِّياءِ أفَلا تَسْمَعُونَ؛ لِأنَّ السَّمْعَ يُدْرِكُ ما لا يُدْرِكُهُ البَصَرُ مِن دَرْكِ مَنافِعِهِ ووَصْفِ فَوائِدِهِ، وقَرَنَ بِاللَّيْلِ أفَلا تُبْصِرُونَ؛ لِأنَّ غَيْرَكَ يُدْرِكُ مِن مَنفَعَةِ الظَّلامِ ما تُبْصِرُهُ أنْتَ مِنَ السُّكُونِ ونَحْوِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ زاوَجَ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأغْراضٍ ثَلاثَةٍ لِتَسْكُنُوا في أحَدِهِما وهو اللَّيْلُ، ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في الآخَرِ وهو النَّهارُ ولِأداءِ الشُّكْرِ عَلى المَنفَعَتَيْنِ مَعًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences