Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:74–83
28:74–75Page 394
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥
And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.
صفحة ١٢
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا هَجَّنَ طَرِيقَةَ المُشْرِكِينَ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ ثانِيًا، عادَ إلى تَهْجِينِ طَرِيقَتِهِمْ مَرَّةً أُخْرى وشَرَحَ حالَهم في الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ والمَعْنى: أيْنَ الَّذِينَ ادَّعَيْتُمْ إلَهِيَّتَهم لِتَخَلُّصِكم، أوْ أيْنَ قَوْلُكم تُقَرِّبُنا إلى اللَّهِ زُلْفى وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في غَمِّهِمْ إذا خُوطِبُوا بِهَذا القَوْلِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ فالمُرادُ مَيَّزْنا واحِدًا لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم هُمُ الأنْبِياءُ يَشْهَدُونَ بِأنَّهم بَلَّغُوا القَوْمَ الدَّلائِلَ، وبَلَغُوا في إيضاحِها كُلَّ غايَةٍ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ التَّقْصِيرَ مِنهم فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في غَمِّهِمْ، وقالَ آخَرُونَ بَلْ هُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ في كُلِّ زَمانٍ، ويَدْخُلُ في جُمْلَتِهِمُ الأنْبِياءُ وهَذا أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَمَّ كَلَّ أُمَّةٍ وكُلَّ جَماعَةٍ بِأنْ يَنْزِعَ مِنهُمُ الشَّهِيدَ فَيَدْخُلَ فِيهِ الأحْوالُ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ فِيها النَّبِيُّ وهي أزْمِنَةُ الفَتَراتِ، والأزْمِنَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ولِرُسُلِهِ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غابَ عَنْهم غَيْبَةَ الشَّيْءِ الضّائِعِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ والكَذِبِ.
28:76–78Page 394
۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦
Indeed, Qārūn was from the people of Moses, but he tyrannized them. And We gave him of treasures whose keys would burden a band of strong men; thereupon his people said to him, "Do not exult. Indeed, Allāh does not like the exultant.
وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧
But seek, through that which Allāh has given you, the home of the Hereafter; and [yet], do not forget your share of the world. And do good as Allāh has done good to you. And desire not corruption in the land. Indeed, Allāh does not like corrupters."
قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨
He said, "I was only given it because of knowledge I have." Did he not know that Allāh had destroyed before him of generations those who were greater than him in power and greater in accumulation [of wealth]? But the criminals, about their sins, will not be asked.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ نَصَّ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وظاهِرُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مِمَّنْ قَدْ آمَنَ بِهِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا حَمْلُهُ عَلى القَرابَةِ، قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ قارُونُ بْنَ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي، ومُوسى بْنَ عِمْرانَ بْنِ قاهِثِ بْنِ لاوِي وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّهُ كانَ عَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ وقارُونَ بْنُ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ.
وعَنِ ابْنِ
صفحة ١٣
عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ ابْنَ خالَتِهِ، ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يُسَمّى المُنَوَّرَ لِحُسْنِ صُورَتِهِ، وكانَ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ، إلّا أنَّهُ نافَقَ كَما نافَقَ السّامِرِيُّ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ (القَصَصِ: ٧٦) فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ بَغى بِسَبَبِ مالِهِ، وبَغْيُهُ أنَّهُ اسْتَخَفَّ بِالفُقَراءِ ولَمْ يَرْعَ لَهم حَقَّ الإيمانِ ولا عَظَّمَهم مَعَ كَثْرَةِ أمْوالِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ، قِيلَ: مَلَّكَهُ فِرْعَوْنُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَظَلَمَهم.
الثّالِثُ: قالَ القَفّالُ: بَغى عَلَيْهِمْ، أيْ طَلَبَ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ وأنْ يَكُونُوا تَحْتَ يَدِهِ.
الرّابِعُ: قالَ الضَّحّاكُ: طَغى عَلَيْهِمْ واسْتَطالَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُوَفِّقْهم في أمْرٍ.
الخامِسُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ وسَخِطَ عَلَيْهِمْ.
السّادِسُ: قالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ زادَ عَلَيْهِمْ في الثِّيابِ شِبْرًا، وهَذا يَعُودُ إلى التَّكَبُّرِ.
السّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: بَغْيُهُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ حَسَدَ هارُونَ عَلى الحُبُورَةِ، يُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَطَعَ البَحْرَ وأغْرَقَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ جَعَلَ الحُبُورَةِ لِهارُونَ، فَحَصَلَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ والحُبُورَةُ وكانَ صاحِبَ القُرْبانِ والمَذْبَحِ، وكانَ لِمُوسى الرِّسالَةُ، فَوَجَدَ قارُونُ مِن ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَقالَ يا مُوسى لَكَ الرِّسالَةُ، ولِهارُونَ الحُبُورَةُ، ولَسْتُ في شَيْءٍ ولا أصْبِرُ أنا عَلى هَذا، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ ما صَنَعْتُ ذَلِكَ لِهارُونَ، ولَكِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ لَهُ، فَقالَ: واللَّهِ لا أُصَدِّقُكَ أبَدًا حَتّى تَأْتِيَنِي بِآيَةٍ أعْرِفُ بِها أنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ لِهارُونَ، قالَ: فَأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُؤَساءَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَجِيءَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم بِعَصاهُ، فَجاءُوا بِها، فَألْقاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في قُبَّةٍ لَهُ، وكانَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُرِيَهم بَيانَ ذَلِكَ، فَباتُوا يَحْرُسُونَ عِصِيَّهم فَأصْبَحَتْ عَصا هارُونَ تَهْتَزُّ لَها ورَقٌ أخْضَرُ وكانَتْ مِن شَجَرِ اللَّوْزِ، فَقالَ مُوسى: يا قارُونُ أما تَرى ما صَنَعَ اللَّهُ لِهارُونَ ! فَقالَ واللَّهِ ما هَذا بِأعْجَبَ مِمّا تَصْنَعُ مِنَ السِّحْرِ، فاعْتَزَلَ قارُونُ ومَعَهُ ناسٌ كَثِيرٌ، ووَلِيَ هارُونُ الحُبُورَةَ والمَذْبَحَ والقُرْبانَ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَأْتُونَ بِهَداياهم إلى هارُونَ فَيَضَعُها في المَذْبَحِ وتَنْزِلُ النّارُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها، واعْتَزَلَ قارُونُ بِأتْباعِهِ، وكانَ كَثِيرَ المالِ والتَّبَعِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَما كانَ يَأْتِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يُجالِسُهُ، ورَوى أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «”كانَ قارُونُ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارَةِ الَّذِينَ سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى“» .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكَعْبِيُّ: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ لا يُعْطِي الحَرامَ فَكَيْفَ أضافَ اللَّهُ مالَ قارُونَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ ؟ وأجابَ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ في أنَّهُ كانَ حَرامًا، ويَجُوزُ أنَّ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ المُلُوكِ جَمَعُوا وكَنَزُوا فَظَفِرَ قارُونُ بِذَلِكَ، وكانَ هَذا الظَّفَرُ طَرِيقَ التَّمَلُّكِ، أوْ وصَلَ إلَيْهِ بِالإرْثِ مِن جِهاتٍ، ثُمَّ بِالتَّكَسُّبِ مِن جِهَةِ المُضارَباتِ وغَيْرِها وكانَ الكُلُّ مُحْتَمَلًا.
البَحْثُ الثّانِي: المَفاتِحُ: جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِ المِيمِ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ، وقِيلَ: هي الخَزائِنُ وقِياسُ واحِدِها مَفْتَحٌ بِفَتْحِ المِيمِ، ويُقالُ ناءَ بِهِ الحِمْلُ إذا أثْقَلَهُ حَتّى أمالَهُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ والعِصابَةُ: مِثْلُها، فالعَشَرَةُ عُصْبَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يُوسُفَ: ٨ ) وكانُوا عَشْرَةً لِأنَّ يُوسُفَ وأخاهُ لَمْ يَكُونا مَعَهم.
إذا عَرَفْتَ مَعْنى الألْفاظِ فَنَقُولُ: هَهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَفاتِحِ المَفاتِيحُ، وهي الَّتِي يُفْتَحُ بِها البابُ، قالُوا كانَتْ مَفاتِيحُهُ مِن جُلُودِ الإبِلِ وكُلُّ مِفْتاحٍ مِثْلُ إصْبَعٍ، وكانَ لِكُلِّ خِزانَةٍ مِفْتاحٌ، وكانَ إذا رَكِبَ
صفحة ١٤
قارُونُ حُمِلَتِ المَفاتِيحُ عَلى سِتِّينَ بَغْلًا، ومِنَ النّاسِ مَن طَعَنَ في هَذا القَوْلِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مالَ الرَّجُلِ الواحِدِ لا يَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ، ولَوْ أنّا قَدَّرْنا بَلْدَةً مَمْلُوءَةً مِنَ الذَّهَبِ والجَواهِرِ لَكَفاها أعْدادٌ قَلِيلَةٌ مِنَ المَفاتِيحِ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى تَكْثِيرِ هَذِهِ المَفاتِيحِ.
الثّانِي: أنَّ الكُنُوزَ هي الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ في الأرْضِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَها مَفاتِيحُ. والجَوابُ: عَنِ الأوَّلِ أنَّ المالَ إذا كانَ مِن جِنْسِ العُرُوضِ، لا مِن جِنْسِ النَّقْدِ جازَ أنْ يَبْلُغَ في الكَثْرَةِ إلى هَذا الحَدِّ، وأيْضًا فَهَذا الَّذِي يُقالُ: إنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ بَلَغَتْ سِتِّينَ حِمْلًا، لَيْسَ مَذْكُورًا في القُرْآنِ فَلا تُقْبَلُ هَذِهِ الرِّوايَةُ، وتَفْسِيرُ القُرْآنِ أنَّ تِلْكَ المَفاتِيحَ كانَتْ كَثِيرَةً، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعَيَّنًا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَكانَ يَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ ضَبْطُها ومَعْرِفَتُها بِسَبَبِ كَثْرَتِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَزُولُ الِاسْتِبْعادُ، وعَنِ الثّانِي أنَّ ظاهِرَ الكَنْزِ وإنْ كانَ مِن جِهَةِ العُرْفِ ما قالُوا فَقَدْ يَقَعُ عَلى المالِ المَجْمُوعِ في المَواضِعِ الَّتِي عَلَيْها أغْلاقٌ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنْ تُحْمَلَ المَفاتِحُ عَلى نَفْسِ المالِ وهَذا أبْيَنُ، وعَنِ الشُّبْهَةِ أبْعَدُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ يَحْمِلُها أرْبَعُونَ رَجُلًا أقْوِياءَ، وكانَتْ خَزائِنُهُ أرْبَعَمِائَةِ ألْفٍ فَيَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَشَرَةَ آلافٍ.
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ المُرادَ مِنَ المَفاتِحِ العِلْمُ والإحاطَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ (الأنْعامِ: ٥٩ ) والمُرادُ آتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ حِفْظَها والِاطِّلاعَ عَلَيْها لَيَثْقُلُ عَلى العُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ والهِدايَةِ، أيْ هَذِهِ الكُنُوزُ لِكَثْرَتِها واخْتِلافِ أصْنافِها تُتْعِبُ حَفَظَتَها، والقائِمِينَ عَلَيْها أنْ يَحْفَظُوها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كانَ في قَوْمِهِ مَن وعَظَهُ بِأُمُورٍ.
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ والمُرادُ لا يَلْحَقُهُ مِنَ البَطَرِ والتَّمَسُّكِ بِالدُّنْيا ما يُلْهِيهِ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ أصْلًا، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لا يَفْرَحُ بِالدُّنْيا إلّا مَن رَضِيَ بِها واطْمَأنَّ إلَيْها، فَأمّا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ سَيُفارِقُ الدُّنْيا عَنْ قَرِيبٍ لَمْ يَفْرَحْ بِها وما أحْسَنَ ما قالَ المُتَنَبِّي:
أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالًا
وأحْسَنُ وأوْجَزُ مِنهُ ما قالَ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ (الحَدِيدِ: ٢٣ ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فَرَحُهُ ذَلِكَ شِرْكًا؛ لِأنَّهُ ما كانَ يَخافُ مَعَهُ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعالى.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ كانَ مُقِرًّا بِالآخِرَةِ، والمُرادُ أنْ يَصْرِفَ المالَ إلى ما يُؤَدِّيهِ إلى الجَنَّةِ ويَسْلُكُ طَرِيقَةَ التَّواضُعِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: لَعَلَّهُ كانَ مُسْتَغْرِقَ الهَمِّ في طَلَبِ الدُّنْيا فَلِأجْلِ ذَلِكَ ما كانَ يَتَفَرَّغُ لِلتَّنَعُّمِ والِالتِذاذِ فَنَهاهُ الواعِظُ عَنْ ذَلِكَ.
وثانِيها: لَمّا أمَرَهُ الواعِظُ بِصَرْفِ المالِ إلى الآخِرَةِ بَيَّنَ لَهُ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّمَتُّعِ بِالوُجُوهِ المُباحَةِ.
وثالِثُها: المُرادُ مِنهُ الإنْفاقُ في طاعَةِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ هو نَصِيبُ المَرْءِ مِنَ الدُّنْيا دُونَ الَّذِي يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”فَلْيَأْخُذِ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، ومِن دُنْياهُ لِآخِرَتِهِ، ومِنَ الشَّبِيبَةِ قَبْلَ الكِبَرِ، ومِنَ الحَياةِ قَبْلَ المَوْتِ فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما بَعْدَ المَوْتِ مِن مُسْتَعْتَبٍ، ولا بَعْدَ الدُّنْيا دارٌ إلّا الجَنَّةٌ والنّارُ“» .
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ لَمّا أمَرَهُ بِالإحْسانِ بِالمالِ أمَرَهُ بِالإحْسانِ مُطْلَقًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الإعانَةُ بِالمالِ والجاهِ وطَلاقَةِ الوَجْهِ وحُسْنِ اللِّقاءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ، وإنَّما قالَ: ﴿كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبْراهِيمَ: ٧ ) .
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ والبَغْيِ وقِيلَ: إنَّ هَذا القائِلَ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ مُؤْمِنُو قَوْمِهِ، وكَيْفَ كانَ فَقَدْ جَمَعَ في هَذا الوَعْظِ ما لَوْ قَبِلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، لَكِنَّهُ أبى أنْ يَقْبَلَ بَلْ زادَ عَلَيْهِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ
صفحة ١٥
قَتادَةُ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: كانَ قارُونُ أقْرَأ بَنِي إسْرائِيلَ لِلتَّوْراةِ فَقالَ: إنَّما أُوتِيتُهُ لِفَضْلِ عِلْمِي واسْتِحْقاقِي لِذَلِكَ.
وثانِيها: قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والضَّحّاكُ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِلْمُ الكِيمْياءِ مِنَ السَّماءِ فَعَلَّمَ قارُونَ ثُلُثَ العِلْمِ ويُوشَعَ ثُلُثَهُ وكالِبَ ثُلُثَهُ، فَخَدَعَهُما قارُونُ حَتّى أضافَ عِلْمَهُما إلى عِلْمِهِ فَكانَ يَأْخُذُ الرَّصاصَ فَيَجْعَلُهُ فِضَّةً والنُّحاسَ فَيَجْعَلُهُ ذَهَبًا.
وثالِثُها: أرادَ بِهِ عِلْمَهُ بِوُجُوهِ المَكاسِبِ والتِّجاراتِ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أيِ اللَّهُ أعْطانِي ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عالِمًا بِي وبِأحْوالِي فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَما فَعَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿عِنْدِي﴾ أيْ عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، كَما يَقُولُ المُفْتِي عِنْدِي أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أيْ: مَذْهَبِي واعْتِقادِي ذَلِكَ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إثْباتًا لِعِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ قَبْلَهُ مِنَ القُرُونِ مَن هو أقْوى مِنهُ وأغْنى؛ لِأنَّهُ قَدْ قَرَأهُ في التَّوْراةِ وأخْبَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وسَمِعَهُ مِن حُفّاظِ التَّوارِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أوَلَمْ يَعْلَمْ في جُمْلَةِ ما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ هَذا حَتّى لا يَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مالِهِ وقُوَّتِهِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ كَأنَّهُ لَمّا قالَ أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي فَتَصَلَّفَ بِالعِلْمِ وتَعَظَّمَ بِهِ، قِيلَ: أعِنْدَهُ مِثْلُ ذَلِكَ العِلْمِ الَّذِي ادَّعاهُ، ورَأى نَفْسَهُ بِهِ مُسْتَوْجِبَةً لِكُلِّ نِعْمَةٍ، ولَمْ يَعْلَمْ هَذا العِلْمَ النّافِعَ حَتّى يَقِيَ بِهِ نَفْسَهُ مَصارِعَ الهالِكِينَ ؟
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأكْثَرُ جَمْعًا﴾ فالمَعْنى أكْثَرُ جَمْعًا لِلْمالِ أوْ أكْثَرُ جَماعَةً وعَدَدًا، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ اغْتِرارَهُ بِمالِهِ وقُوَّتِهِ وجُمُوعِهِ مِنَ الخَطَأِ العَظِيمِ، وأنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إهْلاكَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ ولا ما يَزِيدُ عَلَيْهِ أضْعافًا.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ فالمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا عاقَبَ المُجْرِمِينَ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى أنْ يَسْألَهم عَنْ كَيْفِيَّةِ ذُنُوبِهِمْ وكَمِّيَّتِها؛ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا حاجَةَ بِهِ إلى السُّؤالِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٩٢) ؟ قُلْنا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى وقْتَيْنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٌ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: السُّؤالُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُحاسَبَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّبْكِيتِ، وقَدْ يَكُونُ لِلِاسْتِعْتابِ، وألْيَقُ الوُجُوهِ بِهَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِعْتابُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (النَّحْلِ: ٨٤) ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المُرْسَلاتِ ٣٥) .
28:79–81Page 395
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٧٩
So he came out before his people in his adornment. Those who desired the worldly life said, "Oh, would that we had like what was given to Qārūn. Indeed, he is one of great fortune."
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ ٨٠
But those who had been given knowledge said, "Woe to you! The reward of Allāh is better for he who believes and does righteousness. And none are granted it except the patient."
فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ ٨١
And We caused the earth to swallow him and his home. And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor was he of those who [could] defend themselves.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُّنْيا يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾
صفحة ١٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ خَرَجَ بِأظْهَرِ زِينَةٍ وأكْمَلِها ولَيْسَ في القُرْآنِ إلّا هَذا القَدْرُ، إلّا أنَّ النّاسَ ذَكَرُوا وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً في كَيْفِيَّةِ تِلْكَ الزِّينَةِ، قالَ مُقاتِلٌ: خَرَجَ عَلى بَغْلَةٍ شَهْباءَ عَلَيْها سَرْجٌ مِن ذَهَبٍ ومَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ فارِسٍ عَلى الخُيُولِ وعَلَيْها الثِّيابُ الأُرْجُوانِيَّةُ ومَعَهُ ثَلَثُمِائَةِ جارِيَةٍ بِيضٍ عَلَيْهِنَّ الحُلِيُّ والثِّيابُ الحُمْرُ عَلى البِغالِ الشُّهْبِ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ خَرَجَ في تِسْعِينَ ألْفًا هَكَذا، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى ثَلَثِمِائَةٍ.
والأوْلى تَرْكُ هَذِهِ التَّقْرِيراتِ؛ لِأنَّها مُتَعارِضَةٌ، ثُمَّ إنَّ النّاسَ لَمّا رَأوْا عَلَيْهِ تِلْكَ الزِّينَةَ قالَ مَن كانَ مِنهم يَرْغَبُ في الدُّنْيا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ مِن هَذِهِ الأُمُورِ والأمْوالِ، والرّاغِبُونَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا مِنَ الكُفّارِ، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الدُّنْيا، وأمّا العُلَماءُ وأهْلُ الدِّينِ فَقالُوا لِلَّذِينِ تَمَنَّوْا هَذا: ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ مِن هَذِهِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ لِلثَّوابِ مَنافِعَ عَظِيمَةً وخالِصَةً عَنْ شَوائِبِ المَضارِّ ودائِمَةً، وهَذِهِ النِّعَمُ العاجِلَةُ عَلى الضِّدِّ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويْلَكَ أصْلُهُ الدُّعاءُ بِالهَلاكِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الزَّجْرِ والرَّدْعِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يُرْتَضى.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: لا يُوَفَّقُ لَها والضَّمِيرُ في ﴿يُلَقّاها﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ يَعْنِي هَذِهِ الأعْمالَ لا يُؤْتاها إلّا الصّابِرُونَ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي ولا يُلَقّى هَذِهِ الكَلِمَةَ، وهي قَوْلُهم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ إلّا الصّابِرُونَ عَلى أداءِ الطّاعاتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وعَلى الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ في كُلِّ ما قَسَمَ مِنَ المَنافِعِ والمَضارِّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أشِرَ وبَطِرَ وعَتا خَسَفَ اللَّهُ بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ جَزاءً عَلى عُتُوِّهِ وبَطَرِهِ، والفاءُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ.
وثانِيها: قِيلَ: إنَّ قارُونَ كانَ يُؤْذِي نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كُلَّ وقْتٍ، وهو يُدارِيهِ لِلْقَرابَةِ الَّتِي بَيْنَهُما حَتّى نَزَلَتِ الزَّكاةُ فَصالَحَهُ عَنْ كُلِّ ألْفِ دِينارٍ عَلى دِينارٍ، وعَنْ كُلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ عَلى دِرْهَمٍ فَحَسَبَهُ فاسْتَكْثَرَهُ فَشَحَّتْ نَفْسُهُ فَجَمَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ: إنَّ مُوسى يُرِيدُ أنْ يَأْخُذَ أمْوالَكم فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا وكَبِيرُنا فَمُرْنا بِما شِئْتَ، قالَ: نُبَرْطِلُ فُلانَةَ البَغِيَّ حَتّى تَنْسُبَهُ إلى نَفْسِها فَيَرْفُضَهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَجَعَلَ لَها طَسْتًا مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءًا ذَهَبًا فَلَمّا كانَ يَوْمُ عِيدٍ قامَ مُوسى فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ مَن سَرَقَ قَطَعْناهُ، ومَن زَنى وهو (غَيْرُ مُحْصَنٍ جَلَدْناهُ وإنْ أحْصَنَ رَجَمْناهُ، فَقالَ قارُونُ: وإنْ كُنْتَ أنْتَ ؟ قالَ: وإنْ كُنْتُ أنا، قالَ: فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُونَ إنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلانَةَ فَأُحْضِرَتْ فَناشَدَها مُوسى بِاللَّهِ الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ وأنْزَلَ التَّوْراةَ أنْ تَصْدُقَ فَتَدارَكَها اللَّهُ تَعالى، فَقالَتْ: كَذَبُوا بَلْ جَعَلَ لِي قارُونُ جُعْلًا عَلى أنْ أقْذِفَكَ بِنَفْسِي، فَخَرَّ مُوسى ساجِدًا يَبْكِي، وقالَ: يا رَبِّ إنْ كُنْتُ رَسُولَكَ فاغْضَبْ لِي، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ أنْ مُرِ الأرْضَ بِما شِئْتَ فَإنَّها مُطِيعَةٌ لَكَ، فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلى قارُونَ كَما بَعَثَنِي إلى فِرْعَوْنَ فَمَن كانَ مَعَهُ فَلْيَلْزَمْ مَكانَهُ ومَن كانَ مَعِيَ فَلْيَعْتَزِلْ فاعْتَزَلُوا جَمِيعًا غَيْرَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: يا أرْضُ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الرُّكَبِ ثُمَّ قالَ خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأوْساطِ ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فَأخَذَتْهم إلى الأعْناقِ، وقارُونُ وأصْحابُهُ يَتَضَرَّعُونَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُناشِدُونَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ، ومُوسى لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ، ثُمَّ قالَ: خُذِيهِمْ فانْطَبَقَتِ الأرْضُ عَلَيْهِمْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما أفَظَّكَ ! اسْتَغاثُوا بِكَ مِرارًا فَلَمْ تَرْحَمْهم، أما وعِزَّتِي لَوْ دَعَوْنِي مَرَّةً واحِدَةً لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا. فَأصْبَحَتْ بَنُو إسْرائِيلَ يَتَناجَوْنَ
صفحة ١٧
بَيْنَهم: إنَّما دَعا مُوسى عَلى قارُونَ لِيَسْتَبِدَّ بِدارِهِ وكُنُوزِهِ فَدَعا اللَّهَ حَتّى خَسَفَ بِدارِهِ وأمْوالِهِ، ثُمَّ إنَّ قارُونَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ قامَةٍ، قالَ القاضِي: إذا هَلَكَ بِالخَسْفِ فَسَواءٌ نَزَلَ عَنْ ظاهِرِ الأرْضِ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ أوْ دُونَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ ما رُوِيَ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وأمّا قَوْلُهم: إنَّهُ تَعالى قالَ لَوِ اسْتَغاثَ بِي لَأغَثْتُهُ، فَإنْ صَحَّ حُمِلَ عَلى اسْتِغاثَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالتَّوْبَةِ، فَأمّا وهو ثابِتٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي حَكَمَ بِذَلِكَ الخَسْفِ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما فَعَلَهُ إلّا عَنْ أمْرِهِ فَبَعِيدٌ، وقَوْلُهم: إنَّهُ يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ أبَدًا فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن نِهايَةٍ، وكَذا القَوْلُ فِيما ذُكِرَ مِن عَدَدِ القاماتِ، والَّذِي عِنْدِي في أمْثالِ هَذِهِ الحِكاياتِ أنَّها قَلِيلَةُ الفائِدَةِ؛ لِأنَّها مِن بابِ أخْبارِ الآحادِ فَلا تُفِيدُ اليَقِينَ، ولَيْسَتِ المَسْألَةُ مَسْألَةً عَمَلِيَّةً حَتّى يُكْتَفى فِيها بِالظَّنِّ، ثُمَّ إنَّها في أكْثَرِ الأمْرِ مُتَعارِضَةٌ مُضْطَرِبَةٌ فالأوْلى طَرْحُها والِاكْتِفاءُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ نَصُّ القُرْآنِ، وتَفْوِيضُ سائِرِ التَّفاصِيلِ إلى عالِمِ الغَيْبِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ فالمُرادُ مِنَ المُنْتَقِمِينَ مِن مُوسى أوْ مِنَ المُمْتَنِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، يُقالُ: نَصَرَهُ مِن عَدُوِّهِ فانْتَصَرَ، أيْ مَنَعَهُ مِنهُ فامْتَنَعَ.
28:82–83Page 395
وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَقُولُونَ وَيۡكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُۖ لَوۡلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَيۡكَأَنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٢
And those who had wished for his position the previous day began to say, "Oh, how Allāh extends provision to whom He wills of His servants and restricts it! If not that Allāh had conferred favor on us, He would have caused it to swallow us. Oh, how the disbelievers do not succeed!"
تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣
That home of the Hereafter We assign to those who do not desire exaltedness upon the earth or corruption. And the [best] outcome is for the righteous.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ شاهَدُوا قارُونَ في زِينَتِهِ لَمّا شاهَدُوا ما نَزَلَ بِهِ مِنَ الخَسْفِ صارَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، ومُخالَفَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وداعِيًا إلى الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقِسْمَتِهِ وإلى إظْهارِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ لِأنْبِياءِ اللَّهِ ورُسُلِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويْكَأنَّ اللَّهَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ (ويْ) كَلِمَةٌ مَفْصُولَةٌ عَنْ (كَأنَّ) وهي كَلِمَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ عِنْدَ التَّنَبُّهِ لِلْخَطَأِ وإظْهارِ التَّنَدُّمِ، فَلَمّا قالُوا: ﴿يالَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ ثُمَّ شاهَدُوا الخَسْفَ تَنَبَّهُوا لِخَطَئِهِمْ فَقالُوا: (ويْ) ثُمَّ قالُوا: كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ وحِكْمَتِهِ لا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ؛ لا لِهَوانِ مَن يُضَيِّقُ عَلَيْهِ؛ بَلْ لِحِكْمَتِهِ وقَضائِهِ ابْتِلاءً وفِتْنَةً قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ هَذا الحَرْفِ فَقالَ: إنَّ (ويْ) مَفْصُولَةٌ مِن (كَأنَّ) وإنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا وقالُوا مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم (ويْ) . وذَكَرَ الفَرّاءُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى ويْلَكَ فَحَذَفَ اللّامَ وإنَّما جازَ هَذا الحَذْفُ لِكَثْرَتِها في الكَلامِ، وجَعَلَ أنَّ مَفْتُوحَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قالَ: ويْلَكَ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ حَكاهُ عَنْ يُونُسَ.
الثّانِي: (ويْ) مُنْفَصِلَةٌ مِن (كَأنَّ) وهو لِلتَّعَجُّبِ يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: ويْ أما تَرى ما بَيْنَ يَدَيْكَ فَقالَ اللَّهُ: (ويْ) ثُمَّ اسْتَأْنَفَ كَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ، فاللَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَها تَعْجِيبًا لِخَلْقِهِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا وجْهٌ مُسْتَقِيمٌ غَيْرَ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكْتُبْها مُنْفَصِلَةً، ولَوْ كانَ عَلى ما قالُوهُ لَكَتَبُوها
صفحة ١٨
مُنْفَصِلَةً، وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ وهَذا تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ فَتَعْظِيمٌ لَها وتَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، يَعْنِي: تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ بِذِكْرِها وبَلَغَكَ وصْفُها، ولَمْ يُعَلَّقِ الوَعْدُ بِتَرْكِ العُلُوِّ والفَسادِ، ولَكِنْ بِتَرْكِ إرادَتِهِما ومَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِما، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ أنْ يَكُونَ شِراكُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِراكِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَها، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ومِنَ الطُّمّاعِ مَن يَجْعَلُ العُلُوَّ لِفِرْعَوْنَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ (القَصَصِ: ٤ ) والفَسادَ لِقارُونَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ﴾ ويَقُولُ: مَن لَمْ يَكُنْ مِثْلَ فِرْعَوْنَ وقارُونَ فَلَهُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ ولا يَتَدَبَّرُ قَوْلَهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما تَدَبَّرَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences