Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:28–35
29:28–30Page 399
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩
Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."
قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠
He said, "My Lord, support me against the corrupting people."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾
الإعْرابُ في لُوطٍ، والتَّفْسِيرُ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: ﴿وإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وقالَ عَنْ لُوطٍ هَهُنا أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ لُوطًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ وكانَ لُوطٌ في زَمانِ إبْراهِيمَ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالتَّوْحِيدِ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ مِن أنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: حِكايَةُ لُوطٍ وغَيْرُها هَهُنا ذَكَرَها اللَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، فاقْتَصَرَ عَلى ما اخْتَصَّ بِهِ لُوطٌ وهو المَنعُ مِنَ الفاحِشَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ الأمْرَ بِالتَّوْحِيدِ وإنْ كانَ قالَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَدْ أتى بِهِ إبْراهِيمُ وسَبَقَهُ فَصارَ كالمُخْتَصِّ بِهِ، ولُوطٌ يُبَلِّغُ ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ.
وأمّا المَنعُ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ كانَ مُخْتَصًّا بِلُوطٍ، فَإنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ [ في زَمَنِهِ ] ولَمْ يَمْنَعْهم مِنهُ فَذَكَرَ كُلَّ واحِدٍ بِما اخْتَصَّ بِهِ وسَبَقَ بِهِ غَيْرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ سَمّى ذَلِكَ الفِعْلَ فاحِشَةً ؟ فَنَقُولُ: الفاحِشَةُ هو القَبِيحُ الظّاهِرُ قُبْحُهُ، ثُمَّ إنَّ الشَّهْوَةَ والغَضَبَ صِفَتا قُبْحٍ لَوْلا مَصْلَحَةٌ ما كانَ يَخْلُقُهُما اللَّهُ في الإنْسانِ، فَمَصْلَحَةُ الشَّهْوَةِ الفَرْجِيَّةِ هي بَقاءُ النَّوْعِ بِتَوْلِيدِ الشَّخْصِ، وهَذِهِ المَصْلَحَةُ لا تَحْصُلُ إلّا بِوُجُودِ الوَلَدِ وبَقائِهِ بَعْدَ الأبِ، فَإنَّهُ لَوْ وُجِدَ وماتَ قَبْلَ الأبِ كانَ يَفْنى النَّوْعُ بِفَناءِ القَرْنِ الأوَّلِ، لَكِنَّ الزِّنا قَضاءُ شَهْوَةٍ ولا يُفْضِي إلى بَقاءِ النَّوْعِ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ البِناءَ بِالوُجُودِ وبَقاءِ الوَلَدِ بَعْدَ الأبِ، لَكِنَّ الزِّنا وإنْ كانَ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، لِأنَّ المِياهَ إذا
صفحة ٥٢
اشْتَبَهَتْ لا يَعْرِفُ الوالِدُ ولَدَهُ فَلا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ والإنْفاقِ عَلَيْهِ فَيَضِيعُ ويَهْلِكُ، فَلا يَحْصُلُ مَصْلَحَةُ البَقاءِ، فَإذَنِ الزِّنا شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ خالِيَةٌ عَنِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لِأجْلِها خُلِقَتْ، فَهو قَبِيحٌ ظاهِرٌ قُبْحُهُ حَيْثُ لا تَسْتُرُهُ المَصْلَحَةُ فَهو فاحِشَةٌ، وإذا كانَ الزِّنا فاحِشَةً مَعَ أنَّهُ يُفْضِي إلى وُجُودِ الوَلَدِ ولَكِنْ لا يُفْضِي إلى بَقائِهِ، فاللِّواطَةُ الَّتِي لا تُفْضِي إلى وُجُودِهِ أوْلى بِأنْ تَكُونَ فاحِشَةً.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَدِّ في اللِّواطَةِ، لِأنَّها مَعَ الزِّنا اشْتَرَكَتْ في كَوْنِهِما فاحِشَةً حَيْثُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ (الإسْراءِ: ٣٢ ) واشْتِراكُهُما في الفاحِشَةِ يُناسِبُ الزَّجْرَ عَنْهُ، فَما شَرَعَ زاجِرًا هُناكَ يَشْرَعُ زاجِرًا هَهُنا، وهَذا وإنْ كانَ قِياسًا إلّا أنَّ جامِعَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الآيَةِ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَذابَ مَن أتى بِها إمْطارَ الحِجارَةِ حَيْثُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً عاجِلًا، فَوَجَبَ أنْ يُعَذَّبَ مَن أتى بِهِ بِأمْطارِ الحِجارَةِ بِهِ عاجِلًا وهو الرَّجْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَبْلَهم لَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِهَذا القَبِيحِ وهَذا ظاهِرٌ.
والثّانِي: أنَّ قَبْلَهم رُبَّما أتى بِهِ واحِدٌ في النُّدْرَةِ لَكِنَّهم بالَغُوا فِيهِ، فَقالَ لَهم: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ، كَما يُقالُ: إنَّ فُلانًا سَبَقَ البُخَلاءَ في البُخْلِ، وسَبَقَ اللِّئامَ في اللُّؤْمِ إذا زادَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أئِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٩) بَيانًا لِما ذَكَرْنا، يَعْنِي تَقْضُونَ الشَّهْوَةَ بِالرِّجالِ مَعَ قَطْعِ السَّبِيلِ المُعْتادِ مَعَ النِّساءِ المُشْتَمِلِ عَلى المَصْلَحَةِ الَّتِي هي بَقاءُ النَّوْعِ، حَتّى يُظْهِرَ أنَّهُ قَبِيحٌ لَمْ يَسْتُرْ قُبْحَهُ مَصْلَحَةً، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ﴾ (الأعْرافِ:٨١ ) يَعْنِي: إتْيانُ النِّساءِ شَهْوَةٌ قَبِيحَةٌ مُسْتَتِرَةٌ بِالمَصْلَحَةِ فَلَكم دافِعٌ لِحاجَتِكم لا فاحِشَةَ فِيهِ وتَتْرُكُونَهُ وتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مَعَ الفاحِشَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ يَعْنِي ما كَفاكم قُبْحُ فِعْلِكم حَتّى تَضُمُّونَ إلَيْهِ قُبْحَ الإظْهارِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ في التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ قَوْمُ إبْراهِيمَ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ وقالَ قَوْمُ لُوطٍ: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ﴾ وما هَدَّدُوهُ، مَعَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ أعْظَمَ مِن لُوطٍ، فَإنَّ لُوطًا كانَ مِن قَوْمِهِ، فَنَقُولُ إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَقْدَحُ في دِينِهِمْ ويَشْتُمُ آلِهَتَهم بِتَعْدِيدِ صِفاتِ نَقْصِهِمْ بِقَوْلِهِ: لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، ولا يُغْنِي والقَدْحُ في الدِّينِ صَعْبٌ، فَجَعَلُوا جَزاءَهُ القَتْلَ والتَّحْرِيقَ، ولُوطٌ كانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم ويَنْسُبُهم إلى ارْتِكابِ المُحَرَّمِ وهم ما كانُوا يَقُولُونَ إنَّ هَذا واجِبٌ مِنَ الدِّينِ، فَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما صَعُبَ عَلى قَوْمِ إبْراهِيمَ قَوْلُ إبْراهِيمَ، فَقالُوا إنَّكَ تَقُولُ إنَّ هَذا حَرامٌ واللَّهُ يُعَذِّبُ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَقُولُ لا يُعَذِّبُ، فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِنا بِالعَذابِ، فَإنْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ أخَرَ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ (النَّمْلِ: ٥٦ ) وقالَ هَهُنا ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا ائْتِنا﴾ فَكَيْفَ الجَمْعُ ؟ فَنَقُولُ لُوطٌ كانَ ثابِتًا عَلى الإرْشادِ مُكَرِّرًا عَلَيْهِمُ التَّغْيِيرَ والنَّهْيَ والوَعِيدَ، فَقالُوا أوَّلًا: ائْتِنا، ثُمَّ لَمّا كَثُرَ مِنهُ ذَلِكَ ولَمْ يَسْكُتْ عَنْهم قالُوا: أخْرِجُوا، ثُمَّ إنَّ لُوطًا لَمّا يَئِسَ مِنهم طَلَبَ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ وذَكَّرَهم بِما لا يُحِبُّ اللَّهُ فَـ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ، حَتّى يُنْجِزَ النَّصْرَ.
واعْلَمْ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ ما طَلَبَ هَلاكَ قَوْمٍ إلّا إذا عَلِمَ أنَّ عَدَمَهم خَيْرٌ مِن وُجُودِهِمْ، كَما قالَ نُوحٌ: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ (نُوحٍ: ٢٧ ) يَعْنِي: المَصْلَحَةُ إمّا فِيهِمْ حالًا، أوْ بِسَبَبِهِمْ مَآلًا ولا
صفحة ٥٣
مَصْلَحَةَ فِيهِمْ، فَإنَّهم يَضِلُّونَ في الحالِ وفي المَآلِ فَإنَّهم يُوصُونَ الأوْلادَ مِن صِغَرِهِمْ بِالِامْتِناعِ مِنَ الِاتِّباعِ، فَكَذَلِكَ لُوطٌ لَمّا رَأى أنَّهم يُفْسِدُونَ في الحالِ واشْتَغَلُوا بِما لا يُرْجى مَعَهُ مِنهم ولَدٌ صالِحٌ يَعْبُدُ اللَّهَ، بَطَلَتِ المَصْلَحَةُ حالًا ومَآلًا، فَعَدَمُهم صارَ خَيْرًا، فَطَلَبَ العَذابَ.
29:31–32Page 400
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١
And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."
قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢
[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾
لَمّا دَعا لُوطٌ عَلى قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ بِإهْلاكِهِمْ وأرْسَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، فَجاءُوا إبْراهِيمَ وبَشَّرُوهُ بِذُرِّيَّةٍ طَيِّبَةٍ وقالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ يَعْنِي أهْلَ سَدُومَ، وفي الآيَةِ لَطِيفَتانِ:
إحْداهُما: أنَّ اللَّهَ جَعَلَهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ،لَكِنَّ البِشارَةَ أثَرُ الرَّحْمَةِ، والإنْذارَ بِالإهْلاكِ أثَرُ الغَضَبِ، ورَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، فَقَدَّمَ البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ.
وقالَ: ﴿جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ .
الثّانِيَةُ: حِينَ ذَكَرُوا البُشْرى ما عَلَّلُوا وقالُوا: إنّا نُبَشِّرُكَ لِأنَّكَ رَسُولٌ، أوْ لِأنَّكَ مُؤْمِنٌ أوْ لِأنَّكَ عادِلٌ، وحِينَ ذَكَرُوا الإهْلاكَ عَلَّلُوا، وقالُوا: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ لِأنَّ ذا الفَضْلِ لا يَكُونُ فَضْلُهُ بِعِوَضٍ، والعادِلُ لا يَكُونُ عَذابُهُ إلّا عَلى جُرْمٍ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
إحْداهُما: لَوْ قالَ قائِلٌ أيُّ تَعَلُّقٍ لِهَذِهِ البُشْرى بِهَذا الإنْذارِ، نَقُولُ لَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ قَوْمٍ وكانَ فِيهِ إخْلاءُ الأرْضِ عَنِ العِبادِ قَدَّمَ عَلى ذَلِكَ إعْلامَ إبْراهِيمَ بِأنَّهُ تَعالى يَمْلَأُ الأرْضَ مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ حَتّى لا يَتَأسَّفَ عَلى إهْلاكِ قَوْمٍ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ.
والثّانِيَةُ: قالَ في قَوْمِ نُوحٍ ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ وقَدْ قُلْتُ إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا عَلى ظُلْمِهِمْ حِينَ أخَذَهم، ولَمْ يَقُلْ فَأخَذَهم وكانُوا ظالِمِينَ، وهَهُنا قالَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ وإنَّهم ظالِمُونَ، فَنَقُولُ: لا فَرْقَ في المَوْضِعَيْنِ في كَوْنِهِمْ مُهْلَكِينَ وهم مُصِرُّونَ عَلى الظُّلْمِ، لَكِنْ هُناكَ الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ وعَنِ الماضِي حَيْثُ قالَ: ﴿فَأخَذَهُمُ﴾ وكانُوا ظالِمِينَ، فَقالَ أخَذَهم وهم عِنْدَ الوُقُوعِ في العَذابِ ظالِمُونَ، وهَهُنا الإخْبارُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَنِ المُسْتَقْبَلِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ فالمَلائِكَةُ ذَكَرُوا ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في إبانَةِ حُسْنِ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ بِالإهْلاكِ، فَقالُوا: إنّا مُهْلِكُوهم لِأنَّ اللَّهَ أمَرَنا، وحالَ ما أمَرَنا بِهِ كانُوا ظالِمِينَ، فَحَسُنَ أمْرُ اللَّهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ، وأمّا نَحْنُ فَلا نُخْبِرُ بِما لا حاجَةَ لَنا إلَيْهِ، فَإنَّ الكَلامَ عَنِ المَلِكِ بِغَيْرِ إذْنِهِ سُوءُ أدَبٍ، فَنَحْنُ ما احْتَجْنا إلّا إلى هَذا القَدْرِ، وهو أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ حَيْثُ أمَرَنا اللَّهُ بِإهْلاكِهِمْ بَيانًا لِحُسْنِ الأمْرِ، وأمّا
صفحة ٥٤
أنَّهم ظالِمُونَ في وقْتِنا هَذا أوْ يَبْقَوْنَ كَذَلِكَ فَلا حاجَةَ لَنا إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهم قالَ لَهم: إنَّ فِيها لُوطًا إشْفاقًا عَلَيْهِ لِيُعْلَمَ حالُهُ، أوْ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ وكانَ إبْراهِيمُ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ قَوْمًا وفِيهِمْ رَسُولُهُ، فَقالَ تَعَجُّبًا: إنَّ فِيهِمْ لُوطًا فَكَيْفَ يُهْلَكُونَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها، يَعْنِي نَعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ لُوطًا فَلَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ ونُهْلِكُ الباقِينَ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهو أنَّ الجَماعَةَ كانُوا أهْلَ الخَيْرِ، أعْنِي إبْراهِيمَ والمَلائِكَةَ، وكُلُّ واحِدٍ كانَ يَزِيدُ عَلى صاحِبِهِ في كَوْنِهِ خَيْرًا.
أمّا إبْراهِيمُ فَلَمّا سَمِعَ قَوْلَ المَلائِكَةِ ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ أظْهَرَ الإشْفاقَ عَلى لُوطٍ ونَسِيَ نَفْسَهُ وما بَشَّرُوهُ ولَمْ يُظْهِرْ بِها فَرَحًا، وقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ مِنهُ زادُوا عَلَيْهِ، وقالُوا إنَّكَ ذَكَرْتَ لُوطًا وحْدَهُ ونَحْنُ نُنْجِيهِ ونُنْجِي مَعَهُ أهْلَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنَوْا مِنَ الأهْلِ امْرَأتَهُ، وقالُوا: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُهْلَكِينَ، وفي اسْتِعْمالِ الغابِرِ في المُهْلَكِ وجْهانِ: وذَلِكَ لِأنَّ الغابِرَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ في الماضِي وفي الباقِي، يُقالُ فِيما غَبَرَ مِنَ الزَّمانِ أيْ فِيما مَضى ويُقالُ: الفِعْلُ ماضٍ وغابِرٌ أيْ: باقٍ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ نَقُولُ إنَّ ذِكْرَ الظّالِمِينَ سَبَقَ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ثُمَّ جَرى ذِكْرُ لُوطٍ بِتَذْكِيرِ إبْراهِيمَ وجَوابِ المَلائِكَةِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ إنَّها مِنَ الغابِرِينَ أيِ الماضِي ذِكْرُهم لا مِنَ الَّذِينَ نُنْجِي مِنهم، أوْ نَقُولُ المُهْلَكُ يَفْنى ويَمْضِي زَمانُهُ والنّاجِي هو الباقِي فَقالُوا إنَّها مِنَ الغابِرِينَ أيْ مِنَ الرّائِحِينَ الماضِينَ لا مِنَ الباقِينَ المُسْتَمِرِّينَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَنَقُولُ: لَمّا قَضى اللَّهُ عَلى القَوْمِ بِالإهْلاكِ كانَ الكُلُّ في الهَلاكِ إلّا مَن نُنْجِي مِنهُ فَقالُوا إنّا نُنْجِي لُوطًا وأهْلَهُ، وأمّا امْرَأتُهُ فَهي مِنَ الباقِينَ في الهَلاكِ.
29:33–35Page 400
وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣
And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.
إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤
Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."
وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥
And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلّا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
ثُمَّ إنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ عَلى صُورَةِ البَشَرِ فَظَنَّهم بَشَرًا فَخافَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِهِ لِأنَّهم كانُوا عَلى أحْسَنِ صُورَةٍ خَلَقَ اللَّهُ، والقَوْمُ كَما عُرِفَ حالُهم، فَسِيءَ بِهِمْ أيْ: جاءَهُ ما ساءَهُ وخافَ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ تَدْبِيرِهِمْ فَحَزِنَ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا كِنايَةً عَنِ العَجْزِ في تَدْبِيرِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ طالَ ذَرْعُهُ وذِراعُهُ لِلْقادِرِ وضاقَ لِلْعاجِزِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن طالَ ذِراعُهُ يَصِلُ إلى ما لا يَصِلُ إلَيْهِ قَصِيرُ الذِّراعِ والِاسْتِعْمالُ يَحْتَمِلُ وجْهًا مَعْقُولًا غَيْرَ ذَلِكَ، وهو أنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ يُوجِبانِ انْقِباضَ الرُّوحِ ويَتْبَعُهُ اشْتِمالُ القَلْبِ عَلَيْهِ فَيَنْقَبِضُ هو أيْضًا، والقَلْبُ هو المُعْتَبَرُ مِنَ الإنْسانِ، فَكَأنَّ الإنْسانَ انْقَبَضَ وانْجَمَعَ وما يَكُونُ كَذَلِكَ يَقِلُّ ذَرْعُهُ ومِساحَتُهُ فَيَضِيقُ، ويُقالُ في الحَزِينِ ضاقَ ذَرْعُهُ، والغَضَبُ والفَرَحُ يُوجِبانِ انْبِساطَ الرُّوحِ فَيَنْبَسِطُ مَكانَهُ وهو القَلْبُ ويَتَّسِعُ فَيُقالُ:
صفحة ٥٥
اتَّسَعَ ذَرْعُهَ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأوْا خَوْفَهُ في أوَّلِ الأمْرِ وحُزْنَهُ بِسَبَبِ تَدْبِيرِهِمْ في ثانِي الأمْرِ قالُوا لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ بِسَبَبِ التَّفَكُّرِ في أمْرِنا ثُمَّ ذَكَرُوا ما يُوجِبُ زَوالَ خَوْفِهِ وحُزْنِهِ فَإنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ القائِلِ لا تَخَفْ لا يُوجِبُ زَوالَ الخَوْفِ فَقالُوا مُعَرِّضِينَ بِحالِهِمْ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وإنّا مُنْزِلُونَ عَلَيْهِمُ العَذابَ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ فَيَطُولُ ذَرْعُهُ ويَزُولُ رَوْعُهُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
إحْداها: أنَّهُ تَعالى قالَ مِن قَبْلُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَنَقُولُ: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ وهي أنَّ الواقِعَ في وقْتِ المَجِيءِ هُناكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿إنّا مُهْلِكُو﴾ وهو لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِمَجِيئِهِمْ لِأنَّهم بَشَّرُوا أوَّلًا ولَبِثُوا، ثُمَّ قالُوا: إنّا مُهْلِكُوا وأيْضًا فالتَّأنِّي واللُّبْثُ بَعْدَ المَجِيءِ، ثُمَّ الإخْبارُ بِالإهْلاكِ حَسَنٌ فَإنَّ مَن جاءَ ومَعَهُ خَبَرٌ هائِلٌ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ لا يُفاجِىءَ بِهِ، والواقِعُ هَهُنا هو خَوْفُ لُوطٍ عَلَيْهِمْ، والمُؤْمِنُ حِينَ ما يَشْعُرُ بِمَضَرَّةٍ تَصِلُ بَرِيئًا مِنَ الجِنايَةِ يَنْبَغِي أنْ يَحْزَنَ ويَخافَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ،إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ يُفِيدُ الِاتِّصالَ يَعْنِي خافَ حِينَ المَجِيءِ، فَإنْ قُلْتَ: هَذا باطِلٌ بِما أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ جاءَتْ في سُورَةِ هُودٍ، وقالَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ مِن غَيْرِ (أنْ)، فَنَقُولُ هُناكَ جاءَتْ حِكايَةُ إبْراهِيمَ بِصِيغَةٍ أُخْرى حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ فَقَوْلُهُ هُنالِكَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ كانَ في وقْتِ المَجِيءِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ حُزْنَهُ كانَ وقْتَ المَجِيءِ.
إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: هُناكَ قَدْ حَصَلَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَقْصُودِ بِقَوْلِهِ في حِكايَةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ ثُمَّ جَرى أُمُورٌ مِنَ الكَلامِ وتَقْدِيمِ الطَّعامِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَحَصَلَ تَأْخِيرُ الإنْذارِ، وبِقَوْلِهِ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ حَصَلَ بَيانُ تَعْجِيلِ الحُزْنِ، وأمّا هُنا لَمّا قالَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَمّا جاءَتْ﴾ قالَ في حِكايَةِ لُوطٍ ﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ﴾ لِما ذَكَرْنا مِنَ الفائِدَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُنا ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ وقالَ لِإبْراهِيمَ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ فَهَلْ فِيهِ فائِدَةٌ ؟ قُلْنا ما مِن حَرْفٍ ولا حَرَكَةٍ في القُرْآنِ إلّا وفِيهِ فائِدَةٌ، ثُمَّ إنَّ العُقُولَ البَشَرِيَّةَ تُدْرِكُ بَعْضَها ولا تَصِلُ إلى أكْثَرِها، وما أُوتِيَ البَشَرُ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، والَّذِي يَظْهَرُ لِعَقْلِ الضَّعِيفِ أنَّ هُناكَ لَمّا قالَ لَهم إبْراهِيمُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وعَدُوهُ بِالتَّنْجِيَةِ ووَعْدُ الكَرِيمِ حَتْمٌ، وهَهُنا لَمّا قالُوا لِلُوطٍ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ سَبْقِ الوَعْدِ مَرَّةً أُخْرى قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ أيْ ذَلِكَ واقِعٌ مِنّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ﴾ (الزُّمَرِ: ٣٠ ) لِضَرُورَةِ وُقُوعِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ:قَوْلُهم: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ لا يُناسِبُهُ ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ لِأنَّ خَوْفَهُ ما كانَ عَلى نَفْسِهِ، نَقُولُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وهي أنَّ لُوطًا لَمّا خافَ عَلَيْهِمْ وحَزِنَ لِأجْلِهِمْ قالُوا لَهُ: لا تَخَفْ عَلَيْنا ولا تَحْزَنْ لِأجْلِنا فَإنّا مَلائِكَةٌ، ثُمَّ قالُوا لَهُ: يا لُوطُ خِفْتَ عَلَيْنا وحَزِنْتَ لِأجْلِنا، فَفي مُقابَلَةِ خَوْفِكَ وقْتَ الخَوْفِ نُزِيلُ خَوْفَكَ ونُنْجِيكَ، وفي مُقابَلَةِ حُزْنِكَ نُزِيلُ حُزْنَكَ ولا نَتْرُكُكَ تُفْجَعُ في أهْلِكَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَوْمُ عُذِّبُوا بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الفاحِشَةِ وامْرَأتُهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنها تِلْكَ فَكَيْفَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ مَعَهم ؟ فَنَقُولُ الدّالُّ عَلى الشَّرِّ لَهُ نَصِيبٌ كَفاعِلِ الشَّرِّ، كَما أنَّ الدّالَّ عَلى الخَيْرِ كَفاعِلِهِ وهي كانَتْ تَدُلُّ القَوْمَ عَلى ضُيُوفِ لُوطٍ حَتّى كانُوا يَقْصِدُونَهم، فَبِالدَّلالَةِ صارَتْ واحِدَةً مِنهم، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ بِشارَةِ
صفحة ٥٦
لُوطٍ بِالتَّنْجِيَةِ ذَكَرُوا أنَّهم مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ العَذابَ فَقالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ بَعْضُهم: حِجارَةٌ وقِيلَ: نارٌ، وقِيلَ: خَسْفٌ، وعَلى هَذا فَلا يَكُونُ عَيَّنَهُ مِنَ السَّماءِ وإنَّما يَكُونُ الأمْرُ بِالخَسْفِ مِنَ السَّماءِ أوِ القَضاءُ بِهِ مِنَ السَّماءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ كَلامَ المَلائِكَةِ مَعَ لُوطٍ جَرى عَلى نَمَطِ كَلامِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ قَدَّمُوا البِشارَةَ عَلى الإنْذارِ حَيْثُ قالُوا: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ﴾ ثُمَّ قالُوا: ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ ولَمْ يُعَلِّلُوا التَّنْجِيَةَ، فَما قالُوا إنّا مُنَجُّوكَ لِأنَّكَ نَبِيٌّ أوْ عابِدٌ، وعَلَّلُوا الإهْلاكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقالُوا: بِما كانُوا، كَما قالُوا هُناكَ: ﴿إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّ القَرْيَةَ مَعْلُومَةٌ وفِيها الماءُ الأسْوَدُ وهي بَيْنَ القُدْسِ والكَرْكِ وفِيها مَسائِلُ:
إحْداها: جَعَلَ اللَّهُ الآيَةَ في نُوحٍ وإبْراهِيمَ بِالنَّجاةِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً﴾ (العَنْكَبُوتِ: ١٥ ) وقالَ: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٤ ) وجَعَلَ هَهُنا الهَلاكَ آيَةً فَهَلْ عِنْدَكَ فِيهِ شَيْءٌ ؟ نَقُولُ نَعَمْ، أمّا إبْراهِيمُ فَلِأنَّ الآيَةَ كانَتْ في النَّجاةِ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ إهْلاكٌ، وأمّا في نُوحٍ فَلِأنَّ الإنْجاءَ مِنَ الطُّوفانِ الَّذِي عَلا الجِبالَ بِأسْرِها أمْرٌ عَجِيبٌ إلَهِيٌّ، وما بِهِ النَّجاةُ وهو السَّفِينَةُ كانَ باقِيًا، والغَرَقُ لَمْ يَبْقَ لِمَن بَعْدَهُ أثَرُهُ فَجَعَلَ الباقِيَ آيَةً، وأمّا هَهُنا فَنَجاةُ لُوطٍ لَمْ يَكُنْ بِأمْرٍ يَبْقى أثَرُهُ لِلْحِسِّ، والهَلاكُ أثَرُهُ مَحْسُوسٌ في البِلادِ فَجَعَلَ الآيَةَ الأمْرَ الباقِيَ وهو هَهُنا البِلادُ وهُناكَ السَّفِينَةُ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى آيَةُ قُدْرَتِهِ مَوْجُودَةٌ في الإنْجاءِ والإهْلاكِ فَذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ آيَةً وقَدَّمَ آياتِ الإنْجاءِ لِأنَّها أثَرُ الرَّحْمَةِ وأخَّرَ آياتِ الإهْلاكِ لِأنَّها أثَرُ الغَضَبِ ورَحْمَتُهُ سابِقَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في السَّفِينَةِ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ: بَيِّنَةً وقالَ هَهُنا آيَةً بَيِّنَةً نَقُولُ لِأنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ أمْرٌ يَتَّسِعُ لَهُ كُلُّ عَقْلٍ وقَدْ يَقَعُ في وهْمِ جاهِلٍ أنَّ الإنْجاءَ بِالسَّفِينَةِ لا يَفْتَقِرُ إلى أمْرٍ آخَرَ، وأمّا الآيَةُ هَهُنا الخَسْفُ وجَعْلُ دِيارٍ مَعْمُورَةٍ عالِيَها سافِلَها وهو لَيْسَ بِمُعْتادٍ، وإنَّما ذَلِكَ بِإرادَةِ قادِرٍ يُخَصِّصُهُ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ وفي زَمانٍ دُونَ زَمانٍ، فَهي بَيِّنَةٌ لا يُمْكِنُ لِجاهِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ وكانَ لَهُ أنْ يَقُولَ في السَّفِينَةِ: النَّجاةُ بِها أمْرٌ يَكُونُ كَذَلِكَ إلى أنْ يُقالَ لَهُ: فَمِن أيْنَ عَلِمَ أنَّهُ يَحْتاجُ إلَيْها ولَوْ دامَ الماءُ حَتّى يَنْفَدَ زادُهم كَيْفَ كانَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّجاةُ ؟ ولَوْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العاصِفَةَ كَيْفَ يَكُونُ أحْوالُهم ؟ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ لِلْعالَمِينَ وقالَ هَهُنا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قُلْنا لِأنَّ السَّفِينَةَ مَوْجُودَةٌ في جَمِيعِ أقْطارِ العالَمِ فَعِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ مِثالٌ لِسَفِينَةِ نُوحٍ يَتَذَكَّرُونَ بِها حالَهُ، وإذا رَكِبُوها يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّجاةَ ولا يَثِقُ أحَدٌ بِمُجَرَّدِ السَّفِينَةِ، بَلْ يَكُونُ دائِمًا مُرْتَجِفَ القَلْبِ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلنَّجاةِ، وأمّا أثَرُ الهَلاكِ في بِلادِ لُوطٍ فَفي مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا مَن يَمُرُّ بِها ويَصِلُ إلَيْها ويَكُونُ لَهُ عَقْلٌ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ المُرِيدِ، بِسَبَبِ اخْتِصاصِهِ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ ووُجُودِهِ في زَمانٍ بَعْدَ زَمانٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences