Ar-RaziAl-'Ankabut · 29:36–44

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:36–44

29:36–37Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

صفحة ٥٧

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ لَمّا أتَمَّ الحِكايَةَ الثّانِيَةَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصارِ لِفائِدَةِ الِاعْتِبارِ شَرَعَ في الثّالِثَةِ وقالَ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهُمْ﴾ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَدْيَنَ، فَقالَ بَعْضُهم إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ في الأصْلِ وحَصَلَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ فاشْتُهِرَ في القَبِيلَةِ كَتَمِيمٍ وقَيْسٍ وغَيْرِهِما، وقالَ بَعْضُهُمُ: اسْمُ ماءٍ نُسِبَ القَوْمُ إلَيْهِ، واشْتُهِرَ في القَوْمِ، والأوَّلُ كَأنَّهُ أصَحُّ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أضافَ الماءَ إلى مَدْيَنَ حَيْثُ قالَ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ (القَصَصِ: ٢٣ ) ولَوْ كانَ اسْمًا لِلْماءِ لَكانَتِ الإضافَةُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ أوْ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، والأصْلُ في الإضافَةِ التَّغايُرُ حَقِيقَةً، وقَوْلُهُ: ﴿أخاهُمْ﴾ قِيلَ لِأنَّ شُعَيْبًا كانَ مِنهم نَسَبًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ اللَّهُ تَعالى في نُوحٍ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ (هُودٍ: ٢٥ ) قَدَّمَ نُوحًا في الذِّكْرِ وعَرَّفَ القَوْمَ بِالإضافَةِ إلَيْهِ وكَذَلِكَ في إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وهَهُنا ذَكَرَ القَوْمَ أوَّلًا وأضافَ إلَيْهِمْ أخاهم شُعَيْبًا، فَنَقُولُ: الأصْلُ في جَمِيعِ المَواضِعِ أنْ يَذْكُرَ القَوْمَ ثُمَّ يَذْكُرَ رَسُولَهم لِأنَّ المُرْسِلَ لا يَبْعَثُ رَسُولًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وإنَّما يَحْصُلُ قَوْمٌ أوْ شَخْصٌ يَحْتاجُونَ إلى إنْباءٍ مِنَ المُرْسِلِ فَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ مَن يَخْتارُهُ، غَيْرَ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ ولا نِسْبَةٌ مَخْصُوصَةٌ يُعْرَفُونَ بِها، فَعُرِفُوا بِالنَّبِيِّ فَقِيلَ: قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ لُوطٍ، وأمّا قَوْمُ شُعَيْبٍ وهُودٍ وصالِحٍ فَكانَ لَهم نَسَبٌ مَعْلُومٌ اشْتُهِرُوا بِهِ عِنْدَ النّاسِ فَجَرى الكَلامُ عَلى أصْلِهِ وقالَ اللَّهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ وقالَ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ (الأعْرافِ: ٦٥ ) .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لُوطٍ أنَّهُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالعِبادَةِ والتَّوْحِيدِ، وذَكَرَ عَنْ شُعَيْبٍ ذَلِكَ ؟ قُلْنا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ لُوطًا كانَ لَهُ قَوْمٌ وهو كانَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ وفي زَمانِهِ، وإبْراهِيمُ سَبَقَهُ بِذَلِكَ واجْتَهَدَ فِيهِ حَتّى اشْتُهِرَ الأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ الخَلْقِ مِن إبْراهِيمَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْ لُوطٍ وإنَّما ذَكَرَ مِنهُ ما اخْتَصَّ بِهِ مِنَ المَنعِ عَنِ الفاحِشَةِ وغَيْرِها، وإنْ كانَ هو أيْضًا يَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ، إذْ ما مِن رَسُولٍ إلّا ويَكُونُ أكْثَرُ كَلامِهِ في التَّوْحِيدِ، وأمّا شُعَيْبٌ فَكانَ بَعْدَ انْقِراضِ القَوْمِ فَكانَ هو أصْلًا أيْضًا في التَّوْحِيدِ فَبَدَأ بِهِ وقالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، والأمْرُ بِالعِبادَةِ لا يُفِيدُهُ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ ويَعْبُدُ غَيْرَهُ فَهو مُشْرِكٌ فَكَيْفَ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ؟ فَنَقُولُ: هَذا الأمْرُ يُفِيدُ التَّوْحِيدَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَرى غَيْرَهُ يَخْدُمُ زَيْدًا وعَمْرٌو هُناكَ وهو أكْبَرُ أوْ هو سَيِّدُ زَيْدٍ، فَإذا قالَ لَهُ اخْدِمْ عَمْرًا يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ يَأْمُرُهُ بِصَرْفِ الخِدْمَةِ إلَيْهِ، وكَذا إذا كانَ لِواحِدٍ دِينارٌ واحِدٌ، وهو يُرِيدُ أنْ يُعْطِيَهُ زَيْدًا، فَإذا قِيلَ لَهُ: أعْطِهِ عَمْرًا يَفْهَمُ مِنهُ لا تُعْطِهِ زَيْدًا، فَنَقُولُ هم كانُوا مُشْتَغِلِينَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، واللَّهُ مالِكُ ذَلِكَ الغَيْرِ فَقالَ لَهم شُعَيْبٌ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فَفَهِمُوا مِنهُ تَرْكَ عِبادَةِ غَيْرِهِ، أوْ نَقُولُ لِكُلِّ واحِدٍ نَفْسٌ واحِدَةٌ ويُرِيدُ وضْعَها في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ فَقالَ لَهم شُعَيْبٌ ضَعُوها في مَوْضِعِها وهو عِبادَةُ اللَّهِ فَفُهِمَ مِنهُ التَّوْحِيدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ افْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ العاقِبَةَ إذْ قَدْ يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ كُنْ عاقِلًا، ويَكُونُ مَعْناهُ افْعَلْ فِعْلَ مَن يَكُونُ عاقِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا، فَإنَّ عِنْدَنا مَن عَبَدَ اللَّهَ طُولَ عُمُرِهِ يُثِيبُهُ اللَّهُ تَفَضُّلًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ العابِدَ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ ما لَوْ زادَ عَلى ما أتى بِهِ لَما خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ، ومَن

صفحة ٥٨

شَكَرَ المُنْعِمَ عَلى نِعَمٍ سَبَقَتْ لا يَلْزَمُ المُنْعِمُ أنْ يَزِيدَهُ، وإنْ زادَهُ يَكُونُ إحْسانًا مِنهُ إلَيْهِ وإنْعامًا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى التَّفَضُّلِ لا عَلى الوُجُوبِ فَإنَّ الفَضْلَ يُرْجى، والواجِبُ مِنَ العادِلِ يَقْطَعُ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ وخافُوهُ مَعَ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ مُخَوِّفٌ عِنْدَ الكُلِّ، وغَيْرُ مَرْجُوٍّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لِفِسْقِهِ وفُجُورِهِ ومَحَبَّتِهِ الدُّنْيا ولا يَرْجُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِن عِبادِهِ، فَنَقُولُ لَمّا ذَكَرَ التَّوْحِيدَ بِطَرِيقِ الإثْباتِ وقالَ: ﴿اعْبُدُوا﴾ ولَمْ يَذْكُرْهُ بِطَرِيقِ النَّفْيِ وما قالَ: ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ قالَ بِلَفْظِ الرَّجاءِ لِأنَّ عِبادَةَ اللَّهِ يُرْجى مِنها الخَيْرُ في الدّارَيْنِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ حَكى في حِكايَةِ إبْراهِيمَ أنَّهُ قالَ إنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ الأوْثانَ مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَتَكْفُرُونَ بِها، وقالَ هاهُنا: لا تَكُونُوا كالَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَمْ يَرْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ، فاقْتَصَرُوا عَلى مَوَدَّةِ الحَياةِ الدُّنْيا، وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ واعْمَلُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ نُصِبَ مُفْسِدِينَ عَلى المَصْدَرِ كَما يُقالُ قُمْ قائِمًا أيْ: قِيامًا ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: اجْلِسْ قُعُودًا لِأنَّ العَيْثَ والفَسادَ بِمَعْنًى، وجَمَعَ الأوامِرَ والنَّواهِيَ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ ثُمَّ إنَّ قَوْمَهُ كَذَّبُوهُ بَعْدَما بَلَّغَ وبَيَّنَ، فَحَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما حُكِيَ عَنْ شُعَيْبٍ أمْرٌ ونَهْيٌ والأمْرُ لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّبُ، فَإنَّ مَن قالَ لِغَيْرِهِ قُمْ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، فَنَقُولُ كانَ شُعَيْبٌ يَقُولُ: اللَّهُ واحِدٌ فاعْبُدُوهُ، والحَشْرُ كائِنٌ فارْجُوهُ، والفَسادُ مُحَرَّمٌ فَلا تَقْرَبُوهُ، وهَذِهِ الأشْياءُ فِيها إخْباراتٌ فَكَذَّبُوهُ فِيما أخْبَرَهم بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هاهُنا وفي الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وقالَ في هُودٍ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والحِكايَةُ واحِدَةٌ، نَقُولُ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما فَإنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ سَبَبًا لِلرَّجْفَةِ، إمّا لِرَجْفَةِ الأرْضِ إذْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ صاحَ فَتَزَلْزَلَتِ الأرْضُ مِن صَيْحَتِهِ، وإمّا لِرَجْفَةِ الأفْئِدَةِ فَإنَّ قُلُوبَهُمُ ارْتَجَفَتْ مِنها، والإضافَةُ إلى السَّبَبِ لا تُنافِي الإضافَةَ إلى سَبَبِ السَّبَبِ، إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: رَوِيَ فَقَوِيَ، وأنْ يُقالَ شَرِبَ فَقَوِيَ في صُورَةٍ واحِدَةٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حَيْثُ قالَ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قالَ: ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ وحَيْثُ قالَ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: ﴿فِي دارِهِمْ﴾ فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ الدّارِ هو الدَّيّارُ، والإضافَةُ إلى الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وأنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الواحِدِ إذا أُمِنَ الِالتِباسُ، وإنَّما اخْتَلَفَ اللَّفْظُ لِلَطِيفَةٍ، وهي أنَّ الرَّجْفَةَ هائِلَةٌ في نَفْسِها فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مُهَوِّلٍ، وأمّا الصَّيْحَةُ فَغَيْرُ هائِلَةٍ في نَفْسِها لَكِنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ لَمّا كانَتْ عَظِيمَةً حَتّى أحْدَثَتِ الزَّلْزَلَةَ في الأرْضِ ذَكَرَ الدِّيارَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، حَتّى تُعْلَمَ هَيْبَتُها، والرَّجْفَةُ بِمَعْنى الزَّلْزَلَةِ عَظِيمَةٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى مُعَظِّمٍ لِأمْرِها، وقِيلَ إنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ أعَمَّ حَيْثُ عَمَّتِ الأرْضَ والجَوَّ، والزَّلْزَلَةُ لَمْ تَكُنْ إلّا في الأرْضِ فَذَكَرَ الدِّيارَ هُناكَ.

غَيْرَ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الدّارَ والدِّيارَ مَوْضِعُ الجُثُومِ لا مَوْضِعُ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ، فَهم ما أصْبَحُوا جاثِمِينَ إلّا في دِيارِهِمْ.

29:38–39Page 400

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ أيْ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ دَلَّ عَلى الإهْلاكِ ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ الأمْرُ وما تَعْتَبِرُونَ مِنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ما جَرى عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ يَعْنِي: عِبادَتَهم لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: عِبادَةَ اللَّهِ ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يَعْنِي بِواسِطَةِ الرُّسُلِ يَعْنِي فَلَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ، فَإنَّ الرُّسُلَ أوْضَحُوا السُّبُلَ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ عَطْفًا عَلَيْهِمْ أيْ: وأهْلَكْنا قارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ كَما قالَ في عادٍ وثَمُودَ: ﴿وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ: بِالرُّسُلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُوَضِّحُ قِلَّةَ عَقْلِهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن في الأرْضِ أضْعَفُ أقْسامِ المُكَلَّفِينَ، ومَن في السَّماءِ أقْواهم، ثُمَّ إنَّ مَن في السَّماءِ لا يَسْتَكْبِرُ عَلى اللَّهِ وعَنْ عِبادَتِهِ، فَكَيْفَ [ يَسْتَكْبِرُ ] مَن في الأرْضِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ: ما كانُوا يَفُوتُونَ اللَّهَ لِأنّا بَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٢٢ ) أنَّ المُرادَ أنَّ أقْطارَ الأرْضِ في قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ.

29:40Page 401

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

ذَكَرَ اللَّهُ أرْبَعَةَ أشْياءَ: العَذابُ بِالحاصِبِ، وقِيلَ إنَّهُ كانَ بِحِجارَةٍ مُحْماةٍ يَقَعُ عَلى واحِدٍ مِنهم ويَنْفُذُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى النّارِ، والعَذابُ بِالصَّيْحَةِ وهو هَواءٌ مُتَمَوِّجٌ، فَإنَّ الصَّوْتَ قِيلَ سَبَبُهُ تَمَوُّجُ الهَواءِ

صفحة ٦٠

ووُصُولُهُ إلى الغِشاءِ الَّذِي عَلى مَنفَذِ الأُذُنِ وهو الصِّماخُ فَيَقْرَعُهُ فَيُحِسُّ، والعَذابُ بِالخَسْفِ وهو الغَمْرُ في التُّرابِ، والعَذابُ بِالإغْراقِ وهو بِالماءِ، فَحَصَلَ العَذابُ بِالعَناصِرِ الأرْبَعَةِ والإنْسانُ مُرَكَّبٌ مِنها وبِها قِوامُهُ وبِسَبَبِها بَقاؤُهُ ودَوامُهُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ هَلاكَ الإنْسانِ جَعَلَ ما مِنهُ وجُودُهُ سَبَبًا لِعَدَمِهِ، وما بِهِ بَقاؤُهُ سَبَبًا لِفَنائِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يَعْنِي لَمْ يَظْلِمْهم بِالهَلاكِ، وإنَّما هم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإشْراكِ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ وهو أنَّ اللَّهَ ما كانَ يَظْلِمُهم أيْ ما كانَ يَضَعُهم في غَيْرِ مَوْضِعِهِمْ فَإنَّ مَوْضِعَهُمُ الكَرامَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠ ) لَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم حَيْثُ وضَعُوها مَعَ شَرَفِهِمْ في عِبادَةِ الوَثَنِ مَعَ خِسَّتِهِ.

29:41Page 401

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أهْلَكَ مَن أشْرَكَ عاجِلًا وعَذَّبَ مَن كَذَّبَ آجِلًا، ولَمْ يَنْفَعْهُ في الدّارَيْنِ مَعْبُودُهُ ولَمْ يَدْفَعْ ذَلِكَ عَنْهُ رُكُوعُهُ وسُجُودُهُ، مَثَّلَ اتِّخاذَهُ ذَلِكَ مَعْبُودًا بِاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ بَيْتًا لا يُجِيرُ آوِيًا ولا يُرِيحُ ثاوِيًا، وفي الآيَةِ لَطائِفُ نَذْكُرُها في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ هَذا المَثَلِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأمْثالِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ البَيْتَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ أُمُورٌ: حائِطٌ حائِلٌ، وسَقْفٌ مُظِلٌّ، وبابٌ يُغْلَقُ، وأُمُورٌ يُنْتَفَعُ بِها ويُرْتَفَقُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ.

إمّا حائِطٌ حائِلٌ يَمْنَعُ مِنَ البَرْدِ وإمّا سَقْفٌ مُظِلٌّ يَدْفَعُ عَنْهُ الحَرَّ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُما شَيْءٌ فَهو كالبَيْداءِ لَيْسَ بِبَيْتٍ لَكِنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يُجِنُّها ولا يُكِنُّها وكَذَلِكَ المَعْبُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنهُ الخَلْقُ والرِّزْقُ وجَرُّ المَنافِعِ وبِهِ دَفْعُ المَضارِّ، فَإنْ لَمْ تَجْتَمِعْ هَذِهِ الأُمُورُ فَلا أقَلَّ مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَرِّ نَفْعٍ، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَهو والمَعْدُومُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ، فَإذَنْ كَما لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَنْكَبُوتِ بِاتِّخاذِ ذَلِكَ البَيْتِ مِن مَعانِي البَيْتِ شَيْءٌ، كَذَلِكَ الكافِرُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِاتِّخاذِ الأوْثانِ أوْلِياءَ مِن مَعانِي الأوْلِياءِ شَيْءٌ.

الثّانِي: هو أنَّ أقَلَّ دَرَجاتِ البَيْتِ أنْ يَكُونَ لِلظِّلِّ فَإنَّ البَيْتَ مِنَ الحَجَرِ يُفِيدُ الِاسْتِظْلالَ ويَدْفَعُ أيْضًا الهَواءَ والماءَ والنّارَ والتُّرابَ، والبَيْتُ مِنَ الخَشَبِ يُفِيدُ الِاسْتِظْلالَ ويَدْفَعُ الحَرَّ والبَرْدَ ولا يَدْفَعُ الهَواءَ القَوِيَّ ولا الماءَ ولا النّارَ، والخِباءُ الَّذِي هو بَيْتٌ مِنَ الشَّعْرِ، أوِ الخَيْمَةُ الَّتِي هي مِن ثَوْبٍ إنْ كانَ لا يَدْفَعُ شَيْئًا يُظِلُّ ويَدْفَعُ حَرَّ الشَّمْسِ، لَكِنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا يُظِلُّ فَإنَّ الشَّمْسَ بِشُعاعِها تَنْفُذُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ المَعْبُودُ أعْلى دَرَجاتِهِ أنْ يَكُونَ نافِذَ الأمْرِ في الغَيْرِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَيَكُونُ نافِذَ الأمْرِ في العابِدِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَنْفُذَ أمْرُ العابِدِ فِيهِ لَكِنَّ مَعْبُودَهم تَحْتَ تَسْخِيرِهِمْ إنْ أرادُوا أجَلُّوهُ وإنْ أحَبُّوا أذَلُّوهُ.

الثّالِثُ: أدْنى مَراتِبِ البَيْتِ أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ ثَباتٍ وارْتِفاقٍ لا يَصِيرُ سَبَبَ شَتاتٍ وافْتِراقٍ، لَكِنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ يَصِيرُ سَبَبَ انْزِعاجِ العَنْكَبُوتِ، فَإنَّ العَنْكَبُوتَ لَوْ دامَ في زاوِيَةٍ مُدَّةً لا يَقْصِدُ ولا يَخْرُجُ مِنها، فَإذا نَسَجَ عَلى نَفْسِهِ واتَّخَذَ بَيْتًا يَتْبَعُهُ صاحِبُ المِلْكِ بِتَنْظِيفِ البَيْتِ مِنهُ والمَسْحِ بِالمُسُوحِ الخَشِنَةِ المُؤْذِيَةِ لِجِسْمِ العَنْكَبُوتِ، فَكَذَلِكَ العابِدُ بِسَبَبِ العِبادَةِ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَحِقَّ الثَّوابَ، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَسْتَحِقَّ بِسَبَبِها العَذابَ، والكافِرُ يَسْتَحِقُّ بِسَبَبِ العِبادَةِ العَذابَ.

صفحة ٦١

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَثَّلَ اللَّهُ اتِّخاذَهُمُ الأوْثانَ أوْلِياءَ بِاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ نَسْجَهُ بَيْتًا ولَمْ يُمَثِّلْهُ بِنَسْجِهِ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ نَسْجَهُ فِيهِ فائِدَةٌ لَهُ لَوْلاهُ لَما حَصَلَ وهو اصْطِيادُها الذُّبابَ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَفُوتَهُ ما هو أعْظَمُ مِنهُ، واتِّخاذُهُمُ الأوْثانَ وإنْ كانَ يُفِيدُهم ما هو أقَلُّ مِنَ الذُّبابِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا، لَكِنْ يَفُوتُهم ما هو أعْظَمُ مِنها وهو الدّارُ الآخِرَةُ الَّتِي هي خَيْرٌ وأبْقى فَلَيْسَ اتِّخاذُهم كَنَسْجِ العَنْكَبُوتِ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ نَسْجَهُ مُفِيدٌ لَكِنَّ اتِّخاذَها ذَلِكَ بَيْتًا أمْرٌ باطِلٌ فَكَذَلِكَ هم لَوِ اتَّخَذُوا الأوْثانَ دَلائِلَ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وصِفاتِ كَمالِهِ، وبَراهِينَ عَلى نُعُوتِ إكْرامِهِ وأوْصافِ جَلالِهِ لَكانَ حِكْمَةً، لَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوها أوْلِياءَ كَجَعْلِ العَنْكَبُوتِ النَّسْجَ بَيْتًا وكِلاهُما باطِلٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَما أنَّ هَذا المَثَلَ صُحِّحَ في الأوَّلِ فَهو صَحِيحٌ في الآخِرِ، فَإنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ إذا هَبَّتْ رِيحٌ لا يُرى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ بَلْ يَصِيرُ هَباءً مَنثُورًا، فَكَذَلِكَ أعْمالُهم لِلْأوْثانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ (الفُرْقانِ: ٢٣ ) .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: (آلِهَةً) إشارَةً إلى إبْطالِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ أيْضًا، فَإنَّ مَن عَبَدَ اللَّهَ رِياءً لِغَيْرِهِ فَقَدِ اتَّخَذَ ولِيًّا غَيْرَهُ فَمَثَلُهُ مَثَلُ العَنْكَبُوتِ يَتَّخِذُ نَسْجَهُ بَيْتًا.

29:42Page 401

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .

إشارَةً إلى ما بَيَّنّا أنَّ كُلَّ بَيْتٍ فَفِيهِ إمّا فائِدَةُ الِاسْتِظْلالِ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وبَيْتُهُ يَضْعُفُ عَنْ إفادَةِ ذَلِكَ لِأنَّهُ يُخَرَّبُ بِأدْنى شَيْءٍ ولا يَبْقى مِنهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ فَكَذَلِكَ عَمَلُهم ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا زِيادَةُ تَوْكِيدٍ عَلى التَّمْثِيلِ حَيْثُ إنَّهم لا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ، بِمَعْنى ما يَدْعُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وهو عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَتْرُكَ القادِرَ الحَكِيمَ ويَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ ما لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وهَذا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ جَعَلَ ما نافِيَةً، وهو صَحِيحٌ، والعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِالجُمْلَةِ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنِّي أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ حَقٌّ، يَعْنِي أعْلَمُ هَذِهِ الجُمْلَةَ، وإنْ كُنّا نَجْعَلُ ما خَبَرِيَّةً فَيَكُونُ مَعْناهُ ما يَدْعُونَ مِن شَيْءٍ فاللَّهُ يَعْلَمُهُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ قادِرٌ عَلى إعْدامِهِ وإهْلاكِهِمْ، لَكِنَّهُ حَكِيمٌ يُمْهِلُهم لِيَكُونَ الهَلاكُ عَنْ بَيِّنَةٍ والحَياةُ عَنْ بَيِّنَةٍ، ومِن هَهُنا يَكُونُ الخِطابُ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وعَلى هَذا لَوْ قالَ قائِلٌ ما وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِالتَّمْثِيلِ السّابِقِ ؟ فَنَقُولُ لَمّا قالَ: إنَّ مَثَلَهم كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ، فَكانَ لِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ أنا لا أعْبُدُ هَذِهِ الأوْثانَ الَّتِي أتَّخِذُها وهي تَحْتَ تَسْخِيرِي، وإنَّما هي صُورَةُ كَوْكَبٍ أنا تَحْتَ تَسْخِيرِهِ، ومِنهُ نَفْعِي وضُرِّي وخَيْرِي وشَرِّي ووُجُودِي ودَوامِي فَلَهُ سُجُودِي وإعْظامِي، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو مِثْلُ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ لِأنَّ الكَوْكَبَ والمَلَكَ وكُلَّ ما عَدا اللَّهَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَعِبادَتُكم لِلْغائِبِ كَعِبادَتِكم لِلْحاضِرِ ولا مَعْبُودَ

صفحة ٦٢

إلّا اللَّهُ ولا إلَهَ سِواهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾

قالَ الكافِرُونَ كَيْفَ يَضْرِبُ خالِقُ الأرْضِ والسَّماواتِ الأمْثالَ بِالهَوامِّ والحَشَراتِ كالبَعُوضِ والذُّبابِ والعَنْكَبُوتِ ؟ فَيُقالُ الأمْثالُ تُضْرَبُ لِلنّاسِ إنْ لَمْ تَكُونُوا كالأنْعامِ يَحْصُلْ لَكم مِنهُ إدْراكُ ما يُوجِبُ نَفْرَتَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ وذَلِكَ لِأنَّ التَّشْبِيهَ يُؤَثِّرُ في النَّفْسِ تَأْثِيرًا مِثْلَ تَأْثِيرِ الدَّلِيلِ، فَإذا قالَ الحَكِيمُ لِمَن يَغْتابُ إنَّكَ بِالغِيبَةِ كَأنَّكَ تَأْكُلُ لَحْمَ مَيِّتٍ لِأنَّكَ وقَعْتَ في هَذا الرَّجُلِ وهو غائِبٌ لا يَفْهَمُ ما تَقُولُ ولا يَسْمَعُ حَتّى يُجِيبَ كَمَن يَقَعُ في مَيِّتٍ يَأْكُلُ مِنهُ وهو لا يَعْلَمُ ما يَفْعَلُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ إنْ كانَ يَعْلَمُهُ فَيَنْفِرُ طَبْعُهُ مِنهُ كَما يَنْفِرُ إذا قالَ لَهُ إنَّهُ يُوجِبُ العَذابَ ويُورِثُ العِقابَ.

29:43–44Page 401

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ .

يَعْنِي: حَقِيقَتَها. وكَوْنُ الأمْرِ كَذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا مَن حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِبُطْلانِ ما سِوى اللَّهِ، وفَسادِ عِبادَةِ ما عَداهُ، وفِيهِ مَعْنًى حُكْمِيٌّ وهو أنَّ العِلْمَ الحَدْسِيَّ يَعْلَمُهُ العاقِلُ والعِلْمَ الفِكْرِيَّ الدَّقِيقَ يَعْقِلُهُ العالِمُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاقِلَ إذا عَرَضَ عَلَيْهِ أمْرٌ ظاهِرٌ أدْرَكَهُ كَما هو بِكُنْهِهِ لِكَوْنِ المُدْرَكِ ظاهِرًا وكَوْنِ المُدْرَكِ عاقِلًا، ولا يَحْتاجُ إلى كَوْنِهِ عالِمًا بِأشْياءَ قَبْلَهُ، وأمّا الدَّقِيقُ فَيَحْتاجُ إلى عِلْمٍ سابِقٍ فَلا بُدَّ مِن عالِمٍ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ دَقِيقًا في غايَةِ الدِّقَّةِ فَيُدْرِكُهُ ولا يُدْرِكُهُ بِتَمامِهِ ويَعْقِلُهُ إذا كانَ عالِمًا. إذا عُلِمَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ يَعْنِي هو ضَرَبَ لِلنّاسِ أمْثالًا، وحَقِيقَتُها وما فِيها مِنَ الفَوائِدِ بِأسْرِها فَلا يُدْرِكُها إلّا العُلَماءُ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الخَلْقَ بِالإيمانِ وأظْهَرَ الحَقَّ بِالبُرْهانِ ولَمْ يَأْتِ الكُفّارُ بِما أمَرَهم بِهِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصًا فِيها عِبَرٌ، وأنْذَرَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِإهْلاكِ مَن غَبَرَ، وبَيَّنَ ضَعْفَ دَلِيلِهِمْ بِالتَّمْثِيلِ، ولَمْ يَهْتَدُوا بِذَلِكَ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وحَصَلَ يَأْسُ النّاسِ عَنْهم سَلّى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ:

﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

يَعْنِي: إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هم لا يُورِثُ كُفْرُهم شَكًّا في صِحَّةِ دِينِكم، ولا يُؤَثِّرُ شَكُّهم في قُوَّةِ يَقِينِكم، فَإنَّ خَلْقَ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ لِلْمُؤْمِنِينَ بَيانٌ ظاهِرٌ، وبُرْهانٌ باهِرٌ، وإنْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ عَلى وجْهِ الأرْضِ كافِرٌ، وفي الآيَةِ مَسْألَةٌ يَتَبَيَّنُ بِها تَفْسِيرُ الآيَةِ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى كَيْفَ خَصَّ الآيَةَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ في خَلْقِهِما آيَةً لِكُلِّ عاقِلٍ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لُقْمانَ: ٢٥ ) وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى أنْ قالَ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٦٤ ) فَنَقُولُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ آيَةٌ لِكُلِّ عاقِلٍ، وخَلْقُهُما بِالحَقِّ آيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَحَسْبُ، وبَيانُهُ مِن حَيْثُ النَّقْلِ والعَقْلِ، أمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ﴾

صفحة ٦٣

﴿أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدُّخانِ: ٣٩] أخْرَجَ أكْثَرَ النّاسِ عَنِ العِلْمِ بِكَوْنِ خَلْقِهِما بِالحَقِّ مَعَ أنَّهُ أثْبَتَ عِلْمَ الكُلِّ بِأنَّهُ خَلَقَهُما حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ وأمّا العَقْلُ فَهو أنَّ العاقِلَ أوَّلَ ما يَنْظُرُ إلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ أنَّ لَهُما خالِقًا وهو اللَّهُ ثُمَّ مَن يَهْدِيهِ اللَّهُ لا يَقْطَعُ النَّظَرَ عَنْهُما عِنْدَ مُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ إنَّهُ خَلَقَهُما مُتْقِنًا مُحْكِمًا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾، لِأنَّ ما لا يَكُونُ عَلى وجْهِ الإحْكامِ يَفْسُدُ ويَبْطُلُ فَيَكُونُ باطِلًا، وإذا عَلِمَ أنَّهُ خَلَقَهُما مُتْقِنًا يَقُولُ إنَّهُ قادِرٌ كامِلٌ حَيْثُ خَلَقَ، وعالِمٌ عِلْمُهُ شامِلٌ حَيْثُ أتْقَنَ فَيَقُولُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ أجْزاءُ المَوْجُوداتِ في الأرْضِ ولا في السَّماواتِ ولا يَعْجِزُ عَنْ جَمْعِها كَما جَمَعَ أجْزاءَ الكائِناتِ والمُبْدَعاتِ، فَيُجَوِّزُ بَعْثَ مَن في القُبُورِ وبِعْثَةَ الرَّسُولِ، ويَعْلَمُ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ أكْثَرَ مِن واحِدٍ لَفَسَدَتا ولَبَطَلَتا وهُما بِالحَقِّ مَوْجُودانِ فَيَحْصُلُ لَهُ الإيمانُ بِتَمامِهِ، مِن خَلْقِ ما خَلَقَهُ عَلى أحْسَنِ نِظامِهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском