Ar-RaziAl-'Ankabut · 29:45–50

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:45–50

29:45Page 401

ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَلّى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ سَلّى رَسُولَهُ:

﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾

بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾

يَعْنِي إنْ كُنْتَ تَأْسَفُ عَلى كُفْرِهِمْ فاتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ لِتَعْلَمَ أنَّ نُوحًا ولُوطًا وغَيْرَهُما كانُوا عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ بَلَّغُوا الرِّسالَةَ وبالَغُوا في إقامَةِ الدَّلالَةِ ولَمْ يُنْقِذُوا قَوْمَهم مِنَ الضَّلالَةِ والجَهالَةِ ولِهَذا قالَ: ﴿اتْلُ﴾ وما قالَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ التِّلاوَةَ ما كانَتْ بَعْدَ اليَأْسِ مِنهم إلّا لِتَسْلِيَةِ قَلْبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى:إنَّ الرَّسُولَ إذا كانَ مَعَهُ كِتابٌ وقَرَأ كِتابَهُ مَرَّةً ولَمْ يُسْمَعْ لَمْ يَبْقَ لَهُ فائِدَةٌ في قِراءَتِهِ لِنَفْسِهِ فَنَقُولُ الكِتابُ المُنَزَّلُ مَعَ النَّبِيِّ المُرْسَلِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الكُتُبَ المُسَيَّرَةَ مَعَ الرُّسُلِ عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ سَلامٌ وكَلامٌ، مَعَ واحِدٍ يَحْصُلُ بِقِراءَتِهِ مَرَّةً تَمامُ المَرامِ، وقِسْمٌ يَكُونُ فِيهِ قانُونٌ كُلِّيٌّ تَحْتاجُ إلَيْهِ الرَّعِيَّةُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ كَما إذا كَتَبَ المَلِكُ كِتابًا فِيهِ إنّا رَفَعْنا عَنْكُمُ البِدْعَةَ الفُلانِيَّةَ ووَضَعْنا فِيكُمُ السُّنَّةَ الفُلانِيَّةَ وبَعَثْنا إلَيْكم هَذا الكِتابَ فِيهِ جَمِيعُ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ كَمِنوالٍ يَنْسِجُ عَلَيْهِ والٍ بَعْدَ والٍ، فَمِثْلُ هَذا الكِتابِ لا يُقْرَأُ ويُتْرَكُ، بَلْ يُعَلَّقُ مِن مَكانٍ عالٍ، وكَثِيرًا ما تُكْتَبُ نُسْخَتُهُ عَلى لَوْحٍ ويُثَبَّتُ فَوْقَ المَحارِيبِ، ويَكُونُ نَصْبَ الأعْيُنِ، فَكَذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ مَعَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ قانُونٌ كُلِّيٌّ فِيهِ شِفاءٌ لِلْعالَمِينَ فَوَجَبَ تِلاوَتُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِيَبْلُغَ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، ويَنْقُلَهُ قَرْنٌ إلى قَرْنٍ ويَأْخُذَهُ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ ويَثْبُتَ في الصُّدُورِ عَلى مُرُورِ الدُّهُورِ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ الكُتُبَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: كِتابٌ لا تَكْرَهُ قِراءَتَهُ إلّا لِلْغَيْرِ كالقَصَصِ فَإنَّ مَن قَرَأ حِكايَةً مَرَّةً لا يَقْرَؤُها مَرَّةً أُخْرى إلّا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ إذا سَمِعَهُ ذَلِكَ الغَيْرُ لا يَقْرَؤُها إلّا لِآخَرَ لَمْ يَسْمَعْهُ ولَوْ قَرَأهُ عَلَيْهِ لَسَئِمُوهُ، وكِتابٌ لا يُكَرَّرُ عَلَيْهِ إلّا لِلنَّفْسِ كالنَّحْوِ والفِقْهِ وغَيْرِهِما، وكِتابٌ يُتْلى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِلنَّفْسِ ولِلْغَيْرِ كالمَواعِظِ الحَسَنَةِ فَإنَّها تُكَرَّرُ لِلْغَيْرِ وكُلَّما سَمِعَها يَلْتَذُّ بِها ويَرِقُّ لَها قَلْبُهُ ويَسْتَعِيدُها وكُلَّما تَدْخُلُ السَّمْعَ يَخْرُجُ الوَسْواسُ مَعَ الدَّمْعِ، وتُكَرَّرُ أيْضًا لِنَفْسِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّ كَثِيرًا ما يَلْتَذُّ المُتَكَلِّمُ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وكُلَّما يُعِيدُها يَكُونُ أطْيَبَ وألَذَّ وأثْبَتَ في القَلْبِ وأنْفَذَ حَتّى يَكادُ يَبْكِي مِن رِقَّتِهِ دَمًا ولَوْ أوْرَثَهُ البُكاءُ عَمًى، إذا عُلِمَ هَذا فالقُرْآنُ مِنَ القَبِيلِ الثّالِثِ مَعَ أنَّ فِيهِ القَصَصَ والفِقْهَ والنَّحْوَ فَكانَ في تِلاوَتِهِ في كُلِّ زَمانٍ فائِدَةٌ.

صفحة ٦٤

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ خَصَّصَ بِالأمْرِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ: تِلاوَةَ الكِتابِ وإقامَةَ الصَّلاةِ ؟ فَنَقُولُ لِوَجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ تَسْلِيَةَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: الرَّسُولُ واسِطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مِنَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ، فَإذا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الطَّرَفُ الواحِدُ ولَمْ يَقْبَلُوهُ فالطَّرَفُ الآخَرُ مُتَّصِلٌ، ألا تَرى أنَّ الرَّسُولَ إذا لَمْ تُقْبَلْ رِسالَتُهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ مُرْسِلِهِ، فَإذا تَلَوْتَ كِتابَكَ ولَمْ يَقْبَلُوكَ فَوَجِّهْ وجْهَكَ إلَيَّ وأقِمِ الصَّلاةَ لِوَجْهِي.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ العِباداتِ المُخْتَصَّةَ بِالعَبْدِ ثَلاثَةٌ: وهي الِاعْتِقادُ الحَقُّ، ولِسانِيَّةٌ وهي الذِّكْرُ الحَسَنُ، وبَدَنِيَّةٌ خارِجِيَّةٌ وهي العَمَلُ الصّالِحُ، لَكِنَّ الِاعْتِقادَ لا يَتَكَرَّرُ فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ شَيْئًا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَقِدَهُ مَرَّةً أُخْرى بَلْ ذَلِكَ يَدُومُ مُسْتَمِرًّا، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ ذَلِكَ حاصِلًا لَهُ عَنْ عَيانٍ أكْمَلَ مِمّا يَحْصُلُ عَنْ بَيانٍ، فَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ لِعَدَمِ إمْكانِ تَكْرارِهِ، لَكِنَّ الذِّكْرَ مُمْكِنُ التَّكْرارِ، والعِبادَةُ البَدَنِيَّةُ كَذَلِكَ فَأمَرَهُ بِهِما فَقالَ: اتْلُ الكِتابَ وأقِمِ الصَّلاةَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ تَنْهى الصَّلاةُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ؟ نَقُولُ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنَ الصَّلاةِ القُرْآنُ وهو يَنْهى أيْ: فِيهِ النَّهْيُ عَنْهُما وهو بَعِيدٌ لِأنَّ إرادَةَ القُرْآنِ مِنَ الصَّلاةِ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِي قالَ قَبْلَهُ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ بِعِيدٌ مِنَ الفَهْمِ، وقالَ بَعْضُهم أرادَ بِهِ نَفْسَ الصَّلاةِ وهي تَنْهى عَنْهُما ما دامَ العَبْدُ في الصَّلاةِ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الِاشْتِغالُ بِشَيْءٍ مِنهُما، فَنَقُولُ: هَذا كَذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ المُرادُ هَذا، وإلّا لا يَكُونُ مَدْحًا كامِلًا لِلصَّلاةِ؛ لِأنَّ غَيْرَها مِنَ الأشْغالِ كَثِيرًا ما يَكُونُ كَذَلِكَ كالنَّوْمِ في وقْتِهِ وغَيْرِهِ فَنَقُولُ: المُرادُ أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مُطْلَقًا وعَلى هَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الصَّلاةُ هي الَّتِي تَكُونُ مَعَ الحُضُورِ وهي تَنْهى، حَتّى نُقِلَ عَنْهُ -ﷺ- ”مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ المَعاصِي لَمْ يَزْدَدْ بِها إلّا بُعْدًا“ ونَحْنُ نَقُولُ: الصَّلاةُ الصَّحِيحَةُ شَرْعًا تَنْهى عَنِ الأمْرَيْنِ مُطْلَقًا وهي الَّتِي أتى بِها المُكَلَّفُ لِلَّهِ حَتّى لَوْ قَصَدَ بِها الرِّياءَ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ شَرْعًا وتَجِبْ عَلَيْهِ الإعادَةُ، وهَذا ظاهِرٌ فَإنَّ مَن نَوى بِوُضُوئِهِ الصَّلاةَ والتَّبَرُّدَ قِيلَ: لا يَصِحُّ، فَكَيْفَ مَن نَوى بِصَلاتِهِ اللَّهَ وغَيْرَهُ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الصَّلاةُ تَنْهى مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: هو أنَّ مَن كانَ يَخْدِمُ مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ كَثِيرَ الإحْسانِ ويَكُونُ عِنْدَهُ بِمَنزِلَةٍ، ويَرى عَبْدًا مِن عِبادِهِ قَدْ طَرَدَهُ طَرْدًا لا يَتَصَوَّرُ قَبُولَهُ، وفاتَهُ الخَيْرُ بِحَيْثُ لا يُرْجى حُصُولُهُ، يَسْتَحِيلُ مِن ذَلِكَ المُقَرَّبِ عُرْفًا أنْ يَتْرُكَ خِدْمَةَ المَلِكِ ويَدْخُلَ في طاعَةِ ذَلِكَ المَطْرُودِ فَكَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى لِلَّهِ صارَ عَبْدًا لَهُ، وحَصَلَ لَهُ مَنزِلَةُ المُصَلِّي يُناجِي رَبَّهُ، فَيَسْتَحِيلُ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ عِبادَةَ اللَّهِ ويَدْخُلَ تَحْتَ طاعَةِ الشَّيْطانِ المَطْرُودِ، لَكِنَّ مُرْتَكِبَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ تَحْتَ طاعَةِ الشَّيْطانِ فالصَّلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

الثّانِي: هو أنْ مَن يُباشِرُ القاذُوراتِ كالزَّبّالِ والكَنّاسِ يَكُونُ لَهُ لِباسٌ نَظِيفٌ إذا لَبِسَهُ لا يُباشِرُ مَعَهُ القاذُوراتِ وكُلَّما كانَ ثَوْبُهُ أرْفَعَ يَكُونُ امْتِناعُهُ وهو لابِسُهُ عَنِ القاذُوراتِ أكْثَرَ فَإذا لَبِسَ واحِدٌ مِنهم ثَوْبَ دِيباجٍ مُذَهَّبٍ يَسْتَحِيلُ مِنهُ مُباشَرَةُ تِلْكَ الأشْياءِ عُرْفًا، فَكَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى لَبِسَ لِباسَ التَّقْوى لِأنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ واضِعٌ يَمِينَهُ عَلى شِمالِهِ؛ عَلى هَيْئَةِ مَن يَقِفُ بِمَرْأى مَلِكٍ ذِي هَيْبَةٍ، ولِباسُ التَّقْوى خَيْرُ لِباسٍ يَكُونُ نِسْبَتُهُ إلى القَلْبِ أعْلى مِن نِسْبَةِ الدِّيباجِ المُذَهَّبِ إلى الجِسْمِ، فَإذَنْ مَن لَبِسَ هَذا اللِّباسَ يَسْتَحِيلُ مِنهُ مُباشَرَةُ قاذُوراتِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ. ثُمَّ إنَّ الصَّلَواتِ مُتَكَرِّرَةٌ واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ فَيَدُومُ هَذا اللُّبْسُ فَيَدُومُ الِامْتِناعُ.

الثّالِثُ: مَن يَكُونُ أمِيرُ نَفْسِهِ يَجْلِسُ حَيْثُ يُرِيدُ فَإذا دَخَلَ في خِدْمَةِ مَلِكٍ وأعْطاهُ مَنصِبًا لَهُ مَقامٌ خاصٌّ لا يَجْلِسُ صاحِبُ ذَلِكَ المَنصِبِ إلّا في ذَلِكَ المَوْضِعِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَجْلِسَ في صَفِّ النِّعالِ لا يُتْرَكُ، فَكَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى دَخَلَ في طاعَةِ اللَّهِ ولَمْ يَبْقَ بِحُكْمِ نَفْسِهِ وصارَ لَهُ مَقامٌ مُعَيَّنٌ، إذْ صارَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، فَلَوْ أرادَ أنْ يَقِفَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وهو مَوْقِفُ أصْحابِ الشِّمالِ لا يُتْرَكُ، لَكِنَّ مُرْتَكِبَ

صفحة ٦٥

الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ مِن أصْحابِ الشِّمالِ، وهَذا الوَجْهُ إشارَةٌ إلى عِصْمَةِ اللَّهِ يَعْنِي مَن صَلّى عَصَمَهُ اللَّهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

الرّابِعُ: وهو مُوافِقٌ لِما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ وهو أنَّ مَن يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ المَلِكِ كالسُّوقِيِّ والمُنادِي والمُتَعَيِّشِ لا يُبالِي بِما فَعَلَ مِنَ الأفْعالِ يَأْكُلُ في دُكّانِ الهَرّاسِ والرَّوّاسِ ويَجْلِسُ مَعَ أحْباشِ النّاسِ، فَإذا صارَتْ لَهُ قُرْبَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ المَلِكِ كَما إذا صارَ واحِدًا مِنَ الجُنْدارِيَّةِ والقُوّادِ والسُّوّاسِ عِنْدَ المَلِكِ لا تَمْنَعُهُ تِلْكَ القُرْبَةُ مِن تَعاطِي ما كانَ يَفْعَلُهُ، فَإذا زادَتْ قُرْبَتُهُ وارْتَفَعَتْ مَنزِلَتُهُ حَتّى صارَ أمِيرًا حِينَئِذٍ تَمْنَعُهُ هَذِهِ المَنزِلَةُ عَنِ الأكْلِ في ذَلِكَ المَكانِ والجُلُوسِ مَعَ أُولَئِكَ الخُلّانِ، كَذَلِكَ العَبْدُ إذا صَلّى وسَجَدَ صارَ لَهُ قُرْبَةٌ ما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] فَإذا كانَ ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ القُرْبَةِ يَمْنَعُهُ مِنَ المَعاصِي والمَناهِي، فَبِتَكَرُّرِ الصَّلاةِ والسُّجُودِ تَزْدادُ مَكانَتُهُ، حَتّى يَرى عَلى نَفْسِهِ مِن آثارِ الكَرامَةِ ما يَسْتَقْذِرُ مَعَهُ مِن نَفْسِهِ الصَّغائِرَ فَضْلًا عَنِ الكَبائِرِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ مَعْقُولٌ يُؤَكِّدُهُ المَنقُولُ وهو أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ هو أنَّها تَنْهى عَنِ التَّعْطِيلِ والإشْراكِ، والتَّعْطِيلُ هو إنْكارُ وُجُودِ اللَّهِ، والإشْراكُ إثْباتُ أُلُوهِيَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ.

فَنَقُولُ: التَّعْطِيلُ عَقِيدَةٌ فَحْشاءُ؛ لِأنَّ الفاحِشَ هو القَبِيحُ الظّاهِرُ القُبْحِ، لَكِنَّ وُجُودَ اللَّهِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ، وما مِن شَيْءٍ إلّا وفِيهِ آيَةٌ عَلى اللَّهِ ظاهِرَةٌ، وإنْكارُ الظّاهِرِ ظاهِرُ الإنْكارِ، فالقَوْلُ بِأنْ لا إلَهَ قَبِيحٌ والإشْراكُ مُنْكَرٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أطْلَقَ اسْمَ المُنْكَرِ عَلى مَن نَسَبَ نَفْسًا إلى غَيْرِ الوالِدِ مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ حَيْثُ قالَ: ﴿إنْ أُمَّهاتُهم إلّا اللّائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ﴾ [المجادلة: ٢] فالمُشْرِكُ الَّذِي يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، ويَنْسُبُ إلى مَن لَمْ يَلِدْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ولَدًا كَيْفَ لا يَكُونُ قَوْلُهُ مُنْكَرًا ؟ فالصَّلاةُ تَنْهى عَنْ هَذِهِ الفَحْشاءِ وهَذا المُنْكَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ أوَّلَ ما يَشْرَعُ في الصَّلاةِ يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، فَبِقَوْلِهِ اللَّهُ يَنْفِي التَّعْطِيلَ، وبِقَوْلِهِ أكْبَرُ يَنْفِي التَّشْرِيكَ؛ لِأنَّ الشَّرِيكَ لا يَكُونُ أكْبَرَ مِنَ الشَّرِيكِ الآخَرِ فِيما فِيهِ الِاشْتِراكُ، فَإذا قالَ بِسْمِ اللَّهِ نَفى التَّعْطِيلَ، وإذا قالَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ نَفى الإشْراكَ؛ لِأنَّ الرَّحْمَنَ مَن يُعْطِي الوُجُودَ بِالخَلْقِ بِالرَّحْمَةِ، والرَّحِيمَ مَن يُعْطِي البَقاءَ بِالرِّزْقِ بِالرَّحْمَةِ، فَإذا قالَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، أثْبَتَ بِقَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ خِلافَ التَّعْطِيلِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٢ ] خِلافَ الإشْراكِ، فَإذا قالَ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥ ] بِتَقْدِيمِ إيّاكَ نَفى التَّعْطِيلَ والإشْراكَ، وكَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥ ] فَإذا قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٦ ] نَفى التَّعْطِيلَ؛ لِأنَّ طالِبَ الصِّراطِ لَهُ مَقْصِدٌ والمُعَطِّلَ لا مَقْصِدَ لَهُ، وبِقَوْلِهِ: ﴿المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتِحَةِ: ٦] نَفى الإشْراكَ؛ لِأنَّ المُسْتَقِيمَ هو الأقْرَبُ، والمُشْرِكُ يَعْبُدُ الأصْنامَ حَتّى يَعْبُدَ صُورَةً صَوَّرَها إلَهُ العالَمِينَ، ويَظُنُّونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم، وعِبادَةُ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أقْرَبُ، وعَلى هَذا إلى آخِرِ الصَّلاةِ يَقُولُ فِيها: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيَنْفِي الإشْراكَ والتَّعْطِيلَ، وهاهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ الصَّلاةَ أوَّلُها لَفْظَةُ اللَّهِ وآخِرُها لَفْظَةُ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ”أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ لِيَعْلَمَ المُصَلِّي أنَّهُ مِن أوَّلِ الصَّلاةِ إلى آخِرِها مَعَ اللَّهِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ فَقَدْ بَقِيَ مِنَ الصَّلاةِ قَوْلُهُ وأشْهَدَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ والصَّلاةُ عَلى الرَّسُولِ والتَّسْلِيمُ، فَنَقُولُ هَذِهِ الأشْياءُ في آخِرِها دَخَلَتْ لِمَعْنًى خارِجٍ عَنْ ذاتِ الصَّلاةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ ذِكْرُ اللَّهِ لا غَيْرُ، لَكِنَّ العَبْدَ إذا وصَلَ بِالصَّلاةِ إلى اللَّهِ وحَصَلَ مَعَ اللَّهِ لا يَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّهُ اسْتَقَلَّ واسْتَبَدَّ واسْتَغْنى عَنِ الرَّسُولِ، كَمَن تَقَرَّبَ مِنَ السُّلْطانِ فَيَغْتَرُّ بِذَلِكَ ولا يَلْتَفِتُ إلى النُّوّابِ والحُجّابِ، فَقالَ أنْتَ في هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ بِهِدايَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ – وغَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَقُلْ مَعَ ذِكْرِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ إذا عَلِمْتَ أنَّ هَذا كُلَّهُ بِبَرَكَةِ هِدايَتِهِ فاذْكُرْ إحْسانَهُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا رَجَعْتَ مِن مِعْراجِكَ وانْتَهَيْتَ إلى إخْوانِكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ وبَلِّغْهم سَلامِي كَما هو تَرْتِيبُ المُسافِرِينَ، واعْلَمْ أنَّ

صفحة ٦٦

هَيْئَةَ الصَّلاةِ هَيْئَةٌ فِيها هَيْبَةٌ، فَإنَّ أوَّلَها وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَوُقُوفِ المَمْلُوكِ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطانِ، ثُمَّ إنَّ آخِرَها جُثُوٌّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ كَما يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطانِ مَن أكْرَمَهُ بِالإجْلاسِ، كَأنَّ العَبْدَ لَمّا وقَفَ وأثْنى عَلى اللَّهِ أكْرَمَهُ اللَّهُ وأجْلَسَهُ فَجَثا، وفي هَذا الجُثُوِّ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ مَن جَثا في الدُّنْيا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ هَذا الجُثُوَّ لا يَكُونُ لَهُ جُثُوٌّ في الآخِرَةِ، ولا يَكُونُ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ في حَقِّهِمْ: ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] .

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ .

لَمّا ذَكَرَ أمْرَيْنِ وهُما تِلاوَةُ الكِتابِ وإقامَةُ الصَّلاةِ بَيَّنَ ما يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِهِما عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، فَقالَ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ وأنْتُمْ إذا ذَكَرْتُمْ آباءَكم بِما فِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ تَنْبَشُّوا لِذَلِكَ وتَذْكُرُوهم بِمَلْءِ أفْواهِكم وقُلُوبِكم، لَكِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أكْبَرُ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ التَّعْظِيمِ، وأمّا الصَّلاةُ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ، وهَذا أحْسَنُ صُنْعِكم فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ مَعَ حَذْفِ بَيانِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ أكْبَرُ مِن ذِكْرِ فُلانٍ؛ لِأنَّ ما نُسِبَ إلى غَيْرِهِ بِالكِبَرِ فَلَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ، إذًا لا يُقالُ: الجَبَلُ أكْبَرُ مِن خَرْدَلَةٍ، وإنَّما يُقالُ هَذا الجَبَلُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ فَأُسْقِطَ المَنسُوبُ كَأنَّهُ قالَ: ولَذِكْرُ اللَّهِ لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ، وهَذا كَما يُقالُ في الصَّلاةِ: اللَّهُ أكْبَرُ أيْ لَهُ الكِبَرُ لا لِغَيْرِهِ.

29:46–47Page 402

۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧

And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ طَرِيقَةَ إرْشادِ المُشْرِكِينَ، ونَفَعَ مَنِ انْتَفَعَ وحَصَلَ اليَأْسُ مِمَّنِ امْتَنَعَ بَيَّنَ طَرِيقَةَ إرْشادِ أهْلِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ لا تُجادِلُوهم بِالسَّيْفِ، وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا إذا ظَلَمُوا وحارَبُوا، أيْ إذا ظَلَمُوا زائِدًا عَلى كُفْرِهِمْ، وفِيهِ مَعْنًى ألْطَفُ مِنهُ وهو أنَّ المُشْرِكَ جاءَ بِالمُنْكَرِ عَلى ما بَيَّنّاهُ فَكانَ اللّائِقُ أنْ يُجادَلَ بِالأخْشَنِ ويُبالَغَ في تَهْجِينِ مَذْهَبِهِ وتَوْهِينِ شُبَهِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] وقالَ:

صفحة ٦٧

﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا أهْلُ الكِتابِ فَجاءُوا بِكُلِّ حَسَنٍ إلّا الِاعْتِرافَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوَحَّدُوا وآمَنُوا بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَلِمُقابَلَةِ إحْسانِهِمْ يُجادَلُونَ أوَّلًا بِالأحْسَنِ ولا تُسْتَخَفُّ آراؤُهم ولا يُنْسَبُ إلى الضَّلالِ آباؤُهم، بِخِلافِ المُشْرِكِ، ثُمَّ عَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تَبْيِينٌ لَهُ حُسْنٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا الَّذِينَ أشْرَكُوا مِنهم بِإثْباتِ الوَلَدِ لِلَّهِ والقَوْلِ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ. فَإنَّهم ضاهَوْهم في القَوْلِ المُنْكَرِ فَهُمُ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَيُجادَلُونَ بِالأخْشَنِ مِن تَهْجِينِ مَقالَتِهِمْ وتَبْيِينِ جَهالَتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ الأحْسَنَ فَقَدَّمَ مَحاسِنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَيَلْزَمُنا اتِّباعُ ما قالَهُ لَكِنَّهُ بَيَّنَ رِسالَتِي في كُتُبِكم فَهو دَلِيلٌ مُضِيءٌ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ دَلِيلًا قِياسِيًّا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي كَما أنْزَلْنا عَلى مَن تَقَدَّمَكَ أنْزَلْنا عَلَيْكَ وهَذا قِياسٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لِوُجُودِ النَّصِّ ومِن هَؤُلاءِ كَذَلِكَ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مَن آمَنَ بِنَبِيِّنا مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن أهْلِ مَكَّةَ وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا ﷺ زَمانًا مِن أهْلِ الكِتابِ، ومِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ وهَذا أقْرَبُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ صَرْفُهُ إلى أهْلِ الكِتابِ أوْلى؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ ولا ذِكْرَ لِلْمُشْرِكِينَ هَهُنا، إذْ كانَ هَذا الكَلامُ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِهِمْ والإعْراضِ عَنْهم لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وهَهُنا وجْهٌ آخَرُ أوْلى وأقْرَبُ إلى العَقْلِ والنَّقْلِ، وأقْرَبُ إلى الأحْسَنِ مِنَ الجِدالِ المَأْمُورِ بِهِ، وهو أنْ نَقُولَ: المُرادُ بِالَّذِينِ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الأنْبِياءُ وبِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو أقْرَبُ؛ لِأنَّ الَّذِينَ آتاهُمُ الكِتابَ في الحَقِيقَةِ هُمُ الأنْبِياءُ، فَإنَّ اللَّهَ ما آتى الكِتابَ إلّا لِلْأنْبِياءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ وقالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] وقالَ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] وإذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى هَذا لا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ؛ لِأنَّ كُلَّ الأنْبِياءِ آمَنُوا بِكُلِّ الأنْبِياءِ، وإذا قُلْنا بِما قالُوا بِهِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ واثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةً مَعَهُ أوْ عَدَدًا قَلِيلًا، ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن هَؤُلاءِ﴾ غَيْرَ المَذْكُورِينَ، وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ مَخْرَجُ الكَلامِ كَأنَّهُ قَسَّمَ القَوْمَ قِسْمَيْنِ أحَدُهُما المُشْرِكِينَ، وتَكَلَّمَ فِيهِمْ وفَرَغَ مِنهم، والثّانِي أهْلَ الكِتابِ وهو بُعْدٌ في بَيانِ أمْرِهِمْ، والوَقْتُ وقْتُ جَرَيانِ ذِكْرِهِمْ، فَإذا قالَ هَؤُلاءِ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم في وصْفِهِمْ، وإذا قالَ أُولَئِكَ يَكُونُ مُنْصَرِفًا إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وتَحَقَّقَ أمْرُهم، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الجِدالُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخِلافَ في الأنْبِياءِ والأئِمَّةِ قَرِيبٌ مِنَ الخِلافِ في فَضِيلَةِ الرُّؤَساءِ والمُلُوكِ، فَإذا اخْتَلَفَ حِزْبانِ في فَضِيلَةِ مَلِكَيْنِ أوْ رَئِيسَيْنِ، وأدّى الِاخْتِلافُ إلى الِاقْتِتالِ يَكُونُ أقْوى كَلامٍ يَصْلُحُ بَيْنَهم أنْ يُقالَ لَهم هَذانِ المَلِكانِ مُتَوافِقانِ مُتَصادِقانِ، فَلا مَعْنى لِنِزاعِكم، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَحْنُ آمَنّا بِالأنْبِياءِ وهم آمَنُوا بِي فَلا مَعْنى لِتَعَصُّبِكم لَهم، وكَذَلِكَ أكابِرُكم وعُلَماؤُكم آمَنُوا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ﴾ تَنْفِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، يَعْنِي أنَّكم آمَنتُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ، وامْتَزْتُمْ عَنِ المُشْرِكِينَ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، إلّا هَذِهِ المَسْألَةَ الواحِدَةَ، وبِإنْكارِها تَلْتَحِقُونَ بِهِمْ وتُبْطِلُونَ مَزاياكم، فَإنَّ الجاحِدَ بِآيَةٍ يَكُونُ كافِرًا.

29:48–49Page 402

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هَذِهِ دَرَجَةٌ أُخْرى بَعْدَ ما تَقَدَّمَ عَلى التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُجادِلَ إذا ذَكَرَ مَسْألَةً مُخْتَلَفًا فِيها كَقَوْلِ القائِلِ: الزَّكاةُ تَجِبُ في مالِ الصَّغِيرِ، فَإذا قِيلَ لَهُ لِمَ ؟ فَيَقُولُ كَما تَجِبُ النَّفَقَةُ في مالِهِ، ولا يَذْكُرُ أوَّلًا الجامِعَ بَيْنَهُما، فَإنْ قَنِعَ الطّالِبُ بِمُجَرَّدِ التَّشْبِيهِ وأدْرَكَ مِن نَفْسِهِ الجامِعَ فَذاكَ، وإنْ لَمْ يُدْرِكْ أوْ لَمْ يَقْنَعْ يُبْدِي الجامِعَ، فَيَقُولُ كِلاهُما مالٌ فَضَلَ عَنِ الحاجَةِ فَيَجِبُ فَكَذَلِكَ هَهُنا ذَكَرَ أوَّلًا التَّمْثِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الجامِعَ وهو المُعْجِزَةُ، فَقالَ: ما عِلْمُ كَوْنِ تِلْكَ الكُتُبِ مُنَزَّلَةً إلّا بِالمُعْجِزَةِ، وهَذا القُرْآنُ مِمَّنْ لَمْ يَكْتُبْ ولَمْ يَقْرَأْ عَيْنُ المُعْجِزَةِ، فَيُعْرَفُ كَوْنُهُ مُنَزَّلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّ النَّبِيَّ إذا كانَ قارِئًا كاتِبًا ما كانَ يُوجِبُ كَوْنَ هَذا الكَلامِ كَلامَهُ، فَإنَّ جَمِيعَ كَتَبَةِ الأرْضِ وقُرّائِها لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، لَكِنْ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ لِلْمُبْطِلِ وجْهُ ارْتِيابٍ، وعَلى ما هو عَلَيْهِ لا وجْهَ لِارْتِيابِهِ فَهو أدْخَلُ في الإبْطالِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ مِن مِثْلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَقَوْلِهِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١- ٢] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قَوْلُهُ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن مُخْتَرَعاتِ الآدَمِيِّينَ؛ لِأنَّ مَن يَكُونُ لَهُ كَلامٌ مُخْتَرَعٌ يَقُولُ هَذا مِن قَلْبِي وخاطِرِي، وإذا حَفِظَهُ مِن غَيْرِهِ يَقُولُ إنَّهُ في قَلْبِي وصَدْرِي، فَإذا قالَ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ لا يَكُونُ مِن صَدْرِ أحَدٍ مِنهم، والجاهِلُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ ذَلِكَ، فَلا ظُهُورَ لَهُ مِنَ الصُّدُورِ ويَلْتَحِقُونَ عِنْدَ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالمُشْرِكِينَ، فَظُهُورُهُ مِنَ اللَّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ﴾ قالَ هَهُنا الظّالِمُونَ، ومِن قَبْلُ قالَ الكافِرُونَ، مَعَ أنَّ الكافِرَ ظالِمٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهي أنَّهم قَبْلَ بَيانِ المُعْجِزَةِ قِيلَ لَهم إنَّ لَكُمُ المَزايا فَلا تُبْطِلُوها بِإنْكارِ مُحَمَّدٍ فَتَكُونُوا كافِرِينَ، فَلَفْظُ الكافِرِ هُناكَ كانَ بَلِيغًا يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ لِاسْتِنْكافِهِمْ عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ بَعْدَ بَيانِ المُعْجِزَةِ قالَ لَهم إنْ جَحَدْتُمْ هَذِهِ الآيَةَ لَزِمَكم إنْكارُ إرْسالِ الرُّسُلِ فَتَلْتَحِقُونَ في أوَّلِ الأمْرِ بِالمُشْرِكِينَ حُكْمًا، وتَلْتَحِقُونَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِالمُشْرِكِينَ حَقِيقَةً فَتَكُونُوا ظالِمِينَ، أيْ مُشْرِكِينَ، كَما بَيَّنّا أنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَهَذا اللَّفْظُ هَهُنا أبْلَغُ، وذَلِكَ اللَّفْظُ هُناكَ أبْلَغُ.

29:50Page 402

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

صفحة ٦٩

لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ دَلِيلٍ مِن جانِبِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَكَرَ شُبْهَتَهم وهي بِذِكْرِ الفَرْقِ بَيْنَ المَقِيسِ عَلَيْهِ والمَقِيسِ، فَقالُوا إنَّكَ تَقُولُ إنَّهُ أُنْزِلَ إلَيْكَ كِتابٌ كَما أُنْزِلَ إلى مُوسى وعِيسى، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مُوسى أُوتِيَ تِسْعَ آياتٍ عُلِمَ بِها كَوْنُ الكِتابِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنْتَ ما أُوتِيتَ شَيْئًا مِنها، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أرْشَدَ نَبِيَّهُ إلى أجْوِبَةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِنها قَوْلُهُ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ووَجْهُهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّعى الرِّسالَةَ ولَيْسَ مِن شَرْطِ الرِّسالَةِ الآيَةُ المُعْجِزَةُ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ يُرْسَلُ أوَّلًا ويَدْعُو إلى اللَّهِ، ثُمَّ إنْ تَوَقَّفَ الخَلْقُ في قَبُولِهِ أوْ طَلَبُوا مِنهُ دَلِيلًا، فاللَّهُ إنْ رَحِمَهم بَيَّنَ رِسالَتَهُ وإنْ لَمْ يَرْحَمْهم لا يُبَيِّنْ، فَقالَ أنا السّاعَةَ رَسُولٌ، وأمّا الآيَةُ فاللَّهُ إنْ أرادَ يُنْزِلْها وإنْ لَمْ يُرِدْ لا يُنْزِلْها؛ وهَذا لِأنَّ ما هو مِن ضَرُوراتِ الشَّيْءِ إذا خَلَقَ اللَّهُ الشَّيْءَ لا بُدَّ مِن أنْ يَخْلُقَها كالمَكانِ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ فَلا يَخْلُقُ اللَّهُ إنْسانًا إلّا ويَكُونُ قَدْ خَلَقَ مَكانًا أوْ يَخْلُقُهُ مَعَهُ، لَكِنَّ الرِّسالَةَ والمُعْجِزَةَ لَيْسَتا كَذَلِكَ، فاللَّهُ إذا خَلَقَ رَسُولًا وجَعَلَهُ رَسُولًا لَيْسَ مِن ضَرُوراتِهِ أنْ تُعْلَمَ لَهُ مُعْجِزَةٌ، ولِهَذا عُلِمَ وُجُودُ رُسُلٍكَشِيثَ وإدْرِيسَ وشُعَيْبٍ ولَمْ تُعْلَمْ لَهم مُعْجِزَةٌ، فَإنْ قِيلَ عُلِمَ رِسالَتُهم، نَقُولُ مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِلا مُعْجِزَةٍ فَنَبِيُّنا كَذَلِكَ لا حاجَةَ لَهُ إلى مُعْجِزَةٍ؛ لِأنَّ رِسالَتَهُ عُلِمَتْ بِقَوْلِ مُوسى وعِيسى فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ قَوْلِهِمْ لِمَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ آيَةٌ ؟ وهَذا لِأنَّهم طَلَبُوا سَبْقَ الآيَةِ ولَيْسَتْ شَرْطًا حَتّى تَسْبِقَها، بَلى إنْ كانَ لَهم سُؤالٌ فَطَرِيقُهُ أنْ يَقُولُوا يا أيُّها المُدَّعِي نَحْنُ لا نُكَذِّبُكَ ولا نُصَدِّقُكَ لَكِنّا نُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ لَنا آيَةً تُخَلِّصُنا مِن تَصْدِيقِ المُتَنَبِّي وتَكْذِيبِ النَّبِيِّ، ونَعْلَمُ بِها كَوْنَكَ نَبِيًّا ونُؤْمِنُ بِكَ، فَبَعْدَ ذَلِكَ ما كانَ يَبْعُدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ أنْ يُنْزِلَ آيَةً.

ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مَعْناهُ أنَّ الآيَةَ عِنْدَ اللَّهِ يُنْزِلُها أوْ لا يُنْزِلُها لا تَتَعَلَّقُ بِي ما أنا إلّا نَذِيرٌ، ولَيْسَ لِي عَلَيْهِ حُكْمٌ بِشَيْءٍ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ بَيانِ فَسادِ شُبْهَتِهِمْ مِن وجْهٍ بَيَّنَ فَسادَها مِن وجْهٍ آخَرَ، وقالَ: هَبْ أنَّ إنْزالَ الآيَةِ شَرْطٌ لَكِنَّهُ وُجِدَ وهو في نَفْسِ الكِتابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском