Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:51–58
29:51–52Page 402
أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١
And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢
Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."
[ فَقالَ تَعالى: ( أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ] .
فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي إنْ كانَ إنْزالُ الآيَةِ شَرْطًا فَلا يُشْتَرَطُ إلّا إنْزالُ آيَةٍ، وقَدْ أُنْزِلَ وهو القُرْآنُ فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ باقِيَةٌ وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ عِبارَةٌ تُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ القُرْآنِ آيَةً فَوْقَ الكِفايَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ أما يَكْفِي لِلْمُسِيءِ أنْ لا يُضْرَبَ حَتّى يَتَوَقَّعَ الإكْرامَ يُنْبِئُ عَنْ أنَّ تَرْكَ الضَّرْبِ في حَقِّهِ كَثِيرٌ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ وهَذا لِأنَّ القُرْآنَ
صفحة ٧٠
مُعْجِزَةٌ أتَمُّ مِن كُلِّ مُعْجِزَةٍ تَقَدَّمَتْها لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ تِلْكَ المُعْجِزاتِ وُجِدَتْ وما دامَتْ فَإنَّ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا وإحْياءَ المَيِّتِ لَمْ يَبْقَ لَنا مِنهُ أثَرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ واحِدٌ يُؤْمِنُ بِكُتُبِ اللَّهِ ويُكَذِّبُ بِوُجُودِ هَذِهِ الأشْياءِ لا يُمْكِنُ إثْباتُها مَعَهُ بِدُونِ الكِتابِ، وأمّا القُرْآنُ فَهو باقٍ لَوْ أنْكَرَهُ واحِدٌ فَنَقُولُ لَهُ فَأْتِ بِآيَةٍ مِن مِثْلِهِ.
الثّانِي: هو أنَّ قَلْبَ العَصا ثُعْبانًا كانَ في مَكانٍ واحِدٍ ولَمْ يَرَهُ مَن لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ المَكانِ، وأمّا القُرْآنُ فَقَدْ وصَلَ إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وسَمِعَهُ كُلُّ أحَدٍ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ آياتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ أشْياءَ لا تَخْتَصُّ بِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَتِها انْشِقاقَ القَمَرِ وهو يَعُمُّ الأرْضَ؛ لِأنَّ الخُسُوفَ إذا وقَعَ عَمَّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ نُبُوَّتَهُ كانَتْ عامَّةً لا تَخْتَصُّ بِقُطْرٍ دُونَ قُطْرٍ وغاضَتْ بُحَيْرَةُ ساوَةَ في قُطْرٍ وسَقَطَ إيوانُ كِسْرى في قُطْرٍ، وانْهَدَّتِ الكَنِيسَةُ بِالرُّومِ في قُطْرٍ آخَرَ إعْلامًا بِأنَّهُ يَكُونُ أمْرٌ عامٌّ.
الثّالِثُ: هو أنَّ -غَيْرَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ- الكافِرَ المُعانِدَ يَقُولُ إنَّهُ سِحْرٌ عُمِلَ بِدَواءٍ، والقُرْآنُ لا يُمْكِنُ هَذا القَوْلُ فِيهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ إشارَةً إلى أنّا جَعَلْناهُ مُعْجِزَةً رَحْمَةً عَلى العِبادِ لِيَعْلَمُوا بِها الصّادِقَ، وهَذا لِأنّا بَيَّنّا أنَّ إظْهارَ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِ الصّادِقِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وكانَ لَهُ أنْ لا يُظْهِرَ فَيَبْقى الخَلْقُ في ورْطَةِ تَكْذِيبِ الصّادِقِ أوْ تَصْدِيقِ الكاذِبِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَتَمَيَّزُ عَنِ المُتَنَبِّي لَوْلا المُعْجِزَةُ، لَكِنَّ اللَّهَ لَهُ ذَلِكَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ وقَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ يَتَذَكَّرُ بِها كُلُّ مَن يَكُونُ ما بَقِيَ الزَّمانُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الرَّحْمَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ كانَتْ غَضَبًا عَلى الكافِرِينَ؛ لِأنَّها قَطَعَتْ أعْذارَهم وعَطَّلَتْ إنْكارَهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ لَمّا ظَهَرَتْ رِسالَتُهُ وبَهَرَتْ دَلالَتُهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَ كَما يَقُولُ الصّادِقُ إذا كُذِّبَ، وأتى بِكُلِّ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ ولَمْ يُصَدَّقْ: اللَّهُ يَعْلَمُ صِدْقِي وتَكْذِيبَكَ أيُّها المُعانِدُ وهو عَلى ما أقُولُ شَهِيدٌ يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم، كُلُّ ذَلِكَ إنْذارٌ وتَهْدِيدٌ يُفِيدُهُ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا، ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَهُ كافِيًا بِكَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ. فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَهُنا مَسْألَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آخِرِ الرَّعْدِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] فَأخَّرَ شَهادَةَ أهْلِ الكِتابِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ قَدَّمَها حَيْثُ قالَ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ أيْ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَنَقُولُ: الكَلامُ هُناكَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فاسْتُدِلَّ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنَّ شَهادَةَ اللَّهِ أقْوى في إلْزامِهِمْ مِن شَهادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وهَهُنا الكَلامُ مَعَ أهْلِ الكِتابِ، وشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ هو إقْرارُهُ وهو أقْوى الحُجَجِ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ ما هو ألْزَمُ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الطَّرِيقَيْنِ في إرْشادِ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ عادَ إلى الكَلامِ الشّامِلِ لَهُما والإنْذارِ العامِّ فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِما سِوى اللَّهِ؛ لِأنَّ ما سِوى اللَّهِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ هالِكٌ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وكُلُّ ما هَلَكَ فَقَدْ بَطَلَ فَكُلُّ هالِكٍ باطِلٌ وكُلُّ ما سِوى اللَّهِ باطِلٌ، فَمَن آمَنَ بِما سِوى اللَّهِ فَقَدْ آمَنَ بِالباطِلِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ أيْ مَن أتى بِالإيمانِ بِالباطِلِ والكُفْرِ بِاللَّهِ
صفحة ٧١
فَهُوَ خاسِرٌ، فَمَن يَأْتِي بِأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ خاسِرًا فَنَقُولُ: يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ الآتِي بِأحَدِهِما لا يَكُونُ آتِيًا بِالآخَرِ، أمّا الآتِي بِالإيمانِ بِما سِوى اللَّهِ فَلِأنَّهُ أشْرَكَ بِاللَّهِ، فَجَعَلَ غَيْرَ اللَّهِ مِثْلَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ غَيْرَهُ عاجِزٌ جاهِلٌ مُمْكِنٌ باطِلٌ فَيَكُونُ اللَّهُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ إنْكارًا لِلَّهِ وكُفْرًا بِهِ، وأمّا مَن كَفَرَ بِهِ وأنْكَرَهُ فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ العالَمَ لَيْسَ لَهُ إلَهٌ مُوجِدٌ، فَوُجُودُ العالَمِ مِن نَفْسِهِ، فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ العالَمَ واجِبٌ والواجِبُ إلَهٌ، فَيَكُونُ قائِلًا بِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ إلَهٌ، فَيَكُونُ إثْباتًا لِغَيْرِ اللَّهِ وإيمانًا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ الإيمانُ بِما سِوى اللَّهِ كُفْرًا بِهِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَن آمَنَ بِالباطِلِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَهَلْ لِهَذا العَطْفِ فائِدَةٌ غَيْرُ التَّأْكِيدِ الَّذِي هو في قَوْلِ القائِلِ قُمْ ولا تَقْعُدْ واقْرُبْ مِنِّي ولا تَبْعُدْ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ فِيهِ فائِدَةٌ غَيْرُها، وهو أنَّهُ ذَكَرَ الثّانِيَ لِبَيانِ قُبْحِ الأوَّلِ كَقَوْلِ القائِلِ: أتَقُولُ بِالباطِلِ وتَتْرُكُ الحَقَّ لِبَيانِ أنَّ القَوْلَ باطِلٌ قَبِيحٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَتَناوَلُ هَذا أهْلَ الكِتابِ، أيْ هَلْ هم آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ ؟ نَقُولُ نَعَمْ؛ لِأنَّهم لَمّا صَحَّ عِنْدَهم أنَّ مُعْجِزَةَ النَّبِيِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وقَطَعُوا بِها وعانَدُوا وقالُوا إنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، يَكُونُ كَمَن رَأى شَخْصًا يَرْمِي حِجارَةً، فَقالَ إنَّ رامِيَ الحِجارَةِ زِيدٌ يَقْطَعُ بِأنَّهُ قائِلٌ بِأنَّ هَذا الشَّخْصَ زِيدٌ حَتّى لَوْ سُئِلَ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وقِيلَ لَهُ مَن هَذا الرَّجُلُ، يَقُولُ زَيْدٌ، فَكَذَلِكَ هم لَمّا قَطَعُوا بِأنَّ مُظْهِرَ المُعْجِزَةِ هو اللَّهُ، وقالُوا بِأنَّ مُحَمَّدًا مُظْهِرُ هَذا، يَلْزَمُهم أنْ يَقُولُوا مُحَمَّدٌ هو اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ إيمانًا بِالباطِلِ، وإذا قالُوا بِأنَّ مَن أظْهَرَ المُعْجِزَةَ لَيْسَ بِإلَهٍ مَعَ أنَّهم قَطَعُوا بِخُصُوصِ مُظْهِرِ المُعْجِزَةِ يَكُونُونَ قائِلِينَ بِأنَّ ذَلِكَ المَخْصُوصَ الَّذِي هو اللَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَيَكُونُ كُفْرًا بِهِ، وهَذا لا يَرِدُ عَلَيْنا فِيمَن يَقُولُ: فَلَعَلَّ العَبْدَ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعالى، أوْ مَخْلُوقُ العَبْدِ، فَإنَّهُ أيْضًا يَنْسُبُ فِعْلَ اللَّهِ إلى الغَيْرِ، كَما أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلُ اللَّهِ، وهم نَسَبُوها إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّ هَذا القائِلَ جَهِلَ النِّسْبَةَ، كَمَن يَرى حِجارَةً رُمِيَتْ ولَمْ يَرَ عَيْنَ رامِيها، فَيَظُنُّ أنَّ رامِيَها زَيْدٌ فَيَقُولُ: زَيْدٌ هو رامِي هَذِهِ الحِجارَةِ، ثُمَّ إذا رَأى رامِيَها بِعَيْنِهِ، ويَكُونُ غَيْرَ زَيْدٍ لا يَقْطَعُ بِأنْ يَقُولَ هو زَيْدٌ، وأمّا إذا رَأى عَيْنَهُ ورَمْيَهُ لِلْحِجارَةِ وقالَ رامِي الحِجارَةِ زَيْدٌ، يَقْطَعُ بِأنَّهُ يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ زَيْدٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا مُعانِدِينَ عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرُ تِلْكَ المُعْجِزَةِ، ويَقُولُونَ بِأنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ كَذَلِكَ بِأتَمِّ وُجُوهِ الخُسْرانِ، وهَذا لِأنَّ مَن يَخْسَرُ رَأْسَ المالِ ولا تَرْكَبُهُ دُيُونٌ يُطالَبُ بِها دُونَ مَن يَخْسَرُ رَأْسَ المالِ وتَرْكَبُهُ تِلْكَ الدُّيُونُ، فَهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ أفْنَوُا العُمْرَ ولَمْ يَحْصُلْ لَهم في مُقابَلَتِهِ شَيْءٌ ما أصْلًا مِنَ المَنافِعِ، واجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ دُيُونُ تَرْكِ الواجِباتِ يُطالَبُونَ بِها حَيْثُ لا طاقَةَ لَهم بِها.
29:53–54Page 403
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾
لَمّا أنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِالخُسْرانِ وهو أتَمُّ وُجُوهِ الإنْذارِ؛ لِأنَّ مَن خَسِرَ لا يَحْصُلُ لَهُ في مُقابَلَةِ قَدْرِ الخُسْرانِ شَيْءٌ مِنَ المَنافِعِ، وإلّا لَما كانَ الخُسْرانُ ذَلِكَ القَدْرَ بَلْ دُونَهُ، مِثالُهُ إذا خَسِرَ واحِدٌ مِنَ العَشْرَةِ دِرْهَمًا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَصَلَ لَهُ في مُقابَلَةِ الدِّرْهَمِ ما يُساوِي نِصْفَ دِرْهَمٍ، وإلّا لا يَكُونُ الخُسْرانُ دِرْهَمًا بَلْ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فَإذَنْ هم لَمّا خَسِرُوا أعْمارَهم لا تَحْصُلُ لَهم مَنفَعَةُ تَخْفِيفِ عَذابٍ، وإلّا يَكُونُ ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ العُمُرِ لَهُ مَنفَعَةٌ
صفحة ٧٢
فَيَكُونُ لِلْخاسِرِ عَذابٌ ألِيمٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ، فَقالُوا إنْ كانَ عَلَيْنا عَذابٌ فَأْتِنا بِهِ، إظْهارًا لِقَطْعِهِمْ بِعَدَمِ العَذابِ، ثُمَّ إنَّهُ أجابَ بِأنَّ العَذابَ لا يَأْتِيكم بِسُؤالِكم ولا يُعَجَّلُ بِاسْتِعْجالِكم؛ لِأنَّهُ أجَّلَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةٍ ورَحْمَةٍ فَلِكَوْنِهِ حَكِيمًا لا يَكُونُ مُتَغَيِّرًا مُنْقَلِبًا، ولِكَوْنِهِ رَحِيمًا لا يَكُونُ غَضُوبًا مُنْزَعِجًا، ولَوْلا ذَلِكَ الأجَلُ المُسَمّى الَّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وارْتَضَتْهُ رَحْمَتُهُ، لَما كانَ لَهُ رَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ، فَيَكُونُ غَضُوبًا مُنْقَلِبًا فَيَتَأثَّرُ بِاسْتِعْجالِكم ويَتَغَيَّرُ مِن سُؤالِكم فَيَعْجَلُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَلا يَأْتِيكم بِالعَذابِ وأنْتُمْ تَسْألُونَهُ، ولا يَدْفَعُ عَنْكُمُ العَذابَ حِينَ تَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ [الحج: ٢٢] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم لَيَأْتِيَنَّهُمُ العَذابُ بَغْتَةً؛ لِأنَّ العَذابَ أقْرَبُ المَذْكُورِينَ، ولِأنَّ مَسْئُولَهم كانَ العَذابَ، فَقالَ إنَّهُ لَيَأْتِيَنَّهم، وقالَ بَعْضُهم لَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً أيِ الأجَلُ؛ لِأنَّ الآتِيَ بَغْتَةً هو الأجَلُ، وأمّا العَذابُ بَعْدَ الأجَلِ يَكُونُ مُعايَنَةً، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في كَوْنِ العَذابِ أوِ الأجَلِ آتِيًا بَغْتَةً حِكْمَةً، وهي أنَّهُ لَوْ كانَ وقْتُهُ مَعْلُومًا، لَكانَ كُلُّ أحَدٍ يَتَّكِلُ عَلى بُعْدِهِ وعِلْمِهِ بِوَقْتِهِ فَيَفْسُقُ ويَفْجُرُ مُعْتَمِدًا عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ المَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: تَأْكِيدُ مَعْنى قَوْلِهِ بَغْتَةً كَما يَقُولُ القائِلُ أتَيْتُهُ عَلى غَفْلَةٍ مِنهُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْرِ، فَقَوْلُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْرِ أكَّدَ مَعْنى الغَفْلَةِ.
والثّانِي: هو كَلامٌ يُفِيدُ فائِدَةً مُسْتَقِلَّةً، وهي أنَّ العَذابَ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ هَذا الأمْرَ، ويَظُنُّونَ أنَّ العَذابَ لا يَأْتِيهِمْ أصْلًا.
29:55Page 403
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ذُكِرَ هَذا لِلتَّعَجُّبِ، وهَذا لِأنَّ مَن تُوُعِّدَ بِأمْرٍ فِيهِ ضَرَرٌ يَسِيرُ كَلَطْمَةٍ أوْ لَكْمَةٍ، فَيَرى مِن نَفْسِهِ الجَلَدَ، ويَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ هاتِ، وأمّا مَن تُوُعِّدَ بِإغْراقٍ أوْ إحْراقٍ ويَقْطَعُ بِأنَّ المُتَوَعِّدَ قادِرٌ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، لا يَخْطُرُ بِبالِ العاقِلِ أنْ يَقُولَ لَهُ هاتِ ما تَتَوَعَّدُنِي بِهِ، فَقالَ هَهُنا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ والعَذابُ بِنارِ جَهَنَّمَ المُحِيطَةِ بِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أوَّلًا إخْبارٌ عَنْهم، وثانِيًا تَعَجُّبٌ مِنهم، ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ إحاطَةِ جَهَنَّمَ، فَقالَ تَعالى:
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِمَ خَصَّ الجانِبَيْنِ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَذْكُرِ اليَمِينَ والشِّمالَ وخَلْفَ وقُدّامَ ؟ فَنَقُولُ: لِأنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما تَتَمَيَّزُ بِهِ نارُ جَهَنَّمَ عَنْ نارِ الدُّنْيا ونارُ الدُّنْيا تُحِيطُ بِالجَوانِبِ الأرْبَعِ، فَإنَّ مَن دَخَلَها تَكُونُ الشُّعْلَةُ خَلْفَهُ وقُدّامَهُ ويَمِينَهُ ويَسارَهُ، وأمّا النّارُ مِن فَوْقُ فَلا تَنْزِلُ وإنَّما تَصْعَدُ مِن أسْفَلَ في العادَةِ العاجِلَةِ، وتَحْتَ الأقْدامِ لا تَبْقى الشُّعْلَةُ الَّتِي تَحْتَ القَدَمِ، ونارُ جَهَنَّمَ تَنْزِلُ مِن فَوْقُ ولا تَنْطَفِئُ بِالدَّوْسِ مَوْضِعِ القَدَمِ.
صفحة ٧٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ، ولا قالَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، بَلْ ذَكَرَ المُضافَ إلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ تَحْتَ ولَمْ يَذْكُرْهُ عِنْدَ ذِكْرِ فَوْقُ، فَنَقُولُ لِأنَّ نُزُولَ النّارِ مِن فَوْقُ سَواءٌ كانَ مِن سَمْتِ الرُّءُوسِ وسَواءٌ كانَ مِن مَوْضِعٍ آخَرَ عَجِيبٌ، فَلِهَذا لَمْ يَخُصَّهُ بِالرَّأْسِ، وأمّا بَقاءُ النّارِ تَحْتَ القَدَمِ فَحَسْبُ عَجِيبٌ، وإلّا فَمِن جَوانِبِ القَدَمِ في الدُّنْيا يَكُونُ شُعَلٌ وهي تَحْتُ فَذَكَرَ العَجِيبَ وهو ما تَحْتَ الأرْجُلِ، حَيْثُ لَمْ يَنْطِقْ بِالدَّوْسِ وما فَوْقُ عَلى الإطْلاقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا بَيَّنَ عَذابَ أجْسامِهِمْ بَيَّنَ عَذابَ أرْواحِهِمْ، وهو أنْ يُقالَ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ والإهانَةِ: ذُوقُوا عَذابَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَيْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لِلْمُبالَغَةِ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، فَإنَّ عَمَلَهم كانَ سَبَبًا لِجَعْلِ اللَّهِ إيّاهُ سَبَبًا لِعَذابِهِمْ، وهَذا كَثِيرُ النَّظِيرِ في الِاسْتِعْمالِ.
29:56Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾
وجْهُ التَّعَلُّقِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ وحالَ أهْلِ الكِتابِ عَلى حِدَةٍ وجَمَعَهُما في الإنْذارِ وجَعَلَهُما مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم وزادَ فَسادُهم وسَعَوْا في إيذاءِ المُؤْمِنِينَ ومَنَعُوهم مِنَ العِبادَةِ فَقالَ مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ إنْ تَعَذَّرَتِ العِبادَةُ عَلَيْكم في بَعْضِها فَهاجِرُوا ولا تَتْرُكُوا عِبادَتِي بِحالٍ، وبِهَذا عُلِمَ أنَّ الجُلُوسَ في دارِ الحَرْبِ حَرامٌ والخُرُوجَ مِنها واجِبٌ، حَتّى لَوْ حَلَفَ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ لَزِمَهُ الخُرُوجُ، و[رُ]دِعَ حَتّى يَقَعَ الطَّلاقُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لَمْ يُرِدِ إلّا المُخاطَبَةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ الكافِرَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ نَقُولُ لَيْسَ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ نَقُولُ لَيْسَ داخِلًا فِيهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن قالَ في حَقِّهِ: ( عِبادِيَ) لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] والكافِرُ تَحْتَ سَلْطَنَةِ الشَّيْطانِ فَلا يَكُونُ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ .
الثّانِي: هو أنَّ الخِطابَ بِعِبادِي أشْرَفُ مَنازِلِ المُكَلَّفِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ آدَمَ آتاهُ اسْمًا عَظِيمًا وهو اسْمُ الخِلافَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] والخَلِيفَةُ أعْظَمُ النّاسِ مِقْدارًا وأتَمُّ ذَوِي البَأْسِ اقْتِدارًا، ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُرْهَبْ مِن هَذا الِاسْمِ ولَمْ يَنْهَزِمْ، بَلْ أقْدَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ وعاداهُ وغَلَبَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ثُمَّ إنَّ مِن أوْلادِهِ الصّالِحِينَ مَن سُمِّيَ بِعِبادِي فانْخَنَسَ عَنْهُمُ الشَّيْطانُ وتَضاءَلَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ وقالَ هو بِلِسانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فَعُلِمَ أنَّ المُكَلَّفَ إذا كانَ عَبْدًا لِلَّهِ يَكُونُ أعْلى دَرَجَةً مِمّا إذا كانَ خَلِيفَةً لِوَجْهِ الأرْضِ، ولَعَلَّ آدَمَ كَداوُدَ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] لَمْ يَتَخَلَّصْ مِن يَدِ الشَّيْطانِ إلّا وقْتَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ عَبْدِي، وعِنْدَما ناداهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] واجْتَباهُ بِهَذا النِّداءِ، كَما قالَ في حَقِّ داوُدَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] إذا عُلِمَ هَذا فالكافِرُ لا يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِما هو أعْظَمُ مِنَ الخِلافَةِ ؟ فَلا يَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ إلّا المُؤْمِنُ.
الثّالِثُ: هو أنَّ هَذا الخِطابَ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِ
صفحة ٧٤
بِسَعْيِهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فالمُؤْمِنُ دَعا رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ [آل عمران: ١٩٣] فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] فالإضافَةُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ بِقَوْلِ العَبْدِ إلَهِي، وقَوْلِ اللَّهِ عَبْدِي تَأكَّدَتْ بِدُعاءِ العَبْدِ، لَكِنَّ الكافِرَ لَمْ يَدْعُ فَلَمْ يُجَبْ، فَلا يَتَناوَلُ ﴿ياعِبادِيَ﴾ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ عِبادِي لا يَتَناوَلُ إلّا المُؤْمِنِينَ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَ أنَّ الوَصْفَ إنَّما يُذْكَرُ لِتَمْيِيزِ المَوْصُوفِ، كَما يُقالُ يا أيُّها المُكَلَّفُونَ المُؤْمِنُونَ، ويا أيُّها الرِّجالُ العُقَلاءُ تَمْيِيزًا عَنِ الكافِرِينَ والجُهّالِ، فَنَقُولُ: الوَصْفُ يُذْكَرُ لا لِلتَّمْيِيزِ بَلْ لِمُجَرَّدِ بَيانِ أنَّ فِيهِ الوَصْفَ كَما يُقالُ: الأنْبِياءُ المُكَرَّمُونَ والمَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ، مَعَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُكَرَّمٌ وكُلَّ مَلَكٍ مُطَهِّرٌ، وإنَّما يُقالُ لِبَيانِ أنَّ فِيهِمُ الإكْرامَ والطَّهارَةَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُنا: اللَّهُ العَظِيمُ وزَيْدٌ الطَّوِيلُ، فَهَهُنا ذُكِرَ لِبَيانِ أنَّهم مُؤْمِنُونَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذْ قالَ ﴿ياعِبادِيَ﴾ فَهم يَكُونُونَ عابِدِينَ فَما الفائِدَةُ في الأمْرِ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ فاعْبُدُونِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ فائِدَتانِ إحْداهُما: المُداوَمَةُ أيْ يا مَن عَبَدْتُمُونِي في الماضِي اعْبُدُونِي في المُسْتَقْبَلِ. الثّانِيَةُ: الإخْلاصُ أيْ يا مَن تَعْبُدُنِي أخْلِصِ العَمَلَ لِي ولا تَعْبُدْ غَيْرِي.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِشَرْطٍ فَما ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٦] إشارَةٌ إلى عَدَمِ المانِعِ مِن عِبادَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ إذا كانَ لا مانِعَ مِن عِبادَتِي فاعْبُدُونِي، وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ فَهو لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي كَما يُقالُ هَذا عالِمٌ فَأكْرِمُوهُ فَكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا أعْلَمَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ﴾ وهو لِنَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ قالَ فاعْبُدُونِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ العَبْدُ مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] وقالَ عَقِيبَهُ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] واللَّهُ تَعالى وافَقَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الإعانَةَ ؟ نَقُولُ بَلْ هي مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لِأنَّ المَذْكُورَ بِعِبادِي لَمّا كانَ الشَّيْطانُ مَسْدُودَ السَّبِيلِ عَلَيْهِ مَسْدُودَ القَبِيلِ عَنْهُ كانَ في غايَةِ الإعانَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَدَّمَ اللَّهُ الإعانَةَ وأخَّرَ العَبْدُ الِاسْتِعانَةَ، قُلْنا لِأنَّ العَبْدَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ، وكُلُّ فِعْلٍ لِغَرَضٍ، فَإنَّ الغَرَضَ سابِقٌ عَلى الفِعْلِ في الإدْراكِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَبْنِي بَيْتًا لِلسُّكْنى يَدْخُلُ في ذِهْنِهِ أوَّلًا فائِدَةُ السُّكْنى فَيَحْمِلُهُ عَلى البِناءِ، لَكِنَّ الغَرَضَ في الوُجُودِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ فِعْلِ الواسِطَةِ، فَنَقُولُ: الِاسْتِعانَةُ مِنَ العَبْدِ لِغَرَضِ العِبادَةِ فَهي سابِقَةٌ في إدْراكِهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَلَيْسَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ، فَراعى تَرْتِيبَ الوُجُودِ، فَإنَّ الإعانَةَ قَبْلَ العِبادَةِ.
29:57Page 403
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾
لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالمُهاجِرَةِ صَعُبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الأوْطانِ ومُفارَقَةُ الإخْوانِ، فَقالَ لَهم إنَّ ما
صفحة ٧٥
تَكْرَهُونَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ فَإنَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ والمَوْتُ مُفَرِّقُ الأحْبابِ، فالأوْلى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُجازِيَكم عَلَيْهِ، فَإنَّ إلى اللَّهِ مَرْجِعَكم، وفِيهِ وجْهٌ أرَقُّ وأدَقُّ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: كُلُّ نَفْسٍ إذا كانَتْ غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِغَيْرِها فَهي لِلْمَوْتِ، ثُمَّ إلى اللَّهِ تَرْجِعُ فَلا تَمُوتُ كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] إذا ثَبَتَ هَذا فَمَن يُرِيدُ ألّا يَذُوقَ المَوْتَ لا يَبْقى مَعَ نَفْسِهِ، فَإنَّ النَّفْسَ ذائِقَتُهُ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ الغَيْرُ إنْ كانَ غَيْرَ اللَّهِ فَهو ذائِقُ المَوْتِ ومُورِدُ الهَلاكِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾، و﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فَإذًا التَّعَلُّقُ بِاللَّهِ يُرِيحُ مِنَ المَوْتِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ أيْ تَعَلَّقُوا بِي، ولا تَتَّبِعُوا النَّفْسَ فَإنَّها ذائِقَةُ المَوْتِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ أيْ إذا تَعَلَّقْتُمْ بِي فَمَوْتُكم رُجُوعٌ إلَيَّ ولَيْسَ بِمَوْتٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«المُؤْمِنُونَ لا يَمُوتُونَ بَلْ يُنْقَلُونَ مِن دارٍ إلى دارٍ» “ فَعَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا يَتَبَيَّنُ وجْهُ التَّعَلُّقِ.
29:58Page 403
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾
بَيَّنَ ما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ وقْتَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ كَما بَيَّنَ مِن قَبْلُ ما يَكُونُ لِلْكافِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٤] فَبَيَّنَ أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الجِنانَ في مُقابَلَةِ ما أنَّ لِلْكافِرِينَ النِّيرانَ، وبَيَّنَ أنَّ فِيها غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ في مُقابَلَةِ ما بَيَّنَ أنَّ تَحْتَ الكافِرِينَ النّارَ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ أجْرُ عَمَلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ في مُقابَلَةِ ما بَيَّنَ أنَّ ما تَقَدَّمَ جَزاءُ عَمَلِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ في الآيَتَيْنِ اخْتِلافاتٌ فِيها لَطائِفُ مِنها أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في العَذابِ أنَّ فَوْقَهم عَذابًا أيْ نارًا، ولَمْ يَذْكُرْ هَهُنا فَوْقَهم شَيْئًا، وإنَّما ذَكَرَ ما فَوْقُ مِن غَيْرِ إضافَةٍ وهو الغُرْفُ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في المَوْضِعَيْنِ العِقابُ والثَّوابُ الجُسْمانِيّانِ، لَكِنَّ الكافِرَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، فَيَكُونُ فَوْقَهُ طَبَقاتٌ مِنَ النّارِ، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيَكُونُونَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، فَلَمْ يَذْكُرْ فَوْقَهم شَيْئًا إشارَةً إلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وارْتِفاعِ مَنزِلَتِهِمْ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] لا يُنافِي [ ذَلِكَ ] لِأنَّ الغُرَفَ فَوْقَ الغُرَفِ لا فَوْقَهم والنّارُ فَوْقَ النّارِ وهي فَوْقَهم، ومِنها أنَّ هُناكَ ذَكَرَ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمُ النّارَ، وهَهُنا ذَكَرَ مِن تَحْتِ غُرَفِهِمُ الماءَ، وذَلِكَ لِأنَّ النّارَ لا تُؤْلِمُ إذا كانَتْ تَحْتُ مُطْلَقًا ما لَمْ تَكُنْ في مُسامَتَةِ الأقْدامِ ومُتَّصِلَةً بِها، أمّا إذا كانَ الشُّعْلَةُ مائِلَةً عَنْ سَمْتِ القَدَمِ وإنْ كانَتْ تَحْتَها، أوْ تَكُونُ مُسامِتَةً ولَكِنْ تَكُونُ غَيْرَ مُلاصِقَةٍ بَلْ تَكُونُ أسْفَلَ في وهْدَةٍ لا تُؤْلِمُ، وأمّا الماءُ إذا كانَ تَحْتَ الغُرْفَةِ في أيِّ وجْهٍ كانَ وعَلى أيِّ بُعْدٍ كانَ يَكُونُ مُلْتَذًّا بِهِ، فَقالَ في النّارِ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ لِيَحْصُلَ الألَمُ بِها، وقالَ هَهُنا مِن تَحْتِ الغُرَفِ لِحُصُولِ اللَّذَّةِ بِهِ كَيْفَ كانَ، ومِنها أنَّ هُناكَ قالَ ذُوقُوا لِإيلامِ قُلُوبِهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ، وقالَ هَهُنا ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ لِتَفْرِيحِ قُلُوبِهِمْ لا بِصِيغَةِ الأمْرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ لَفْظَ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ بَعْدَهُ، فَإنَّ مَن قالَ لِأجِيرِهِ خُذْ أُجْرَتَكَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ بِذَلِكَ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ عَنْهُ، وأمّا
صفحة ٧٦
إذا قالَ: ما أتَمَّ أُجْرَتَكَ عِنْدِي أوْ نِعْمَ مالُكَ مِنَ الأجْرِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ، ولَمْ يَقُلْ هَهُنا خُذُوا أُجْرَتَكم أيُّها العامِلُونَ وقالَ هُناكَ: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٥] فَإنْ قالَ قائِلٌ ذُوقُوا إذا كانَ يُفْهَمُ مِنهُ الِانْقِطاعُ فَعَذابُ الكافِرِ يَنْقَطِعُ، قُلْنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ إذا قالَ ذُوقُوا دَلَّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم جَزاءَهم وانْقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم، لَكِنْ يَبْقى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ دائِمًا ولا يَنْقُصُ ولا يَزْدادُ، وأمّا المُؤْمِنُ إذا أعْطاهُ شَيْئًا فَلا يَتْرُكُهُ مَعَ ما أعْطاهُ بَلْ يَزِيدُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ في النِّعَمِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] أيِ الَّذِي يَصِلُ إلى الكافِرِ يَدُومُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، والَّذِي يَصِلُ إلى المُؤْمِنِ يَزْدادُ عَلى الدَّوامِ، وأمّا الخُلُودُ وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ في حَقِّ الكافِرِ لَكِنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِغَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences