Ar-RaziAl-'Ankabut · 29:59–68

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:59–68

29:59–60Page 403

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

Who have been patient and upon their Lord rely.

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠

And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

ذَكَرَ أمْرَيْنِ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ؛ لِأنَّ الزَّمانَ ماضٍ وحاضِرٌ ومُسْتَقْبَلٌ لَكِنَّ الماضِيَ لا تَدارُكَ لَهُ، ولا يُؤْمَرُ العَبْدُ فِيهِ بِشَيْءٍ، بَقِيَ الحاضِرُ واللّائِقُ بِهِ الصَّبْرُ والمُسْتَقْبَلُ واللّائِقُ بِهِ التَّوَكُّلُ، فَيَصْبِرُ عَلى ما يُصِيبُهُ مِنَ الأذى في الحالِ، ويَتَوَكَّلُ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الِاسْتِقْبالِ.

واعْلَمْ أنَّ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ صِفَتانِ لا يَحْصُلانِ إلّا مَعَ العِلْمِ بِاللَّهِ والعِلْمِ بِما سِوى اللَّهِ، فَمَن عَلِمَ ما سِواهُ عَلِمَ أنَّهُ زائِلٌ فَيَهُونُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ إذِ الصَّبْرُ عَلى الزّائِلِ هَيِّنٌ، وإذا عَلِمَ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُ باقٍ يَأْتِيهِ بِأرْزاقِهِ فَإنْ فاتَهُ شَيْءٌ فَإنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلى حَيٍّ باقٍ، وذِكْرُ الصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ هَهُنا مُناسِبٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ العِبادَةِ، ومَن يُؤْذى في بُقْعَةٍ فَلْيَخْرُجْ مِنها. فَحَصَلَ النّاسُ عَلى قِسْمَيْنِ: قادِرٌ عَلى الخُرُوجِ وهو مُتَوَكِّلٌ عَلى رَبِّهِ، يَتْرُكُ الأوْطانَ ويُفارِقُ الإخْوانَ، وعاجِزٌ وهو صابِرٌ عَلى تَحَمُّلِ الأذى ومُواظِبٌ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكم وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .

لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ذَكَرَ ما يُعِينُ عَلى التَّوَكُّلِ وهو بَيانُ حالِ الدَّوابِّ الَّتِي لا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ، ويَأْتِيها كُلُّ يَوْمٍ بِرِزْقٍ رَغَدٍ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَأيِّنْ لُغاتٌ أرْبَعٌ [ لا ] غَيْرُ، هَذِهِ [ و] كائِنْ عَلى وزْنِ راعٍ وكَأْيِنْ عَلى وزْنِ رَيْعٍ وكَيْ عَلى دَعْ، ولَمْ يُقْرَأْ إلّا كَأيِّنْ، وكائِنْ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَأيِّنْ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيٍّ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ مَن وما رُكِّبَتا، وجُعِلَ المُرَكَّبُ بِمَعْنى كَمْ، ولَمْ تُكْتَبْ إلّا بِالنُّونِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ المُرَكَّبِ وغَيْرِ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ كَأيٍّ يُسْتَعْمَلُ غَيْرَ مُرَكَّبٍ كَما يَقُولُ القائِلُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيِّ رَجُلٍ يَكُونُ، فَقَدْ حَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ، ويُقالُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيِّ رَجُلٍ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ كَأيٍّ مُرَكَّبًا، فَإذا كانَ كَأيٍّ هَهُنا مُرَكَّبًا كُتِبَتْ بِالنُّونِ لِلتَّمْيِيزِ كَما تُكْتَبُ مَعْدِيكَرِبَ وبَعْلَبَكَّ

صفحة ٧٧

مَوْصُولًا لِلْفَرْقِ. وكَما تُكْتَبُ ثَمَّةَ بِالهاءِ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ثُمَّتْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَأيِّنْ بِمَعْنى كَمْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ مَعَ مِن إلّا نادِرًا وكَمْ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا مِن غَيْرِ مِن، يُقالُ كَمْ رَجُلًا وكَمْ مِن رَجُلٍ، وذَلِكَ لِما بَيَّنّا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ كَأيِّنْ بِمَعْنى كَمْ وكَأيٍّ الَّتِي لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً، وذَلِكَ لِأنَّ كَأيٍّ إذا لَمْ تَكُنْ مُرَكَّبَةً لا يَجُوزُ إدْخالُ مِن بَعْدَها إذْ لا يُقالُ رَأيْتُ رَجُلًا لا كَأيٍّ مِن رَجُلٍ، والمُرَكَّبَةُ بِمَعْنى كَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها، فالتُزِمَ لِلْفَرْقِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ قِيلَ: لا تَحْمِلُ لِضَعْفِها، وقِيلَ هي كالقُمَّلِ والبُرْغُوثِ والدُّودِ وغَيْرِها وقِيلَ لا تَدَّخِرُ ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ بِطَرِيقِ القِياسِ، أيْ لا شَكَّ في أنَّ رِزْقَها لَيْسَ إلّا بِاللَّهِ فَكَذَلِكَ يَرْزُقُكم فَتَوَكَّلُوا، فَإنْ قالَ قائِلٌ مَن قالَ بِأنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الدَّوابَّ بَلِ النَّباتُ في الصَّحْراءِ مُسَبَّبٌ والحَيَوانُ يَسْعى إلَيْهِ ويَرْعى، فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ نَظَرًا إلى الرِّزْقِ وإلى المُرْتَزَقِ وإلى مَجْمُوعِ الرِّزْقِ والمُرْتَزَقِ.

أمّا بِالنَّظَرِ إلى الرِّزْقِ فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقِ النَّباتَ لَمْ يَكُنْ لِلْحَيَوانِ رِزْقٌ.

وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المُرْتَزَقِ فَلِأنَّ الِاغْتِذاءَ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِابْتِلاعِ، بَلْ لا بُدَّ مِن تَشَبُّثِهِ بِالأعْضاءِ حَتّى يَصِيرَ الحَشِيشُ عَظْمًا ولَحْمًا وشَحْمًا، وما ذاكَ إلّا بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ خَلَقَ فِيهِ جاذِبَةً وماسِكَةً وهاضِمَةً ودافِعَةً وغَيْرَها مِنَ القُوى وبِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ فَهو الَّذِي يَرْزُقُها.

وأمّا بِالنَّظَرِ إلى المُرْتَزَقِ والرِّزْقِ، فَلِأنَّ اللَّهَ لَوْ لَمْ يَهْدِ الحَيَوانَ إلى الغِذاءِ لِيَعْرِفَهُ مِنَ الشَّمِّ ما كانَ يَحْصُلُ لَهُ اغْتِذاءٌ، ألا تَرى أنَّ مِنَ الحَيَوانِ ما لا يَعْرِفُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الغِذاءِ حَتّى يُوضَعَ في فَمِهِ بِالشِّدَّةِ لِيَذُوقَ فَيَأْكُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَكُونُ البَعِيرُ لا يَعْرِفُ الخَمِيرَ ولا الشَّعِيرَ حَتّى يَلْقَمَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً فَيَعْرِفَهُ فَيَأْكُلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ كَيْفَ يَصِحُّ قِياسُ الإنْسانِ عَلى الحَيَوانِ فِيما يُوجِبُ التَّوَكُّلَ، والحَيَوانُ رِزْقُهُ لا يُتَعَرَّضُ إلَيْهِ إذا أكَلَ مِنهُ اليَوْمَ شَيْئًا وتَرَكَ بَقِيَّةً يَجِدُها غَدًا، ما مَدَّ إلَيْهِ أحَدٌ يَدًا، والإنْسانُ إنْ لَمْ يَأْخُذِ اليَوْمَ لا يَبْقى لَهُ غَدًا شَيْءٌ ؟ وأيْضًا حاجاتُ الإنْسانِ كَثِيرَةٌ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى أجْناسِ اللِّباسِ وأنْواعِ الأطْعِمَةِ ولا كَذَلِكَ الحَيَوانُ وأيْضًا قُوتُ الحَيَوانِ مُهَيَّأٌ، وقُوتُ الإنْسانِ يَحْتاجُ إلى كَلَفٍ كالزَّرْعِ والحَصادِ والطَّحْنِ والخَبْزِ، فَلَوْ لَمْ يَجْمَعْهُ قَبْلَ الحاجَةِ ما كانَ يَجِدُهُ وقْتَ الحاجَةِ، فَنَقُولُ نَحْنُ لا نَقُولُ إنَّ الجَمْعَ يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الزّارِعُ الحاصِدُ مُتَوَكِّلًا والرّاكِعُ السّاجِدُ غَيْرَ مُتَوَكِّلٍ؛ لِأنَّ مَن يَزْرَعُ يَكُونُ اعْتِمادُهُ عَلى اللَّهِ واعْتِقادُهُ في اللَّهِ أنَّهُ إنْ كانَ يُرِيدُ يَرْزُقُ مِن غَيْرِ زَرْعٍ، وإنْ كانَ يُرِيدُ لا يَرْزُقُ مِن ذَلِكَ الزَّرْعِ، فَيَعْمَلُ وقَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ هو مُتَوَكِّلٌ حَقَّ التَّوَكُّلِ، ومَن يُصَلِّي وقَلْبُهُ مَعَ ما في يَدِ زَيْدٍ وعَمْرٍو هو غَيْرُ مُتَوَكِّلٍ.

وأمّا قَوْلُهُ: حاجاتُ الإنْسانِ كَثِيرَةٌ، فَنَقُولُ مَكاسِبُهُ كَثِيرَةٌ أيْضًا، فَإنَّهُ يَكْتَسِبُ بِيَدِهِ كالخَيّاطِ والنَّسّاجِ وبِرِجْلِهِ كالسّاعِي وغَيْرِهِ، وبِعَيْنِهِ كالنّاطُورِ، وبِلِسانِهِ كالحادِي والمُنادِي، وبِفَهْمِهِ كالمُهَنْدِسِ والتّاجِرِ، وبِعِلْمِهِ كالطَّبِيبِ والفَقِيهِ، وبِقُوَّةِ جِسْمِهِ كالعَتّالِ والحَمّالِ، والحَيَوانُ لا مَكاسِبَ لَهُ، فالرَّغِيفُ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ غَدًا أوْ بَعْدَ غَدٍ، بَعِيدٌ أنْ لا يَرْزُقَهُ اللَّهُ مَعَ هَذِهِ المَكاسِبِ، فَهو أوْلى بِالتَّوَكُّلِ.

وأيْضًا اللَّهُ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ بِحَيْثُ يَأْتِيهِ الرِّزْقُ وأسْبابُهُ، فَإنَّ اللَّهَ مَلَّكَ الإنْسانَ عَمائِرَ الدُّنْيا وجَعَلَها بِحَيْثُ تَدْخُلُ في مِلْكِهِ شاءَ أمْ أبى، حَتّى أنَّ نِتاجَ الأنْعامِ وثِمارَ الأشْجارِ تَدْخُلُ في المِلْكِ وإنْ لَمْ يُرِدْهُ مالِكُ النَّعَمِ والشَّجَرِ، وإذا ماتَ قَرْنٌ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ إلى قَرْنٍ آخَرَ قَهْرًا شاءُوا أمْ أبَوْا، ولَيْسَ كَذَلِكَ حالُ الحَيَوانِ أصْلًا، فَإنَّ الحَيَوانَ إنْ لَمْ يَأْتِ الرِّزْقَ لا يَأْتِيهِ رِزْقُهُ، فَإذَنِ الإنْسانُ لَوْ تَوَكَّلَ كانَ أقْرَبَ إلى العَقْلِ مِن تَوَكُّلِ الحَيَوانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ سَمِيعٌ إذا طَلَبْتُمُ الرِّزْقَ، يَسْمَعُ ويُجِيبُ، عَلِيمٌ إنْ سَكَتُّمْ، لا تَخْفى عَلَيْهِ حاجَتُكم ومِقْدارُ حاجَتِكم.

29:61Page 403

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١

If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾

نَقُولُ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ الأمْرَ لِلْمُشْرِكِ مُخاطِبًا مَعَهُ ولَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ وخاطَبَ المُؤْمِنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وأتَمَّ الكَلامَ مَعَهُ ذَكَرَ مَعَهُ ما يَكُونُ إرْشادًا لِلْمُشْرِكِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ، وهَذا طَرِيقٌ في غايَةِ الحُسْنِ، فَإنَّ السَّيِّدَ إذا كانَ لَهُ عَبْدانِ، أوِ الوالِدَ إذا كانَ لَهُ ولَدانِ وأحَدُهُما رَشِيدٌ والآخَرُ مُفْسِدٌ، يَنْصَحُ أوَّلًا المُفْسِدَ، فَإنْ لَمْ يَسْمَعْ يَقُولُ مُعْرِضًا عَنْهُ، مُلْتَفِتًا إلى الرَّشِيدِ: إنَّ هَذا لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ فاسْمَعْ أنْتَ، ولا تَكُنْ مِثْلَ هَذا المُفْسِدِ، فَيَتَضَمَّنُ هَذا الكَلامُ نَصِيحَةَ المُصْلِحِ وزَجْرَ المُفْسِدِ، فَإنَّ قَوْلَهُ هَذا لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ يُوجِبُ نِكايَةً في قَلْبِهِ، ثُمَّ إذا ذَكَرَ مَعَ المُصْلِحِ في أثْناءِ الكَلامِ والمُفْسِدُ يَسْمَعُهُ: إنَّ هَذا أخاكَ العَجِيبُ مِنهُ أنَّهُ يَعْلَمُ قُبْحَ فِعْلِهِ، ويَعْرِفُ الفَسادَ مِنَ الصَّلاحِ وسَبِيلَ الرَّشادِ والفَلاحِ ويَشْتَغِلُ بِضِدِّهِ، يَكُونُ هَذا الكَلامُ أيْضًا داعِيًا لَهُ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ مانِعًا لَهُ مِن ذَلِكَ الفَسادِ، فَكَذَلِكَ اللَّهُ تَعالى قالَ مَعَ المُؤْمِنِ: العَجَبُ مِنهم أنَّهم إنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ثُمَّ لا يُؤْمِنُونَ.

وفِي الآيَةِ لَطائِفُ:

إحْداها: ذَكَرَ في السَّماواتِ والأرْضِ الخَلْقَ، وفي الشَّمْسِ والقَمَرِ التَّسْخِيرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مُجَرَّدَ خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لَيْسَ حِكْمَةً، فَإنَّ الشَّمْسَ لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً بِحَيْثُ تَكُونُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ لا تَتَحَرَّكُ ما حَصَلَ اللَّيْلُ والنَّهارُ ولا الصَّيْفُ ولا الشِّتاءُ، فَإذًا الحِكْمَةُ في تَحْرِيكِهِما وتَسْخِيرِهِما.

الثّانِيَةُ: في لَفْظِ التَّسْخِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّحْرِيكَ يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الحَرَكَةِ ولَيْسَ مُجَرَّدُ الحَرَكَةِ كافِيًا؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ تَتَحَرَّكُ مِثْلَ حَرَكَتِنا لَما كانَتْ تَقْطَعُ الفَلَكَ بِأُلُوفٍ مِنَ السِّنِينَ، فالحِكْمَةُ في تَسْخِيرِهِما تَحَرُّكُهُما في قَدْرِ ما يَتَنَفَّسُ الإنْسانُ آلافًا مِنَ الفَراسِخِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْ لَهُما حَرَكَةً واحِدَةً بَلْ حَرَكاتٍ، إحْداها حَرَكَتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ مَرَّةً، والأُخْرى حَرَكَتُها مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، والدَّلِيلُ عَلَيْها أنَّ الهِلالَ يُرى في جانِبِ الغَرْبِ عَلى بُعْدٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَبْعُدُ مِنهُ إلى جانِبِ الشَّرْقِ حَتّى يُرى القَمَرُ في نِصْفِ الشَّهْرِ في مُقابَلَةِ الشَّمْسِ، والشَّمْسُ عَلى أُفُقِ المَغْرِبِ، والقَمَرُ عَلى أُفُقِ المَشْرِقِ، وحَرَكَةٌ أُخْرى حَرَكَةُ الأوْجِ وحَرَكَةُ المائِلِ والتَّدْوِيرِ في القَمَرِ، ولَوْلا الحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ لَما حَصَلَتِ الفُصُولُ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَ الهَيْئَةِ قالُوا: الشَّمْسُ في الفَلَكِ مَرْكُوزَةٌ والفَلَكُ يُدِيرُها بِدَوَرانِهِ، وأنْكَرَهُ المُفَسِّرُونَ الظّاهِرِيُّونَ، ونَحْنُ نَقُولُ لا بُعْدَ في ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُولُوا بِالطَّبِيعَةِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلٌ مُخْتارٌ إنْ أرادَ أنْ يُحَرِّكَهُما في الفَلَكِ والفَلَكُ ساكِنٌ يَجُوزُ، وإنْ أرادَ أنْ يُحَرِّكَهُما بِحَرَكَةِ الفَلَكِ وهُما ساكِنانِ يَجُوزُ ولَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ قاطِعٌ أوْ ظاهِرٌ، وسَنَذْكُرُ تَمامَ البَحْثِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [ يس: ٤٠] .

الثّالِثَةُ: ذَكَرَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، والآخَرُ تَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ الإيجادَ قَدْ يَكُونُ لِلذَّواتِ وقَدْ يَكُونُ لِلصِّفاتِ، فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ إشارَةٌ إلى إيجادِ الذَّواتِ، وتَسْخِيرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ إشارَةٌ إلى إيجادِ الصِّفاتِ وهي الحَرَكَةُ وغَيْرُها، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ مِنَ القَبِيلَيْنِ مِثالَيْنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ يَعْنِي هم يَعْتَقِدُونَ هَذا فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، مَعَ أنَّ مَن عُلِمَتْ عَظَمَتُهُ وجَبَتْ خِدْمَتُهُ، ولا عَظَمَةَ فَوْقَ عَظَمَةِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا حَقارَةَ فَوْقَ حَقارَةِ الجَمادِ؛ لِأنَّ الجَمادَ

صفحة ٧٩

دُونَ الحَيَوانِ، والحَيَوانُ دُونَ الإنْسانِ، والإنْسانُ دُونَ سُكّانِ السَّماواتِ فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ عِبادَةَ أعْظَمِ المَوْجُوداتِ ويَشْتَغِلُونَ بِعِباداتِ أخَسِّ المَوْجُوداتِ.

29:62Page 403

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢

Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ الخَلْقَ ذَكَرَ الرِّزْقَ؛ لِأنَّ كَمالَ الخَلْقِ بِبَقائِهِ وبَقاءَ الإنْسانِ بِالرِّزْقِ، فَقالَ المَعْبُودُ إمّا أنْ يُعْبَدَ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ، وهَذِهِ الأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ واللَّهُ مُسْتَحِقُّها، وإمّا لِكَوْنِهِ عَلى الشَّأْنِ، واللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ عَلى الشَّأْنِ جَلِيُّ البُرْهانِ فَلَهُ العِبادَةُ، وإمّا لِكَوْنِهِ ولِيَّ الإحْسانِ واللَّهُ يَرْزُقُ الخَلْقَ فَلَهُ الطَّوْلُ والإحْسانُ والفَضْلُ والِامْتِنانُ فَلَهُ العِبادَةُ مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا، قَوْلُهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ شارَةٌ إلى كَمالِ الإحْسانِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ إذا أمَرَ الخازِنَ بِإعْطاءِ شَخْصٍ شَيْئًا، فَإذا أعْطاهُ يَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ ما يَسِيرَةٌ حَقِيرَةٌ؛ لِأنَّ الآخِذَ يَقُولُ هَذا لَيْسَ بِإرادَتِهِ وإنَّما هو بِأمْرِ المَلِكِ، وأمّا إنْ كانَ مُخْتارًا بِأنْ قالَ لَهُ المَلِكُ إنْ شِئْتَ فَأعْطِهِ وإنْ شِئْتَ فَلا تُعْطِهِ، فَإنْ أعْطاهُ يَكُونُ لَهُ مِنَّةٌ جَلِيلَةٌ لا قَلِيلَةٌ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: الرِّزْقُ مِنهُ وبِمَشِيئَتِهِ فَهو إحْسانٌ تامٌّ يَسْتَوْجِبُ شُكْرًا تامًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ لَهُ إنْ أرادَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ مَقادِيرَ الحاجاتِ ومَقادِيرَ الأرْزاقِ وفي إثْباتِ العِلْمِ هَهُنا لَطائِفُ:

إحْداها: أنَّ الرّازِقَ الَّذِي هو كامِلُ المَشِيئَةِ إذا رَأى عَبْدَهُ مُحْتاجًا وعَلِمَ جُوعَهُ لا يُؤَخِّرُ عَنْهُ الرِّزْقَ، ولا يُؤَخِّرُ الرّازِقُ الرِّزْقَ إلّا لِنُقْصانٍ في نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ، كالمَلِكِ إذا أرادَ الإطْعامَ والطَّعامُ لا يَكُونُ بَعْدُ قَدِ اسْتَوى، أوْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِجُوعِ العَبِيدِ.

الثّانِيَةُ: وهي أنَّ اللَّهَ بِإثْباتِ العِلْمِ اسْتَوْعَبَ ذِكْرَ الصِّفاتِ الَّتِي هي صِفاتُ الإلَهِ ومَن أنْكَرَها كَفَرَ، وهي أرْبَعَةٌ: الحَياةُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ والعِلْمُ، وأمّا السَّمْعُ والبَصَرُ والكَلامُ القائِمُ بِهِ مَن يُنْكِرُها يَكُونُ مُبْتَدِعًا لا كافِرًا، وقَدِ اسْتَوْفى الأرْبَعَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ إشارَةٌ إلى نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، وقَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى شُمُولِ عِلْمِهِ، والقادِرُ المُرِيدُ العالِمُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا حَيًّا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ذَكَرَ اعْتِرافَهم بِذَلِكَ فَقالَ:

29:63Page 403

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣

And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾

يَعْنِي هَذا سَبَبُ الرِّزْقِ ومُوجِدُ السَّبَبِ مُوجِدُ المُسَبَّبِ، فالرِّزْقُ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ كَلامًا مُعْتَرِضًا في أثْناءِ كَلامٍ كَأنَّهُ قالَ: فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها

صفحة ٨٠

﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ فَذَكَرَ في أثْناءِ هَذا الكَلامِ ﴿الحَمْدُ﴾ لِذِكْرِ النِّعْمَةِ، كَما قالَ القائِلُ:

إنَّ الثَّمانِينَ - وبُلِّغْتُها - قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تَرْجُمانِ

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كَلامًا مُتَّصِلًا، وهو أنَّهم يَعْرِفُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ ويَعْتَرِفُونَ ولا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ، وأنْتَ تَعْلَمُ وتَعْمَلُ فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ بِكَ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لِلَّهِ فَيَحْمَدُونَ غَيْرَ اللَّهِ عَلى نِعْمَةٍ هي مِنَ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّهُ مِنَ اللَّهِ ويَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَيَظْهَرُ تَناقُضُ كَلامِهِمْ وتَهافُتُ مَذْهَبِهِمْ: فَ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى ظُهُورِ تَناقُضِهِمْ ﴿وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ هَذا التَّناقُضَ أوْ فَسادَ هَذا التَّناقُضِ.

29:64Page 404

وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤

And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

لَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِكَوْنِ اللَّهِ هو الخالِقَ وكَوْنِهِ هو الرَّزّاقَ وهم يَتْرُكُونَ عِبادَتَهُ ولا يَتْرُكُونَها إلّا لِزِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا بَيَّنَ أنَّ ما يَمِيلُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفَرْقُ بَيْنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، حَتّى يَصِحَّ عَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ ؟ فَنَقُولُ: الفَرْقُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ شُغُلٍ يُفْرَضُ، فَإنَّ المُكَلَّفَ إذا أقْبَلَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الإعْراضُ عَنْ غَيْرِهِ، ومَن لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ هو اللَّهُ تَعالى، فالَّذِي يُقْبِلُ عَلى الباطِلِ لِلَذَّةٍ يَسِيرَةٍ زائِدَةٍ فِيهِ يَلْزَمُهُ الإعْراضُ عَنِ الحَقِّ، فالإقْبالُ عَلى الباطِلِ لَعِبٌ والإعْراضُ عَنِ الحَقِّ لَهْوٌ، فالدُّنْيا لَعِبٌ أيْ إقْبالٌ عَلى الباطِلِ، ولَهْوٌ أيْ إعْراضٌ عَنِ الحَقِّ.

الثّانِي: هو أنَّ المُشْتَغِلَ بِشَيْءٍ يُرَجِّحُ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِهِ لا مَحالَةَ حَتّى يَشْتَغِلَ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ عَلى وجْهِ التَّقْدِيمِ بِأنْ يَقُولَ أُقَدِّمُ هَذا وذَلِكَ الآخَرُ آتِي بِهِ بَعْدَهُ، أوْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِغْراقِ فِيهِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِهِ بِالكُلِّيَّةِ، فالأوَّلُ لَعِبٌ والثّانِي لَهْوٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ هو أنَّ الشِّطْرَنْجَ والحَمامَ وغَيْرَهُما مِمّا يَقْرُبُ مِنهُما لا تُسَمّى آلاتِ المَلاهِي في العُرْفِ، والعُودُ وغَيْرُهُ مِنَ الأوْتارِ تُسَمّى آلاتِ المَلاهِي؛ لِأنَّها تُلْهِي الإنْسانَ عَنْ غَيْرِها لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ الحالِيَّةِ، فالدُّنْيا لِلْبَعْضِ لَعِبٌ يَشْتَغِلُ بِهِ، ويَقُولُ بَعْدَ هَذا الشُّغْلِ أشْتَغِلُ بِالعِبادَةِ والآخِرَةِ، ولِلْبَعْضِ لَهْوٌ يَشْتَغِلُ بِهِ ويَنْسى الآخِرَةَ بِالكُلِّيَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَقُلْ وما هَذِهِ الحَياةُ وقالَ هَهُنا: (وما هَذِهِ) فَنَقُولُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ مِن قَبْلُ هَهُنا أمْرُ الدُّنْيا، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ فَقالَ هَذِهِ والمَذْكُورُ قَبْلَها هُناكَ الآخِرَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] فَلَمْ تَكُنِ الدُّنْيا في ذَلِكَ الوَقْتِ في خاطِرِهِمْ فَقالَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ المَذْكُورُ هُناكَ مِن قَبْلُ الآخِرَةَ وإظْهارَهم لِلْحَسْرَةِ، فَفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَبْعُدُ الِاسْتِغْراقُ في الدُّنْيا بَلْ نَفْسُ الِاشْتِغالِ بِها، فَأخَّرَ الأبْعَدَ، وأمّا هَهُنا لَمّا كانَ المَذْكُورُ مِن قَبْلُ الدُّنْيا وهي خَدّاعَةٌ تَدْعُو النُّفُوسَ إلى الإقْبالِ عَلَيْها والِاسْتِغْراقِ

صفحة ٨١

فِيها، اللَّهُمَّ إلّا لِمانِعٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الِاسْتِغْراقِ فَيَشْتَغِلُ بِها مِن غَيْرِ اسْتِغْراقٍ فِيها، ولِعاصِمٍ يَعْصِمُهُ فَلا يَشْتَغِلُ بِها أصْلًا، فَكانَ هَهُنا الِاسْتِغْراقُ أقْرَبَ مِن عَدَمِهِ فَقَدَّمَ اللَّهْوَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] وقالَ هَهُنا: ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ فَنَقُولُ لَمّا كانَ الحالُ هُناكَ حالَ إظْهارِ الحَسْرَةِ ما كانَ المُكَلَّفُ يَحْتاجُ إلى رادِعٍ قَوِيٍّ فَقالَ الآخِرَةُ خَيْرٌ، ولَمّا كانَ هَهُنا الحالُ حالَ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا احْتاجَ إلى رادِعٍ قَوِيٍّ فَقالَ لا حَياةَ إلّا حَياةُ الآخِرَةِ، وهَذا كَما أنَّ العاقِلَ إذا عُرِضَ عَلَيْهِ شَيْئانِ فَقالَ في أحَدِهِما هَذا خَيْرٌ مِن ذَلِكَ يَكُونُ هَذا تَرْجِيحًا فَحَسْبُ، ولَوْ قالَ هَذا جَيِّدٌ وهَذا الآخَرُ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَكُونُ تَرْجِيحًا مَعَ المُبالَغَةِ، فَكَذَلِكَ هَهُنا بالَغَ لِكَوْنِ المُكَلَّفِ مُتَوَغِّلًا فِيها.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] ولَمْ يَقُلْ هَهُنا إلّا لَهي الحَيَوانُ؛ لِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِي فَحَسْبُ أيِ المُتَّقِي عَنِ الشِّرْكِ، وأمّا الكافِرُ فالدُّنْيا جَنَّتُهُ فَهي خَيْرٌ لَهُ مِنَ الآخِرَةِ، وأمّا كَوْنُ الآخِرَةِ باقِيَةً فِيها الحَياةُ الدّائِمَةُ فَلا يُخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: كَيْفَ أُطْلِقَ الحَيَوانُ عَلى الدّارِ الآخِرَةِ مَعَ أنَّ الحَيَوانَ نامٍ مُدْرِكٌ ؟ فَنَقُولُ: الحَيَوانُ مَصْدَرُ حَيَّ كالحَياةِ، لَكِنَّ فِيها مُبالَغَةً لَيْسَتْ في الحَياةِ، والمُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةِ هي الحَياةُ الثّانِيَةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: الحَياةُ الثّانِيَةُ هي الحَياةُ المُعْتَبَرَةُ أوْ نَقُولُ: لَمّا كانَتِ الآخِرَةُ فِيها الزِّيادَةُ والنُّمُوُّ كَما قالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وكانَتْ هي مَحَلَّ الإدْراكِ التّامِّ الحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أطْلَقَ عَلَيْها الِاسْمَ المُسْتَعْمَلَ في النّامِي المُدْرِكِ.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وذَلِكَ لَأنَّ المُثْبَتَ هُناكَ كَوْنُ الآخِرَةِ خَيْرًا وأنَّهُ ظاهِرٌ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى العَقْلِ والمُثْبَتَ هَهُنا أنْ لا حَياةَ إلّا حَياةُ الآخِرَةِ، وهَذا دَقِيقٌ لا يُعْرَفُ إلّا بِعِلْمٍ نافِعٍ.

29:65–66Page 404

فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ ٦٥

And when they board a ship, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith and hope]. But when He delivers them to the land, at once they associate others with Him

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٦٦

So that they will deny what We have granted them, and they will enjoy themselves. But they are going to know.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾

إشارَةٌ إلى أنَّ المانِعَ مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَياةُ الدُّنْيا، وبَيانُ ذَلِكَ هو أنَّهم إذا انْقَطَعَ رَجاؤُهم عَنِ الدُّنْيا رَجَعُوا إلى الفِطْرَةِ الشّاهِدَةِ بِالتَّوْحِيدِ ووَحَّدُوا وأخْلَصُوا، فَإذا أنْجاهم وأرْجَأهم عادُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن حُبِّ الدُّنْيا وأشْرَكُوا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم ولِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾

وفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ، أيْ يُشْرِكُونَ لِيَكُونَ إشْراكُهم كُفْرًا بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ، ولِيَتَمَتَّعُوا بِسَبَبِ الشِّرْكِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بِوَبالِ عَمَلِهِمْ حِينَ زَوالِ أمَلِهِمْ.

والثّانِي: أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الأمْرِ ويَكُونَ المَعْنى لِيَكْفُرُوا عَلى التَّهْدِيدِ. كَما قالَ تَعالى:

صفحة ٨٢

﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وكَما قالَ [الأنعام: ١٣٥]: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَسادَ ما تَعْمَلُونَ.

29:67–68Page 404

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ ٦٧

Have they not seen that We made [Makkah] a safe sanctuary, while people are being taken away1 all around them? Then in falsehood do they believe, and in the favor of Allāh they disbelieve?

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

And who is more unjust than one who invents a lie about Allāh or denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a [sufficient] residence for the disbelievers?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾

التَّفْسِيرُ ظاهِرٌ، وإنَّما الدَّقِيقُ وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، فَنَقُولُ: الإنْسانُ في البَحْرِ يَكُونُ عَلى أخْوَفِ ما يَكُونُ، وفي بَيْتِهِ يَكُونُ عَلى آمَنِ ما يَكُونُ، لا سِيَّما إذا كانَ بَيْتُهُ في بَلَدٍ حَصِينٍ فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ حالَهم عِنْدَ الخَوْفِ الشَّدِيدِ ورَأوْا أنْفُسَهم في تِلْكَ الحالَةِ راجِعَةً إلى اللَّهِ تَعالى ذَكَّرَهم حالَهم عِنْدَ الأمْنِ العَظِيمِ وهي كَوْنُهم في مَكَّةَ فَإنَّها مَدِينَتُهم وبَلَدُهم وفِيها سُكْناهم ومَوْلِدُهم، وهي حَصِينٌ بِحِصْنِ اللَّهِ حَيْثُ كُلُّ مَن حَوْلَها يَمْتَنِعُ مِن قِتالِ مَن حَصَلَ فِيها، والحُصُولُ فِيها يَدْفَعُ الشُّرُورَ عَنِ النُّفُوسِ ويَكُفُّها، يَعْنِي أنَّكم في أخْوَفِ ما كُنْتُمْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ وفي آمَنِ ما حَصَلْتُمْ عَلَيْهِ كَفَرْتُمْ بِاللَّهِ، وهَذا مُتَناقِضٌ؛ لِأنَّ دُعاءَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ ما كانَ إلّا لِقَطْعِكم بِأنَّ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ لا غَيْرُ فَهَذِهِ النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي حَصَلَتْ وقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّها لا تَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِها ؟ والأصْنامُ الَّتِي قَطَعْتُمْ في حالِ الخَوْفِ أنْ لا أمْنَ مِنها كَيْفَ آمَنتُمْ بِها في حالِ الأمْنِ ؟

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُ ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ الأُمُورَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ بَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ مَن يَكُونُ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عَلى ما بَيَّنَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا وضَعَ واحِدٌ شَيْئًا في مَوْضِعٍ لَيْسَ هو مَوْضِعَهُ يَكُونُ ظالِمًا، فَإذا وضَعَهُ في مَوْضِعٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ يَكُونُ أظْلَمُ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإمْكانِ أقْوى مِن عَدَمِ الحُصُولِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما لا يُمْكِنُ لا يَحْصُلُ، ولَيْسَ كُلُّ ما لا يَحْصُلُ لا يُمْكِنُ، فاللَّهُ تَعالى لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وجَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ في حَقِّ مَلِكٍ مُسْتَقِلٍّ في المُلْكِ لَكانَ ظُلْمًا يَسْتَحِقُّ مِنَ المَلِكِ العِقابَ الألِيمَ، فَكَيْفَ إذا جُعِلَ الشَّرِيكُ لِمَن لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، وأيْضًا مَن كَذَّبَ صادِقًا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ يَكُونُ ظُلْمًا فَمَن يُكَذِّبُ صادِقًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ ؟ فَإذًا لَيْسَ أظْلَمُ مِمَّنْ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ بِالشِّرْكِ ويُكَذِّبُ اللَّهَ في تَصْدِيقِ نَبِيِّهِ والنَّبِيَّ في رِسالَةِ رَبِّهِ والقُرْآنَ المُنَزَّلَ مِنَ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ، والعَجَبُ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم قَبِلُوا المُتَّخَذَ مِن خَشَبٍ مَنحُوتٍ بِالإلَهِيَّةِ، ولَمْ يَقْبَلُوا ذا حَسَبٍ مَنعُوتًا بِالرِّسالَةِ، والآيَةُ تَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ والرِّسالَةَ والحَشْرَ وقَرَّرَهُ ووَعَظَ وزَجَرَ قالَ لِنَبِيِّهِ لِيَقُولَ لِلنّاسِ:

صفحة ٨٣

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ إنِّي جِئْتُ بِالرِّسالَةِ وقُلْتُ إنَّها مِنَ اللَّهِ وهَذا كَلامُ اللَّهِ، وأنْتُمْ كَذَّبْتُمُونِي فالحالُ دائِرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، إمّا أنا مُفْتَرٍ مُتَنَبِّئٌ إنْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، أوْ أنْتُمْ مُكَذِّبُونَ بِالحَقِّ إنْ كانَ مِن عِنْدِهِ لَكِنِّي مُعْتَرِفٌ بِالعَذابِ الدّائِمِ عارِفٌ بِهِ فَلا أُقْدِمُ عَلى الِافْتِراءِ لِأنَّ: ﴿جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكافِرِينَ﴾ والمُتَنَبِّئُ كافِرٌ، وأنْتُمْ كَذَّبْتُمُونِي فَجَهَنَّمُ مَثْواكم إذْ هي مَثْوًى لِلْكافِرِينَ، وهَذا حِينَئِذٍ يَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском