Ar-RaziAl-'Ankabut · 29:6–9

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:6–9

29:6Page 396

وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾

لَمّا بَيَّنَ أنَّ التَّكْلِيفَ حَسَنٌ واقِعٌ، وأنَّ عَلَيْهِ وعْدًا وإيعادًا لَيْسَ لَهُما دافِعٌ، بَيَّنَ أنَّ طَلَبَ اللَّهِ ذَلِكَ مِنَ المُكَلِّفِ لَيْسَ لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِ فَإنَّهُ غَنِيٌّ مُطْلَقًا لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرُهُ يَتَوَقَّفُ كَمالُهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ (فُصِّلَتْ: ٤٦ ) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ (الإسْراءِ: ٧ ) وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الآيَةُ السّابِقَةُ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ يُوجِبانِ إكْثارَ العَبْدِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ وإتْقانَهُ لَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا لِأجْلِ مَلِكٍ ويَعْلَمُ أنَّ المَلِكَ يَراهُ ويُبْصِرُهُ يُحْسِنُ العَمَلَ ويُتْقِنُهُ، وإذا عَلِمَ أنَّ نَفْعَهُ لَهُ ومُقَدَّرٌ بِقَدْرِ عَمَلِهِ يُكْثِرُ مِنهُ، فَإذا قالَ اللَّهُ: إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فالعَبْدُ يُتْقِنُ عَمَلَهُ ويُخَلِّصُهُ لَهُ، وإذا قالَ بِأنَّ جِهادَهُ لِنَفْسِهِ يُكْثِرُ مِنهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَزاءَ عَلى العَمَلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ فُهِمَ مِنهُ أنَّ مَن جاهَدَ رَبِحَ بِجِهادِهِ ما لَوْلاهُ لَما رَبِحَ، فَنَقُولُ هو كَذَلِكَ ولَكِنْ بِحُكْمِ الوَعْدِ لا بِالِاسْتِحْقاقِ، وبَيانُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُكَلَّفَ إذا جاهَدَ يُثِيبُهُ فَإذا أتى بِهِ هو يَكُونُ جِهادًا نافِعًا لَهُ ولا نِزاعَ فِيهِ، وإنَّما النِّزاعُ في أنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُثِيبَ عَلى العَمَلِ لَوْلا الوَعْدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُحْسِنَ إلى أحَدٍ إلّا بِالعَمَلِ ولا دَلالَةَ لِلْآيَةِ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما﴾ يَقْتَضِي الحَصْرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جِهادُ المَرْءِ لِنَفْسِهِ فَحَسْبُ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ مَن جاهَدَ يَنْتَفِعُ بِهِ ومَن يُرِيدُ هو نَفْعَهُ، حَتّى أنَّ الوالِدَ والوَلَدَ بِبَرَكَةِ المُجاهِدِ وجِهادِهِ يَنْتَفِعانِ فَنَقُولُ ذَلِكَ نَفْعٌ لَهُ، فَإنَّ انْتِفاعَ الوَلَدِ انْتِفاعٌ لِلْأبِ والحَصْرُ هَهُنا مَعْناهُ أنَّ جِهادَهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ مِنهُ نَفْعٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

الأُولى: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ رِعايَةَ الأصْلَحِ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ بِالأصْلَحِ لا يَسْتَفِيدُ فائِدَةً، وإلّا لَكانَ مُسْتَكْمِلًا بِتِلْكَ الفائِدَةِ وهي غَيْرُهُ وهي مِنَ العالَمِ فَيَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِغَيْرِهِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِ وهو غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وأيْضًا أفْعالُهُ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ لِما بَيَّنّا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في مَكانٍ ولَيْسَ عَلى العَرْشِ عَلى الخُصُوصِ، فَإنَّهُ مِنَ العالَمِ، واللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ والمُسْتَغْنِي عَنِ المَكانِ لا يُمْكِنُ دُخُولُهُ في مَكانٍ؛ لِأنَّ الدّاخِلَ في المَكانِ يُشارُ إلَيْهِ بِأنَّهُ هَهُنا أوْ هُناكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْلالِ، وما يُشارُ إلَيْهِ بِأنَّهُ هَهُنا أوْ هُناكَ يَسْتَحِيلُ أنْ لا يُوجَدُ لا هَهُنا ولا هُناكَ وإلّا لَجَوَّزَ

صفحة ٣٠

العَقْلُ إدْراكَ جِسْمٍ لا في مَكانٍ؛ وإنَّهُ مُحالٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ لَيْسَتْ قادِرِيَّتُهُ بِقُدْرَةٍ ولا عالَمِيَّتُهُ بِعِلْمٍ وإلّا لَكانَ هو في قادِرِيَّتِهِ مُحْتاجًا إلى قُدْرَةٍ هي غَيْرُهُ، وكُلُّ ما هو غَيْرُهُ فَهو مِنَ العالَمِ فَيَكُونُ مُحْتاجًا وهو غَنِيٌّ، نَقُولُ: لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ قُدْرَتَهُ مِنَ العالَمِ، وهَذا لِأنَّ العالَمَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ بِصِفاتِهِ أيْ: كُلُّ مَوْجُودٍ هو خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الإلَهِ الحَيِّ القادِرِ المُرِيدِ العالِمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ المُتَكَلِّمِ، والقُدْرَةُ لَيْسَتْ خارِجَةً عَنْ مَفْهُومِ القادِرِ، والعِلْمُ لَيْسَ خارِجًا عَنْ مَفْهُومِ العالِمِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ فِيها بِشارَةٌ وفِيها إنْذارٌ، أمّا الإنْذارُ فَلِأنَّ اللَّهَ إذا كانَ غَنِيًّا عَنِ العالَمِينَ فَلَوْ أهْلَكَ عِبادَهُ بِعَذابِهِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ لِغِناهُ عَنْهم، وهَذا يُوجِبُ الخَوْفَ العَظِيمَ، وأمّا البِشارَةُ فَلِأنَّهُ إذا كانَ غَنِيًّا، فَلَوْ أعْطى جَمِيعَ ما خَلَقَهُ لِعَبْدٍ مِن عِبادِهِ لا شَيْءَ عَلَيْهِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْهُ، وهَذا يُوجِبُ الرَّجاءَ التّامَّ.

29:7Page 397

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧

And those who believe and do righteous deeds - We will surely remove from them their misdeeds and will surely reward them according to the best of what they used to do.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

لَمّا بَيَّنَ إجْمالًا أنَّ مَن يَعْمَلُ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ بَيَّنَ مُفَصِّلًا بَعْضَ التَّفْصِيلِ أنَّ جَزاءَ المُطِيعِ الصّالِحِ عَمَلُهُ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ مُغايِرَةٌ لِلْإيمانِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ التَّغايُرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ داخِلَةٌ فِيما هو المَقْصُودُ مِنَ الإيمانِ؛ لِأنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ، والجَزاءَ بِالأحْسَنِ مُعَلَّقٌ عَلَيْها، وهي ثَمَرَةُ الإيمانِ، ومِثالُ هَذا شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ؛ لا شَكَّ في أنَّ عُرُوقَها وأغْصانَها مِنها، والماءُ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْها والتُّرابُ الَّذِي حَوالَيْها غَيْرُ داخِلٍ فِيها؛ لَكِنَّ الثَّمَرَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِذَلِكَ الماءِ والتُّرابِ الخارِجِ، فَكَذَلِكَ العَمَلُ الصّالِحُ مَعَ الإيمانِ، وأيْضًا الشَّجَرَةُ لَوِ احْتَفَّتْ بِها الحَشائِشُ المُفْسِدَةُ والأشْواكُ المُضِرَّةُ يَنْقُصُ ثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ وإنْ غَلَبَتْها عُدِمَتِ الثَّمَرَةُ بِالكُلِّيَّةِ وفَسَدَتْ فَكَذَلِكَ الذُّنُوبُ تَفْعَلُ بِالإيمانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الإيمانُ هو التَّصْدِيقُ كَما قالَ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ (يُوسُفَ: ١٧) أيْ بِمُصَدِّقٍ، واخْتُصَّ في اسْتِعْمالِ الشَّرْعِ بِالتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ ما قالَ اللَّهُ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، إنْ عُلِمَ مُفَصَّلًا أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ أوْ قَوْلُ الرَّسُولِ أوْ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فِيما لَمْ يُعْلَمْ، والعَمَلُ الصّالِحُ عِنْدَنا كُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ صارَ صالِحًا بِأمْرِهِ، ولَوْ نَهى عَنْهُ لَما كانَ صالِحًا فَلَيْسَ الصَّلاحُ والفَسادُ مِن لَوازِمَ الفِعْلِ في نَفْسِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الفِعْلِ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأمْرُ والنَّهْيُ، فالصِّدْقُ عَمَلٌ صالِحٌ في نَفْسِهِ ويَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ لِذَلِكَ، فَعِنْدَنا الصَّلاحُ والفَسادُ والحُسْنُ والقُبْحُ يَتَرَتَّبُ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ، وعِنْدَهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ يَتَرَتَّبُ عَلى الحُسْنِ والقُبْحِ، والمَسْألَةُ بِطُولِها في (كُتُبِ الأُصُولِ.

صفحة ٣١

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العَمَلُ الصّالِحُ باقٍ لِأنَّ الصّالِحَ في مُقابَلَةِ الفاسِدِ والفاسِدُ هو الهالِكُ التّالِفُ، يُقالُ فَسَدَتِ الزُّرُوعُ إذا هَلَكَتْ أوْ خَرَجَتْ عَنْ دَرَجَةِ الِانْتِفاعِ، ويُقالُ هي بَعْدُ صالِحَةٌ أيْ باقِيَةٌ عَلى ما يَنْبَغِي. إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ العَمَلُ الصّالِحُ لا يَبْقى بِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَرَضٌ، ولا يَبْقى بِالعامِلِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ هالِكٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ﴾ (القَصَصِ: ٨٨) فَبَقاؤُهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ باقٍ، لَكِنَّ الباقِيَ هو وجْهُ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ (القَصَصِ: ٨٨ ) فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ العَمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ حَتّى يَبْقى فَيَكُونَ صالِحًا، وما لا يَكُونُ لِوَجْهِهِ لا يَبْقى لا بِنَفْسِهِ ولا بِالعامِلِ ولا بِالمَعْمُولِ لَهُ فَلا يَكُونُ صالِحًا، فالعَمَلُ الصّالِحُ هو الَّذِي أتى بِهِ المُكَلَّفُ مُخْلِصًا لِلَّهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا في الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ، وهي قَصْدُ الإيقاعِ لِلَّهِ، ويَنْدَرِجُ فِيها النِّيَّةُ في الصَّوْمِ خِلافًا لِزُفَرَ، وفي الوُضُوءِ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: العَمَلُ الصّالِحُ مَرْفُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠ ) لَكِنَّهُ لا يَرْتَفِعُ إلّا بِالكَلِمِ الطَّيِّبِ فَإنَّهُ يَصْعَدُ بِنَفْسِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠ ) وهو يَرْفَعُ العَمَلَ، فالعَمَلُ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِ لا يُقْبَلُ، ولِهَذا قَدَّمَ الإيمانَ عَلى العَمَلِ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ أعْمالَ المُكَلَّفِ ثَلاثَةٌ: عَمَلُ قَلْبِهِ وهو فِكْرُهُ واعْتِقادُهُ وتَصْدِيقُهُ، وعَمَلُ لِسانِهِ وهو ذِكْرُهُ وشَهادَتُهُ، وعَمَلُ جَوارِحِهِ وهو طاعَتُهُ وعِبادَتُهُ.

فالعِبادَةُ البَدَنِيَّةُ لا تَرْتَفِعُ بِنَفْسِها وإنَّما تَرْتَفِعُ بِغَيْرِها، والقَوْلُ الصّادِقُ يَرْتَفِعُ بِنَفْسِهِ كَما بَيَّنَ في الآيَةِ، وعَمَلُ القَلْبِ وهو الفِكْرُ يَنْزِلُ إلَيْهِ كَما قالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«إنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ويَقُولُ هَلْ مِن تائِبٍ» “ والتّائِبُ النّادِمُ بِقَلْبِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم» “ يَعْنِي بِالفِكْرَةِ في عَجْزِهِ وقُدْرَتِي، وحَقارَتِهِ وعَظَمَتِي، ومِن حَيْثُ العَقْلُ مَن تَفَكَّرَ في آلاءِ اللَّهِ وجَدَ اللَّهَ، وحَضَرَ ذِهْنُهُ فَعَلِمَ أنَّ لِعَمَلِ القَلْبِ يَأْتِي اللَّهَ، وعَمَلُ اللِّسانِ يَذْهَبُ إلى اللَّهِ وعَمَلُ الأعْضاءِ يُوَصِّلُ إلى اللَّهِ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ عَمَلِ القَلْبِ.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ مِن أعْمالِ العَبْدِ نَوْعَيْنِ: الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، وذَكَرَ في مُقابَلَتِهِما مِن أفْعالِ اللَّهِ أمْرَيْنِ تَكْفِيرَ السَّيِّئاتِ والجَزاءَ بِالأحْسَنِ حَيْثُ قالَ: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ﴾ فَتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ في مُقابَلَةِ الإيمانِ، والجَزاءُ بِالأحْسَنِ في مُقابَلَةِ العَمَلِ الصّالِحِ، وهَذا يَقْتَضِي أُمُورًا:

الأوَّلُ: المُؤْمِنُ لا يُخَلَّدُ في النّارِ؛ لِأنَّ بِإيمانِهِ تُكَفَّرُ سَيِّئاتُهُ فَلا يُخَلَّدُ في العَذابِ.

الثّانِي: الجَزاءُ الأحْسَنُ المَذْكُورُ هَهُنا غَيْرُ الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ بِإيمانِهِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ إذْ تُكَفَّرُ سَيِّئاتُهُ، ومَن كُفِّرَتْ سَيِّئاتُهُ أُدْخِلَ الجَنَّةَ، فالجَزاءُ الأحْسَنُ يَكُونُ غَيْرَ الجَنَّةِ، وهو ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هو الرُّؤْيَةَ.

الأمْرُ الثّالِثُ: هو أنَّ الإيمانَ يَسْتُرُ قُبْحَ الذُّنُوبِ في الدُّنْيا، فَيَسْتُرُ اللَّهُ عُيُوبَهُ في الأُخْرى، والعَمَلَ الصّالِحَ يُحَسِّنُ حالَ الصّالِحِ في الدُّنْيا فَيَجْزِيهِ اللَّهُ الجَزاءَ الأحْسَنَ في العُقْبى، فالإيمانُ إذَنْ لا يُبْطِلُهُ العِصْيانُ بَلْ هو يَغْلِبُ المَعاصِي ويَسْتُرُها ويَحْمِلُ صاحِبَها عَلى النَّدَمِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ يَسْتَدْعِي وُجُودَ السَّيِّئاتِ حَتّى تُكَفَّرَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بِأسْرِها مِن أيْنَ يَكُونُ لَهم سَيِّئَةٌ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ وعْدَ

صفحة ٣٢

الجَمِيعِ بِأشْياءَ لا يَسْتَدْعِي وعْدَ كُلِّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأشْياءِ، مِثالُهُ: إذا قالَ المَلِكُ لِأهْلِ بَلَدٍ: إذا أطَعْتُمُونِي أُكْرِمْ آباءَكم، وأحْتَرِمْ أبْناءَكم، وأُنْعِمْ عَلَيْكم، وأُحْسِنْ إلَيْكم، لا يَقْتَضِي هَذا أنَّهُ يُكْرِمُ آباءَ مَن تُوُفِّيَ أبُوهُ، أوْ يَحْتَرِمُ ابْنَ مَن لَمْ يُولَدْ لَهُ ولَدٌ، بَلْ مَفْهُومُهُ أنَّهُ يُكْرِمُ أبَ مَن لَهُ أبٌ، ويَحْتَرِمُ ابْنَ مَن لَهُ ابْنٌ، فَكَذَلِكَ يُكَفِّرُ سَيِّئَةَ مَن لَهُ سَيِّئَةٌ.

الجَوابُ الثّانِي: ما مِن مُكَلِّفٍ إلّا ولَهُ سَيِّئَةٌ، أمّا غَيْرُ الأنْبِياءِ فَظاهِرٌ، وأمّا الأنْبِياءُ فَلِأنَّ تَرْكَ الأفْضَلِ مِنهم كالسَّيِّئَةِ مِن غَيْرِهِمْ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ (التَّوْبَةِ: ٤٣ ) .

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: لَنَجْزِيَنَّهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ.

وثانِيهِما: لَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ مِن أعْمالِهِمْ.

وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَعْناهُ نُقَدِّرُ أعْمالَهم أحْسَنَ ما تَكُونُ ونَجْزِيهِمْ عَلَيْها لا أنَّهُ يُخْتارُ مِنها أحْسَنَها ويَجْزِي عَلَيْهِ ويَتْرُكُ الباقِي، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: مَعْناهُ قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ (الأنْعامِ: ١٦٠ ) وقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ .

المَسْألَةُ العاشِرَةُ: ذَكَرَ حالَ المُسِيءِ مُجْمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ إشارَةً إلى التَّعْذِيبِ مُجْمَلًا.

وذَكَرَ حالَ المُحْسِنِ مُجْمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ومُفَصَّلًا بِهَذِهِ الآيَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ رَحْمَتَهُ أتَمُّ مِن غَضَبِهِ وفَضْلَهُ أعَمُّ مِن عَدْلِهِ.

29:8Page 397

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

الأُولى: ما وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ؟ نَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ حُسْنَ التَّكالِيفِ ووُقُوعِها، وبَيَّنَ ثَوابَ مَن حَقَّقَ التَّكالِيفَ أُصُولَها وفُرُوعَها تَحْرِيضًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى الطّاعَةِ، ذَكَرَ المانِعَ، ومَنَعَهُ مِن أنْ يَخْتارَ اتِّباعَهُ، فَقالَ: الإنْسانُ إنِ انْقادَ لِأحَدٍ يَنْبَغِي أنْ يَنْقادَ لِأبَوَيْهِ، ومَعَ هَذا لَوْ أمَراهُ بِالمَعْصِيَةِ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُما فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِما، فَلا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم شَيْءٌ مِن طاعَةِ اللَّهِ ولا يَتَّبِعَنَّ أحَدٌ مَن يَأْمُرُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في القِراءَةِ قُرِئَ حُسْنًا وإحْسانًا، وحُسْنًا أظْهَرُ هَهُنا، ومَن قَرَأ إحْسانًا فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ (الإسْراءِ: ٢٣) والتَّفْسِيرُ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى وصّى الإنْسانَ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَ والِدَيْهِ حُسْنَ التَّأبِّي بِالفِعْلِ والقَوْلِ، ونُكِّرَ حُسْنًا لِيَدُلَّ عَلى الكَمالِ، كَما يُقالُ إنَّ لِزَيْدٍ مالًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُتابَعَتَهم في الكُفْرِ لا يَجُوزُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ بِالوالِدَيْنِ وجَبَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ تَرَكَ العَبْدُ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِ الوالِدَيْنِ لَتَرَكَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَنْقادُ لِما وصّاهُ بِهِ فَلا يُحْسِنُ إلى الوالِدَيْنِ، فاتِّباعُ العَبْدِ أبَوَيْهِ لِأجْلِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ يُفْضِي إلى تَرْكِ الإحْسانِ إلَيْهِما، وما يُفْضِي وُجُودُهُ إلى عَدَمِهِ باطِلٌ فالِاتِّباعُ باطِلٌ، وأمّا إذا امْتَنَعَ مِنَ الشِّرْكِ بَقِيَ عَلى الطّاعَةِ، والإحْسانُ إلَيْهِما مِنَ الطّاعَةِ فَيَأْتِي بِهِ فَتَرْكُ هَذا الإحْسانِ صُورَةً يُفْضِي إلى الإحْسانِ حَقِيقَةً.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الإحْسانُ بِالوالِدَيْنِ مَأْمُورٌ بِهِ، لِأنَّهُما سَبَبُ وُجُودِ الوَلَدِ بِالوِلادَةِ، وسَبَبُ بَقائِهِ بِالتَّرْبِيَةِ

صفحة ٣٣

المُعْتادَةِ فَهُما سَبَبٌ مَجازًا، واللَّهُ تَعالى سَبَبٌ لَهُ في الحَقِيقَةِ بِالإرادَةِ، وسَبَبُ بَقائِهِ بِالإعادَةِ لِلسَّعادَةِ، فَهو أوْلى بِأنْ يُحْسِنَ العَبْدُ حالَهُ مَعَهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعْنِي التَّقْلِيدَ في الإيمانِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَضْلًا عَنِ التَّقْلِيدِ في الكُفْرِ، فَإذا امْتَنَعَ الإنْسانُ مِنَ التَّقْلِيدِ فِيهِ ولا يُطِيعُ بِغَيْرِ العِلْمِ لا يُطِيعُهُما أصْلًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِصِحَّةِ قَوْلِهِما مُحالُ الحُصُولِ، فَإذا لَمْ يُشْرِكْ تَقْلِيدًا ويَسْتَحِيلُ الشِّرْكُ مَعَ العِلْمِ، فالشِّرْكُ لا يَحْصُلُ مِنهُ قَطُّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: عاقِبَتُكم ومَآلُكم إلَيَّ، وإنْ كانَ اليَوْمَ مُخالَطَتُكم ومُجالَسَتُكم مَعَ الآباءِ والأوْلادِ والأقارِبِ والعَشائِرِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّ مُجالَسَتَهُ مَعَ واحِدٍ خالِيَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، وحُضُورَهُ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، لا يَتْرُكُ مَرْضِيَ مَن تَدُومُ مَعَهُ صُحْبَتُهُ لِرِضا مَن يَتْرُكُهُ في زَمانٍ آخَرَ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: لا تَظُنُّوا أنِّي غائِبٌ عَنْكم وآباؤُكم حاضِرُونَ فَتُوافِقُونَ الحاضِرِينَ في الحالِ اعْتِمادًا عَلى غَيْبَتِي وعَدَمِ عِلْمِي بِمُخالَفَتِكم إيّايَ؛ فَإنِّي حاضِرٌ مَعَكم أعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ولا أنْسى فَأُنَبِّئُكم بِجَمِيعِهِ.

29:9Page 397

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩

And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مَرَّةً أُخْرى ؟ نَقُولُ: اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِنَ المُكَلَّفِينَ قَسَمَيْنِ مُهْتَدِيًا وضالًّا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٣ ) وذَكَرَ حالَ الضّالِّ مُجْمَلًا وحالَ المُهْتَدِي مُفَصَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ولَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ ذَكَرَ قِسْمَيْنِ آخَرَيْنِ هادِيًا ومُضِلًّا فَقَوْلُهُ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَهْتَدِيَ بِهِما وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ﴾ بَيانُ إضْلالِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ بِطَرِيقِ الإجْمالِ تَهْدِيدُ المُضِلِّ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وعَدَ الهادِي فَذَكَرَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مَرَّةً لِبَيانِ حالِ المُهْتَدِي، ومَرَّةً أُخْرى لِبَيانِ حالِ الهادِي، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هو أنَّهُ قالَ أوَّلًا: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾، وقالَ ثانِيًا: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ والصّالِحُونَ هُمُ الهُداةُ لِأنَّهُ مَرْتَبَةُ الأنْبِياءِ، ولِهَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ٨٣) .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصّالِحَ باقٍ والصّالِحُونَ باقُونَ وبَقاؤُهم لَيْسَ بِأنْفُسِهِمْ، بَلْ بِأعْمالِهِمُ الباقِيَةِ فَأعْمالُهم باقِيَةٌ، والمَعْمُولُ لَهُ وهو وجْهُ اللَّهِ باقٍ، والعامِلُونَ باقُونَ بِبَقاءِ أعْمالِهِمْ، وهَذا عَلى خِلافِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّ في الدُّنْيا بَقاءَ الفِعْلِ بِالفاعِلِ، وفي الآخِرَةِ بَقاءَ الفاعِلِ بِالفِعْلِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ لَنُدْخِلَنَّهم في مَقامِ الصّالِحِينَ أوْ في دارِ الصّالِحِينَ، والأوْلى أنْ يُقالَ: لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ؛ بَلْ يُدْخِلُهم في الصّالِحِينَ أيْ يَجْعَلُهم مِنهم ويُدْخِلُهم في عِدادِهِمْ كَما يُقالُ الفَقِيهُ داخِلٌ في العُلَماءِ.

صفحة ٣٤

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الحُكَماءُ: عالَمُ العَناصِرِ عالَمُ الكَوْنِ والفَسادِ، وما فِيهِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الفَسادُ، فَإنَّ الماءَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ماءً، ويَفْسُدُ ويَتَكَوَّنُ مِنهُ هَواءٌ، وعالَمُ السَّماواتِ لا كَوْنَ فِيهِ ولا فَسادَ بَلْ يُوجَدُ مِن عَدَمٍ، ولا يَعْدَمُ ولا يَصِيرُ المَلَكُ تُرابًا بِخِلافِ الإنْسانِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ تُرابًا أوْ شَيْئًا آخَرَ، وعَلى هَذا فالعالَمُ العُلْوِيُّ لَيْسَ بِفاسِدٍ فَهو صالِحٌ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ في المُجَرَّدِينَ الَّذِينَ لا فَسادَ لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском